في الحديقة.. كانت تجلس مليكة أرضاً فوق ذلك الوشاح الواسع وتضع فوقه الصغير الذي تلاعبه، وتنظر لصقر وفيروز الذين يتحدثون بعيداً. فيروز بجمود وهي تنظر للبركة أمامها: –مبروك. صقر بهدوء وهو ينظر لها: –على فكرة إحنا جوازنا مش زي ما إنتِ فاكرة، كل واحد بينام في حتة لوحده. إحنا أساساً مش طايقين بعض. فيروز بسخرية: –آه تقصد إن علاقتك بيها زي علاقتك بماما يعني؟
لم يرد عليها واكتفى بالجلوس أرضاً بجانب مقعدها. استدارت برأسها لترى مليكة تلعب مع الطفل بابتسامة بريئة وقهقهات عالية. كم آلمها قلبها، فشقيقها سينعم بأم ولكن هي قد كبرت بدون أم وأب. ابتسمت بحزن ثم نظرت للبركة مرة أخرى. فيروز بهدوء: –مليكة شكلها طيبة. صقر بلامبالاة: –طيبة لنفسها مش ليا. فيروز بغضب: –هو انت هتبطل اللي انت فيه ده امتى؟ عايز تسيب وراك كام قلب مكسور. صقر بغضب مماثل: –وأنا مين بص على قلبي؟
مليكة بصوت عالي من الخلف: –أنا! استدار الاثنتين لها برؤوسهم ولكنهم رأوها تلاعب الطفل فقط. ضحكت فيروز ولكنه قطب جبينه وعاد ينظر للبركة. فيروز بهدوء: –على فكرة انت متستاهلش حب حد من اللي حواليك، انت كسرت قلوب كتير أوي ومبصتش وراك وتستحق إن يتكسر قلبك. نظر لها بجمود مصطنع وهي تحرك مقعدها لتذهب لمليكة، فمسح تلك الدمعة سريعاً التي سقطت دون إرادته. فوقف وهو ينفض بنطاله ثم سار إليهم. صقر ببرود: –يلا عشان ورايا شغل. مليكة
ببراءة وهي تفتح الحقيبة: –إحنا لسة مأكلناش السندوتشات؟ أنا عملت كيكة كمان. فيروز وصقر بآن واحد: –مبحبش الكيكة! ابدلت نظراتها بينهم ثم عبست بوجه طفولي وهي تلملم الطعام بغيظ. وبعدما انتهت وقفت بسرعة وحملت الرضيع وغادرت، ولكنها عادت مرة أخرى لتسحب مقعد فيروز وتذهب للسيارة الخاصة بصقر. صقر بحدة: –والشنطة والملاية دول إيه إن شاء الله، مين هيشيلهم؟
لم تعطيه رد واكتفت برمقه بنظرة احتقار وهي تقف بجانب السيارة. لتجده يقترب منهم ويترك أشياءها أرضاً، فشهقت بذهول من فظاظته. وعادت بسرعة للحقيبة لترفعها بحذر كي لا يتأذى الطفل الذي بأحضانها. مليكة بغيظ وهي تحمل الحقيبة: –وقح ومغرور وغير مسئول بالمرة. في غرفة عبد التواب.. كان يجلس كل من آسيا ويامن فوق الأريكة ورؤوسهم منكسة أرضاً، ويقف أمامهم عبد التواب ينظر لهم بصمت. عبد التواب بهدوء:
–لآخر مرة هسألك يا آسيا، إيه اللي حصل؟ أوعدك إني هصدقك. استردت آسيا لعابها ونظرت بتردد بجانبها ليقابلها وجه يامن المتورم وعليها أصابع الجد وأسفل أنفه يوجد بعض الدماء الجافة. رمشت بأعينها بخوف ثم وقفت بشجاعة لتتحدث بقوة. –هو انت بأي حق تمد إيدك عليه؟ انت شايف عملت إيه في وشه! ده آآ عبد التواب مقاطعاً بحدة:
–بلاش ملاوعة في الكلام، اللي بتدافعي عنه ده فاجر، فاجر وزاني، مش مراعي إن العيون علينا بسبب سلطتنا في السوق كل يوم مع بت من الصيع اللي يعرفهم. انتِ مقرتيش الجرايد شكلك، ده صورته منورة وهو في حضن واحدة شمال شبهه، ويا ريته جاب الفضيحة والكلام لنفسه بس، ده الكلام مس سمعتك كمان يا هانم. نظرت ليامن بأعين دامية وهي تشعر بأن رأسها سينفجر. فأنحنت لتجلب الجريدة من فوق الطاولة الصغيرة وتقرأ الخبر:
"بعد مرور ما يقل عن أسبوع على زفافه، عاد الماجن مرة أخرى لزوايا الملاهي الليلية. هل زوجته لم تملئ فراغه أم أنها يوجد بها شيء جعله يبحث عن أخريات بتلك السرعة؟ لقد عاد يامن الجندي من جديد ولكن تلك المرة ليست كأي مرة، فهو عاد وهو متزوج ولكن أين خاتم الزواج؟ هناك الكثير من الأسئلة تتراوح ولكننا بالطبع سنجد إجابات حتمية." دمعت عينيها ثم كورت تلك الجريدة بيدها وألقتها بعيداً. آسيا بجمود وهي تنظر للجد بتحدي:
–مش انت عايز الحقيقة؟ أنا ويامن كنا مع بعض امبارح، والبنت اللي في الصورة دي صاحبتي وكانت زعلانة عشان بترقص لوحدها. أنا قومت يامن يرقص معاها بس هو كان تقيل في الشرب شوية وأنا لحقته في الآخر وروحنا. وقبل ما تسأل على أي حاجة أنا خروجاتي كلها كانت في أماكن زي دي. براڤو عليك عشان جوزتنا لبعض عشان إحنا شبه بعض. عبد التواب بحدة:
–انتِ مش شبهه يا آسيا، انتِ أشرف منه الخسيس ده، مترميش نفسك في النار عشانه، ولا تشوهي سمعتك عشان كلب زي ده. آسيا بهدوء: –أنا قولت اللي عندي، عن إذنكم. مغادرة بهدوء. فكاد أن يلحقها يامن ولكن أوقفه عبد التواب وهو يمسك معصمه. –غبي وهتفضل طول عمرك غبي ومقرف. أنا فكرتك راجل وعطيتك جوهرة، عطيتك بنت مكنتش تحلم بيها، أدب وأخلاق وجمال وعيلة. انت متستحقش أي حاجة من دي، انت تستحق واحدة من المستنقع اللي انت فيه.
أنهى كلامه وهو ينظر له باحتقار. فسحب يامن معصمه وخرج بسرعة وصعد لغرفته. دلف إلى الداخل وبحث عنها بعينيه فرآها تجلس على الأريكة وتشاهد التلفاز. يامن بحزن: –أنا آسف يا آسيا أنا بجد آآ آسيا بهدوء وهي تنظر للتلفاز: –خلاص يا يامن، مش الموضوع عدى على خير الحمد لله. خلي بالك المرة الجاية. يامن بعدم فهم: –المرة الجاية؟ آسيا بلامبالاة وهي تضع ثمرة الفاكهة بفمها:
–أيوه خلي بالك يبني الحتت دي بيكون فيها صحفيين كتير عشان أولاد العائلات المعروفة لما يروحوا. ابقى البس كاب ولا حاجة. يامن باندهاش: –ها؟ آسيا وهي تقف: –ركز في الفيلم وقولي هيحصل إيه عشان داخلة التويلت.
راقبها وهي تدلف حتى أغلقت الباب. فنظر أمامه بعدم فهم ولكنه توتر أكثر، فتلك ليست ردة فعل طبيعية أبداً لأنثى تم الإهانة منها وخيانتها. عند آسيا، أغلقت الباب بهدوء ثم وقفت أمام المرآة تنظر لنفسها بسخرية حتى هبطت دموعها بقوة وكادت شهقاتها أن تعلو ولكنها فتحت الصنبور سريعاً ليصدر صوت عالي. جلست أرضاً بالزاوية محتضنة ركبتيها تبكي بصمت. آسيا ببكاء: –أنا ليه بيحصل معايا كدة؟
أنا بس نفسي آخد ورثي وأغور من هنا. أنا إيه اللي حطني في كل ده بس؟ ليه يا بابا سبتني انت وماما؟ أنا اتبهدلت أوي من غيركم واتجرحت في كرامتي واطعنت في شرفي. أنا تعبت أوي بجد. ظلت تبكي حتى غفت وهي جالسة. وعندما مر وقت طويل تعجب يامن وذهب ليطرق الباب ولكن ما من مجيب. يامن بخوف: –آسيا، سمعاني؟ فتح الباب بسرعة ليجدها جالسة أرضاً. ذهب إليها بسرعة وحملها ليخرج بها ولكنها فتحت عينيها نصف فتحة. آسيا بنعاس
وهي تضع سبابتها على أنفه: –انت السبب. وضعها فوق الفراش بهدوء وكاد أن يخرج ليخبرهم بإحضار الطبيب ولكنها استمع لصوت شخيرها. فزفر بطمأنينة وعاد ليجلس بجانبها على الفراش يتأمل وجهها وهو يكاد يعض أنامله من الندم. بسيارة يونس.. كانت تجلس ريتال في الخلف وتستند برأسها على زجاج السيارة شاردة بالطريق. كان يتابعها يونس بين الحين والآخر من المرآة الأمامية ليطمئن عليها. استمعوا لرنين هاتفها لتجيب هي بضيق. ريتال بضيق:
–أيوه يا محمد. زفر يونس بضيق وهو يحرك رأسه كي يطرقع رقبته بجمود. محمد بحزن: –أنا آسف يا ريتال، أنا عارف إني مطلعتش قد المسؤولية ولا قد كلامي. بس والله ده حصل غصب عني، أنا كنت شارب لحد ما اتعميت. والله ما حسيت بنفسي غير لما شفت أسماء قدامي، كأن جردل مياه ساقعة اتقلب عليا. أنا بجد بحب أسماء، سمي كلامي توحد تخلف أي حاجة بس والله العظيم أنا بحبها. ريتال بغضب:
–اللي بيحب حد مبيخنهوش. ده انتوا لسة قاريين الفاتحة. انت عارف أسماء اتصلت بيا الصبح قبل ما انت تتصل؟ كانت بتعيط بس. لو تسمع صوتها كان قلبك اتقطع. عشان كدة اتصلت بيك عشان أفهم هي مالها، وفهمت بس يا ريتني ما فهمت. أنا كنت متقبلاك جنبي وأنت زبالة وعايش في مستنقع، بس إنك تيجي على صاحبتي الوحيدة لا يبقى انت لا تلزمني ولا تلزمني. محمد وقد تحشرج صوته:
–خليها تسامحني يا ريتال عشان خاطري، والله ما هعمل كدة تاني، صدقيني أول وآخر غلطة والله أوعدك. انتوا الاتنين أنضف حاجة في حياتي، أنا مقدرش أستغنى عنكوا. انتِ عارفة إني معنديش إخوات بنات وانتِ كنتِ أختي وأسماء حبيبتي وروحي وكل حاجة ليا. والله ما عملت أكتر من إني رقصت مع البنت ومكنتش هعمل أكتر من كدة، أنا بحلفلك.
زفرت بضيق، فقلبها الأبله يريد مسامحته، فهو صديقها الذي عوضها عن عدم وجود أشقاء لديها ولقد استطاع أن يملأ فراغ الأخ الموجود لديها. أغمضت عينيها لثواني ثم فتحتهم مرة أخرى وهي تبتسم. ريتال بابتسامة يائسة: –يا حيوان خلاص سامحتك. بتستغل إني طيبة يعني.
للآخر بصوت عالي حتى أبعدت الهاتف عن أذنها وهي تقهقه على حماقته. فأكملت حديثها معه وهي تخطط له كي يجعل أسماء تسامحه، وكل ذلك كان يستمع إليه يونس الذي نفرت عروقه من رقبته وضغط على المقود أمامه كي يتمالك أعصابه. ريتال بسعادة وهي تقترب للأمام حتى كانت أنفاسها تضرب بجانب وجنته:
–أنا سامحت محمد، حاساه صادق. انت عارف محمد ده عوضني عن عدم وجود أخ ولد عندي، كان دايماً نفسي يكون عندي أخ ولد كدة وهو عوضني عن ده خصوصاً بعد موت بابا. أنا بحبه أوي بجد و آآ ضغط على مكابح السيارة وهبط منها بسرعة ليفتح الباب الخلفي ويمسك معصمها ويجعلها تهبط عنوة. ريتال بتعجب وهي تسحب معصمها بعنف: –فيه إيه يا يونس؟ يونس من بين أنفاسه: –اسمي دكتور يونس، انتِ طالبة عندي متنسيش نفسك! ريتال بحدة وهي تضرب صدره:
–أنا مش طالبة عندك أنا مراتك! يونس ببرود: –الكلام ده هناك في بيت جدك، لكن طول ما إحنا برة البيت تقوليلي دكتور يونس. ريتال بغضب: –هو انت إيه اللي جرالك؟ ما انت كنت كويس الصبح و آآ يونس بحدة كبيرة وهو يمسك معصمها بعنف ويهزها: –وطي صوتك ده وانتِ بتتكلمي معايا فاهمة؟
صمتت برهبة وهي تخفض بصرها بسرعة، فهي ولأول مرة تخشى أن تنظر لأعين أحد. كم أرعبها غضبه ونظرته الفتاكة تلك. دمعت عينيها ولكنها ابتلعت غصتها بخوف من أن يوبخها إذا بكت. ريتال بصوت خافت وهي تنظر أرضاً: –ممكن تسيب دراعي؟ تركها بسرعة ودفعها ليصعد بالسيارة مرة أخرى وينطلق. فشهقت هي بعنف وهي تنظر للطريق الصحراوي حولها، فهي كانت على طريق سفر لتذهب لصديقتها بالإسكندرية. أخرجت هاتفها بسرعة لتهاتف شقيقتها التي أجابت.
مليكة بصوت غاضب قليلاً: –أيوه يا ريتال. ريتال بنبرة مرتجفة وهي تنظر حولها بخوف: –مليكة أنا خايفة أوي. مليكة بانتباه وقلق: –خايفة من إيه؟ انتِ فين؟ ريتال وقد بدأت تبكي: –أنا كنت مع يونس في العربية مسافرين إسكندرية عشان كان هيوديني عند أسماء بس هو طردني برة العربية وأنا دلوقتي في الشارع. أنا خايفة أوي، الدنيا حواليا فاضية و آآ وفجأة انقطع الخط. عند مليكة..
كانت تحاول مهاتفتها مرة أخرى ولكن وجدت أن الهاتف مغلق. ظلت تدور حول نفسها وقد دمعت عينيها، فهي تعلم أن شقيقتها لديها رهبة من الأماكن الواسعة الفارغة. خرجت من الغرفة بسرعة ولكنها اصطدمت بصقر الذي كان يدلف في نفس الوقت. صقر بجمود وهو يمسك كفها ويجذبها أمامه: –رايحة فين؟ مليكة ببكاء وهي تضع يدها فوق شفتيها: –ريتال!
انفجرت باكية فتسمر بمكانه وهو يشعر بها تلف يدها حول خصره وتلقي بنفسها بين أحضانه. كان يشعر بدموعها التي تهبط على قميصه. فأغمض عينيه محاولاً السيطرة على انفعالاته ودقات قلبه. كاد أن يرفع كفه ليحاوطها ولكنها ابتعدت وهي تمسح وجهها. مليكة بنبرة باكية وأعين ملتهبة: –يونس سابها في الشارع وهي بتخاف من الأماكن الفاضية. صقر بنبرة متحشرجة: –سابها فين؟ مليكة ببكاء مرة أخرى وهي تمرر أناملها على فروة رأسها بعنف:
–معرفش الخط قطع قبل ما تقولي، بس اللي عرفته إنهم كانوا مسافرين إسكندرية وإن هي حواليها صحرا. بعد كده الخط قطع، حاولت أتصل بيها تاني لقيت موبايلها اتقفل. صقر بجمود: –خليكي هنا متتحركيش، أنا نص ساعة و جاي.
سحب هاتفها من بين يديها وخرج وأغلق الباب خلفه بالمفتاح. فجحظت مليكة بأعينها وهي تستمع لصوت المفتاح، فظلت تطرق الباب بعنف ولكنه لم يبالي. أمر صقر الخادمة بأن لا تفتح لمليكة ولا تجعل أحد يصعد للطابق الخاص به ثم غادر وهو يهاتف شخص ما. بعد مرور ما يقرب من ساعة.. استمعت مليكة لصوت الباب لتتفاجئ بريتال تدلف عليها ووجهها شاحب للغاية. نهضت من على الأرض سريعاً وركضت إليها تحتضنها بعنف وهي تقبل كل إنش بوجهها. مليكة بابتسامة:
–انتِ كويسة يا حبيبتي؟ ريتال بخفوت: –كويسة، صقر لحقني. مليكة بعدم فهم: –لحقك من إيه؟ ريتال وقد دمعت عينيها: –كان فيه بلطجية عايزين يسرقوني، و عمالة أحلفلهم إن معيش فلوس مصممين يسرقوني. روحت مطلعة الفلامنجو من الشنطة وقولت اللي هيقرب مني هغزه، بس قعدوا يضحكوا عليا وواحد قالي تعالي اعمليلي حواجبي.
ضحكت مليكة بقوة ليختلط بكائها مع ضحكها. فضربت شقيقتها البلهاء على رأسها ثم احتضنتها بقوة وهي تحمد الله أنها بخير. كان صقر يستند على الباب ويراقب ذلك الحديث الأبله من وجهة نظره. ما كل تلك الدراما؟ لماذا تلك الأحضان والقبلات والدموع؟ هز رأسه بسخرية ثم اقترب منهم. صقر بخشونة: –مش خلاص اطمنتي على اختك اطلعوا برة بقى عشان عايز أنام. ريتال بغيظ وهي تخرج له لسانها: –يا سم.
خرجت ريتال فكادت أن تلحقها مليكة ولكنها عادت لتقف أمام صقر مرة أخرى. رفع حاجب بتساؤل وهو يراها تحدق بأعينها وابتسامتها ترتسم فوق شفتيها. ولكنه فجأة شعر بها تمسك كفه وتتحدث. مليكة بابتسامة واسعة: –أنا بجد بشكرك أوي إنك أنقذت أختي، شكراً أوي يا صقر.
وقفت على أطراف أقدامها ثم قربت شفتيها من وجنته ببطء لتطبع قبلة صغيرة قبل أن تركض خارجاً. كان يقف بمكانه كمن انسكب عليه ماء مثلج ويضغط على كفه بقوة. استطاع أن يستمع لصوت أنفاسه التي علت وتيرتها، فحمحم بسرعة وهو يهندم ثيابه ثم يتوجه للفراش ليتمدد عليه ويثني معصمه أسفل رأسه ليراقب السقف بدهشة. عند ريتال.. كانت تجلس بالحديقة فوق العشب وتتحسسه بشرود فتذكرت ما حدث منذ قليل. فلاش باك..
كانت تتحدث مع مليكة ولكن فجأة انغلق هاتفها فقد نفذت بطاريته. زفرت بعنف ثم نظرت للفراغ حولها بخوف ورهبة ولكنها قررت التغلب على تلك الفوبيا اللعينة. فجلست فوق الرصيف تحتضن ركبتيها وتراقب الطريق بخوف حتى تفاجئت بسيارة تقترب منها كانت تشبه سيارة يونس. فوقفت بسرعة وظلت تشير لها بكفها حتى توقفت ولكن تفاجئت بثلاث شباب يهبطون منها. ريتال بتوتر وهي تفرك كفيها: –أنا آآ أنا آسفة افتكرتكم حد تاني. شاب بقهقهة:
–أيوه إحنا الحد التاني ده. شاب آخر وهو يقترب منها: –اطلعي باللي معاكي بكل أدب وذوق ومن غير شوشرة. ريتال بغضب وهي ترفع سبابتها في وجهه وتحتضن حقيبتها بكفها الآخر: –على فكرة أنا مبتهددش، وأعلى ما في خيلك اركبه. رأته يخرج ذلك السلاح الأبيض الشهير فشهقت بعنف ثم بحثت عن أي شيء حاد بحقيبتها حتى وجدت ضالتها فأخرجتها سريعاً ورفعتها في وجهه. الشاب بضحك: –تعالي اعمليلي حواجبي. صقر بصوت أجش من الخلف: –هعملهالك أنا يا روح أمك.
التفت الشباب سريعاً وارتعبوا من الذي يقف أمامهم. فركضت ريتال باتجاهه سريعا وهي تتنفس الصعداء. صقر بجمود: –في ثانية مش عايز حد قدامي. وبالفعل خلال ثواني قد اختفى الشباب. ريتال بغضب وغيظ: –انت هتسيبهم كده يهربوا؟ دول حرامية دول كانوا عايزين يسرقوني وكانوا ممكن يموتوني و آآ صقر بنفاد صبر: –لا أنا مش هستحمل الرغي ده، اركبي!
صعدت بالمقعد الخلفي وهي تزفر بحنق وبداخلها توعد لذلك الحقير زوجها. وعلى ذكر أنه زوجها ضحكت بسخرية. زوجها؟ ما هذا الزوج الذي يترك زوجته بمنتصف الطريق هكذا؟ ريتال بتساؤل مقاطعة ذلك الصمت: –هو انت عرفت مكاني إزاي؟ صقر بهدوء: –خدت تليفون مليكة وخدت رقمك منه وكلمت حد يقولي الرقم ده موجود فين. يحددلي موقعك يعني. ريتال: –طب ما كنت كلمت يونس أسألته المتربي اللي سابني في نص الشارع للبلطجية و آآ
قاطعها صوت رنين هاتفه. فنظرت له لتراه يرفع هاتف شقيقتها ليرى من المتصل، فتفاجئت باسم "محمد" لتحول ملامحها للضيق فوراً. ريتال بضيق: –هو التنح ده لسة بيكلمها؟ ما يغور بقى. كان متصنماً بمكانه فقط ينظر للطريق أمامه ويرفع الهاتف صوب نظره. ما هذا الغضب الذي يتدفق بداخله، فهو يشعر بأن رأسه تكاد أن تنفجر. لا يعلم لما أجاب وفتح مكبر الصوت ليشير لريتال بأعينها بأن تتحدث. ريتال وهي تقترب بجسدها للأمام: –الو يا محمد.
محمد بغضب وصوت جهوري: –أخيرا يا هانم موبايلك اتفتح، إيه المسدچ الهبلة اللي بعتيها من كام يوم دي؟ انتِ بتحرقي دمي وخلاص. ريتال بحنق: –محمد أنا ريتال مش مليكة. محمد بغضب: –هاتي اختك يا ريتال عشان ليلتها مش فايتة معايا. ريتال بغضب: –ما تتكلم عدل، هي عملتلك إيه يعني وبعدين مسدچ إيه؟ محمد بحدة:
–الهانم كتبتلي إنها هتتجوز وبحاول أوصلها من ساعتها موبايلها مقفول وبأروح لها العيادة كل يوم بس مقفولة. قوليلها لو دي لعبة هبلة اتعلمتها جديد وجاية تطلعها عليا يبقى هي غلطانة، أنا مش هاجي بالطريقة دي. ريتال بتشفي: –بس دي مش لعبة، مليكة اتجوزت بجد! محمد بصراخ: –بــــــطــــــلي انـــــــــــتِ و اختـــــــــــك تحرقــــــــوا دمــــــــي!!!!!! ريتال بابتسامة متشفية ونبرة حزينة متصنعة:
–انت كنت عايزها تعمل إيه وهي شايفة إنك ابن أمك كده وموقف حالها 7 سنين يعني يرضيك كده؟ أهي اتجوزت وعايشة مع جوزها حياة سعيدة وكسرت وراك مليون قلة. محمد بغضب شديد: –قوليلها إني مش هسيبها في حالها وإنها بتاعتي أنا وبس، وصلّي الرسالة دي بالحرف.
ثم أغلق بوجهها. فظلت تضحك بتشفي وشماتة، فكم كانت تكره ذلك الأبله. أينعم هي تكره صقر أيضاً ولكن ليس بحجم كرهها لذلك المخلوق. وضع صقر الهاتف جانباً ويتردد بأذنه تلك الجملة الأخيرة، كيف يستطيع ذلك الحقير قول أن مليكة ملكه؟ قاطع سيل أفكاره ثرثرة ريتال المعتادة، فهو اعتاد على ثرثرة تلك العائلة ولكن عندما تحدثت على مليكة انتبه بشدة وكان كله آذان صاغية. ريتال ببلاهة:
–أصلاً أنا بكره الولد ده، كانت أمنية حياتي يفركش مع مليكة، كانت علاقتهم منتنة كده. صقر باشمئزاز: –منتنة؟ ريتال مكملة بلا مبالاة: –أيوه منتنة وستين منتنة. انت متخيل إنه خاطبها من 7 سنين؟ طب تقدر تفهمني متجوزهاش كل ده ليه؟ حد يخطب حد 7 سنين لييييييه؟ لو واخدين بعض عن حب هقولك ماشي، لكن مليكة وافقت بيه عشان شافت إنه هيريحها. صقر بانتباه: –هيريحها إزاي يعني؟ ريتال:
–يعني هما مش بيحبوا بعض، مش هيخنقها بقى بتكلمي مين ونازلة فين وجاية منين ولابسة إيه. مع إن كلنا قولنالها يا بنتي ده كده غلط لازم تاخدي راجل حمش كده، لكن هي عبيطة. هي بتخاف من الحب عشان كده اختارت واحد لا بتحبه ولا بيحبها. انت عارف دول عمرهم ما خرجوا لوحدهم، عمرهم ما خرجوا أساساً. كان بييجي عندنا البيت لو فيه مصيبة غير كده مكنتش بنشوفه. ابتسم صقر براحة لا يعلم مصدرها وضغط على زيادة السرعة ليعود للمنزل سريعاً.
انتهاء الفلاش باك.. زفرت بملل وهي تقطع تلك الأعشاب الصغيرة في الأرض حتى شعرت بمن يجلس بجانبها فوجدته يامن. ابتسمت له ابتسامة صغيرة ثم نظرت أمامها مرة أخرى. يامن بتساؤل: –قاعدة لوحدك ليه؟ ريتال بسخرية: –ما أنا قاعدة لوحدي دايماً. يامن بمرح: –أومال فين جوزك يا هانم؟ ريتال بحقد: –متجبش سيرته، ده مش بني آدم. يامن بتعجب: –عملك إيه؟ ريتال وقد بدأت تختنق: –سابني في الشارع لوحدي في حتة مقطوعة، وبسببه طلع عليا بلطجية. يامن
بذهول وهو ينتصب بجلسته: –إيه! يونس مستحيل يعمل كده. ابتسمت له بسخرية ولكن فجأة لمحت طيفه وهو يدلف إلى الداخل. فوقفت بسرعة وركضت خلفه فرأته يدلف إلى ذلك المجلس. فكان الجميع يجلسون بالصالة ويتحدثون. –يونس! التفت لها ونظر لها بعدم فهم فرآها تقترب منهم ببطء حتى وقفت أمامه تنظر بأعينها بصمت. فاطمة بتوجس من تلك النظرات القاتلة: –فيه إيه يا بنتي، مال وشك؟ ريتال بنبرة ثلجية: –مش هتسألني رجعت إزاي؟ عبد التواب بعدم فهم:
–رجعتي منين؟ هو مش انتِ كنتي معاه؟ ريتال بسخرية وهي مازالت تنظر بأعينها: –كنت معاه آه، بس دكتور يونس زي ما تقول زهق مني في نص الطريق راح طردني برة العربية وسابني ومشي من غير حتى ما يشوف أنا معايا فلوس أروح ولا لا. "ثم دمعت عينيها وهي تتحدث بغضب شديد" سابني على طريق سفر من غير ما يبص وراه مرة واحدة، أنا طلع عليا بلطجية وواحد منهم فتح عليا مطوة لولا صقر جه في الوقت المناسب.
شهقت والدتها وهي تقف بسرعة وتقترب من فتاتها. كادت أن تحتضنها ولكن أوقفتها ريتال وهي ترفع كفها في وجهها. أغمضت عينيها لثواني ثم فتحتها مرة أخرى وهي تهبط بكفها فوق وجنته بقوة جعلت وجهه يستدير. ريتال بقسوة: –طلقني!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!