في مكتب عبد التواب.. كان يترأس المكتب ويجلس قبالته سيليا التي كانت كالجمرة المشتعلة، وأمامها آسر الذي ينظر لها بغضب شديد مما فعلته. كيف تجرؤ أن تطرد مساعدته الخاصة، بل وتجرها خلفها بطريقة غير آدمية على الإطلاق. زفر بهدوء ليتمالك أعصابه، ثم نظر لجده الذي يراقبهم بتفكير. عبد التواب بهدوء: –يعني أنتِ متأكدة أنكِ عايزة تشتغلي؟ على حد علمي أنكِ كسولة جدًا ومبتكرهيش الشغل ومحمود مدلعك! سيليا بتحدي وهي ترى
نظرات الصدمة في عيني آسر: –آه هشتغل، والبت الحرباية دي تمشي. عبد التواب بتساؤل: –إيه اللي حصل لكل ده؟ سيليا بجنون وسخرية: –أبدًا، كل يوم بصحى بلاقي الهانم في أوضة نومي وقاعدة مع جوزي بيتمرقعوا. لا والبه النهاردة حب يجدد، فراح قالع، قاعد معاها سلبوتة. آسر مقاطعًا بحزم: –لا، ما كنتش سلبوتة، مسمحلكيش. سيليا بغضب وهي ترفع سبابتها بوجهه: –لا، كنت سلبوتة، أنا شوفتك بعيني. آسر وهو ينظر للجد: –متصدقهاش، أنا كنت قاعد بالشورت.
سيليا بسرعة: –أهو اعترف، يعني نصه الفوقاني ما كانش حاضر معانا. دي أنا صاحية على صوت ضحكهم، إيه اللي بيدخلها أوضة نومي؟ هي مش السكرتيرة دي مكانها المكتب ولا أنا معلوماتي غلط؟ آسر بشمئزاز: –دي سكرتيرة خاصة يا جاهلة، يعني مسؤولة عن كل شيء يخصني، الشركة بأستايلي بفطاري، بكلّه. سيليا بحدة وهي تقف وتلكزه في كتفه بعنف: –ليه هو أنت مشلول ولا لسة نغة؟ آسر بغضب وهو يقف قبالتها:
–أنا سايبك تغلطي من الصبح، والله أمسكك أعلقك على الحيطة ومتعرفيش تنزلي تاني. سيليا بسخرية وهي تضع كفيها بخصرها: –لو راجل، اعملهالي. بالفعل اقترب منها، ثم أمسكها من ثيابها ورفعها عن الأرض فصرخت بصدمة. رفعت ركبتها بسرعة لتصدمه، فيتأوه بقوة ويتركها لتسقط أرضًا. فوقفت وهي تنفض ملابسها، ثم عادت لمقعدها بكبرياء. فلحقها وهو يتوعد لها. عبد التواب ببرود: –خلصتوا شغل الأطفال ده؟ سيليا بغضب:
–ده مش شغل أطفال، أنا بقولك مش عايزاها، أنا هبقى سكرتيرته. آسر بغيظ: –تفهمي إيه أنتِ إن شاء الله عشان تبقي سكرتيرتي؟ أنا كده بيتي هيتخرب. سيليا بلامبالاة: –خليه يتخرب. عبد التواب بحزم وهو يضرب سطح المكتب بكفه: –بس كفاية. ماشي يا سيليا، اعتبري البنت مش موجودة. وكده كده جوزك راجع الشركة بكرة، عايزك تروحي معاه. وأنت يا آسر، عليك مهمة تعليمها كل حاجة عن الشغل. آسر بذهول وهو يقف:
–دي شركتي أنا، ومن حقي أعين فيها اللي يعجبني! سيليا بشماتة وهي تتحدث بحزن مصطنع: –كده يا أسورة، مش عايزني معاك في الشركة؟ ده أنا مراتك حبيبتك. عبد التواب بضحك حاول مداراته: –خلاص، أنا قلت اللي عندي. ولا هتكسر كلام جدك يا آسر؟ آسر بحنق: –حاضر يا جدي. (ثم نظر لها بتوعد) –سيليا هتشتغل معايا. سيليا بثقة وهي تقف: –أيوه كده. البت اللي برة اطردوها، ولعوا فيها، اعملوا اللي تعملوه، المهم مش أشوفها قدامي. يلا، عن إذنكم.
آسر بحنق وهو يجلس بسرعة بعد أن خرجت تلك المعتوهة: –أنت بتهزر يا جدي! بقى أرفد لي لي اللي اشتغلت معايا وكافحت وساعدتني عشان أشغل سيليا! اللي متعرفش تعملنا سندوتشين جبنة. أنت لو عايز توقعني، مش هتعمل كده. عبد التواب بابتسامة: –هو أنا عايز أوقعك فعلاً، بس واقعة تحلف بيها عمرك كله يا ابن الجندي. آسر بغيظ وعدم فهم: –يعني إيه؟ أنا مش عايزها معايا، دي مجنونة وممكن تفضحني هناك. عبد التواب بتسلية:
–اعمل فيها كل اللي أنت عايزه، بس وهي في الشركة وتحت عينك. آسر بدهشة وقد لمعت عيناه: –اعمل فيها اللي أنا عايزه؟ عبد التواب بضحك وقد قرأ أفكار حفيده: –أيوه. آسر بابتسامة خبيثة وهو يقف: –تمام، عن إذنك بقى أروح أرفد لي لي. يضحك عبد التواب وهو يتابع خروج حفيده المتحمس ووجهه يملؤه الخبث، فهو يعلم أنه سيجعل سيليا تلعن اليوم الذي قررت فيه العمل معه، ولكنه ليس بممانع، فتلك الشرارات التي بينهم جعلته يتفائل. *** في غرفة بدور..
كان يجلس جميع الفتيات أرضًا ويلعبون لعبة ورقية شهيرة، والأجواء المرحة تسود الغرفة. ريتال بحنق: –والله البت آسيا دي غشاشة وبتخبي ورق في هدومها. آسيا بغيظ: –ده أنتِ اللي غشاشة وشوفتك وأنتِ بتبصي في ورق سيليا. سيليا بصدمة وهي تحتضن أوراقها: –آه يا حيوانة، وأنا عمالة أقول مبسحبش الشايب اللي معايا ليه؟ أثاري شفتي ورقي. مليكة بيأس: –بوظتوا اللعبة وعرفنا الشايب مع مين، أغبياء. بدور بقهقهة:
–والله لو بلعب مع ولاد اختي مش هلاقي كمية الخناق دي. ريتال بحنق وهي تلقي أوراقها أرضًا: –بس بس، مش لاعبة. أنتم عارفين يا مليكة إن محمد اتصل وأنا وصقر ردينا عليه. مليكة بتعجب: –محمد اتصل! إمتى ده؟ ريتال بتذكر: –يوم ما صقر جه خدني. (ثم أكملت بمرح وهي تقلد صوته) –قعد يصرخ ويقول: مليكة دي ملكي أنا! أكيد الواد ده كان واقع على دماغه وهو صغير. مليكة بزفير: –ربنا يسهل حاله. آسيا بتساؤل: –هو مين ده أصلًا؟ ريتال:
–ده اللي كان خطيب مليكة. ياباي، واحد سمج كده مبكرهوش في حياتي قده. مليكة بحنق: –عيب يا ريتال. سيليا بتساؤل وفضول يشع من عينيها: –هي كانت بتحبه؟ ريتال بلامبالاة لشقيقتها وهي تتربع وتتحدث بحماس: –لالا، مليكة مش بتحبه. هشرحلكم وجهة نظرها المتخلفة، هي بتخاف من الحب، فشافته شخص مناسب يعني مش هيتعبها أوي، بس ده فضل خاطبها 7 سنين مبتشوفهوش. بجد كانت علاقة لا أتمناها لألد أعدائي. سيليا بضحك وهي تهمس:
–أنتم عارفين إن أنا كمان كنت مخطوبة. بدور بصدمة: –إيه؟ ريتال بذهول: –ده بجد؟ مليكة بتعجب: –أنا أول مرة أعرف حاجة زي دي! آسيا بهدوء: –فيها إيه يا جماعة، براحة على البنت. بدور بتساؤل: –هو آسر يعرف حاجة زي دي؟ سيليا بتعجب: –لا! بدور بتوتر: –بس هو لازم يعرف. ريتال بحيرة: –أعتقد آه، لازم يعرف! سيليا بغيظ: –لا، مش هيعرف حاجة عني. هو ماله أساسًا!
ده شخص مدة صلاحيته معايا شهر وبعد كده كل واحد هيروح لحاله. مش من حقه يعرف أي حاجة عن حياتي اللي فاتت. وبعدين دي كانت خطوبة لمدة أسبوعين، حاجة مضحكة يعني. آسيا بضحك: –بعشق تعبيراتك. مليكة بتأوه خفيف وهي تقف: –أنا رايحة أشوف الولاد وصقر وجاية تاني. ريتال بمرح وهي تغمز: –الله يسهله يا عم. مليكة بحنق وهي تلقي عليها الوسادة الخاصة بالأريكة: –خليكي في حالك يا ظريفة. بدور بابتسامة بعد أن خرجت مليكة:
–أنا حاسة إن الدنيا بينهم بقت كويسة، حد ملاحظ ده؟ ريتال: –هو أنتِ أخوكي ده يتطاق أساسًا. بدور بضيق وهي تلكزها: –بس يا بت. ريتال بتأوه من بين ضحكاتها: –بهزر يا رمضان، إيه مبتهزرش؟ أنا لاحظت فعلاً آه، ربنا يهني سعيد بسعيدة. بدور بابتسامة خبيثة: –وأنتِ إيه أخبارك مع يونس؟ ريتال بتوتر لا تعلم مصدره وهي تمسك خصلتها الهاربة لتعيدها خلف أذنها: –مفيش أخبار، هيكون إيه الأخبار اللي بيني وبينُه؟ سيليا بضحك من توترها الملحوظ:
–لا، باين. آسيا بحماس: –بقولك إيه يا سيليا، أنا فخورة بيكي أوي والله، جدعة. أنا كنت مستنياكي تجيبي البنت دي من شعرها أصلًا من زمان. سيليا بشغف وهي تتذكر ما فعلته بتلك الفتاة: –أحسن، بجد تستاهل كل اللي عملته فيها. تحمد ربنا إني ملطشتهاش على وشها التنحة دي. مستر آسر، هيهيهييييي. يامن وهو يطلق صفيرًا عاليًا من خلفهم: –العب. بدور بخضة: –يخربيت هزارك يا يامن. سيليا بذعر: –مش تخبط يا بني آدم. آسيا من بين أسنانها وهي تقف:
–فضحتنا. يامن ويخبط! دي جملة غريبة جدًا. إزاي يعني يراعي إن فيه بنات قاعدة مع بعضها وممكن حد فيهم يكون قاعد براحته شوية شوية. يامن بذهول: –الله، هو كان فيه حد واخد راحته؟ يا ريتني جيت بدري شوية. أيان بعدم فهم وهو يدلف: –بتقول إيه يا حيوان أنت؟ اقترب أيان منهم ليتفاجأ بزوجته تقف كاشفة لرأسها وابتسامتها تزين ثغرها وهي تنظر ليامن. احتقنت دماؤه، فوقف أمام يامن بسرعة وأمسكه من ملابسه ثم دفعه للخارج. يامن بمرح وهو يمسك
كف زوجته ويسحبها للخارج: –أنا كنت جاي آخد اللي يخصني يا عم، سلام. سيليا بتوتر وهي ترى نظرات أيان القاتلة لبدور التي تنظر ببلاهة: –طب همشي أنا كمان عشان آسر مستنيني. بدور بحزن وهي تمسك كفها: –ليه يا سوسو، خليكي شوية. سيليا من بين أسنانها وهي تشير بعينيها لأيان: –لا، معلش يا بدور يا حبيبتي، مرة تانية. بدور بعدم فهم: –في إيه؟ سيليا بحنق من غبائها: –عن إذنكم.
مغادرة سيليا، فأغلق أيان خلفها الباب بهدوء ثم استدار لتلك التي تقف بمنتصف الردهة وتنظرببلاهة. فأحتقنت دماؤه وهو يرى خصلاتها. اقترب منها بخطى بطيئة وهو ينظر بعينيها فقط ولا ينبس بأي كلمة. بدور بتساؤل: –أنت جعان؟ أيان بهدوء ثلجي: –لا. بدور بعدم فهم: –اومال شكلك عامل كده ليه؟ أيان من بين أسنانه: –فين حجابك؟ بدور بتعجب وهي تشير للأريكة: –هناك على الكنبة، أنا مش فاهمة في إيه. أيان بغضب:
–في إني دخلت أوضة نومي لقيت راجل واقف ومراتي واقفة قصاده بشعرها. بدور بذهول: –راجل مين! ما كانش فيه أي راجل هنا. أيان بصراخ: –ويامن ده إيه؟ بدور بخضة: –بس يامن مش راجل! قصدي يعني مش غريب. أيان بحدة: –لا، غريب طبعًا. وبعدين ما أنتِ دايما بتلبسي الطرحة قدامه. بدور بحنق من أسلوبه: –أيوه، بس هو دخل فجأة، أنا ملحقتش أقوم آخد الطرحة. وبعدين أنت دخلت وراه وهو مشي على طول. أيان بضيق:
–دي آخر مرة يا بدور أشوفك كاشفة راسك قدام حد. تركها ودلف للمرحاض، لتنظر في أثره بذهول. وعندما استمعت لإغلاق الباب، قفزت بمكانها وظلت ترقص بحماس. فهو يغار! بل يشتعل! الآن وجدت الطريقة التي ستجعله يدور حولها كالنحلة. *** في غرفة صقر..
دلفت مليكة بهدوء فلم تر أي أثر لصقر، فعقدت حاجبيها بتعجب وذهبت للمرحاض ثم طرقت الباب فلم تجد إجابة. اضطرت لفتح الباب ولكنها وجدت المرحاض فارغًا، لذا سارت بخطى واسعة لغرفة النوم وأيضًا لم تجد أحدًا. نادته بصوت عالٍ يملؤه القلق، لتتفاجأ به يخبرها بملء صوته أنه بالشرفة، فتركض إليه بحماس. مليكة بلهث خفيف وهي تدلف: –فينَك يا عم؟ كنت بدور عليك. صقر بهدوء وهو يلقي عقب سيجارته أرضًا: –أنا هنا، هروح فين.
مليكة بمرح وهي تقف بجانبه وتسند مرفقيها فوق سور الشرفة: –قولت يمكن هربت ولا حاجة. صقر بابتسامة جانبية وهو يستدير لها بكامل جسده: –أنا مبهربش يا دكتورة. مليكة بابتسامة وهي تنظر للخضرة حولها: –هنشوف! بس الجو حلو أوي النهاردة، ما تيجي نخرج. صقر بجدية: –بعدين، مش دلوقتي. مليكة بلامبالاة: –أوكيه. أنا هرجع إسكندرية إمتى؟ أنا عايزة أفتح عيادتي. صقر ببرود وهو يقف مثلها ويسند مرفقيه فوق سور الشرفة:
–انقلي كل حياتك هنا، أنا شغلي كله هنا ومش هقدر أروح. مليكة بذهول وهي تستدير له بكامل جسدها: –يعني إيه الكلام ده؟ صقر بصوت أجش: –زي ما سمعتي، أنا كل حياتي وشغلي وأهلي هنا. مليكة وقد صوتها بالاحتقان: –وأنا شغلي وكياني هناك. صقر بجمود وهو يستدير لها لينظر بعينيها: –ابدئي من الصفر، هشتريلك عيادة وأبدأ فيها. مليكة بحدة: –لا طبعًا مش موافقة. ابدأ أنت من الصفر هناك واطلب تعيينك في إسكندرية!
لكن تقضي على طموحي وشغلي وكياني اللي بنيته عشان شغلك ميتأثرش، ده مش هسمح بيه أبدًا. صقر بغضب: –وأنا مش هضحي بشغلي عشانك. مليكة بقوة وعناد: –وأنا كمان مش هضحي بشغلي عشانك. أنا عندي ناس مسؤولين مني. أنت تعرف كام واحد بيته هيتخرب لو أنا سبت شغلي هناك؟ طب سيبك من كل ده! العيادة دي ذكرى والدي ليا، هو خد قرض عشان يشتريها لي، قرض أنا لسه لحد اللحظة دي بسدده. عايزني أهد كل ده وأجي هنا؟ لا، انسى. صقر بجمود:
–أنا قلت اللي عندي. أنا مش هنقل شغلي ومش هخليكي تروحي إسكندرية. إيه، عايزة ترجعي لحبيب القلب وحشك؟ ويسقطت على وجنته صفعة مدوية جعلت وجهه يستدير. فأظلمت عيناه وهو يعيد النظر بوجهها من جديد. كان يضغط على فكه كي يتحكم في أعصابه ولا ينقض عليها ويحولها لفتات الآن، ولكن ما زاد الطين بلة هو اقترابها منه ورفعها لسبابتها ووضعها فوق صدره. مليكة بجمود وهي تتحدث من بين أسنانها:
–أنا مسمحلكش تقول حرف عليا أو تتهمني بتهمة حقيرة زي دي. أنا غير زبالة أنت عرفتها في حياتك، لأن على حد علمي ماضيك كان مشرف برضه زي يامن. مراتك استريحت منك فعلاً. كادت أن تغادر، ولكن فجأة جذبها من خصلاتها ووضعها أمامه. كان يمسكها بحذر كي لا يؤلمها، ولكن مع محاولتها للافلات، ضغط عليها بشدة. مليكة بدموع غاضبة وهي تمسك يديه الممسكة بشعرها: –أنت اتجننت، سيب شعري! صقر بسوداوية: –لآخر مرة يا دكتورة تجيبي سيرة مراتي!
ولآخر مرة تتكلمي عن الماضي بتاعي اللي ميخصكيش في شيء، لأنك زيك زي الكنبة اللي جوا دي. آخرك معايا شهر وهطلقك وترجعي مطرح ما كنتي. ولحد ما الشهر ده يعدي، أنا مش عايز أي كلام بينا. أنتِ فاهمة؟ كانت تنظر له باحتقار ودموعها تنهمر بصمت. فآتوهت وهو يهز رأسه، فأومأت بسرعة ليتركها ويغادر. فسقطت أرضًا واحتضنت ركبتيها وظلت تبكي بصمت حتى قررت النهوض. ولملمت ملابسها ثم خرجت من الغرفة وسارت باتجاه الغرفة الموجودة بآخر الممر.
طرقت الباب عدة المرات حتى فتحت لها فيروز، التي نظرت لها ولحقيبتها بعدم فهم، ولكنها أفسحت لها الطريق بعد أن رأت تورم عينيها. فيروز بتساؤل وهي تغلق الباب: –في إيه؟ ومال عينك أنتِ معيطة! وإيه الشنطة دي؟ مليكة بصوت مبحوح: –ممكن أفضل هنا كام يوم لحد ما أحس إني قادرة أرجع الأوضة التانية تاني. فيروز بذهول مما تسمعه: –حصل إيه؟ مليكة بابتسامة مرتجفة: –محصلش حاجة، أنا بس عايزة أقرب منك، فقولت أجي أعيش معاكي في الأوضة.
فيروز بسخرية: –هو بعيدًا عن إن أوضتي في نفس الدور بتاعك، وبعيدًا برضه عن إنك كل يوم بتنطيلي هنا وأكلي دماغي، بس ماشي، هعمل نفسي عبيطة وهصدق كلامك، وكمان هوافق تباتي هنا. مليكة بهدوء: –شكرًا، أنا مش عايزة أي حد يعرف، ولا ماما ولا عبد التواب ولا أي حد، لأني مش قادرة أتكلم وأشرح. فيروز بابتسامة صغيرة وهي تربت فوق فخذها: –متقلقيش، محدش هيعرف حاجة.
ابتسمت لها مليكة ثم ذهبت للفراش لتستلقي عليه وهي تشعر بأنها تريد أن تصرخ بقوة الآن. منذ أن وُلدت ولم يمسسها والدها أو والدتها، ويأتي ذلك الحقير ويعنفها بتلك الطريقة. دمعت عيناها وهي تبتلع مرارة غصتها، فهي تشعر بالإهانة، ولكنها ستصمد، يجب أن تصمد، فهي قوية. استلقت على جانبها ورفعت ركبتيها لتنام بوضعية الجنين. فأقتربت منها فيروز ووضعت عليها الوشاح وهي تتمتم ببعض الأشياء. *** بمكتب عبد التواب..
دلفت آسيا بتردد بعد أن طرقت الباب وسمعت عبد التواب يطلب من الطارق الدخول. استنشقت أكبر قدر من الهواء ثم اقتربت، فوجدته ينظر لها بتفاجؤ مما أرعبها بشدة. آسيا بتوتر: –ممكن أقعد؟ عبد التواب بابتسامة: –طبعًا يا حبيبتي، اتفضلي. عاملة إيه؟ آسيا بابتسامة صغيرة وقد هدأت قليلًا: –الحمد لله. عبد التواب بتساؤل: –مالك متوترة كده ليه؟ آسيا بإحراج: –أنا كنت عايزة أطلب طلبين، لا، تلاتة. عبد التواب بمرح: –مش هخرجك أنتِ ويامن.
آسيا بابتسامة واسعة: –لالا، أنا هطلب حاجات تانية. عبد التواب بابتسامة مشاكسة: –لو كده، فأنا تحت أمرك يا ستي، اطلبي. آسيا بشغف وهي تسند ذراعها فوق طاولة المكتب وتقرب رأسها منه قليلاً:
–أنا ليا واحدة صاحبتي كانت عايشة معايا هناك، دي صاحبة عمري. أهلها ميعرفوش عنها حاجة وكانت بتشتغل معايا وساكنين سوا. بس لما أنا مشيت، صاحب البيت طردها وكمان صاحب الشغل بسببي. أنا بعتلها كل الفلوس اللي معايا ومبقاش معايا حاجة تاني أديها لها. عبد التواب بتفهم: –عايزة كام طب عشان أحولها لها؟ آسيا بسرعة:
–لالا، أنا مش عايزة فلوس، أنا عايزاها تيجي تعيش معانا هنا، دي أختي. وهبقى مطمنة أكتر لو هي جنبي. ممكن نحجز لها تذكرة وتيجي هنا تعيش معانا، والله هي كويسة أوي. عبد التواب بتردد: –بس آآآ. آسيا بحماس وهي تقف وتلتف حول المكتب لتقف قبالته: –عشان خاطري يا جدو، بجد والله أنا مليش غيرها. دي هي اللي فضلت جنبي بعد موت بابا، وأنا السبب في إنها تخسر شغلها. وأنا مش عايزة أبعتلها فلوس تاني لأنها بتصرف كتير. عايزها قدام عيني.
عبد التواب بحيرة: –أنا مش عارف أقولك إيه. إحنا ممكن نحجز لها في فندق أو نشتري لها بيت. آسيا بترجي وهي تجثو فوق ركبتيها وتمسك كفيه: –عشان خاطري، والله بجد هي كويسة، مش هتحسي بيها في البيت. عبد التواب بابتسامة وهو يربت فوق وجنتها: –ماشي يا حبيبتي، عشان خاطرك، عشان تعرفي إن خاطرك غالي عندي. آسيا بعدم تصديق وهي تقفز بين أحضانه: –شكرًا، شكرًا أوي بجد، أنا مش عارفة أقولك إيه. عبد التواب بسعادة وهو يربت فوق ظهرها:
–متقوليش حاجة، احلمي بس وأنا أحقق. آسيا بابتسامة وهي تبتعد ببطء: –نيجي بقى للطلبين التانيين، هو يامن مبيشتغلش ليه؟ عبد التواب بمرح: –عشان فاشل. آسيا بهدوء وهي تعود لمقعدها: –يامن مش فاشل، يامن كسول، أو متدلع زي ما بتقولوا. وكمان حضرتك السبب في كده. عبد التواب بذهول: –أنا؟ آسيا بحزم: –أيوه، يامن عنده 27 سنة، متخيل! وعمره ما نزل شغل، إزاي بجد؟
وكمان صح، هينزل شغل ليه وحضرتك موفرله كل حاجة. مفيش طلب بيطلبه إلا وبيتنفذ، مفيش حلم بيحلمُه إلا وبيتحقق. لو فلوسه خلصت يطلب عادي مفيش مشكلة. كده غلط! يونس أصغر منه وبقى دكتور في الجامعة. أنا عايزاه ينزل يشتغل. عبد التواب بإنصات شديد لحديثها: –بس هو مش بيرضى ينزل. آسيا بحزم: –يبقى ينزل غصب عنه. العربية تتسحب منه، الڤيزا تقف، يتمنع من الخروج والسهر. لازم يبقى راجل يعتمد عليه. عبد التواب بفخر شديد:
–أنتِ دلوقتي بتأكديلي إن اختياري ليكي ليامن كان صح. آسيا بتوتر لما يرمي: –أنا بعمل كده عشان أساعد يامن يقف على رجله، مش عشان حاجة تاني. عبد التواب بابتسامة لعوبة: –وأنا عارف ده، كويس. آسيا: –وأنا كمان عايزة اشتغل. يامن فجأة وهو يدلف دون أن يطرق الباب: –هو أنا كل شوية هجيبك من حتة يا ولية أنتِ. آسيا بضحك وهي تشير له: –تعالى اقعد، جدو عايزك. يامن بابتسامة مستفهمة وهو يجلس قبالتها:
–استر يا رب، خير. قعدتكم سوا دي مش مريحاني. آسيا بهدوء: –أنا وأنت نازلين شغل من بكرة. يامن بذهول وهو يقف: –نعم يختي؟ *** في صباح اليوم التالي.. بغرفة آسيا.. كانت تغط بسبات عميق، ولكن فجأة انسكب على رأسها ماء بارد جعلها تنتفض من فوق الفراش وهي تشهق بقوة. آسر بابتسامة صفراء: –صباح الخير يا حبيبتي. سيليا بغضب وهي تبعد شعرها الذي التصق بوجهها: –أنت اتجننت ولا إيه، إيه شغل الجنان ده! آسر بلامبالاة وهو يذهب للخزانة
ويخرج لها ملابس رياضية: –يلا عشان معاد الشغل قرب، وأنا بحب أجري شوية تحت. سيليا بزفير قوي: –ما تجري ولا تتنيل، أنا مالي. آسر بابتسامة ثلجية وهو يضع الملابس بين أحضانها: –السكرتيرة بتاعتي بتجري معايا، خمس دقايق و تبقي جاهزة، وإلا هتبقي مرفودة وهرجع لي لي.
غضبت بشدة وكادت أن تسبه وتلعنه، ولكنها فضلت الصمت، فعضت شفتيها بقوة وسارت بخطى غاضبة للخارج لتذهب للمرحاض. وبالفعل، بعد نصف ساعة خرجت وهي ترتدي بنطال قطني رياضي وفوقه تي شيرت نصف كم فضفاض، لتقف أمامه وهي تنظر له باشمئزاز، والنعاس يظهر عليها بقوة. آسر باستفزاز وهو يقف: –لمي شعرك عشان متعرقيش. سيليا بحنق: –ملكش دعوة.
جذبها آسر من معصمها بخفة، ثم سار بها للمرآة المعلقة بمنتصف الردهة. نظرت لهيئتها الناعسة بحزن، ثم نظرت لانعكاسه بالمرآة بحقد دفين. رأته يمسك فرشتها الخاصة ويبدأ بتصفيف شعرها. ابتسمت داخلها وهي تشعر بشعور يدغدغها، ولكنها استفاقت على شده لشعرها بقليل من القوة كي يستطيع ربطه. سيليا بحنق وهي تبعد يده وتكمل ربط شعرها: –وسع كده. آسر بهدوء: –يلا ورايا.
ألقى بوجهها منشفته الخاصة وزجاجة المياه الخاصة به، لتتلقفهم بغيظ وتسير خلفه وهي تلعنه بداخلها وتلعن العمل وتلعن كل شيء حولها. آسر بابتسامة مشاكسة: –يلا. سيليا بعدم فهم: –يلا إيه؟ آسر وهو يشير للحديقة أمامهم: –اجري! سيليا بغضب: –وأنا مالي أنا! هو مش أنت اللي عايز تجري؟ اقترب آسر منها بخطوة واحدة، لتنتفض بخضة وهي تنظر له بعدم فهم. فمال على أذنها حتى أصبحت وجنته تلتصق بوجنتها. آسر بهمس:
–أنا شايف إنك محتاجة تجري، عشان جسمك يتظبط شوية. سيليا بصراخ حاد وهي تدفعه بعيدًا: –نــــــــعـــــــم!!! آسر بلامبالاة وهو يستعد للركض: –خلاص، لو شايفة إنك مش هتقدري تجري، خليكي عشان صحتك.
اشتعلت بغضب، ثم ألقت الزجاجة والمنشفة أرضًا ووقفت بجانبه استعدادًا. فأبتسم بخبث وهو يطلق صفير الانطلاق ليبدأوا بالركض سويًا. استطاع أن يرى احمرار وجهها بسبب الإرهاق، فأبطأ نفسه قليلاً كي تستطيع الركض أسرع منه وتشعر بانتصار. وبالفعل، رآها تبذل جهدها حتى اجتازته بالفعل. وعندما شعر بانقطاع نفسها، فتوقف متصنعًا الإرهاق وانحنى ليمسك ركبتيه ويلهث بتصنع. سيليا بحماس ولهث قوي: –إيه؟ تعبت ولا إيه!
اومال عامل فيا اللي مفيش منك اتنين ليه؟ آسر بإرهاق مصطنع وهو يضع ذراعه على كتفها: –تعبت، تعبت. طلعيني عشان نلبس. سيليا بحنق وهي تضع كفها على ظهره كي تستطيع السير به: –صبرني يا رب. *** بعد مرور ساعتين.. بشركة آسر..
دلفت سيليا وصوت حذائها يضرب الأرضية بقوة، فالتفت الجميع لها عدا آسر الذي علم بصاحبة ذلك الحذاء. لا يعلم لما لم يستطع الاستدارة ومشاهدتها، فهي طلبت منه أن يغادر من المنزل قبلها وهي ستلحقه، وبالفعل تركها لتأتي وحدها. ابتلع غصته وهو يستدير بهدوء، فتفاجأ بها ترتدي بنطال أسود من القماش وفوقه قميص ناصع البياض، وتضع نهايته داخل البنطال، وتحمل على معصمها سترتها السوداء. رفعت نظارتها الشمسية لتظهر له زينة عينيها الخفيفة التي أبرزت جمال عينيها بشدة. فأتأملها وهي تسير نحوه، وكم ضايقه أحمر الشفاه الصارخ ذاك.
سيليا بابتسامة وهي تقف بجانب آسر وتنظر للموظفين الذين اجتمعوا حولهم: –صباح الخير، أنا السكرتيرة الجديدة لمستر آسر واسمي سيليا، وممكن تنادوني "سو" عادي. شخص ما بذهول وهو يقترب من الخلف: –سيليا؟ الشخص بسعادة وهو يقف قبالتها: –يا بنت اللذينة، وحشتيني، عاملة إيه؟ سيليا بتوتر من آسر الذي ينظر لهم بسوداوية: –الحمد لله، وأنت؟ آسر بصوت أجش وهو يقف قبالة سيليا حتى حجبها عن عينيه: –مين حضرتك؟
الشخص ببلاهة وهو يميل رأسه قليلاً ليرى تلك التي اختبأت خلف ظهر آسر: –أنا طارق، خطيبها، قصدي كنت خاطبها! ضربت وجنتيها بخفة، وما زاد الطين بلة هو استدارة آسر لها ببطء شديد ونظره لها بطريقة أخافتها بشدة. فأبتسمت له ببلاهة وشفتيها ترتعش. سيليا بابتسامة مرتعشة: –كان بقى، فعل ماضي خلاص! آسر من بين أسنانه: –ده أنا اللي هخليكي ماضي دلوقتي! يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!