في غرفة عبد التواب.. كانت الطبيبة تقيس نبضاتها. بعدما انتهت، وضعت كفها فوق جسدها بهدوء وهى تبتسم بداخلها على تلك المشاكسة الكبيرة. الطبيبة بجدية مصطنعة: –مفيش حاجة تقلق، هى بس ضغطها وطي فجأة نتيجة الإرهاق اللي اتعرضتله. عبد التواب براحة: –شكراً يا دكتورة، تعبناكي معانا. وصل الدكتورة يا يامن. يامن بحماس وهو يتأملها: –عينيا، اتفضلي.
راقبته آسيا وهو يغادر مع الطبيبة. استمعت لضحكاتهم سوياً مما جعلها تعقد حاجبيها، ولكنها لم تبالي كثيراً وعادت بنظرها للجدة النائمة بالفراش. عبد التواب بهدوء: –يلا يا ولاد روحوا استريحوا شوية قبل ما الناس تيجي بليل. بدور بدموع وهي تجلس على الفراش بجانب جدتها: –أنا عايزة أقعد مع بطة شوية، أنا ملحقتش أطمن عليها. فاطمة بنبرة مرهقة: –خليكي يا حبيبتي.
غادر الجميع، فلم يبقى في الغرفة سوى فاطمة وبدور. عبد التواب، الذي ما أن غادر الجميع، أغلق الباب خلفهم بهدوء ليعود لزوجته التي اعتدلت بالفراش وهي تتنفس الصعداء. فاطمة بزفير قوي: –كنت خايفة حد يكشفني. عبد التواب بابتسامة: –جدعة يا بطة، لحقتي الدنيا قبل ما البيه يبوظها. بدور بتردد: –بس آآ، أنا شايفة إن مليكة آآ مليكة من حقها تعرف كل حاجة. عبد التواب بحزم: –هتعرف بس وهي على ذمته. فاطمة بتفكير: –افرض طلبت الطلاق يا عبده.
عبد التواب بابتسامة جانبية وهو يعطيهم ظهره: –مش هتطلب، ولو طلبت صقر مش هيطلقها. انتوا مشوفتوش بصلها إزاي وهي بالفستان. بدور بتساؤل: –إبيه صقر؟ مستحيل يا جدو، متحاولش. هز رأسه بيأس وأطلق ضحكة تهكمية وهو يغادر الغرفة ليدلف إلى التراث ويجلس فوق المقعد الخاص به ليتأمل الخضرة أمامه مع غروب الشمس. عبد التواب بتنهيدة:
–هتخلوني أسيب بلدي اللي كبرت فيها وناسي وأهلي يا عيلة الجندي عشان خاطر أريحكم، لأني عارف إنكم مش هتقدروا تعيشوا هنا وأنا مش عايز أضغط عليكم أكتر من كدة. في إحدى الغرف.. دلفت والدتهم وهم خلفها، كل منهم شارد في عالم آخر، فقاطعتهم والدتهم بمدحها في فساتينهم التي كانت ملقاه أرضاً. فهم بعد أن سمعوا صرخات بدور لفقدان جدتهم الوعي، حتى هرولوا لغرفهم ليخلعوا ما كانوا يرتدون ويعودوا للجدة.
ريتال بتساؤل متجاهلة حماس والدتها التي كانت تحتضن ملابس العرس خاصتهم: –مش غريبة يعني إن بدور تتصل بدكتورة تيجي تشوف جدتك وإنتي موجودة؟ مليكة بلامبالاة: –يتصلوا باللي يتصلوا بيه، مش فارقة معايا في حاجة. خلينا نخلص من الهم ده. ريتال بحنق وهي تمرر أناملها بفروة رأسها وتدور حول نفسها: –يعني هو جدك ملقاش غير الحقير ده اللي يجوزهولي؟ هو ميعرفش حصل بينا إيه في الكلية؟ ده البيه فصلني من الكلية، إنتي متخيلة؟
مليكة بصدمة وهي تقف قبالتها وتجذبها من معصمها: –إنتي اتفصلتي من الكلية؟ والدتهم بضيق: –أيوه يا مليكة، يونس ابن عمتها فصلها، بس متقلقيش أنا اتكلمت معاه وهو قالي إنه فصلها أسبوع بس عشان طولة لسانها وقلة أدبها. مليكة بعدم فهم وهي تبدل نظراتها بينهم: –لحظة بس، هو إيه اللي جاب يونس الكلية عندك؟ ريتال بغيظ:
–حظي الأسود. البيه جاي يدينا مادة أساساً زفت وهو أزفت منها، لا و مكتفاش بمنصب دكتور، لا ده كمان عميد الكلية، يعني اتنين في واحد. مليكة بذهول وهي تضحك وتضع يدها على ثغرها: –إيه ده، حظك الأسود فعلاً. ادي أخرت فشلك في الكلية جالك اللي هيربيك. ريتال بحنق وهي تدفعها بعيداً: –حتى إنتي يا مليكة، بدل ما تقفي في صفي وتنزيلي تاخديلي حقي منه. والدتها متدخلة: –حقك إيه؟
ده إنتي شتمتيه وقلتي أدبك عليه وزمايلك كلهم سمعوا الشتيمة في المايك. لم تستطع مليكة السيطرة على نفسها لتسقط فوق الأريكة مقهقهة بشدة وهي تمسك ببطنها وصوت ضحكاتها يعلو، لتشاركها والدتها الضحك بينما تتذمر ريتال وهي تشعر بالاضطهاد. والدتها محاولة التقاط أنفاسها: –إنتي يا بت يا قليلة الأدب إنتي مش هتعتذريلي؟ ريتال بضيق: –أعتذرلك على إيه؟ إنتي اللي ضربتيني. والدتها بحزم وهي تقف قبالتها وتقرص أذنها:
–لو مكنتيش قليتي أدبك عليا مكنتش ضربتك وإنتي بغلة كدة. ريتال بحنق طفولي وقد توردت وجنتيها وتجمعت دموعها في عينيها: –أنا آسفة يا ماما، إنتي عارفة إني مقصدش. والدتها بحنان وهي تضمها وتقبل رأسها: –حبيبتي، أم قلب أبيض مفيش زيه. ربنا يحفظك. إنتي عارفة إني عمري ما أضرك، لا إنتي ولا أختك، إنتو أمانة في رقبتي، وقبل كل ده إنتو حتة مني. ريتال ببكاء وهي تدفن رأسها في أحضان والدتها:
–أنا خايفة أوي يا ماما، حاسة إني كنت في سابع سما وفجأة بقيت في سابع أرض. إحنا كنا جايين عشان نطمن على جدو، فجأة بقى فرحي بكرة وبختار فستان. لا وكمان هتجوز واحد أنا مبحبوش، واحد معرفش عنه حاجة، بيحب إيه، بيكره إيه، إيه أكلته المفضلة، واحد مليش أحلام معاه. رفعت رأسها لتنظر في عيني والدتها التي كانت تبكي بصمت. مش إنتي دايماً إنتي وبابا كنتو بتكلمونا عن قصة حبكم وإزاي اتعرفتم على بعض وإزاي بنيتوا أحلامكم وحاربتم الدنيا عشان تحققوها؟
ليه أتزوج واحد بيعاملني كدة وأنا مش مراته، اومال لما أبقى مراته هيعاملني إزاي؟ ليه فرحي ميحضروش صحابي؟ ليه حنتي تبقى مع ناس أول مرة أشوفها في حياتي؟ عايزاني إزاي أقبل بكل ده بس يا ماما. كانت مليكة تتابع الحديث وقلبها ينبض بشدة، ولكنها فضلت الصمت رغم دموعها التي تهبط بغزارة كأنها تواسيها في محنتها. والدتها بابتسامة رغم دموعها التي تهبط:
–أنا عايزة أثقي فيا يا حبيبتي. اسمعي كلامي المرة دي بس. إنتي طول عمرك مطلعة عيني وماشية بدماغك، بس المرة دي جربي اسمعي كلامي، عشان خاطري يا توتة. ابتسمت ريتال وسط حزنها على ذلك الاسم الذي كان يلقبها به والدها رحمة الله عليه. أخذت بضع ثوانٍ ثم أومأت وهي تمسح وجهها بكفيها كالأطفال لتبتسم والدتها وهي تقبل وجهها. والدتهم وهي تمسح دموعها: –ثواني وجيالكم.
خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها، ثم اتجهت بخطى ثابتة نحو غرفة كبير العائلة الحج عبد التواب لتطرق الباب بخفة. فتحت لها بدور وابتسمت عندما رأتها. بدور بابتسامة جميلة: –كيفك يا مرت خالي؟ سميرة بابتسامة: –الحمد لله يا حبيبتي، إنتي عاملة إيه؟ بدور: –بخير الحمد لله. اتفضلي، جدي وجدتي جوه. سميرة بامتنان: –شكراً حبيبتي. بدور وهي تخرج من الغرفة: –عن إذنكم.
أومأت لها سميرة ثم دلفت إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها. حمحمت بهدوء وهي تقترب منهم لينظروا لها. عبد التواب بابتسامة: –اتفضلي يا مرات الغالي. فاطمة: –تعالي يا حبيبتي اقعدي. سميرة بهدوء وهي تنظر لعبد التواب: –شكراً يا حجة. أنا مش جاية أزعجكم، أنا بس جاية أطلب من الحج عبد التواب حاجة وأتمنى ميحرجنيش. عبد التواب وهو يعقد حاجبيه باستغراب: –اطلبي طبعاً، إحنا أهل. سميرة: –ينفع يا حج بلاش موضوع الحنة ده؟
البنات مستصعبين الدنيا جداً ومن كتر الضغط عليهم، الاتنين قاعدين بيعيطوا في الأوضة. حضرتك عارف كويس إنهم ميعرفوش حد هنا، حتى أهلهم ميعرفوهمش. والحنة دي بتبقى عشان نحتفل مع ناس نعرفها، معتقدش إنهم هيحبوا ده، مش بناتي بس لا كلهم أكيد. الفرح ده شئ مفروغ منه رغم إنهم بردو هيبقوا وسط ناس ميعرفوهاش، بس عشان ميتكلموش نص كلمة على الأولاد أو يقولوا حاجة. لكن الحنة ملهاش لازمة. ولا حضرتك رأيك إيه؟
نظرت لها فاطمة بإعجاب شديد على حزمها في الحديث ولباقتها، ثم انتقلت بنظرها لعبد التواب الذي كان يفكر بكلام كنتها. عبد التواب: –طب والناس اللي جاية بليل نقولهم إيه؟ والمأذون؟ سميرة بذكاء: –نقولهم إن العرايس تعبانين، جم من السفر على طول وبدأوا يجهزوا حاجات الفرح وم مشغولين بس كده. فاطمة متدخلة: –أيوه خلاص هنقول كده. روحي إنتي طمني بناتك وقوليلهم يبطلوا عياط بدل ما أقوملهم أنا.
ابتسمت لها سميرة ثم استأذنت منهم وغادرت الغرفة. ما أن خرجت حتى تنفست الصعداء وأطلقت تنهيدة قوية، فهي كانت تحمل هماً أن يرفض طلبها ولكن خيب ظنها وأظهر حسن نيته. في غرفة بدور.. دلفت وهي تتدندن بسعادة وتتمايل بجسدها حتى رأت شقيقها يجلس فوق فراشها ويعقد ساعديه مراقباً لها. بدور برهبة وهي تبتلع غصتها: –إبيه صقر آآ، ازيك؟ صقر بنبرة رخيمة: –تعالي اقعدي هنا. بدور بخوف وهي تقترب بتردد: –ح. حاضر. صقر بضيق
وهو يراقب تقربها ببطء: –يلا يا بدور. بدور بسرعة وهي تجلس بجانبه: –آسفة. صقر بتساؤل: –إنتي موافقة على الجوازة دي؟ ولا بتعملي كدة عشان متزعليش جدك منك؟ بدور بتوتر وعلامات الرهبة تظهر عليها: –أنا مش فاهمة حضرتك تقصد إيه؟ صقر بحدة وهو يجز على أسنانه: –كلامي ملوش معنيين يا بدور. إنتي موافقة ولا لا، لو مش موافقة قوللي وأنا أروح أتكلم مع جدك.
لا تعرف بماذا تجيب، فقد تجمعت دموعها في عينيها وظلت تفرك كفيها بعبائتها. فهي تعلم جيداً أن جدها يهاب صقر ولا يرفض له كلمة، وهكذا هي ستخسر حلم طفولتها الذي هو عبارة زواجها من ابن خالتها. وبالطبع هي لن تخبر صقر على حبها بل عشقها المجنون له. فهي إذ أخبرته ستلقى حتفها حتماً وتجاور والدها المرحوم. قاطعهم دلوف والدتهم التي كانت تستمع لهم من الخارج، ولكن ما أن رأت ابنتها قد حُسرت فقررت التدخل فوراً. والدتهم
بهدوء وهي تقترب منهم: –في إيه يا صقر؟ مقعد اختك جمبك كده ليه؟ هو فيه حاجة؟ صقر وهو مازال مسلط نظره على شقيقته: –بسألها سؤال ومستني إجابته. ها يا بدور؟ قال جملته الأخيرة بصوت جهوري جعلها تنتفض بخوف وتبكي بصمت خشية من أن يوبخها على صوت بكائها. والدتها بغضب وهي تقف أمامها لتحميها من بطش ابنها: –في إيه يا صقر؟ مالك ومال اختك؟ أكيد هتتجوز عشان جدها، اومال هتتجوز ليه يعني؟ ما إنت كمان بتتجوز عشان جدك. صقر بحدة:
–أنا قولتلك مليون مرة متدخليش بينا، هي عندها لسان ترد. طلعتيها شبهك، معندهاش شخصية وضعيفة وجبانة. ألقى كلامه في وجهها ثم غادر وأغلق الباب خلفه بقوة جعلتهم ينتفضون بمكانهم. تجمعت الدموع في عيني الأم وهي تشرد بحديث ابنها، ولكن استفاقت على نحيب صغيرتها فأستدارت لتعانقها بقوة وتربط على ظهرها. والدتها بحنان وهي تقبل رأسها: –أهدي يا حبيبتي، إنتي عارفة إن أخوكي مش هيمد إيده عليكي. بدور بغضب: –ليه؟ عمره ما عملها مثلاً؟
والدتها بابتسامة وهي تبعد خصلات الصغيرة عن وجهها: –إنتي عارفة كويس صقر بيحبك قد إيه وأنا عارفة إنتي بتموتي فيه إزاي، بس هو متعصب. إنتي أكيد مقدرة هو بيمر بإيه، صح؟ أومأت بدور بقلة حيلة ثم مسحت وجهها بهدوء واستأذنت والدتها لتذهب للفتيات بغرفهم. في غرفة محمود.. استمع لطرقات الباب فذهب ليفتح ليتفاجئ بأبنة شقيقته تقف أمامه. محمود بابتسامة: –تعالي يا حبيبتي، نورتي. بدور بابتسامة وهى تدلف: –منورة بيك يا خالي.
محمود وهو يغلق الباب: –لولا إن جدتك تعبانة ولغوا الغدا وكل واحد الأكل راحله أوضته كان زماني متعرف عليكي تحت. اقعدي يا بدور. بدور بمرح وهي تجلس: –واديني جيت برجليا أهو. محمود بضحك: –بتفكريني بمامتك واحنا صغيرين، كانت عسل زيك كده. بدور بابتسامة ممتنة: –ربنا يخليك يا خالو. اومال فين سيليا؟ محمود بحزن وهو ينظر لباب حجرة ابنته المغلق: –جوه في أوضتها، رافضة تاكل وحتى مش عايزة تسمعني. تعبت معاها أوي يا بدور.
بدور بابتسامة وهي تقف: –سيبلي أنا الطلعة دي. حضرتك خلصت أكل إنت ومرات خالي صح؟ عشان هاخد الصينية وأدخل جوه. محمود بسرعة وهو يقف ويحمل الصينية ويضعها بين يدي بدور: –خلصنا أه. حاولي معاها يا بدور بالله عليكي، متسيبهاش غير وهي مخلصة طبقه. بدور وهي تغادر ردهة الغرفة: –عينيا، عن إذنك.
اقتربت من باب غرفة سيليا وكادت أن تطرق الباب، ولكنها استمعت لها وهي تتحدث على الهاتف، فلم ترد مقاطعتها وإزعاجها. فوقفت أمام الباب منتظرة أن تنهي مكالمتها. في الداخل.. سيليا بحنق: –يا بنتي إنتي غبية. دي آخر مرة هشرح فيها عشان مش فاهمة بجد إيه الصعب في اللي أنا بقوله. دلوقتي القصر ده كبير جداً وكذا دور، الأوضة بقى بتبقى زي جناح كده اللي يعتبر شقة كبيرة. الشقة دي فيها أوض نوم عادي، فهمتي كده؟ صديقتها:
–طب ما تقولي كده من بدري، ما الدنيا طلعت سهلة أهي. بقا عايزة تسيبي كل ده وتيجي هنا؟ سيليا بتنهيدة: –عمرك ما هتفهمني. يلا غوري دلوقتي عشان أشوف ماما فين. صديقتها: –سلام يا بومة. أغلقت الهاتف ووضعته جانبها، فأستمعت لطرقات الباب. عقدت حاجبيها باستغراب ثم وقفت وذهبت لتفتح الباب لتتفاجئ بأبنة عمتها تقف أمامها. سيليا باقتضاب: –أهلاً. بدور بابتسامة وهى تدلف: –ينفع أدخل؟ سيليا بضحك وهي تغلق الباب: –طب ما إنتي دخلتي أهوه.
بدور بضحك وهي تضع الصحون فوق المنضدة الصغيرة بجانب الفراش: –دي أوضة بنت خالي زي أوضتي يعني. سيليا بابتسامة مجاملة: –طبعاً. خير فيه حاجة؟ ثم تحدثت بحماس: الفرح اتلغى؟ بدور بلامبالاة وهي تصعد على الفراش: –لا أبداً، جاية أطمن عليكي وأشوفك بتعملي إيه. أصل إنتي وحيدة زيي، قولت أجي أونسك. سيليا بضيق وهي تجلس بجانبها: –أنا مش وحيدة، بابايا ومامتي موجودين. بدور بابتسامة وهي تربت على فخذها:
–ربنا يخليهملك يا قلبي. المهم مغلبة خالي ليه ومش بتاكلي؟ سيليا بضيق وهي تنهض وتتجه لحقيبتها الصغيرة الملقاه بإهمال بجانب المقعد: –هو لحق يشتكيلي؟ بدور بذهول وصدمة وهي ترى ابنة خالها تخرج علبة صغيرة من حقيبتها: –إنتي بتعملي إيه؟ سيليا بلامبالاة وهي تضع السيجار بين شفتيها وتقترب من الشرفة: –هولع سيجارة. إيه في إيه؟ بدور بغضب وسرعة وهي تركض للشرفة وتغلقها:
–ده على أساس إني عامية. ابعدي بسرعة لأحسن حد من العمال بتوع الجنينة يشوفك. ضحكت سيليا بتهكم ثم جلست على المقعد وأشعلت سيجارتها وبدأت تنفث دخانها بهدوء. بدور بخوف وهي تركض لباب الغرفة وتستند بظهرها عليه خشية من أن يُفتح فجأة: –كفياكي عاد يا بت خالي! طفي المخربوة دي. سيليا بضحك: –رجعنا للصعيدي تاني، ما إنتي كنتي حلوة. بدور بتوتر كبير وهي تكاد تجزم أن قدماها ترتجفان أسفل عبائتها:
–طفي يا سيليا البتاعة دي، خالي لو عرف آآ. سيليا مقاطعة: –خالك لو عرف؟ إنتي مش هتقولي حاجة لحد! بدور: –مش هقول والله، بس طفّيها. سيليا وهي تلقيها أرضاً وتدعس عليها: –خلاص طفيتها. ده إنتي جبانة جداً. بدور وهي تتنفس بعمق: –الحمد لله. لازم تفهمي يا سيليا إن هنا غير هناك خالص. هنا بيطخّوا على طول، ويلا شيلي البتاعة دي من على السجادة وارميها في صندوق الزبالة اللي جمب السرير. سيليا بشمئزاز: –صندوق الزبالة؟ اسمه باسكت.
بدور بنفاذ صبر: –ارميها في الباسكت، حلو كده؟ انحنت وأخذت عقب السيجارة وألقته بصندوق القمامة الصغير، ثم فتحت الباب الجرار الزجاجي للشرفة ليدخل الهواء لهم. بدور بتحذير وهي تقترب منها: –أوعي تشربي قدام آسر، ده ممكن يموتك. أنا بقول كده عشان خايفة عليكي. أنا اللي عاصرت الناس دي وعارفة طباعهم. سيليا بلامبالاة: –يولع هو وطباعه، مناقصش غير ده كمان اللي هيتحكم في تصرفاتي. بدور: –اللي إنتي بتتكلمي عليه ده هيبقا جوزك.
سيليا بغضب: –متعصبنيش إنتي كمان. بدور متنفسة بعمق: –طب خلاص تعالي يلا كلي. سيليا وهي تركض للطاولة وتأكل بشراهة وهي تجلس أرضاً: –تقولي لهم إني رميت الأكل في الباسكت، ماشي؟ ضحكت بدور بقلة حيلة وهي تهز رأسها بيأس، ثم جلست فوق الفراش وظلت تراقبها بهدوء وعقلها شارد.
خرجت بدور من الغرفة الخاصة بخالها وهي تحمل الصينية فارغة، فتنهدت بهدوء وسارت خطوات قليلة لتقف عند مقدمة الدرج. جلست عند الدرج وخلعت حجابها بعد أن تأكدت جيداً من خلو الأطراف، ثم بدأت بتوضيب شعرها الذي كان يتمرد داخل عبائتها، ولم تستمع لتلك الخطوات التي اقتربت منها بهدوء. "بدور؟
انتفضت من مجلسها ووقفت بسرعة لتلتف فجأة وترى ابن عمتها يقف أمامها وينظر لها بتعجب. كانت دقات قلبها تصم آذانها، فهي تجزم أنه يستمع لصرخات قلبها المجنون تلك الذي حاولت إسكاته ولكنه يتمرد عليها كالعادة. فكيف سيصمت أمام تلك الأعين التي أبدع الخالق في رسمها، التي تنظر لها داخل عينيها دون رحمة بقلبها الصغير؟
هبطت بأعينها على أنفه المستقيم، ثم إلى شفتيه الرفيعة وفكه المحدد وذقنه التي بدأت تنبت حديثاً. لم تستطع منع عينيها التي هبطت أكثر فأكثر لتستقر على رقبته لتتابع تفاحة آدم خاصته لتبتلع غصتها بتوتر. أيان وهو يمرر كفه أمام وجهها: –بدور؟ بدور وهي تستفيق من صدمتها: –أيوه. أيان بنبرة رخيمة: –إيه اللي مقعدك على السلم كده؟ بدور بعدم فهم: –كده إزاي يعني؟
أشار بأعينه على رأسها، فرفعت كفها تتحسس مقصده لتتفاجئ بكشف رأسها، فتصرخ في وجهه وهي تنحني لتجلب حجابها وتضعه على رأسها بإهمال وتركض للأسفل. أيان باستغراب وهو يضرب كفيه: –لا حول ولا قوة إلا بالله. في صباح اليوم التالي.. على السفرة.. كان يتواجد الجميع فوق مقعده، ويحل الصمت عدا من أصوات الصحون التي توضع فوق الطاولة. فاطمة بابتسامة:
–كمان شوية الناس هتبدأ تيجي يا بنات، كل واحدة تبقى في أوضتها والناس هييجوا لحد عندكم يعملوا كل اللي انتو عايزينه، متتعبوش نفسكم. يامن بمرح: –يا سيدي يا سيدي يا الدلع، وإحنا إيه إن شاء الله؟ فاطمة بحب وهي تقرص وجنته: –هو أنا عندي أعز منكم؟ ده كان يوم المنى أشوف حد واحد بس فيكم بيتجوز. ثم أكملت بمرح: واديني بشوفكم كلكم في يوم واحد أهو. عبد التواب بصوت رخيم وهو يمرر أعينه عليهم جميعاً:
–بعد الفرح هنطلع على القاهرة، هنعيش كلنا هناك مع بعض. محمود بتساؤل: –هنعيش مع بعض إزاي؟ هو مش كل واحد هيروح بيته؟ عبد التواب بهدوء: –لا يا محمود، مبقاش فيه بيتنا وبيتكم، كلنا هنقعد سوا. فاكر القصر اللي عملناه أنا وإنت وعبد العال ومحمد زمان؟ محمود بانتباه: –أيوه فاكر، بس برضو فاكر إننا سيبناه ساعة المشكلة ومكنش جاهز. فاطمة متدخلة:
–عبده خلصه قوام أول ما سافرتوا، وكنا بنروح هناك دايمًا بس كنا بنقعد كام يوم ونرجع تاني. ثم أكملت بهمس وكأن لا يستمع لها أحد: كنا بنروح عشان باباك يعرف يراقبكم براحته. عبد التواب بغضب وقد احمرت رقبته خجلاً: –فاطمة! ضحكت وعادت لتتناول طعامها. عبد التواب مكملاً: –أعتقد كده مفيش مشكلة. كده مليكة هتقدر تروح عيادتها، وريتال هتقدر تروح الجامعة، وإنتي يا سيليا مش هتضطري تتعودي على هنا، إنتي راجعة لبلدك تاني أهو.
مليكة بسخرية: –إحنا من إسكندرية مش القاهرة.
ابتسمت له سيليا باصفرار ثم دست ملعقتها في فمها وهي تتمنى أن ينتهي ذلك الكابوس. فوقعت أعينها على ذلك المدعو آسر لتراه ينظر بهاتفه بتركيز شديد. فلم تبالي وعادت لتنظر لصحنها. كانت ريتال تنظر أمامها بحقد شديد، فكان يجلس قبالتها يونس الذي كان يأكل بلا مبالاة وبنهم شديد. فودت لو تصفعه بشدة. فجاء ببالها فكرة شيطانية جعلتها تبتسم. أمسكت ملعقتها وأوقعتها عمداً ثم انحنت لتجلبها وحددت هدفها جيداً، فهي كانت تريد أن تعرف أين يضع
قدمه تحديداً. ابتسمت بشر وهي تجلس باعتدال ثم بدأت بتحريك ساقها وضغط على قدم الذي أمامها. ولكن مازالت ملامحه ساكنة، ينصب جام اهتمامه على صحنه. ظلت تضغط بقوة وهي تجز على أسنانها ولكن بلا فائدة، فهو ثابت كالصنم. فقلبت عينيها بحنق لتسقط فوق صقر الذي كان ينظر لها نظرة ثلجية. ابتلعت غصتها وهي تشعر به يكاد يخترقها بنظراته. لا تعلم أهذا مجنون أم ماذا؟
ولكنها شعرت بتلك القدم التي تتحرك أسفل قدمها لتخفض رأسها قليلاً لترى ماذا يحدث فتتفاجئ بنفسها تضغط على قدم صقر بدلاً من يونس لتسحب قدمها فوراً وتدمع عينيها من كثرة إحراجها. مليكة بتساؤل هامس وهي تنظر لشقيقتها: –مالك في إيه؟ ريتال بصوت رفيع أثر اختناقها بإحراجها: –متأكدة؟
أومأت ريتال برأسها ثم لعنت ذلك الأبله الذي لا يبالي بمن حوله، فبسببه وقعت في إحراج كبير. نظرت بطرف أعينها لصقر لتراه يأكل بهدوء، لا تعلم لما تشعر أن حوله هالة من الظلام والغموض. فبدلت نظراتها لشقيقتها بجانبها لتراها تسند وجنتها على كفها وتلعب بصحنها فتحسرت داخلها على تلك المسكينة. ريتال بتفكير حزين: –يا عيني عليكي يا مليكة، ده أنا خطيبك عندي أهون من اللي هتتجوزيه ده. يا حظك الأسود يا حبيبتي. مليكة
بعدم فهم وهى تلتفت لها: –بتقولي حاجة؟ ريتال وهي تنظر لصحنها بسرعة: –لالا مفيش حاجة. أنهت آسيا طعامها ثم استأذنت منهم لتصعد غرفتها قبل بدأ تجهيزات الفرح. فراقبها يامن وهي تغادر ثم هز رأسه بيأس من عدم انسجامها في تلك الأجواء العائلية النادرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!