الفصل 8 | من 29 فصل

رواية زواج بالاكراه الفصل الثامن 8 - بقلم ملك مصطفي

المشاهدات
21
كلمة
5,325
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 28%
حجم الخط: 18

في غرفة آسيا.. دلفت وأغلقت الباب خلفها بهدوء وظلت تسير بالغرفة وهي شاردة. هل ما تفعله صحيح؟ أهذه هي الطريقة الوحيدة لتأخذ حقها؟ زفرت بقوة وهي تضع كفيها بفروة شعرها، تكاد تشعر أن مياه ثلجية تسكب عليها. فأخرجت هاتفها من جيبها لتهاتف صديقتها. آسيا بحزن: بقى ساعات على زواجي المشؤوم. صديقتها ببكاء قوي: ساعديني يا آسيا لقد طردني ذلك الحقير من المنزل الخاص بنا، لقد بقيت في الشارع. آسيا بصدمة: لماذا لم تخبريني بهذا؟

صديقتها بشهقات متتالية: لا أمتلك رصيد لمهاتفتك، ارجوكي ساعديني لقد طردني أيضا صاحب المطعم، أنا ليس لدي أحد سواكي. آسيا ببكاء وهي تجلس على الفراش وتضع أصابعها فوق شفتيها: لا تقلقي يا عزيزتي، سأرسل لكي جميع المال الذي جلبته معي من أوروبا. هو ليس بمبلغ كبير ولكنه سيكفي لأسبوعين. صديقتها وقد هدأ بكائها: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ آسيا: سأعود لكي بالعديد من الأموال.

ضحكت صديقتها بسعادة ثم طلبت منها أن ترسل المال في الحال كي تستطيع أن تجلس في فندق أو تستأجر منزل صغير حتى تعود آسيا، فوافقت آسيا وبالفعل أرسلت جميع المال الذي لديها ولم تفكر في عواقب ذلك. في الأسفل..

كان يجلس آسر وبدور وسيليا ويونس بالصالون، كل منهم يمسك هاتفه بملل حتى استمعوا لجرس الباب، فهرولت الخادمة لتفتح للطارق، ففجأة استمعوا لصوت ضربات كعب حذاء أنثوي يضرب الأرض بقوة ليرفعوا رؤوسهم جميعاً في نفس ذات الوقت ليتفاجئوا بفتاة تقترب منهم وترتدي تنورة قصيرة ضيقة ويعلوها قميص ناصع البياض وفوقه سترة من نفس لون التنورة.

شهقت بدور بخجل وتوردت وجنتيها، أما سيليا ففتحت فاهها بقوة وهي تراقب مفاتن الفتاة البارزة، وما زاد الطين بلة هو صوتها الأنثوي الفج وهي تتحدث. الفتاة بأبتسامة جانبية وهي تقف بثقة وتنظُر لآسر: صباح الخير مستر آسر. ثم نظرت لساعة يدها لتكمل بمرح: في ميعادنا بالثانية أهو زي ما حضرتك بتحب. آسر بأبتسامة وهو يقف ليصافحها: دايماً مواعيدك مظبوطة يا لي لي، اعرفك يونس ابن خالتي. لي لي بأبتسامة:

طبعاً دكتور يونس أشهر من النار على العلم، مفيش جامعة في مصر مش قالبة الدنيا عليه. وقف يونس ليصافحها بروتينية ولكن سحب يده بسرعة وهو يرى ريتال تقترب منهم وترفع حاجبها له بحدة. ريتال بأبتسامة وهي تقترب: إيه ده انتو جايبين رقاصة في الفرح؟ ثم أكملت وهي تقف أمامها: لسة معاد الفرح بليل، جاية بدري ليه؟ آسر بجدية وإحراج: دي السكرتيرة بتاعتي يا ريتال. ريتال بصدمة مصطنعة وهي تشهق وتضع يدها فوق صدرها:

إيه ده بجد، أنا آسفة جداً والله. لي لي برسمية: ولا يهمك. آسر وهو يشير للفتيات: ودي بدور انتي عرفاها كدة كدة ودي سيليا بنت عمي. سيليا بذهول وهي تقف وتقترب منهم لتقف بجانب ريتال: بنت عمك بس؟ آسر وهو يعقد حاجبيه بإستغراب من ذلك التغير الذي طرأ عليهم فجأة: بس؟ سيليا بأبتسامة مصفرة وهي تنظر للفتاة: انت خايف من الحسد ولا إيه يا أسورة؟ مش هتقول إن هبقى مراتك. آسر بابتسامة جانبية:

سيليا مراتي المستقبلية، ودي ريتال بنت عمي الله يرحمه. لي لي بأبتسامة: أهلاً وسهلاً، اتشرفت بيكم. والله لولا إن فيه ورق واقف على إمضة مستر آسر مكنتش جيت وخدته منكم في ليلة مهمة زي دي. آسر: إزاي بس انتي معزومة على الفرح أساساً، يلا بينا نخلص شغلنا قبل ما الدنيا تتزحم؟ لي لي بأبتسامة: يلا، عن إذنكم فرصة سعيدة.

ساروا سوياً أمامهم لتراهم سيليا وهم يصعدون الدرج وضحكاتهم تصل إليهم فتشعر بالغضب الشديد وتسير خلفهم، لكن جذبتها ريتال. ريتال بعدم فهم: رايحة فين كدة؟ سيليا بغضب: لما أشوف البيه طالع بيها فين إن شاء الله، فوق مفيش غير أوضة نوم. ريتال: وإنتي مالك؟ ما قالك السكرتيرة بتاعته. سيليا بسخرية: وإنتي كان مالك لما سلمت على يونس؟

ضحك يونس ولكنه كتم ضحكته بسرعة وأمسك هاتفه ليتصنع انشغاله به، فزفرت ريتال بغضب ثم أبعدت يدها عن معصم ابنة عمها. ريتال بثقة وصوت عالٍ كي يسمع جيداً: أنا خوفت على البنت أصل الرجالة دي ذئاب بشرية وأنا شفت نظرة شهوانية حقيرة في عيون اللي ما يتسمى. يونس بغضب وهو يقف: احترمي نفسك. ريتال بغضب شديد وهي ترفع سبابتها له: أنا محترمة غصب عنك أنت. بدور بتوتر وهي تقف حاجز بينهم: اهدوا بالله يا جماعة، ده شيطان ودخل بينكم.

أيان بضحك وهو يقترب منهم: شفت ياض يا يونس السكرتيرة بتاعت آسر، كل مرة تحلو عن اللي قبلها. جحظت بدور بعينيها وأسود وجهها فقد تملكها الغضب الشديد وأعمتها غيرتها لتلتف برأسها لأيان الذي يضحك وهو ينظر ليونس. بدور بصوت مخيف: إنت قولت إيه؟ سيليا بتوتر وهي تقف أمام بدور: إنتي بتتحولي ولا إيه؟ نظر لها أيان بتعجب ثم سحب ابن خالته وغادروا الردهة، تاركين الثلاث فتيات ينظرن في أثرهم بغضب شديد. سيليا بغضب وهي تلتف لهم:

هو إنتو مش المفروض بلد محافظة وبتاع؟ إزاي سايبين واحدة تمشي بالمنظر ده في بيتكم اللي مليان شباب ده؟ جدك فين من المهزلة دي؟ وإزاي أصلاً يطلع معاها أوضة نومه كده؟ بدور بهدوء مصطنع وهي تأخذ نفس عميق: سيليا ممكن تهدي؟ إنتو لسه فيه حاجات كتير متعرفوهاش عننا ولا عن حياتنا، وجدي مش هيقعد يحاسب كل واحد على لبسه وبعدين آسر بيقعد معاها في المكتب اللي في أوضته مش في أوضة النوم، إنتي بتغيري ولا إيه؟ سيليا بغضب وتوتر:

غيرة إيه وكلام فارغ، إيه العبط اللي بتقوليه ده؟ البيه خلى منظري زبالة المفروض إني هبقى مراته وليا احترامي، ومينفعش يطلع مع واحدة لابسة كده في أوضة النوم. زفرت بدور بحنق ثم غادرت لغرفتها تاركة الفتاتان وحدهم. ريتال بتساؤل وبلاهة: تفتكري بيعملوا إيه في الأوضة دلوقتي؟ سيليا بغضب وهي تصرخ في وجهها قبل أن تغادر: أوووف.

انتفضت ريتال ثم راقبت مغادرة سيليا بعدم فهم، ولكنها لم تأبه بشيء وجلست بأريحية فوق الأريكة لتلقط إحدى ثمرات الفاكهة من الصحن المعدني الكبير الموضوع على الطاولة الصغيرة في منتصف الردهة. ريتال بسخرية وهي تقضم من التفاحة: والله العظيم يا جدع، شوف البت مش على بعضها إزاي، وقال إيه مش غيرانة، أومال لو غيرانة هتطلع نار من بوقها ولا إيه. في الحديقة..

كان يجلس صقر وهو يحتسي قهوته الداكنة كلون عينيه القاسية التي تراقب الزهور حولها بلامبالاة. رآها تقترب منه بخطوات واسعة، استطاع أن يرى خوفها المغلف بقسوة وجدية مصطنعة. مليكة بحزم وهي تقف أمامه مباشرة: ممكن أتكلم معاك؟ لم يرد عليها واكتفى بإبعاد أنظاره عنها ليكمل ارتشاف قهوته بهدوء، فزفرت بحنق وجذبت المقعد البلاستيكي الفارغ لتضعه أمامه وتجلس عليه. مليكة بارتياب يغلفه الجدية:

اسمع يا ابن الناس، أنا مش مستريحالك وحاسة إن انت وراك حكاية، حاسة إنك مش مريح وعينك مش مريحة بالنسبالي، هو انت إيه بالظبط؟ وراك إيه مخبيه؟ ليه كله هنا عامل حسابك أوي كده وخايفين منك؟ إنت ليه جيت عندي وناديت عليا؟ كنت هتقولي إيه؟ أنا شفت حاجة في عينك هتقولها بس سكت. صقر بهدوء وهو ينظر لذراعها المكشوف: إيه اللي انتي لبساه ده؟ مليكة بذهول وهي تقف وتنظر له بصدمة:

إنت أكيد مش طبيعي، أنا أكيد بكلم بني آدم مختل، لا يمكن تكون طبيعي. صقر ببرود وهو يضع فنجاله فوق المنضدة ويقف قبالتها ليظهر فرق البنية والطول بينهم: أولاً تدخلي تغيري هدومك ومتتحركيش بالمنظر ده تاني، ثانياً صوتك لو علي وانتي بتكلميني أنا هبقى ليا تصرف تاني.

لم تستطع تحمل ما تسمعه، فهي تشعر أنها أمام شخص مختل عقلياً، فقررت إعطائه ظهرها كي تغادر، ولكن تفاجأت به يسحبها من معصمها ويديرها له بقسوة، فأرتطمت ذقنها بصدره لتتأوه بألم. مليكة بتألم وهي تحاول جذب معصمها: إنت اتجننت، سيب دراعي. صقر بسوداوية وهو ينحني عليها ويتحدث من بين أسنانه: ثالثاً أوغي يا مليكة، أوغي وأنا بكلمك تديني ضهرك وتمشي. مليكة بدموع محبوسة وقد بدأت تشعر بذراعها يتخدر: إنت بتوجعني!

خفف ضغط يده ببطء، ولكن لم يترك ذراعها، فنظر خلفها ليرى عمال الحديقة بدأوا بالتجمع، فخبأها خلفه. صقر بحدة: كله عينه في الأرض. في لحظة كان الجميع محني رأسه، فسحبها خلفه ودلف بها إلى القصر، ثم صعد الدرج وهو يشعر بالضيق من استماعه لنواحها المكتوم وصوت شهقاتها المتقطعة. صقر بحدة وهو يقف فجأة ويستدير لها: بس! انتفضت بذعر وهي تضع كفيها فوق شفتيها بسرعة لتكتم صوتها قبل أن يسمعه.

أكمل صعوده بها حتى وصل أمام غرفتها فطرق الباب بقوة لتفتح والدتها وتنظُر لهم بتعجب من مظهرهم. والدة مليكة بتعجب وهي تبدل نظراتها بينهم: خير يا ابني في إيه؟ إنت ماسكها كده ليه؟ مالك يا مليكة وشك أحمر كده ليه؟ إيه الدموع دي؟ مليكة بصوت رفيع للغاية وهي تحاول التماسك: مفيش يا ماما. صقر بهدوء وهو يدفع مليكة برفق داخل الغرفة: يا ريت مليكة متنزلش بالمنظر ده تاني.

ألقى جملته ثم ذهب فجأة كما أتى، فغغلقت والدة مليكة الباب وهي تعقد حاجبيها بتعجب لتلتف لإبنتها التي انهارت في البكاء ما أن أُغلق الباب لتحتضنها بسرعة وتربت على ظهرها. مليكة ببكاء: لا يا ماما مش هقدر، مش هقدر أبداً أتجاوز البني آدم ده، ده همجي ومتوحش ومتعجرف، عمري ما هحس بالأمان وأنا وهو لوحدنا. والدتها بضحك: متعجرف؟ يا حبيبتي بيغير على مراته، وإنتي يا مليكة نازلة لبكات؟ وبعدين راعي إننا في بيئة مختلفـ..

مليكة مقاطعة بصدمة وهي تبتعد عن أحضان والدتها: إنتي بتقولي إيه يا ماما، بقولك همجي ومتوحش وغير متحضر، ده عنده الصراخ هو أسلوب حياة، إزاي بتطلبي مني أبني بيت وأسرة مع ده؟ والدتها بضيق: تاني يا مليكة، هو إحنا اللي هنعيده هنزيده. لم تستطع الرد واكتفت بتمرير أناملها في شعرها بعنف ثم مسحت وجهها ودلفت إلى غرفتها، فتنهدت والدتها وهي تستغفر كثيراً. في المساء..

كان يجلسن العروسات بغرفة بدور وكل منهن ترتدي فستانها ولكن لا تظهر البهجة عليهم عدا بدور التي كانت تتراقص على ألحان الموسيقى الآتية من الأسفل. بدور وهي تلهث: ما تقوموا يا بنات. سيليا بحنق وهي تقضم أظافرها: ونبي إنتي فاية ورايقة. كانت مليكة تمسك هاتفها لا تعلم ماذا تكتب له، هل تخبره أنها ستتزوج وليلتها الليلة أم تخبره أنه السبب؟ فهو من تهاون بمشروع خطبتهم حتى أتموا السبع أعوام.

زفرت بضيق ودموع الحسرة تتجمع بأعينها، فهي تشعر بالعجز الشديد. "أنا فرحي النهاردة على ابن عمي، كان نفسي يكون انت بس النصيب، أنا آسفة ومتحاولش تكلمني." أغلقت هاتفها سريعاً بعد أن أرسلت له تلك الرسالة القصيرة ومسحت دموعها التي انهمرت دون إرادة منها. بدور بحنان وهي تجلس على ركبتيها أمامها وتضع كفها على فخذها لتربت بحنو:

متعيطيش ممكن، صدقيني أبيه صقر ده أطيب قلب ممكن تشوفيه في حياتك، على قد عصبيته على قد ما هو طيب، هو بس بسبب اللي حصله والمسئولية اللي بقت عليه هو اتغير. ثم التفت برأسها لريتال: وإنتي يا ريتا متخافيش، يونس قلبه زي البفتة البيضا، هو بس بيحب يشاكس كده اللي حواليه، لكن طيب والله. والتفت برأسها لآسيا:

وإنتي يا سوسو، على فكرة يامن راجل وجدع وهيشيلك في عينه، هو بس هلاس حبّتين تلاتة، لكن مش هتشوفي أجدع وأرجل منه والله وافتكري كلامي ده كويس. وإنتي يا سيليا، أنا مقدرة إنك فجأة لقيتي نفسك هتتجوزي وحياتك اتشقلبت، بس آسر أكتر حد بيدعم المرأة هنا. أكملت بعدما انتهوا من ضحكهم على جملتها:

والله بتكلم جد، آسر ده طموح حرفياً، دايماً بيفكر في المستقبل، كان دايماً بيتعارك مع صقر عشان خاطر يدخلني الكلية ومرة قدملي ورقي فعلاً، بس أنا من كتر خوفي من صقر مروحتش المقابلة بتاعت الكلية. متخافوش يا بنات ومتكشروش كده، افرحوا، هو إنتو هيبقالكم فرح كام مرة؟ وحطوا في بالكم إنكم مع ولاد عمتكم، يعني عيلة واحدة كلنا.

أنا مقدرة إن محدش فيكم يعرفهم بسبب البُعد اللي كان بينا، بس أنا بضمنهم ليكم برقبتي، أنا عاصرتهم كلهم وعرفتهم كلهم وعارفة معدنهم الطيب الأصيل. ريتال بحيرة وهي تقف: بصراحة كده أنا مش فارق معايا غير إن فرحي النهاردة وأنا عايزة أرقص.

وقفت بدور قبالتها وهي تبتسم بسعادة ثم أمسكت يدها وظلوا يمرحون ويرقصون حتى جذبت ريتال آسيا التي كانت ترى تلك الرقصات لأول مرة، فظلت تحاول التمايل معهن وهي تضحك بشدة، فجذبت بدور سيليا التي رقصت على مضض، أما مليكة فظلت تراقبهم بابتسامة وهي تصفق لهم وعقلها شارد في مستقبلها غير المعلوم، حتى قاطعهم دخول جدتهم المبتسمة التي راقبتهم بحب. فاطمة بسعادة: يلا يا عرايس، المأذون تحت.

هبطوا معها فتفاجئوا بحشد ضخم في بهو القصر، الذي ما أن رأوهم حتى أطلقوا الزغاريد العالية وهجموا عليهم بالقبلات والتهنئة، فأبعدتهم فاطمة بمرح وهي تدفع الفتيات إلى غرفة المعيشة الذي يجلس بها المأذون والشباب وعبد التواب ومحمود. جلس الفتيات وبدأت مراسم الزواج التقليدية حتى انتهى المأذون منهم جميعاً فقال جملته الشهيرة: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."

فأطلقت والدة سيليا ووالدة مليكة الزغاريد العالية وهنأوا الأولاد. عبد التواب بابتسامة: يلا كل واحد ياخد عروسته في إيده ويطلع للناس. اقترب يامن سريعاً من آسيا وأمسك معصمها ليضعه في معصمه، فضحكت فاطمة عليه وهي تضربه بخفة على كتفه، فوقف آسر أيضاً ومد يده لسيليا التي نظرت له بسخرية، ولكن ما أن رأت تلك السكرتيرة تقف على باب الغرفة فتآبطت بذراعه سريعاً وهي تسير معه للخارج. يونس بهمس وهو يقترب من ريتال:

دي هتبقى جوازة سودة على دماغك. ريتال بابتسامة مصطنعة وهي تتآبط بذراعه: هتبقى سودة على دماغك إنت، متقلقش يا حبيبي. لا يعلم لما ابتسم على تلك الكلمة العفوية، ولكنه أشار لها بتهديد، فأخرجت له لسانها. ذهبت بدور لأيان الذي كان يقف ثم أمسكت كفه بقوة وهي تبتسم بسعادة ظاهرة. بدور بابتسامة واسعة: مبروك علينا. أيان بهدوء: الله يبارك فيكي يا بدور. بدور وهي تتآبط بذراعه: يلا بينا.

وقفت مليكة تتابع ما يحدث بين بدور وأيان بأعين حزينة، فالآن فهمت لما تمتلك بدور تلك السعادة الكبيرة، فهي عاشقة ولكن يبدو أن أيان لا يبادلها الشعور، فهزت رأسها بيأس، ولكن فجأة حُجبت الرؤية عنها فقد وقف أمامها صقر ومد معصمه لها، فتآبطت بذراعه بتوتر، ما أن لمسته حتى شعرت بمعصمه يشتد أسفل كفها فأقشعر بدنها. صقر بهمس مخيف وهو يسير بها: إيه اللي انتي لبساه ده. مليكة بحنق: بقولك إيه الفستان محترم أهو. صقر وهو يضغط على كفها:

أنا قصدي ده. نظرت مليكة في كفها لترى دبلة خطبتها، فأبتلعت غصتها بتوتر وهي تكور قبضتها، فزفر صقر بقوة ثم سار بها للخارج. هنأهم الجميع وظلوا يحتفلون بهم بقوة حتى مرت تلك الساعات بصعوبة عليهم حتى غادر الجميع. عبد التواب بابتسامة وهو يقف أمام الجميع:

مبروك عليكم بعض يا حبايبي، النهاردة أنا سعادتي اكتملت بيكم، كده أقدر أموت وأنا مستريح، كل اللي طالبه منكم مهلة شهر بس وأوعدكم إن كل حياتكم هتتغير، شهر بس تستحملوا بعض من غير ما حد فيكم يطلب الطلاق، الجواز ياما بيحصل فيه خناق ومشاكل، لكن أهم حاجة تتمسكوا ببعض. أنا هعتبركم وعدتوني إنكم هتسمعوا كلامي وهتصبروا الشهر ده، كل ميراثكم هتاخدوه بعد الشهر ده أوعدكم، يلا اطلعوا غيروا هدومكم عشان رايحين مصر. فاطمة بابتسامة:

كل عروسة هدومها اللي جات بيها اتحطت في أوضة عريسها، يعني كل واحد ياخد مراته في إيده ويطلعوا غيروا وانزلوا تاني. نفض التجمع وتبقى عبد التواب ومحمود فقط ليجلسا على الأريكة بالصالة ليعم الصمت، فيكسره محمود بقوله. محمود بنبرة خافتة وهو يراقب صعود فتاته: أنا خايف أوي يا بابا. عبد التواب بابتسامة وهو يربت على ظهره: متخافش، أنا مش هكرر غلطتي بتاعت زمان. محمود بحزن: خايف سيليا تكرهني، إنت عارف هي قالتلي إيه؟

قالتلي مش عشان ترجع علاقتك بيهم تقدمني قربان ليهم. أنا خايف أوي يكون كلامها صح ويكون خوفي من إني أخسركم تاني هو اللي خلاني أوافق على جوازها بالطريقة دي، أنا مديت إيدي عليها لأول مرة في حياتي بسببكم. عبد التواب بهدوء ومازال محافظاً على ابتسامته:

طول عمرك حنين يا محمود، زمان وانت صغير كنت بقعد أقول لفاطمة متدلعيهوش كده هيطلع طري مش ناشف زي أبوه، كانت تقعد تقولي ملكش دعوة أنا عارفة بربيه إزاي، ولما كبرت وروحت درست بره هي بردو اللي قعدت تقنعني عشان تسافر إنت وإخواتك تتعلموا بره وكنت بقعد أقول هي مدلعاكم وهتبوظكم، بس اكتشفت إنها طلعت رجالة حنينة. متقلقش يا محمود، أنا مش هخسركم تاني، أنا بجد عارف المرادي بعمل إيه. محمود بابتسامة وهو يقبل يده:

ربنا يخليك ليا يا حاج ويطمنك زي ما طمنتني. ابتسم له واكتفى بهز رأسه. بعد قليل هبط الجميع خلف بعضهم البعض وكل منهم يحمل حقيبة، فطلب منهم الجد التوجه للخارج وأن تصعد كل واحدة منهم لسيارة زوجها. ريتال بتساؤل: طب و ماما؟ عبد التواب: إحنا هنركب العربية الكبيرة، السواق هيوصلنا، متقلقيش. أومأت ريتال ثم احتضنت والدتها بقوة وذهبت خلف يونس، ثم بدأ الجميع بالتحرك للخارج ليصعد كل منهم سيارته الخاصة.

مليكة بتساؤل وهي تنظر للسيارات حولها بعد أن صعدت مع صقر: هو انتوا خلاص هتسيبوا هنا خالص؟ اكتفى صقر بالانطلاق بالسيارة ليذهب خلفه الجميع. في سيارة يامن.. آسيا وهي تفتح النافذة لتخرج رأسها وتغمض عينيها: يااااه وحشني أوي إني أعمل الحركة دي. يامن بضحك: طفلة والله. ابتسمت على جملته وهي مازالت مغمضة عينيها تاركة الهواء يداعب وجهها. دلت بعد مدة ثم اعتدلت بجلستها ونظرت ليامن. آسيا بتساؤل:

إنت تعرف القاهرة كويس ولا متعود على هنا أكتر؟ يامن بضحك: أعرف القاهرة؟ ده أنا عشت فيها أكتر ما عيشت هنا أساساً، دراستي كلها كانت هنا وأصحابي وحياتي كلهم هناك. آسيا وهي تنظر للسيارة الفارهة بتأمل: إنت اللي جبت العربية دي؟ يامن بابتسامة: لا طبعاً، جدي جبهالي لما نجحت في ثانوية عامة، مع إن مجموعي مكنش كبير أوي يعني، بس هو مصدقش إني عديت السنة فجابلي عربية أحلامي. آسيا بحزم:

وإيه لازمة أحلامك طالما حد تاني هو اللي بيحققها لك؟ يامن: أفندم؟ آسيا بجدية: إنت دلوقتي حلمت حلم، إيه لازمة إنه يتحقق طالما مش إنت اللي تعبت فيه، عارف العربية دي لو كنت إنت اللي حوشتلها كنت آـ. يامن مقاطع بسخرية: كنت مجبتهاش طبعاً، واضح إنك بتحبي تتفلسفي كتير يا سوسو يا حبيبتي، خدي نصيحة من جوزك العزيز، طالما قدامك فرصة تحققي حلم من غير مجهود حققيه من غير جهد وعرق وقرف وكلام الناس العبيطة ده.

نظرت له بيأس وهي تهز رأسها بسخرية لتعقد ساعديها وتنظر أمامها وهي تفكر في الشخص الذي أصبح زوجها، فعلاً الجمال ليس كل شيء. في سيارة يونس.. كانت ريتال تجلس بالخلف وهي ممسكة بهاتفها تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي حتى قاطعها رنين هاتفها لتجيب وابتسامتها تكاد تصل لأذنها. ريتال بسعادة: وحشتينيييييي. صديقتها بحماس: افتحي الكاميرا. ريتال بسعادة وابتسامة وهي ترى صديقيها: يا ولاد اللذينة انتو مع بعض، وحشتوني يا جزم. محمد بضحك:

لسة لسانك طويل يا بت. انتبه يونس للصوت الذكوري الذي يصدر بالسيارة فنظر بالمرآة ليراها تضع الهاتف أمام وجهها وابتسامتها تكاد تصل لأذنها، فأستغفر ربه كثيراً بسره وهو يتابع ذلك الحديث الذي سينتهي بكارثة حتماً. ريتال بضحك: آه ملكش دعوة إنت، بتعملوا إيه في الوقت ده مع بعض الساعة 1 بليل يا مجانين. أسماء بسعادة وهي تحاوط خصر محمد: النهاردة اتقرا فتحتنا يا ريتا. ريتال بشهقة وهي تضع يدها فوق ثغرها: إيه؟ إنتو بتهزروا صح؟

محمد بضحك: مش قولتلك مش هتصدق المجنونة دي، والله النهاردة قرينا الفاتحة ودلوقتي خارجين مع أهلي وأهلها سهرانين برة بنحتفل، أهالينا طلعوا صحاب من زمان أصلاً. ريتال بحماس وسعادة مفرطة ظهرت على وجهها وهي تقرفص على الأريكة: لا لا احكولي من الأول. جحظت عيناه وهو يراها ترفع حذائها المتسخ لتضعه على الأريكة، فزمجر بعنف لترفع عينيها له في المرآة فتراه يحذرها بعينيه أن تخفض قدمها.

ابتسمت باستفزاز وهي تجلس بأريحية وتتعمد الضغط على قدمها لتترك أثر الحذاء على الأريكة، فعض شفتيه بغضب ولكنها تجاهلته مكملة حديثها مع أصدقائها. أسماء: يا بنتي لقيت فيه عريس متقدملي وبابا موافق من قبل ما أشوفه وأقعد معاه، قعدت أعيط واتضربت عن الأكل وحبست نفسي في الأوضة، وكل ده هيجرالي حاجة ومحمد اختفى مرة واحدة، لا بقى يبعتلي ولا يكلمني وميردش عليا لحد ما جه النهاردة طالعة بالإكراه أقدم الشاي لقيت محمد في وشي.

محمد مكملاً بضحك: قامت مصوتة ورامية الصينية على الأرض. ريتال بضحك: يخرب عقلك يا سوما. أسماء بضحك: بس يا ستي، وأونكل بابا محمد قال بما إن الولاد عارفين بعض، فأحنا نخلي النهاردة قراية فاتحة بدل تعارف، وبابا عشان أونكل صاحبه أوي معترضش، وأدينا خارجين بنحتفل كلنا وسهرانين للفجر. ريتال بسعادة: أنا مبسوطة أوي بيكم، ربنا يخليكم لبعض وليا يا رب. محمد بابتسامة: ويخليكي لينا يا أحلى ريتا.

محم يونس بنفاذ صبر وهو يحرر ربطة عنقه ونظر لها بالمرآة، رآها تعبس بوجهها فجأة فعقد حاجبيه بتعجب حتى تحدثت. ريتال بضيق: معاك شاحن يا أخويا؟ يونس بابتسامة مستفزة: معايا.. بس مش هديهولك. كادت أن تبتسم ولكنها عبست مع إكماله لجملته، فزفرت بحنق وهي تلقي هاتفها بجانبها وتتوعده بداخلها لتنظر للخارج وتشرد في حياتها القادمة. في سيارة صقر..

كانت مليكة تعقد ساعديها وتراقب الطريق المظلم أمامها، فجأة وضعت كفها على فخذها لتتأمل خاتم خطبتها بشرود. لم تستطع تحمل النظر له، فكورت قبضتها وهي تغمض عينيها بقوة. مليكة بداخلها: في إيه يا مليكة؟ أومال لو كنتي بتحبيه بجد كنتي عملتي إيه؟ زعلانة على العشرة؟ عشرة إيه؟ إنتوا كنتوا بتتكلموا في المناسبات، ولا إنتي بتمثلي إنك زعلانة؟

هنا فتحت عينيها فجأة، يليها كفها الذي خلعت منه الخاتم ووضعته بجيبها، كل هذا تحت أنظار صقر الذي كان يتابع بهدوء دون أن ينطق بكلمة. مليكة بتساؤل: هو إنت وبدور ليه علاقتكم وحشة كده؟ البنت بتترعب منك كده ليه؟ صقر ببرود: عشان هي المفروض تترعب مني. مليكة بذهول وسخرية: لا والله؟ على فكرة كده غلط. صقر بحزم: متدخليش في اللي ملكيش فيه يا دكتورة، إحنا اللي بينا ورقة وملهاش أي تلاتين لازمة. ثم أكمل بقسوة وهو يجذبها من ذقنها:

ويا ريت إنتي كمان تترعبي مني زيها. أزاحت يده وظلت تفرك ذقنها وعلامات التألم تظهر بقوة على وجهها، فزفرت بحنق واستندت برأسها على النافذة وهي تتمنى أن تصل إلى المنزل سريعاً كي تختبئ في الغرفة وتبكي بشدة على ذلك البلاء الذي وقعت فيه. بعد مرور عدة ساعات.. وصل الجميع لضالتهم وبدأوا بالهبوط تدريجياً، منهم من كان يتأمل الحديقة الواسعة ومنهم من كان ينظر للقصر الضخم بتأمل وذهول. الجد بابتسامة وهو يتأمل الحشد حوله:

نورتوا بيتكم يا حبايبي، يلا سيبوا الشنط وادخلوا، عادل (مساعد الجد) هيدخل الشنط. يلا يا عرسان كل واحد عارف الدور بتاعه فين، خد عروستك واطلع وريها شقتكم. ريتال بهمس وهي تلكز بدور: شقتنا؟ يعني إيه؟ بدور بهمس وهي تميل عليها: أصل كل واحد في الولاد ليه دور والدور عبارة عن شقة. ريتال بغيظ: والبنات إيه؟ أما مجتمع ذكوري بصحيح.

ضحكت بدور وهي تهز رأسها بيأس، ثم استمعوا لجرس الباب فألتفوا جميعاً ليروا من الطارق ليتفاجئوا بفتاة تجلس فوق مقعد متحرك ويحركها شاب صغير خلفها. مليكة بذهول وهي تقترب منها بسرعة وتجثو على ركبتيها: مليكة؟ إنتي بتعملي إيه هنا؟ مليكة بسخرية وهي تنظر لصقر بنظرة باردة: إزيك يا دكتورة، ولا أقولك يا مرات بابا أحسن.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...