الفصل 6 | من 29 فصل

رواية زواج بالاكراه الفصل السادس 6 - بقلم ملك مصطفي

المشاهدات
18
كلمة
3,472
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 21%
حجم الخط: 18

في القصر.. في غرفة نوم عائلة عبد العال.. كانت مليكة تدور حول نفسها بعصبية، ويجلس أمامها على الأريكة والدتها التي تراقب فتاتيها بتوتر. كانت ريتال تجلس أرضًا، وتحتضن ركبتيها، وأعينها مازالت جاحظة من صدمتها. مليكة بغضب شديد وصوت عالٍ: -أكيد ده كابوس، أنا مش هوافق على العبط ده على جثتي. إحنا فين إن شاء الله؟ في غابة؟ قال يجوزنا غصب قال. مين ده اللي جاي يعمل علينا جد وخايف على مصلحتنا؟

أنا معرفش عنه حاجة ولا عايزة أعرف، كل اللي عرفاه إني مش هسيبه يتحكم في حياتي. ريتال بحدة وهي تقف بجانب شقيقتها: -وإنتِ إزاي يا ماما توافقي على التخلف ده؟ يعني إيه تقوليله ماشي؟ وإحنا فين رأينا؟ والدتهم بحزم: -ممكن تسكتوا وتهدوا شوية. وبعدين إنتوا شوفتوا هتتجوزوا مين؟ دول ولاد عمتكم شباب زي الورد وناجحين و.. مليكة بضحكة ساخرة وصدمة جلية: -هو إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ مستوعبة بجد؟

أنا واحدة مخطوبة وريتال لسة في الكلية مبتفكرش في حاجة زي دي، ومن حقها تختار اللي عايزاه، لكن ميتفرضش عليها حد! والدتها بضيق: -إنتِ مخطوبة اسمًا بس، تقدري تفهميني فين خطيبك ده اللي موقف حالك 8 سنين؟ جدك اختارلكوا عرسان زي الورد، خلاص اقفلوا الموضوع ده. ريتال بغضب: -أنا مش مصدقاكي بجد. إنتي ماشية ورا العيلة دي ليه؟ مش دول اللي كانوا شايفينك متشرفهمش زمان وقاطعوا بابا بسببك؟ إنتي ليه مسلمة كده وماشية وراهم مغمضة؟

فيه إيه؟ ما تفوقي. والدتها بغضب شديد وهي تصفعها: -أنا فعلا معرفتش أربيكي يا قليلة الأدب. ريتال وقد احمرت عيناها من الغضب وهي تضع كفها على وجنتها: -دي تاني مرة تمدي إيدك عليا. ثم ركضت للخارج ودموعها تنهمر فوق وجنتيها، لتلحقها مليكة لكن توقفها والدتها. والدتها: -اقعدي عشان نتكلم. مليكة بضيق: -نعم يا ماما. والدتها بتنهيدة: -أنا عمري آذيتكوا يا مليكة؟ ولا خدت قرار غلط ضركوا؟ مليكة بصدق: -لا عمرك ما عملتي كده.

والدتها وهي تمسك كفيها: -أنا بجد بحب عيلة باباكي برغم كل اللي حصل زمان. عبد العال كان دايما يحكيلي عنهم وعن قد إيه هما ناس كويسين، أنا حبيتهم من قبل ما أشوفهم. جدتك كانت دايما لما تكلم باباكي كانت تكلمني وتطمن عليا وتقعد تتأسفلي بالساعات، وعماتك كمان نفس الكلام. هما بجد كويسين وولاد عماتك كمان كويسين ومحترمين. وجدك فعلا ندم على اللي عمله زمان وبيحاول يعوض ده دلوقتي. مليكة بدموع: -بيحاول يعوض ده بعد إيه؟

أنا عمري ما هنسى دموع بابا كل يوم وهو مقهور عشان نفسه يرجع لهم. وبعدين عبد التواب لو فعلا ندمان يحاول يصلح ده مش يجوزنا؟ إيه علاقة الجواز بالندم؟ ده كده بيكرر نفس الغلط. والدتها وهي تمسح دموعها بلطف: -يا حبيبتي هو خايف العيلة تتفكك تاني عشان هو شايف إنه في آخر أيامه. وبعدين إنتِ عارفة لو رفضتي ممكن يروح فيها، إنتِ مسمعتيش الدكتور قال إيه؟ وتخيلي باباكِ وهو بيبصلك بعد ما كنتي سبب في موت باباه!

لا تعرف لماذا تخيلت والدها يقف أمامها وينظر لها بحسرة وخيبة أمل كبيرة، مما جعل قلبها يعتصره الألم. فدفنت وجهها بين كفيها وظلت تبكي بقوة. كانت تعلم الأم أن نقطة ضعف بناتها هو والدهم رحمه الله، لذلك تضغط عليهم به وتستغل ضعفهم تجاهه. في غرفة محمود..

كان يجلس ويضع رأسه بين كفيه، ويكاد قلبه أن ينفجر من شدة توتره وهو يستمع لنواح ابنته من الداخل. لا يعلم ماذا يفعل، فهو لا يصدق أخيرًا أنه عاد لعائلته، لا يريد أن يخسرهم مرة أخرى، ولكن أيضًا لا يريد أن يخسر ابنته. قاطع تفكيره صوت أقدام غاضبة تقترب منه. سيليا بحدة وهي ترفع سبابتها في وجهه: -أنا مش هتجوز يا بابا، إنت سامعني؟

حتى لو قتلوني هنا مش هتجوز، يعني مش هتجوز. مش عشان تصلح علاقتك بأهلك تقدمني قربان ليهم، إن شاء الله عنكو ما اتصلحتوا، أولعوا كلكم. ذهل من وقاحتها ولم يدري بنفسه إلا وهو يرفع يده لتهبط على وجنتها بقوة. محمود بحدة وهو يمسك معصمها ويهزها بعنف: -هتتجوزي ابن عمتك وتسمعي كلام جدك ورجلك فوق رقبتك. على آخر الزمن ترفعي صوتك عليا وتقلّي أدبك كمان. سيليا ببكاء هستيري وهي تركض للخارج: -أنا بكرهك.

تحطم قلبه وهو يراقبها تخرج هكذا، ونظر لكفه ثم لزوجته التي كانت تضع يدها فوق شفتيها بصدمة. محمود بحزن وتأنيب ضمير: -إيه اللي أنا عملته ده!! أنا خليت بنتي تكرهني!! هو أنا مينفعش أعيش من غير حرب، لازم يبقى فيه حد كارهني. زوجته بمواساة: -معلش يا حبيبي، بس إنت قسيت عليها أوي. إنت عمرك ما مديت إيدك عليها، والبنت مش مستوعبة إنها هتتجوز، تقوم إنت بدل ما تفهمها تضربها.

حرك رأسه بيأس من نفسه وفرك وجهه بعنف وهو يفكر مرة أخرى في تلك الأحداث المتتالية. في غرفة بدور.. كانت تنام فوق الفراش وتسترجع كلام جدها، وابتسامتها تكاد تصل لأذنيها. فلاش باك.. عبد التواب بابتسامة: -طول عمري راضي عنك إنت وإخواتك. بس أنا سعادتي ناقصة. فاطمة بتساؤل: -وإيه اللي يكملها يا حبيبي؟ عبد التواب بعد صمت دام لثواني: -إن أحفادي يتجوزوا..بعض!!! الجميع بصدمة: -نعم!!!!!!!!! عبد التواب مكملاً:

-أنا مش عايز العيلة تبعد عن بعض تاني، وأنا عارف إن أول ما أموت كله هيبعد عشان خلاص مفيش حاجة هتربطكوا ببعض، لأنكم طول عمركم متربيين بعاد عن بعض. الكلام للبنات مش للولاد. وأنا مش عايز ده يحصل، عايزكم تفضلوا دم واحد. عشان كده أنا قررت إن صقر يتجوز مليكة، وريتال تتجوز يونس، وبدور تتجوز أيان، وسيليا تتجوز آسر، وآسيا تتجوز يامن. واللي هيعترض أنا غضبان عليه ليوم الدين ومالوش ورث عندي.

أنهى كلامه بضربة خفيفة على الأرض بعكازه، لينهض بعدها بهدوء ويجذب فاطمة من معصمها ليغادروا الجلسة وينصرف كل منهم إلى غرفته وسط اعتراضات وصيحات، ومنهم من تحلى بالصمت. انتهاء الفلاش باك.. بدور بسعادة مفرطة وهي تقف أمام المرآة لتخلع حجابها، ليسقط شعرها الطويل خلف ظهرها بحرية: -أخيرًا هبقى ليا يا حبيبي. أنا هبقى مرات أحسن كاتب في الدنيا.

ظلت تدور حول نفسها بسعادة ويتطاير حولها شعرها الناعم، حتى قاطعها طرقات الباب، لتضع حجابها بسرعة وتذهب لتفتح، لتجد أمامها جدتها. ما أن رأتها حتى ارتمت بأحضانها. فاطمة بضحك وهي تحاول التملص من بين يدي تلك الصغيرة: -يا بت سيبيني أدخل الأول. بدور بسعادة مفرطة وهي تسحبها للداخل وتغلق الباب: -أنا هبقى مرات أيان يا تيتة. يا مرييي، هو أنا بحلم ولا إيه؟ أنا أكيد في حلم جميل. اقرصيني كده.

مدت ذراعها لجدتها لتقرصها الجدة بالفعل، لتصرخ الأخرى بألم. فاطمة بضحك: -صدقتي إنك مش بتحلمي ولا لسه؟ بدور بضحك وهي تفرك معصمها: -صدقت صدقت. يا رب الموضوع يتم فعلاً. فاطمة بتنهيدة: -مش عايزة أخيب أملك، بس محدش موافق غيرك، يعتبر كله معترض. بدور بلامبالاة: -هيوافقوا. إنتي فاكرة عبد التواب هيسيبهم؟ فاطمة بحزن: -مش عايزهم يكرهونا زيادة، كفاية الجفا اللي هما فيه من ناحيتنا. ثم أكملت بهمس: وبعدين أنا سمعت إن مليكة مخطوبة.

بدور بغباء: -أيوه فعلاً مخطوبة، إنتي مش شايفة الدبلة اللي في إيدها؟ فاطمة: -يبقى كده مش هينفع تتجوز. بدور: -بقولك مخطوبة مش متجوزة، يعني عادي تفركش وتتجوز. فاطمة: -مش عارفة، حاسة إننا بنعيد القصة إياها تاني وهخسر أحفادي، بس العمر مفيهوش بقية إني أستنى 30 سنة كمان. بدور بحزن وهي تحتضنها:

-ربنا يديكي طولة العمر يا بطة، متقوليش كده. إن شاء الله بنات عمامي يحبونا ويساامحوا جدي وتبقى حياتنا كلنا حلوة ومنقدرش نستغنى عن بعض. فاطمة وهي تمسح دموعها: -يا رب يا حبيبتي. في المطبخ.. كانت آسيا تشرب بعض من المياه، ويكاد رأسها أن ينفجر. فبدون وعي منها ظلت تضغط على الكوب الزجاجي بيدها حتى تهشم وجرحها. المساعدة بفزع وهي تركض لها: -يا مرييي، كفك بينزف يا هانم. آسيا بلا مبالاة وهي مازالت شاردة:

-ليه عشان آخد ورثي أتذل الذل ده كله؟ ده حقي ورث أبويا يعني من حقي!!! دلف يامن إلى الداخل ليرى يدها التي تنزف بغزارة، فركض إليها وجذبها من معصمها، ثم سار بها إلى الصنبور ليفتحه ويضع كفها أسفل المياه المنهمرة. يامن بتساؤل: -بتنتحري ولا إيه؟ كان ممكن تقولي لأ مش هتجوز وخلاص. آسيا بضيق وهي تراقب الدماء التي تنهمر من يدها مع الماء: -مش وقت هزارك بجد. يامن وهو يغلق الصنبور ويسحب مناديل ورقية ليضعها فوق جرحها:

-مش بهزر، بس شكلك إنتِ اللي بتهزري. خلي بالك على نفسك بعد كده. آسيا بذهول: -هو إنت إزاي أعصابك باردة كده؟ ولا انت مكنتش قاعد و سامع اللي اتقال؟ يامن بهدوء ومرح: –لا سمعت عادي، بس انا موافق، حد يطول ياخد الجنسية. آسيا بغضب وهي تضربه في صدره بكفها: –بطل هزارك ده قولت!!! فوق و شوف المصيبة اللي احنا فيها، ولا تكون فاكر اني هوافق اتجوزك بجد! يامن بتساؤل جاد: –و متوافقيش ليه؟ آسيا بضحكة مصدومة:

–يبني انا لسة شيفاك أول امبارح، هو انا اعرفك عشان اصاحبك حتى مش اتجوزك؟ مش عشان ضحكنا ضحكتين سوا يبقى عادي نتجوز، و بعدين انت ولا وراك شغلة ولا مشغلة، هتفتح بيت ازاي؟ هتخلي مامتك تصرف علينا ولا جدك؟ يامن بلا مبالاة وهو يسحب تفاحة من طبق الفاكهة الموضوع أمامه: –ما انتي شاطرة اهو، اكيد جدي اللي هيصرف علينا.

تركتها و غادر تغلي بمكانها، فجزت على أسنانها بحنق و أخرجت هاتفها تهاتف صديقتها بحرية مستغلة أن كل العمال لن يفهموا لغتها. آسيا بغضب: –Everything has been destroyed. “كل شئ قد تم تخريبه.” صديقتها بقلق: –Why? What happened? “لماذا؟ ماذا حدث؟ آسيا بحنق: –The despicable wants me to get married to give me my money. “يريدني الحقير ان اتزوج ليعطيني نقودي.” صديقتها بصدمة: –from Who wants you to get married?

“ممن يريدك ان تتزوجي؟ آسيا: –From my cousin, and he told us that if we objected we were deprived of inheritance. “من ابن عمتي، و لقد أخبرنا أنه إذ اعترضنا نحرم من الميراث.” صديقتها بسرعة: –And of course you agreed? “و بالطبع انتي وافقتي؟ آسيا بغضب وعدم تصديق: –Of course I didn’t agree, did you go crazy? “بالطبع لم أوافق، هل جننتي؟ صديقتها بحدة:

“But you are the one who went crazy, did you forget the reason for your travel? You went for money, you went for us, if you don’t bring the money, we’ll be put in front of the door and become food for street dogs.” “بل انتي من جننت، هل نسيتي سبب سفرك؟ انتي ذهبتي للمال، ذهبتي من أجلنا، ان لم تأتي بالمال سيتم وضعنا أمام الباب و نصبح طعام لكلاب الشوارع.” آسيا بتشتت: –Yes, I came for money, not for marriage.

“نعم لقد أتيت للمال، ليس للزواج.” صديقتها: –So consider it a marriage for money and nothing more, so you will gain the satisfaction of your grandfather and his money as well, and when he dies you divorce it so easily. “اذن اعتبريه زواج للمال ليس اكثر، فبهذا ستكسبي رضا جدك و أمواله أيضا، و عندما يموت تتطلقين، انها بهذه السهولة.” آسيا بحنق: –Do you think the title of divorced woman is easy here?

يظنون أن المطلقة ما هي إلا امرأة سيئة ويطلقون عليها أشياء سيئة. صديقتها بغضب: آسيا، لا تقلقي من فضلك، أنتِ لن تعيشي هناك. لا يهم ما سيقولونه، فأنتِ ستعودين إلى هنا بعد أن تحصلي على المال. آسيا بتنهيدة: لا أعلم يا فتاة، رأسي يكاد أن ينفجر من كثرة التفكير. صديقتها: لا تضيعي تعبنا هباءً، فقط ركزي على المال، لا يهم الطريقة التي ستحصلين عليه بها، المهم هو المال.

زفرت آسيا بضيق وأغلقت معها وهي تشعر بالحيرة، فخرجت من المطبخ لتعود لغرفتها لتستطيع التفكير جيدًا. في الحديقة.. كانت تجلس ريتال فوق الأعشاب وتبكي بعنف وهي تحتضن ركبتيها وتدفن رأسها بهما. فلم تشعر بمن يجلس بجانبها ويشاركها ذلك البكاء. سيليا ببكاء وتقطع وهي تمد يدها لريتال: امسكي، امسحي دموعك. ريتال ببكاء وهي تحاول التقاط أنفاسها: شكرًا، معي مناديل. أنتِ تبكينِ لأجل... سيليا مقاطعة بإنفجار وهي ترمي بنفسها بأحضانها:

سأتزوج غصبًا عني! وعلى ذكر تلك السيرة، انفجرت الأخرى أيضًا. وظلوا يبكون بأحضان بعضهم البعض لفترة، لا يدرون عن تلك الأعين التي تراقبهم من الأعلى. عبد التواب بضحك: أحفادي مجانين، باين كده. قاطعه دخول صقر الذي سحب مقعدًا وجلس بدون أن ينطق بكلمة. عبد التواب بتنهيدة وهو مازال يقف ويراقب الفتيات بالأسفل: لو معترض، خلي اعتراضك جواك يا صقر. أنا مش عايز أسمع حاجة. خلاص المأذون جاي بعد بكرة. آسر بصدمة وهو يقترب منهم: بعد بكرة؟

إيه يا جدي التهريج اللي بيحصل ده؟ عبد التواب بهدوء وهو يجلس قبالتهم: خير البر عاجله. هتلاقوا فين بنات حسب ونسب وجمال وأخلاق زي بنات خالتكم؟ وبعدين أنا عايز أحافظ عليكم عشان تفضلوا إيد واحدة. أيان بغضب وهو يسحب مقعدًا ويجلس عليه: تخلينا إيد واحدة بأننا نتجوز بعض؟ أنت كده بتزود الكره بينا وبتخلي العيشة بينا مستحيلة. يونس وهو يستند بظهره على الجدار: والله أنا رأيي من رأي أيان. أكيد فيه حلول تانية عشان نفضل سوا.

عبد التواب بغضب وهو يراقب أربعتهم: هو أنا أوضتي بقت سبيل؟ أي حد يدخل كده. ثم أكمل بتصميم وهو يقف: اللي عندي قولته. بكرة كتب الكتاب وهنعمل فرح يسمع في البلد كلها وكل الناس تحلف بيه. شعروا بالغضب فغادروا جميعًا، عدا صقر الذي ظل جالسًا بثبات ينظر لجده بنظرة ثاقبة. بداخله نيران تتأجج وجده يعلم ذلك، فاكتفى بإبعاد نظره عنه وإعطائه ظهره لينظر للفتيات بالأسفل. عبد التواب وهو يراقب الفتيات:

حاول تقلل عصبيتك دي شوية. خليك بني آدم طبيعي عشان أنا مش هسمح إن بنت خالتك تتأذى منك! ابتسم صقر ابتسامة جانبية سوداء واكتفى برمي ظهره بنظرة سوداوية تحمل الكثير والكثير، ثم وقف وغادر بهدوء كما أتى. عبد التواب وهو يلتف لينظر بأثر حفيده: أنت أكتر حد هيستفاد من الجوازة دي يا صقر. لازم تفوق من اللي أنت فيه ده. أوعدك مش هكرر غلطتي زمان معاك! في صباح اليوم التالي..

كان يجلس الجميع على طاولة الطعام، لا يأكل منهم أحد، فقط ينظرون لصحونهم والصمت يخيم عليهم. نظر عبد التواب للجميع وتنهد بهدوء حتى قرر أن يقطع ذلك الصمت. عبد التواب بتساؤل: مش بتاكلوا ليه؟ ده جدتكم اللي طابخة النهاردة حتى. لم يرد أحد عليه، فزفر بحنق ووضع ملعقته جانبًا. ثم ضم كفيه وأسندهما على الطاولة أمامه. عبد التواب بهدوء: المأذون هييجي بكرة بدري، عن الفرح. دلوقتي فيه ناس جاية عشان تختاروا الفساتين والبدل بتاعتكم.

مليكة بصدمة وهي تقف: لا، ده كده جنان رسمي. أنت بردو هتنفذ اللي في دماغك؟ عبد التواب بهدوء مزيف وهو يحاول تمالك أعصابه: آه يا مليكة. مليكة بقلة حيلة وهي تجز على أسنانها لتحاول منع دموعها: أنا هوافق بس عشان خاطر أبويا اللي أنت موته بحسرته، عشان أنا مش هقبل أبدًا إنه يزعل مني بسببك. بس عايزك تعرف إني بكرهك أوي وهفضل أكرهك ومش هسامحك أبدًا.

ألقت كلامها في وجهه ثم غادرت، متمنية موتها في الحال كي لا تحضر مراسم زواجها تلك. كادت أن تذهب والدتها خلفها ولكن منعها عبد التواب وأمرها أن تتركها وحدها قليلًا كي تهدأ. عبد التواب بهدوء: جهزوا كلكم عشان زمان المأذون على وصول. حليمة، خلي خبر جواز أحفاد عبد التواب ينتشر في البلد كلها. عايز الصغير قبل الكبير يكون عارف. المساعدة بأدب وهي تنحني لتغادر: أمرك يا حج.

وبالفعل في أقل من نصف ساعة كانت البلدة جميعها تهنئ وتبارك مهللين سعداء بتلك الأخبار السعيدة، ولكنهم لا يعلمون أن تلك الأخبار سعيدة بالنسبة إليهم فقط. في غرفة عبد التواب.. فاطمة بتساؤل وهي تضع كوب الماء فوق الطاولة الصغيرة في منتصف الغرفة: أنت متأكد يا عبده من القرار ده؟ مش حاسس إننا كده بنظلمهم؟ عبد التواب بضيق: لو بنظلمهم كانوا اعترضوا يا فاطمة. فاطمة بتهكم:

أنت عارف كويس إنهم مش موافقين. كل واحد وافق لأسبابه، والعامل المشترك بينهم إنهم خايفين منك، خايفين تحرمهم من ورثهم. عبد التواب بابتسامة جانبية وهو ينظر باتجاه الشرفة: أنا عارف أنا بعمل إيه كويس، متقلقيش. فاطمة بحيرة: مش عارفة يا عبده، قلبي مش مطاوعني. أنت عارف إن مليكة مخطوبة؟ عبد التواب بزمجرة وهو يقف:

مخطوبة لجلنف مش حاسس بقيمتها. ميعرفش إنه واخد مليكة عبد العال الجندي اللي البلد كلها تتمنى تطول ضافرها. هو ميستاهلهاش. فاطمة وهي تضرب كفيها بحيرة: يا رب ما يكرهونا أكتر ما هما كارهنا. عبد التواب بهدوء: روحي شوفي هما خلصوا ولا لأ. الغدا ناقص عليه نص ساعة، مش عايز حد يتأخر. فاطمة وهي تقف استعدادًا للمغادرة:

حاضر، بس فكر كويس يا عبده. دي تالت مرة تعملها وكل مرة النتيجة بتبقى من سيء لأسوأ. أول مرة خسرنا 3 عيال والحمد لله ربنا عاقبنا، اتنين و أخذهم مننا. والمرة التانية... عبد التواب مقاطعًا بغضب وهو يرفع كفه: قلت خلاص يا فاطمة. هو أنا كلامي مش بيتسمع؟ تنهدت بيأس ثم غادرت الغرفة، تاركة تلك الشحنة المفعمة بالغضب خلفها تنظر في أثرها بضيق. في ردهة القصر..

كان يعم الضجيج من كثرة الأناس التي تعمل به، فكانت الفتيات يجلسن بملل يراقبن أولئك المصممات وهن يبذلن قصارى جهدهن كي يخرجوا لكل واحدة منهن فستانها المميز. المصممة وهي تخرج فستانًا لؤلؤيًا ضخمًا: إيه رأيك في ده يا مليكة هانم؟ ريتال بحماس وهي تصفق: هيبقى تحفة عليكي يا مليكة. مليكة بضيق وهي ترمق شقيقتها بنظرة حانقة: أنا قلت أنا هلبس بنطلون وبلوزة، مش قصة هي. فاطمة بصدمة وهي تقترب منهم: بنطلون وبلوزة إيه يا مليكة؟

ده بتبقى ليلة في العمر يا حبيبتي. مليكة بهمس وهي تجز على أسنانها: ليلة سواد على دماغكم. فاطمة بقلة حيلة وهي ترمقها بحدة: استغفر الله العظيم يا رب، حد يقول كده على ليلة فرحه. المصممة الأخرى وهي ترفع فستانًا بسيطًا ولكنه رائع: طب وده يا آسيا هانم؟ آسيا بضيق: لا. المصممة بإنهاك:

فاطمة هانم، إحنا بقالنا 3 ساعات بنحاول نقنعهم بفساتين، لكن مفيش أي حاجة عاجباهم. إحنا طلعنا كل الفساتين اللي عندنا، محدش متعاون معانا غير بدور هانم. ألقت فاطمة نظرة على بدور التي كانت ترتدي الفستان وتقف أمام المرآة وتدور بحماس شديد. هزت رأسها بيأس من تلك الفتاة المجنونة، ثم نظرت بحنق على الأربع فتيات الذين يجلسون فوق الأريكة يعقدون ساعديهم بملل وضيق واضح. فاطمة بابتسامة: طب سيبونا لوحدنا خمس دقايق.

في ثوانٍ معدودة كان قد اختفى الحشد الموجود ولم يبق سوى الجدة والأحفاد. فاطمة بحدة وهي ترفع سبابتها في وجههم: إيه المناظر دي؟ ده منظر عرايس فرحهم بكرة، وبعدين انتوا قالبين وشكم ليه كأنكم مغصوبين على الجوازة و... قاطعها قهقهاتهم الساخرة ووقوف سيليا أمامها. سيليا بقهر وقد تجمعت دموعها في عينيها: ده على أساس إننا بنتجوز برضانا؟ إنتوا إيه اللي رجعكم حياتنا؟

إحنا كنا مرتاحين من غيركم. أنا أبويا لأول مرة في حياته يمد إيده عليا بسببكم. فاطمة بصدمة: محمود ضربك؟ سيليا بضحك مقهور وهي تضع كفيها بين شعرها: أنا بقولك إيه وأنتي بتقولي إيه... "في إيه بيحصل هنا؟ انتفض الجميع على الصوت الجهوري الذي أتى فجأة من الخلف لينظروا له جميعًا برهبة ويعم الصمت بالمكان. اقترب عبد التواب منهم وهو يرمقهم بنظرة غاضبة. عبد التواب بحدة: صوتكم جايب آخر بلاد المسلمين. في إيه؟

تاعبين الناس اللي جايبينهم عشان يريحوكوا ليه؟ هو ده الأدب اللي اتعلمتوه؟ وقفوا بجانب بعضهم البعض محنيين رؤوسهم برهبة ويستمعون لكلامه بقلب يكاد ينخلع. عبد التواب بحزم ونظراته تدور بينهم:

قدامكم نص ساعة وتكون كل واحدة فيكم اختارت فستانها وقعدت على كرسيها على السفرة. اعملوا حسابكم الناس جاية بالليل عشان الحنة، مش عايز أشوف أي تكشيرة. على آخر الزمن هتجيبوا لعيلتكم الكلام ويقولوا غاصبينهم على بعض. عرفيهم يا بدور نظامنا إيه لأني مبحبش أكرر كلامي. بدور بتوتر وهي تحني رأسها باحترام: حاضر يا جدي.

هز رأسه بفهم ثم غادر لتتبعه فاطمة وقد دمعت عيناها على أحفادها. ما لبثت ثوانٍ حتى عادت المصممات من جديد، ولكن تلك المرة كانت أسهل بكثير فالفتيات اختاروا فساتينهم أخيرًا وليس آخرًا. على الجانب الآخر.. عند الشباب تحديدًا، في غرفة يامن.

كان كل منهم يرتدي بدلته الكلاسيكية ويجلسون في انتظار جدهم، فقد أخبرتهم الخادمة أنه آتٍ ويريد رؤيتهم بملابس العرس. كان صقر يقف في الشرفة ويشعل سيجارته حتى استمع لطرقات الباب. حمحم يامن ليلفت انتباهه، ولكنه استدار لينظر لهم، وما أن رأى جده ينظر لسيجارته المشتعلة في يده حتى ألقاها بإهمال ولا مبالاة وداس عليها وهو يدلف الغرفة. عبد التواب وهو ينظر لهم ليتأملهم:

ما شاء الله عليكم يا ولاد الجندي. رجالة زي الورد. اقعدوا عايز أتكلم معاكم. أكمل حديثه وهو يجلس على الأريكة بعد أن رآهم يجلسون: دلوقتي معظمكم أشغاله في القاهرة، وطبعًا زي ما أنتوا عارفين بنات خلانكم متربيين هناك وكبروا هناك، وانتوا بردو معشتوش هنا كتير، أغلب حياتكم كانت هناك في المدينة. يامن بحماس وعدم تصديق: متجولش إننا هننقل القاهرة! عبد التواب بضحك على حماسه:

أيوه، بعد الفرح على طول هنروح القصر بتاعنا اللي هناك. كده كده انتوا عارفين إن هناك أكبر وإحنا شغلنا معظمه هناك. إيه رأيكم؟ يامن بسعادة مفرطة وهو يحتضنه بقوة: الله عليك يا جدي يا جامد، هو ده الكلام ولا بلاش. عبد التواب بتحذير مبطن وهو يربت على وجهه: هناك الصحافة أكتر والعين هتبقى علينا أكتر يا يامن، ها؟ وأنت هتبقى راجل متجوز يعني الهبل بتاع زمان ده أنا مش هسمح بيه. يامن بلامبالاة وهو مستمر في عناقه:

يا حبيبي يا عبده. بقولك إيه، أنا اللي هاخد الدور الأخير، أنت عارف إني بحبه ودائمًا لما كنا بنروح هناك كنت بقعد فيه. عبد التواب بضحك: ماشي يا لمض أفندي. مسمعناش آرائكم يعني. آسر بهدوء: كده كده أنا بيتي هناك، فاللي يريحكم طبعًا. عبد التواب بلهجة حازمة: لا، مفيش بيتي وبيتيكم. كلنا هنقعد في القصر سوا. كده كده القصر جنب الشركة، ملكش حجة.

أومأ بمضض وهو يحل ربطة عنقه الذي يشعر أنها تخنقه بشدة. نظر عبد التواب للبقية فلم يجد ردًا سوى نظرات غير مفهومة. عبد التواب مكملًا حديثه: وأنت يا أيان كده كده شغلك هناك، أنت وآسر وصقر ويونس. عايزين نبدأ حياة جديدة وننسى كل اللي حصل هنا.

أنهى كلامه وهو ينظر لصقر الذي لمعت عيناه. انتقلت جميع الأنظار له، فزفر بضيق ثم أشاح نظره عنهم، وصوت ما بداخله يحدثه بأن يخبر مليكة بكل شيء لتخرب تلك الزيجة التعيسة. فلمعت عيناه عند هذه الفكرة وابتسم ابتسامة جانبية وهو يعود بنظره لينظر لجده. صقر بهدوء ثلجي وهو يقف ويزر سترته: عن إذنكم لحظة. نظر الجميع له بتعجب وهو يغادر الغرفة، ولكن كان جده يعلم ما في داخله، لذلك جز على أسنانه وهو يضرب بعكازه الأرض. في الأسفل..

كانت مليكة تقف أمام المرآة وتنظر لهيئتها الجميلة بحسرة. كانت تتحسس فستانها الرائع الذي كان يضيق حتى خصرها ويهبط باتساع، لنجد طبقات عديدة من الدانتيل الأبيض لتنتهي الطبقات بطبقة خارجية مرصعة باللؤلؤ وأكمامه المنفوشة الشفافة. دارت حول نفسها ببطء ولم تلحظ دموعها التي كانت تهبط بهدوء. "مليكة.." تسمرت بمكانها وهي تستمع لذلك الصوت الذي حفظت صاحبه عن ظهر قلب، ثم استدارت لتجده يقف بعيدًا عنها بأمتار قليلة. مليكة

بارتجاف وهي تبتلع غصتها: ن.نعم. صقر وهو يقترب بخطوات ثابتة وأعينه تفترسها: صقر! انتفضت مليكة ونظرت خلف صقر لتجد جدها يقف شامخًا وينظر لحفيده بغضب واضح. استدار له صقر ثم رمقه بنظرة جافة والتف مرة أخرى لمليكة التي كانت تنقل نظرها بينهم بعدم فهم وحيرة تملكتها. صقر بهدوء ثلجي وهو ينظر داخل عينيها: أنا زمان كنت... "الحق يا جدو بطة وقعت من طولها"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...