الفصل 4 | من 29 فصل

رواية زواج بالاكراه الفصل الرابع 4 - بقلم ملك مصطفي

المشاهدات
20
كلمة
5,315
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

فاطمة بقلق: –في إيه يا يونس مزعل بنت خالتك ليه، وإنتوا اتقابلتوا إزاي؟ ريتال بصدمة: –بنت خالة؟ يعني الكائن ده يبقى ابن عمتي، لالا أكيد بتهزروا! يونس بغضب: –إيه كائن دي، ما تتكلمي عدل يا بت. ريتال بغضب شديد وهي تنقض عليه وتمسكه من تلابيب قميصه: –بت في عينك قليل الأدب. والدة ريتال وهي تجذبها: –ريتال! والدة يونس بتوتر من تلك المشاحنة وهي تسحبه بعيداً: –إيه يا جماعة، أكيد سوء تفاهم. والدة ريتال بغضب شديد:

–إنتي اتفدتي من الكلية. ريتال بغيظ وغضب وهي تعقد ساعديها: –آه يا ماما، والحيوان ده اللي رفدني. والدة ريتال بحدة: –ده إنتي ليلتك زرقا، لينا مكان يلمنا وتفهمني كل حاجة، اتصلي بالحيوانة أختك. ريتال بضيق: –بعتتلي إنها هتبات في العيادة وقفلت موبايلها. والدة ريتال بغيظ: –المجرمة، والله لما أرجع لها لأخليها تشوف أيام، إنتوا الاتنين محتاجين تتربوا من أول جديد. عند محمود. سيليا بهمس وهي تميل على أذن أبيها: –بابي مين دول؟

محمود بهمس هو الآخر: –الولد ده اسمه يونس ابن عمتك، والبنت دي اسمها ريتال وعندها أخت اسمها مليكة، بنات عمك عبد العال الله يرحمه. سيليا بتساؤل: –أيوه أنا فاكرة البنتين دول من ساعة ما رحنا العزا بتاع عمو محمد، بس فين مليكة؟ محمود: –مش عارف، شكلها ما جتش. سيليا بغيظ: –ما هو فيه ناس ما جتش أهي، إشمعنى جبتني أنا؟

نظر لها بحدة فصمتت بغيظ وابتلعت كلامها وعقدت ساعديها تراقب الجميع. كانوا مشغولين بالحديث سويًا، ومنهم من يمسك الهاتف، ومنهم من يراقب الأجواء بضيق. عدا شخص واحد كان يمسك بعض الأوراق ويرتدي بنطال رمادي وفوقه قميص ناصع البياض، ويحرر أول ثلاث أزرار منه ليظهر صدره العضلي. كان واضح أنه مشغول للغاية، فهو يقرأ الورق بتمعن، وعلى فخذيه يضع حاسوبه. لا تعلم لما أعجبتها تلك الحركة التي يقوم بها من وقت لآخر، فهو كل فترة يمرر يده

بين خصلات شعره الغزيرة. باغتها وهو يرفع نظره لها فجأة، فتوسعت حدقتاها بخوف وخجل، وكادت أن تدير وجهها، إلا أنه سارعها بالابتسام لها، فظهرت أسنانه اللؤلؤية مع ذلك الجوف الصغير بوجنته اليسرى لتزيد من جاذبية ابتسامته. كانت تود أن تبتسم له هي الأخرى، ولكنه باعد عينيه بسرعة ليعيد نظره للأوراق بيده.

سيليا بضيق: –قليل الذوق. محمود بعدم فهم: –بتقولي حاجة يا حبيبتي؟ سيليا بتوتر: –لا يا بابا، هو باباك هينزل إمتى؟ محمود وهو يشعر بارتجاف قلبه: –مش عارف والله، هو مستنينا نكمل كلنا، بس مليكة ما جتش. إحدى المساعدات بالمنزل وهي تقترب منهم: –الحج عايز صقر بيه فوق. نظر الجميع حولهم يبحثون عن ذاك المدعو صقر، فتفاجأوا برجل طويل القامة له هيبة يقف ويسير بخطوات واثقة هادئة نحو الدرج. ريتال بهمس: –مين المرعب ده؟ والدة

ريتال وهي تقرصها في فخذها: –اتلمي. فاطمة بضحك: –ده يبقى ولد عمتك يا حبيبتي، هو يبان غامض أكده لكن جلبه زي البفتة البيضا، اسم الله عليه، حبيب جدته. ريتال ببلاهة: –عمتي جابت كل ده لوحدها؟ انفجر الجميع ضاحكاً وهم ينظرون لها، عدا يونس الذي كتم ضحكاته بصعوبة ورمقها بنظرة حانقة. عمتها بضحك: –يخرب عقلك يا ريتال، فيكي من خفة دم أبوكي الله يرحمه، جبته لوحدي آه. ريتال بضحك: –لا الله يقويكي بصراحة. في الأعلى.

دلف صقر بشموخه وهيبته واقترب من الفراش الجالس عليه جده متصنع المرض. صقر بصوت رخيم: –ألف سلامة عليك يا جدي. عبد التواب بنبرة لاهثة مصطنعة: –توك افتكرت إن ليك جد، إنت عارف ما جتش الدار بقالك قد إيه إنت والاندال اللي تحت، ما فيش غير بدور أختك الأصيلة اللي ما قعدتش من جمبي ويامن ولد خالتك. صقر بلامبالاة: –إنت عارف الشغل بتاعي نظامه ماشي إزاي. عبد التواب: –لينا كلام بعدين، كلهم تحت. صقر بنبرة عملية: –كلهم تحت آه.

عبد التواب بإستغراب: –أومال بيقولوا مليكة ما جتش ليه؟ صقر: –من عيال عمي عبد العال ما جاش غير بنت واحدة اسمها ريتال. عبد التواب بحزن: –أنا عارفها، دماغها جزما زي أبوها الله يرحمه، بقولك إيه. صقر بهدوء: –قول؟ عبد التواب بإصرار: –روح هاتها، حتى لو هتجيبها على كتفك كده في خلال ساعتين البنت دي تبقى هنا وسط أهلها.

لم يعطه ردًا سوى إيماءة بسيطة، ثم خرج ليهبط الدرج ويتجه إلى ريتال التي ارتعبت من وقفته أمامها، فهو فجأة حجب عنها الرؤية. صقر بهدوء: –مليكة فين؟ ريتال بإستغراب وهي تقف قبالته: –في عيادتها. صقر: –وريني صورة ليها كده. والدة ريتال وهي تقف بتوجس: –فيه حاجة يا ابني ولا إيه؟ صقر: –هروح أجيبها عشان ما تجيش لوحدها في نص الليل. ريتال بتحدي: –بس هي مش عايزة تيجي. والدة ريتال بسرعة وهي تدفعها بجسدها لتسقط على الأريكة:

–أيوه روح هاتها، بص خد ده موبايلي، الصورة اللي برة دي صورتها وهتلاقي رقمها متسجل عندي. أومأ لها وهو يتمعن بصورتها التي على خلفية الهاتف، كانت تضحك كالاطفال وهي مرتدية ملابسها الطبية وتحتضن شقيقتها. كان يتأمل تفاصيلها كمن يحفظ فريسته. والدة ريتال: –يلا يا ابني قبل ما الوقت يتأخر أكتر من كده وتقفل العيادة، وساعتها مش هتعرف توصله. تحرك صقر للخارج تحت أنظار الجميع، فزفرت هي بارتياح وعادت لتجلس بجانب ابنتها. ريتال بضيق:

–يعني تبعتيلها ده ياخدها؟ ده مش بعيد يموتها من الرعب، ده ما بيبتسمش يا ماما. عمتها بحزن: –معلش يا حبيبتي، هو والله طيب أوي، ده ابني وأنا عرفاه، بس هو حصلت له شوية مشاكل كده خلته صعب شوية. ريتال بفضول وهي تلتصق بعمتها: –حصله إيه؟ ها؟ حصل إيه؟ قوليلي. يونس بحدة وهو يقف: –خالتي! مينفعش تحكي أسرار صقر لحد. ريتال وهي تقف وتضع كفيها في خاصرتها: –أنا مش حد يا حبيبي، أنا بنت خالة. فاطمة بيأس وهي تقف وتسحب ريتال للمطبخ:

–تعالي يا ريتال يا حبيبتي نعمل شاي، وإنتي كمان يا سيليا تعالوا يا حبايبي. بدور بضيق طفولي: –طب وأنا؟ فاطمة بضحك وهي تسحبها: –تعالي يا غلبي تعالي. كان يامن يراقب آسيا التي نظرت للموقف بحزن لعدم مناداتها، فذهب ليجلس بجانبها. يامن بغضب مصطنع: –قومي اعمليلي شاي. آسيا بعدم فهم: –ها؟ يامن بضحك لبلاهتها: –عايز شاي بقولك. آسيا بغيظ: –ما تروح تقولهم، هو أنا الخدامة بتاعتك؟ يامن بنظرات حزينة بريئة:

–أنا عايز أجرب الشاي الغربي عشان شكله طعم أوي وحلو أوي وسكر أوي أوي أوي. آسيا وهي ترفع حاجبها باستنكار: –هو إيه ده؟ يامن بابتسامة مشاكسة: –الشاي طبعًا، دماغك راحت فين. آسيا بضحك: –لا والله. يامن: –آه والله، تعالي أوصلك للمطبخ تعملي لنا كوبايتين شاي من إيدك الحلوة دي، وهوديكي مكاني السري. آسيا بحماس طفولي لم تستطع أن تخفيه: –إنت عندك مكان سري؟ يامن وهو يحرك كفه: –يووه كتير، بس فيه مكان بحبه أوي وبيريحني كده.

آسيا بحماس: –طب ما توديني دلوقتي. يامن وهو يقف ويسحبها من كفها لتقف: –لما تعملي لنا شاي الأول، تعالي أوديكي المطبخ. آسيا وهي تحاول التوقف وسحب كفها: –استنى يا آآ استنى هقع. *** عند والدة يامن. والدة يامن بهمس وسعادة: –شفت بنت خالتك حبت يامن إزاي واتأقلموا على بعض بسرعة، عقبال ما نبقا كلنا كده مع بعض ونرجع عيلة واحدة. يونس بسخرية: –ابنك بيشقط البت يا ماما، إنتِ بتقولي إيه؟ والدته بتحذير وهي تضربه على كتفه:

–اتلم يا ولد، يامن ده ما فيش في أخلاقه وخفة دمه وطيبة قلبه. يونس مكملاً: –وما فيش في فشله وقعدته في البيت بردو. والدته بغيظ: –ما إنت لو أخ عدل تشغله معاك. يونس بسخرية: –وإيه أخده يشتغل معايا إيه في الجامعة إن شاء الله، يمسح حمامات؟ والدته بغيظ: –اصبر عليا أنا هربيك، وكمان بترفض بنت خالتك يا أهطل. يونس بابتسامة تشفي: –أيوه، ده أنا هربيها من أول وجديد. والدته:

–والله ما حد عايز يتربى غيرك يا قليل الأدب، ده جدك لما يعرف هينفخك. *** في العيادة. كانت تتحدث في الهاتف مع مريضتها. مليكة بسعادة: –مش قولتلك يا حبيبتي إن ربنا هيجيب لك حقك، أهو اتقبض عليه زي الكلب أهو، وأنا مش هسكت غير لما ياخد الحكم اللي يستحقه، أنا حولت لك إنتي وماما مبلغ وكل أسبوع إن شاء الله هحول لك زيه. مهدي ببكاء مختلط بالفرح: –أنا مش عارفة أقولك إيه يا دكتورة، ربنا يخليكي ليا، أحسن حاجة إن الموضوع خلص بسرعة.

مليكة بابتسامة: –ويخليكي ليا يا حبيبتي، أي حاجة تعوزيها أنا موجودة، متتردديش أبدًا إنك تكلميني، وعايزاكي تركزي في دراستك كده عشان مستنياكي تشتغلي معايا في العيادة. انتهت المكالمة ببعض الدعوات الحميمية، فتنهدت مليكة وهي تنظر لحقيبتها لترى عملة معدنية واحدة فقط، ضحكت بقوة ثم وضعتها فوق المكتب. مليكة بابتسامة: –فداكي يا ست هدى كل فلوسي، ربنا يرزقني ويرزقكم يا رب.

وقفت وذهبت للخزانة الصغيرة في مكتبها لتخرج منامة مريحة لترتديها، فهي دائمًا ما تضع ملابس في تلك الخزانة تحسبًا لأي ظرف، ولكن قبل أن تبدل ملابسها خرجت لترى مساعدتها تجلس فوق مكتبها وتعمل. مليكة بيأس: –هو أنا مش قولتلك روحي؟ الساعة بقت 11، هتروحي إزاي دلوقتي وإنتي ساكنة في حتة مقطوعة؟ المساعدة بخجل: –ما حسن تحت مستنيني عشان يوصلني. مليكة بمشاكسة وهي تغمز لها: –الله يسهلوا يا عم، اطلع من الحمام ملقيكيش هنا، كفاية شغل.

المساعدة وهي تقف بتوتر وتفرك كفيها: –دكتورة أنا كان عندي طلب. مليكة بتساؤل وهي تقترب منها: –اطلبي طبعًا. المساعدة بخجل شديد وهي تخفض بصرها: –أنا كنت محتاجة سلفة عشان أكمل جهازي. مليكة بهدوء: –هو فيه كام في الخزنة؟ المساعدة: –20 ألف جنيه. مليكة بابتسامة: –طب خدي 10 وسيبي الباقي عشان أقبض زمايلك، وأنا وعد مني هجيب لك 10 كمان آخر الشهر. المساعدة بحماس وسعادة وهي تحتضنها بقوة:

–ربنا يجازيكي خير ويخليكي لينا، وآآ بس إنتي كده مش هتقبضي؟ مليكة بابتسامة كاذبة: –لالا هقبض. المساعدة وهي تحسبها: –كده نورهان هتاخد الألفين جنيه بتوعها وسميرة اتنين بردو وآآ. مليكة مقاطعة لها: –ما تحسبيهاش ويلا قفلي شغلك عشان تمشي. دلفت المرحاض لتغسل يديها ووجهها، ثم عادت لمكتبها وخلعت بنطالها ومعطفها وبقيت بنصفها العلوي فقط. بدأت تحل أزرار قميصها وهي تنظر لصورة والدها المعلقة. مليكة بابتسامة:

–الله يرحمك يا حبيبي، مش هنسى أبدًا إنك وقفت جنبي وكنت مصدق إني هبقى دكتورة، وجبت لي العيادة دي من وأنا في ثانوي ساعة ما كنت واخد القرض، يا رب كل خير بعمله يتحسب لك في ميزان حسناتك يا حبيبي، وحشتني أوي. تنهدت تنهيدة حارة لتكتم دموعها، ثم خلعت القميص وألقته أرضًا لتلتقط بنطالها القطني لتبدأ في ارتدائه، ولكن تفاجأت بمن يقتحم الغرفة عليها. المساعدة وهي تلحق به: –يا أستاذ مينفعش كده!

توسعت حدقتاها لبرهة، ثم صرخت بقوة وهي تختبئ خلف المكتب لتجلس على ركبتيها كي يظهر لهم رأسها فقط. مليكة بحدة: –إنت مين أذن لك تدخل كده بالهمجية بتاعتك دي؟ صقر ببرود: –أنا ما كانش قصدي. المساعدة وقد تجمعت دموعها بعينيها من كثرة الإحراج لربة عملها: –أنا آسفة يا دكتورة مليكة، حاولت أمنعه والله بس هو زقني ودخل. مليكة وقد تورّد جميع وجهها: –اطلع بره.

اكتفى بإدارة ظهره لها، فتحركت زحفًا على كفيها وركبتيها لتجلب ملابسها وترتديها بسرعة. مليكة بحدة وهي تهندم شعرها: –إنت مين يا همجي إنت، إزاي تدخل كده على بنت في نص الليل؟ صقر بصوت قاتم: –أنا ابن عمتك صقر. مليكة بذهول وهي تقترب منه: –ابن عمتي أنا؟ المساعدة بشجاعة مصطنعة: –وإحنا إيش ضمنا، ما ممكن جاي يخطفنا. مليكة بشجاعة مصطنعة أيضًا وهي تقف بجانب مساعدتها: –أيوه صح، إيه اللي يعرفنا إن إنت ابن عمتي؟ المساعدة بذكاء:

–ورينا بطاقتك، لو طلع اسم عيلتك زي اسم عيلتها يبقى كده اتأكدنا. مليكة بهمس وهي تلكزها: –إنتي غبية، بيقول ابن عمتي يعني باباه مش قريبنا أساسًا عشان أشوف اسمه زي اسمي، اسكتي إنتي. صقر ببرود وهو يخرج هاتفًا من جيبه: –مش ده موبايل مامتك؟ مليكة بذهول وهي تلتقطه: –أيوه! إنت خطفتها وسرقت موبايلها؟ صقر بنفاد صبر: –هو إنتي غبية ليه؟ مليكة بغضب: –احترم نفسك.

نظر لها بحدة وكاد أن يرد عليها، ولكن قاطعهم صوت رنين هاتف المساعدة لتجيب. المساعدة: –طيب طيب نازلة أهو، معلش يا دكتورة أنا هنزل بقى لأحسن حسن واقف تحت بقاله ساعتين ونشف من الساقعة. مليكة بتفهم: –ماشي، أخدتي الحاجة اللي قولتلك عليها؟ المساعدة: –أيوه. مليكة: –ماشي، يلا اتكلي على الله. المساعدة وهي تنظر لصقر بخوف: –أسيبك يعني؟ أمان؟ مليكة بشجاعة زائفة: –متقلقيش، محدش يقدر يعملي حاجة.

ودعتها الفتاة وغادرت، فتجاهلته مليكة وتصنعت اللامبالاة وهي تجلس على طاولة المكتب وتتأمله بخوف يغلفه البرود. صقر: –يلا عشان هنروح لهم. مليكة بتحدي: –وأنا قولت مش عايزة أروح في حتة، هو بالعافية؟ أكيد هو اللي بعتك. صقر: –هو مين؟ مليكة بسخرية: –عبد التواب، أنا مش فاهمة هو ليه مش عايز يفهم إني مش عايزة أروح له، مش بالإجبار هو. صقر بهدوء: –أنا كل اللي اتقالي إني أجيبك، اتفضلي يلا قدامي. مليكة وهي تثني قدميها

أمامها وتحتضن ركبتيها: –وأنا قولت لا، مش متحركة من هنا. رأته يتنهد بهدوء ويخرج، فزفرت بارتياح، ولكن تفاجأت به يعود وهو يحمل مفاتيح العيادة، وقبل أن تسأله عن شيء كان قد حملها على كتفه كالشوال المقلوب. مليكة بصراخ وهي تحرك قدميها في الهواء: –نزلني يا حيوان، الحقوني بتخطف الحقوني! لم يبال بصراخها أو ركلاتها، واكتفى بإغلاق باب العيادة بإحكام، ثم هبط بها الدرج وسط صراخها. مليكة وهي ترى حارس البناية يقف ويؤدي تحية عسكرية:

–الحقني يا عم إبراهيم ده بيخطفني. إبراهيم باحترام: –تحت أمرك يا معالي الباشا. مليكة بغيظ وهي تبصق عليه: –آه يا واطي. ألقاها بالسيارة، فتأوهت بألم وظلت تسبه بسباب لاذع، وما إن حاولت أن تفتح باب السيارة وتهرب حتى رأته ينطلق بها. صقر بهدوء وهو يلقي بحجرها الهاتف الخاص بها: –خدي كلمي مامتك اطمني. مليكة وهي تخرج رقم شقيقتها من الهاتف: –أنا هوريك إزاي تعمل كده فيا، وكمان بتشيل موبايلي معاك بأي وجه حق. صقر بلامبالاة

وهو ينظر للطريق أمامه: –أنا غلطان، كان زماني سيبته هناك هو وشنطتك. نظرت بالأريكة الخلفية وجدت حقيبتها، فزفرت بوجوم وهاتفت شقيقتها لتسمع صوت والدتها وهي تجيب. مليكة بحدة: –بقا كده يا ماما تبعتيلي واحد يخطفني؟ والدتها بضحك: –واحد يخطفك إيه يا بت الهبلة، ده ابن عمتك. مليكة بضيق وهي ترمقه بنظرة حادة: –مش مبرر بردو، هو أنا مش قولت للزفتة ريتال إني مش جاية، هي ما قالت لكش؟ والدتها: –هو جدك عايزك، أعمل إيه أنا؟

مليكة بسخرية: –وده من إمتى إن شاء الله افتكر إن له أحفاد، اقفلي يا ماما، هي مش ناقصة. أغلقت مع والدتها ونظرت للطريق أمامها، فاستمعت لرنين هاتفها وتفاجأت بخطيبها. مليكة بذعر وهي تنظر للوقت: –الو يا محمد، فيه مصيبة ولا إيه؟ رمقها بنظرة جانبية وحرك رأسه على كلا الجانبين لتصدر فرقعة بسيطة جعلتها ترمقه بانزعاج. محمد بصوت رخيم: –لا، أنا قولت أطمن بس، أصل المساعدة بتاعتك كلمتني، حكتلي اللي حصل وأنا جيت لقيت العيادة مقفولة.

مليكة بضيق: –أيوه ما أنا مسافرة دلوقتي معاه، رايحين عند جدك. محمد بحنق: –وإيه ما قولتيليش ليه يا هانم؟ مليكة: –جات فجأة. محمد بغضب: –لا والله، السفر بييجي فجأة من إمتى؟ مليكة بإنفعال: –إنت بتعلي صوتك ليه إن شاء الله؟ قولت جات فجأة، أكيد لو عارفة إني مسافرة كنت بلغتُك قبلها، وبعدين تعالي هنا، ما إنت معاك فلوس أهو. محمد بعدم فهم: –تقصدي إيه؟ مليكة بسخرية:

–أنا شفت مامتك وهي منزلة بوست على المحل الجديد اللي جبتهولها، بقا قادر تفتح محل وتجيب بضاعة ومش قادر تجهز شقة نتجوز فيها، أنا شكلي هعيد حساباتي في علاقتي. محمد بتوتر: –مليكة إنتي عارفة إني بحبك وعايز أتوزجك النهاردة قبل بكرة، بس أمي كان نفسها في المحل ده من زمان وأنا خلاص قربت أجمع فلوس الشقة والعفش وكل حاجة، وبعدين ما إنتي اللي مش عايزة تتجوزي في شقة إيجار مفروش زي كل الناس. مليكة بغضب:

–لا مش هتجوز في شقة إيجار، يا محمد أنا من حقي أضمن مستقبلي. محمد: –خلاص يبقى تصبر عليا. مليكة بضيق: –ماشي يا محمد، سلام.

لم تنتظر رده وأغلقت بوجهه وهي تزفر بعنف من قلة الاهتمام هذه. هي تنتظره منذ ثماني سنوات، لقد تحدت أهلها من أجله. هي لا تحبه وتعترف بهذا، ولكنها ترى به الشخص الهادئ بارد الأعصاب الذي لا يحاسبها باستمرار. تحب علاقتهم الهادئة التي ليست مشحونة بعاصفة الحب. ابتسمت بسخرية على ذكر الحب، فهو لا يهاتفها إلا في الضرورة القصوى ولا يأتي لزيارتها حتى. هي دائمًا تظن أنها لا تعرف أن تحب، لذلك اختارت الشريك الهادئ غير المبالي أيضًا بالحب. تنهدت وهي تنظر لذلك الخاتم بيدها، خلعته ببطء تنظر له عن قرب، وكادت أن تضعه فوق مقدمة السيارة، ولكن قلبها انتفض فأرتدته بسرعة مرة أخرى.

مليكة بهدوء وهي تستدير له بكامل جسدها لتثني إحدى قدميها أسفلها وتجلس عليها: –هو ماله؟ في إيه؟ لم يرد عليها واكتفى بالنظر أمامه لينتبه للطريق. –يعني تعبان ماله؟ إنت يا أخينا أنا مش بكلمك. صقر بهدوء قاتم: –اسكتي. رمقته بنظرة محتقنة وكورت قبضتها وكادت أن تضربه بقوة في وجهه، ولكنها استمعت لزمجرته الخشنة فأعتدلت في جلستها بسرعة ونظرت أمامها. *** في القصر. بالمطبخ.

كانت تقف بدور أمام الموقد وتضحك على نكات جدتها وتبادلها الحديث عكس باقي الفتيات الذين كانوا يقفون بصمت. آسيا بتوتر وهي تحمل كوبين من الشاي: –هستأذن أنا. فاطمة بحزن: –ليه بس، إنتي لسه زعلانة عشان ما ندهتش عليكي؟ آسيا بابتسامة عادية: –لا عادي، بس يامن مستنيني بره. وما أن أنهت جملتها حتى دلف يامن. يامن بتساؤل: –خلصتي؟

نظر الفتيات لبعضهن البعض ثم انفجروا ضاحكات وسط نظراته البلهاء لهم، فكانت تلك المرة الأولى التي يتشاركون فيها الضحك أخيرًا. فاطمة بصوت لاهث أثر ضحكاتها: –ماشي روحي يا آسيا يلا. يامن بهمس وهو يسير معها للخارج: –بتضحكوا على إيه؟ آسيا بابتسامة جميلة: –لا ولا حاجة، اتفضل. يامن بابتسامة وهو يحتضن الكوب: –ده أحلى شاي دوقته في حياتي. آسيا بضحك: –هو إنت دوقته لسه؟ يامن بضحك: –لا، بس أكيد هيبقا تحفة، ده سوسو اللي عملته يعني.

آسيا وهي تجحظ بعينيها وتتوقف بمكانها: –سوسو!!! أنا سوسو!!! يامن بتعجب وهو يرتشف الشاي بتلذذ: –آه. آسيا بحنق: –ييععع، متقولش كده تاني، ده اسم وحش أوي. يامن بسخرية: –ده اسم وحش؟ امشي يا ماما قدامي. آسيا بحماس حاولت إخفاءه: –احم، مش هتوديني عند your secret place صحيح؟ يامن بثقة: –لالا، إحنا رايحين أهو، بصي هتتفاجئي.

ابتسمت بخفة وهي تشعر بسعادة عارمة لأن شخص من عائلة والدها يثق بها لتلك الدرجة، وأنها لم تشعر بالثقل عليه كما توقعت. كانت تسير خلفه فتفاجأت أنهم بحديقة خلفية أقل ما يقال عنها أنها رائعة، ساروا بممر رخامي وعلى جانبيه العشب والأزهار. آسيا بتساؤل وهي تنظر بتعجب حولها: –هو إحنا رايحين فين؟ يامن وهو يقف أمام البوابة الخلفية من القصر: –وصلنا خلاص. آسيا بسخرية: –بجد والله؟

إنت جايبني من الباب اللي قدام للباب اللي ورا وتقولي مكانك السري؟ يامن وهو ينظر حوله: –لو نصبر شوية وندخل لسانا جوه بوقنا، الدنيا هتبقى حلوة. زفرت بضيق وارتشفت بعضًا من الشاي وهي تتأمل المناظر الطبيعية حولها. راقبته وهو يحمل الدرج الخشبي الضخم ويضعه بالقرب من الحائط الخاص بالقصر. يامن بابتسامة وهو يستند على الدرج الخشبي: –يلا اطلع.

نظرت لطول الدرج وجحظت بعينيها، ثم ظلت تسعل بحدة، فأقترب منها بفزع وظل يربت على ظهرها بخفة حتى هدأ سعالها. آسيا بذهول وهي تدفعه بعيدًا: –إنت عايزني أطلع فوق كل ده؟ ده أنا عندي أموت ولا أعمل كده. ظلت تحدث نفسها بذهول وهي تعطيه ظهرها كي تغادر، ولكنها التفت له بحدة نصف التفاتة. آسيا بزمجرة: –اتفضل رجعني عشان ما توهنيش. يامن بضحك وهو يسبقها: –على فكرة إنتي الخسرانة. لم ترد عليه واكتفت بالسير خلفه بصمت وهي تسبه في داخلها.

*** في القصر. كان يجلس الجميع بهدوء حتى استمعوا لصوت أقدام تقترب، فنظروا جميعهم لمصدر الصوت، فرأوا صقر وخلفه فتاة بمنامتها المنزلية القطنية ويبدو على وجهها الضيق. ريتال بسرعة وهي تقف وتقترب من شقيقتها: –مليكة! بالبيجامة!!! هو عمل فيكي إيه الحيوان ده؟

تذكرت مليكة عندما دلف عليها وهي عارية فقط ترتدي ملابسها الداخلية، فتعرق جبينها وتورد كامل وجهها، وكادت أن تسقط مغشيًا عليها، ولكنها أمسكت بذراع شقيقتها واقتربت من والدتها. والدتها بهمس متسائل: –فين هدومك يا بنتي؟ مليكة بخفوت وتوتر: –هفهمك بعدين. بدور بسعادة مفرطة وهي تركض من الخارج: –مليكة أهه؟ تفاجأت مليكة بفتاة أقصر منها نسبيًا توقفها وتحتضنها بقوة، فشعرت أن ضلوعها تكاد أن تتفتت بين يدي تلك الفتاة. مليكة

بتوتر وهي تدفعها بخفة: –إنتي مين؟ بدور بابتسامة وهي تعدل من طرحتها الملقاة بإهمال على شعرها: –أنا بدور بنت عمتك، متابعاكي من على الفيس بوك وبحب كل كلامك عن المرض النفسي والمجانين والحاجات دي. مليكة بابتسامة صفراء وهي تجز على أسنانها: –أولاً شكراً، ثانيًا اسمهم مرضى نفسيين مش مجانين! بدور بلامبالاة وحماس مفرط وهي تجلس عنوة بينها وبين أختها:

–اتفرجت على اللقاء بتاعك اللي كان من شوية لما فضحتِ اللي ما يتسمى ده اللي اغتصب البت الصغيرة، كنت مستنياكي تيجي عندنا بفارغ الصبر عشان أفرجك كيف فخورة بيكي.

ابتسمت مليكة ابتسامة مجاملة وهي تحك جبهتها بضيق، فالتقطت عيناها بأعين جدها الذي كان يهبط الدرج مستندًا على يدي حفيديه صقر ويونس. أبعدت نظرها سريعًا ونظرت حولها، فرأت عمها يحييها بأعينها. ابتسمت له ابتسامة صغيرة، فهي تعرفه هو وابنته وامرأته بسبب والدها الذي كان يأخذهم لزيارته في بعض الأحيان. رأت ابنة عمها آسيا تدلف مسرعة وخلفها شاب يبتسم بتسلية، لكنها لم تحدد هويته تحديدًا، ولكن بالطبع هو حفيد ذلك الجد. اقتربت منها آسيا لتصافحها، فوقفت مليكة وصافحتها أيضًا.

مليكة بابتسامة: –عاملة إيه يا حبيبتي؟ آسيا بابتسامة ممتنة: –الحمد لله، إنتي أخبارك إيه؟ أنا مبسوطة أوي إني لقيت أخيرًا حد أعرفه هنا. مليكة بابتسامة: –وأنا كمان. ودعتها آسيا وذهبت لتجلس وهي تتذكر في جنازة والدها عندما أتت مليكة وعرفت نفسها بها وأصبحت على تواصل بها كي تعالجها من صدمة فقدانها لوالديها، حتى عندما سافرت كانوا يتواصلان، ولكن قلت أحاديثهم والتهى كل منهم في عمله وحياته.

اقترب الجد منهم وهو يتأملهم جميعًا بشوق دفين كتمه لسنوات عديدة. ابتلع غصته وهو يرى ابنه محمود الذي غزى الشعر الرمادي رأسه. وقع عكازه ودمعت عيناه، فركض إليه ابنه يحتضنه بقوة ويقبل يديه ورأسه. عبد التواب بدموع: –اتوحشتك يا بلجم! محمود ببكاء وهو يحتضنه بقوة.

بكت فاطمة وهي تقترب منهم ليضمها ابنها وسط نظرات الأحفاد وبكاء بدور المتأثرة بقوة، ليرمقها أيان بنظرة يملؤها التعجب من حساسيتها تلك، فهي دائمًا ما تتأثر وتبكي من أقل شيء. الجد بهدوء وهو يمسح دموعه ويستند على ابنه ليجلس فوق الأريكة الخاصة به ويتأملهم جميعًا عن قرب. عبد التواب بحزن: –أكده يا مليكة، ما كنتيش عايزة تاجي تشوفي جدك في آخر أيامه؟

رمقته بنظرة جانبية كادت أن تكون ساخرة، ولكنها تفاجأت من شدة الشبه بينه وبين والدها، فتجمعت دموعها بعينيها وظلت تقضم في أظافرها محاولة التحكم في نفسها ومداراة وجهها عن أنظار الجميع. والدة مليكة بحرج من عدم إجابة ابنتها: –معلش يا حج، هي بس لسه مش واخدة على الجو وكده. عبد التواب بهدوء:

–مسيرها تاخد عليه، احم، معظمكم ما يعرفش بعض، أنا هتكلم بلغة المدينة عشان تفهموا كويس، أنا جدكم عبد التواب ودي مراتي جدتكم فاطمة، ودول بناتي حكيمة وزهراء وعديلة، وده ابني محمود، أما بالنسبة ليكوا يا أحفادي فالأحسن إنكم تعرفوا نفسكم كل واحد بالدور. مليكة بسخرية وهي تعقد ساعديها وتنظره بتهكم: –إيه مش عارفنا ولا إيه يا.. يا جدو؟ عبد التواب متحكمًا بغضبه: –لا عارفكم يا مليكة وعارف كل حاجة عنكم، بس قولت أديكوا مساحة.

ونظرت له بحدة وغضب وبادلها نظرات التحدي، فتوترت فاطمة كثيرًا ولكزت بدور كي تتصرف سريعًا قبل أن تقوم حربًا لن يستطيع أحد توقيفها!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...