ما علاقة قصة قابيل وهابيل بما يحدث الآن؟ ارتجفت أطرافها وهي تلتصق به وتأخذ أنفاسها خوفاً، ليقول هو ببرود: هخلص شغل هنا، وهنمشي. إقعُدي. رباب بسُرعة: شغل إيه؟ أنا مش فاهمة! يا لؤي... تجاهلها تماماً وهو يقتحم غرفة أخرى وينغلق الباب خلفه. وقفت رباب في الممر والإضاءة الحمراء ترتجف. هُناك أصوات مخيفة في نهاية الردهة جعلتها تسير خلف لؤي وتفتح باب الغرفة التي دخلها هو وتُغلقه خلفها. * داخل الغرفة *
وقفت وهي مستندة على الباب وتنظُر للأشخاص الجالسين في صالة منزل متوسطة. جلس شاب يرتدي قميص وفوقه سترة كحلية ونظارة نظر وهو محني الرأس، علامات الصدمة تكاد تقتله. وأمامه يجلس رجل خمسيني يرتدي بيجاما منزلية والسيدة ترتدي جلباب وتضع رأسها فوق يدها بخيبة أمل. الخمسيني بعتاب قاسي للشاب الجالس أمامه: دا منظر مجموع تجيبه في الثانوية العامة؟ أنا الوحيد اللي ولادي عار عليا، إنت شوفت ابن عمك جايب كام!
هيدخلك إيه مجموعك اللي زي الزفت دا؟ ربنا ياخدك يا أخي. السيدة ذات الجلباب: ليه كدا يابني؟ مش قولتلك ذاكر كويس وراجع دروسك؟ دماغي هتنفجر. رفع الشاب رأسه وهو يرتجف ويقول بصوت حزين، حزين للغاية: أنا ذاكرت قدامكم، تعبت أوي من كتر المذاكرة وأملي راح! الامتحانات كانت صعبة أوي ومش عليا أنا بس! انحنى لؤي على مسامع الأب ووشوشه. لم تستمع رباب لما قال، لكن ظهرت ملامح الغضب على وجه الأب وهو يقول:
بس بس بلاش حجج فارغة، اللي بيذاكر بينجح، متحطش خيبتك في الامتحانات. انحنى الشاب رأسه مرة أخرى بصدمة، ويبدو عليه أنه بالفعل اجتهد وعلاماته هذه! ليست مجهوده. انحنى لؤي مرة أخرى على مسامع الأب الغاضب، ليقول الأب كخنجر أخير انغرز داخل صدر ابنه: إنت خسارة فيك اللقمة، طالما مستهتر كدا. قام الشاب بخذلان عميق، من قسوة الأهل وشماتة العائلة وتجاهل الأصدقاء، ومجهوده الذي سقط أرضاً.
سارت وراءه رباب كالمغيبة وهي تنظُر لملامح وجهه المتعبة. دخل غرفته ونظرت رباب بها، مكتبه مليء بالكتب والأقلام والدفاتر الممتلئة، وأكواب الشاي الفارغة وفراشه نظيف كأنه لا ينام، حتى الجدران كتب عليها بعض القوانين الهامة. جلس على مكتبه وهو يزيح كتبه بيده ويقول بنبرة مقهورة، حزينة تشعر بالظلم: أنا ذاكرت ومكنتش بنام، كُل دا ومخدتوش بالكم إني عملت اللي عليا. (صوت نحيب) دا أنا نظري ضعف من المذاكرة، هو لازم طب يعني!
صوت والده يتكرر في أذنه (إنت خسارة فيك اللقمة، عارف ابن عمك جاب كام! خيبت أملنا) ليقف فجأة من مكتبه وهو يضع نظارته الخاصة بالنظر ويتجه بهدوء لنافذة غرفته، فتحها على مصراعيها وقفز منها. مودعاً كل شيء وداع حزين، وكأنه كان ممتلئ بضغوطات الدراسة ليكتمل ضغطه ويفشل في أعين عائلته. رباب صرخت بقوة من صدمتها لذلك الشاب المسكين. احتضنها لؤي وهو يحاول إخراجها من تلك الغرفة ويقول: نِتقابل في جهنم بقى.
كانت رباب تصارع بين ذراعيه حتى أخرجها بالقوة من الغرفة. وقفوا في الممر ذو الإضاءة الحمراء مرة أخرى وهي تبكي بقوة وتقول: مات خلاص؟ مات ليه؟ إنت بتعمل إيه هنا؟ فتح لؤي ذراعيه وهو يقول: كفاية كدا النهارده، لازم نرجع، هاتي حضن زي ما وعدتك، هتصحي وتحسي إنه حلم ومفيش حاجة حصلت. ابتعدت رباب للخلف وهي تبكي وتقول: مش عاوزة أحضنك، إبعد عني. قطع لؤي المسافة بينها وبينها في سرعة البرق، ليحتضنها لتفقد هي الوعي وثم...
* في شقة رباب ولؤي * فتحت عيناها بإرهاق شديد وهي تنظر حولها لتجد نفسها في شقتها، مرتدية ملابسها المنزلية وتتوسط فراشها. فتحت باب غرفتها لتخرج إلى الصالة وهي تنظر حولها. وجدت لؤي يقف في منتصف المطبخ، يضع الطعام في أطباق وهو يقول: نمِتي كويس؟ وضعت رباب يدها على رأسها وهي تقول بألم: لا خالص، كوابيس وحشة أوي صحيت منها بالعافية. ابتسم هو بخبث ليقول: مجرد ليلة نوم سيئة وعدت. حطيتلك أكلك في أطباق معرفش كدا صح ولا إيه.
اقتربت رباب من الأطباق لتجد الجبن والمربى والزبدة. جلست على الكرسي وهي تضع إصبعها في المربى وتتذوقها ثم قالت بسعادة: عملت الفطار الحلو دا عشاني؟ تسلم إيدك. ابتسم ببرود، ليجلس أمامها وهو يقول: أنا أكلت قبلك، كنت جعان، هتقضي يومك إزاي؟ رباب وهي تأكل: أنا زهقانة يا لؤي وعاوزة أغير جو. الكوابيس اللي حلمت بيها دي كانت صعبة أوي عاوزة أنساها. ليبتسم هو، ابتسمت معه وهي لا تعلم حتى قال: تحبي نروح فين بالليل؟ رباب بحماس:
عاوزة أروح ماكدونالدز، نفسي فيه بقالي كام يوم. قبل الجواز كنت بروح مع بنات خالتي وكدا. لؤي وهو ينظر لها بثبات قال: دا اللي تمثاله مهرج لابس أصفر؟ رباب بخوف: آه اللي منظره يقطع الخلف دا. لؤي بإبتسامة شر: حاضر، هنروح وهتنبسطي أوعدك. ابتسمت المسكينة بحماس، لا تعلم أنها ستكون ليلتها الأسوأ على الإطلاق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!