أخذت تُحدق به بصدمة وهي لا تُصدق بأنه يجلس أمامها الآن. فقد تغيرت ملامحه وأصبحت أكثر خشونة، حتى تلك اللحية التي تراها به قد جعلته شخصاً آخر. ولولا أنها لم تنسَ ملامحه التي عشقتها يومًا، لكانت ظنت بأن قلبها قد عاد لحنينه. ولكن صوت ذلك المدير الذي يعقد معها المقابلة، قد أفاقها من شرودها وهي يتمتم: "تعرف الانسة؟ ياهشام!
فأخذ يطالعها هشام بحنين وهو يتأمل كل تفاصيل وجهها البريء الذي لم يتغير إلى اليوم. فحبيبته التي أطفأها، تقف اليوم أمامه. فتنهد بأسى وهو يتذكر ما فعله بها وخذلانه لها بسبب زواجه. وهتف بحنين: "أنا والآنسة زهرة معرفة قديمة يا رامي." فابتسم رامي بود وهو يتأمل ملامحهم، ثم ألقى نظرة على أوراقها قائلاً: "تقديرك العام جيد جداً... أمممممم ممتاز." وتابع بحديثه وهو لا يجد كلاماً يتحدث به:
"تقدري تتفضلي يا آنسة زهرة. وأكيد لو اتقبلتي في الوظيفة هنبلغك." تُسحب زهرة أقدامها بضعف وهي هائمة في عالم آخر. فكل ما دار في تلك المقابلة لم تسمع منه حرفاً واحداً. وخرجت راكضة من الشركة وهي تتنفس بصعوبة، ودموعها تنساب بغزارة على وجهها. وهي لا تصدق بأن القدر جمعها بهشام في تلك الفترة التي كانت لا بد فيها أن تأخذ خطوة في حياتها.
وبدأت تُخرج هاتفها بارتعاش لتبحث عن رقم صديقتها. وضغطت على زر الاتصال سريعاً. وما من لحظات حتى سمعت صوت صديقتها تهاتفها. لتنطق هي بصعوبة: "أنا قبلت هشام يا ريم، قبلته." *** وقف هشام سريعاً وهو يسحب مفاتيح سيارته التي وضعها على مكتب صديقته قائلاً: "رامي، زي ما اتفقنا، أقبل زهرة في الوظيفة، أرجوك." فتنهد رامي بيأس وهو يخبره: "حاضر يا هشام. مع أنك عارف إني مش بحب الواسطة، بس عشان خاطرك أنت يا صديقي."
وكاد أن يكمل رامي بحديثه ليعرف منه كم يوم سيقضي هنا قبل رجوعه إلى شرم الشيخ. ولكن انصراف هشام السريع جعله يجلس على كرسي مكتبه ثانية. أما هشام، فأخذ يسير في رواق الشركة يلتف حوله وهو يتابع أوجه كل فتاة أمامه. إلى أن خرج من شركة صديقه متنهداً بيأس: "روّحتي فين يا زهرة؟ وأخذ يغمض عينيه وهو يحفر ملامحها في عينيه. فقد عاد إليه الحنين الذي قتله. *** جلست على فراشها بتعب وهي تتأمل ملامح صديقتها قائلة:
"ليه شفته النهارده يا ريم؟ ليه منستهوش؟ فنظرت إليها ريم وهي تلعن ذلك المسمى بهشام: "عشان هشام ده إنسان خسيس وزبالة. ما كنا صدقنا إنك نسيتيه." لتضحك زهرة بيأس وهي تتذكر أن اليوم سوف تذهب مع والدتها وخطيبها الغامض الذي يعتبر عريس لقطة بالنسبة لوالدتها. قائلة: "بعد اللي حصل النهارده، ما أفتكرش إني نسيته يا ريم. للأسف لسه بحبه." لتسقط تلك الكلمة على مسمع والدتها وهي تردف إلى حجرة ابنتها قائلة بغضب:
"لسه بتحبي مين يا ست زهرة؟ فتنهض ريم وهي ترى والدة صديقتها. متأملة وجه زهرة الشاحب: "يا طنط، زهرة متقصدش حاجة." فجلست نعمة بضيق وهي تتأمل ابنتها: "مش واحد شفتيه في رحلة واتعرفتي عليه مرة ولا اتنين وبعدين اتكلمتوا شوية على الزفت اللي اسمه فيس، تقومي تحبيه؟ فأخذت الصديقتان يتأملان ملامح بعضهم. فوالدتها لا تعلم إلا نصف الحكاية. وتابعت والدتها بحديثها وهي تنهض:
"الحاجة مني اتصلت ولغت الميعاد بتاع النهارده عشان أخو خطيبك جه فجأة." وخرجت والدتها وهي تسب وتلعن في غباء ابنتها. لتحتضنها صديقتها بعجز قائلة: "معلشي يا زهرة. طنط لما بتتعصب بتنسى نفسها." فأدمعت عين زهرة وهي تلعن ضعفها منذ عام عندما قصت على والدتها نصف حكاية حبها لهشام، ظناً منها أنه سوف يأتي لخطبتها كما كان يخبرها. ونطقت بألم: "يا ريتني ما كنت ضعفت وحكيت ليها." *** جلست مني بجانب أولادها الاثنان
وهي تضحك من قلبها قائلة: "لو تعرفوا أنا فرحانة النهارده إزاي يا أولاد. قلبي هيطير من الفرحة وأنا شايفاكم جنبى." تركض نحوهم نسرين كي تجلس على أقدام أحدهما. فيضحك هشام قائلاً: "انتي مالك بتتقلي كده ليه؟ ليبتسم شريف لمزحة أخيه وهو يتأمل ملامح أخته الغاضبة قائلاً: "مش أنا لوحدي اللي قولت كده. عشان تعرفي إنك بقيتي شبه الباندا." فوقفت هي بتذمر وهي تطالع والدتها: "شايفه ياماما ولادك بيتريقوا عليا إزاي؟ فتأملتهم
مني وهي تضحك بحنان قائلة: "بيهزروا معاكي يا عبيطة." هل يردف ممدوح إليهم وهو يهتف بغضب مصطنع: "بتزعلوا مراتي ليه؟ وتابع بحديثه: "شايفه، مش بقولك نسافر الإمارات ونعيش هناك؟ وانتي تقوليلي لأ." لتتغير ملامحها سريعاً وهي تتأمل زوج ابنتها قائلة بصدمة: "نسافر فين يا ممدوح؟ أنت وعدتني إن بنتي مش هتبعد عني. مش كفاية أخواتها كل واحد فيهم شاف حياته ونسيني." ونهضت من جانب أولادها وهي تتذكر زوجها الراحل قائلة:
"يا ريتك كنت عايش لحد دلوقتي يا محمود." ونهض شريف خلفها ليحتضنه بأسف: "ياماما ياحبيبتي، محدش هيبعد عنك ويسيبك." ليرمق هشام ملامح ممدوح بضيق: "ضيعت القعدة أه علينا وزعلت مرات عمك. قوم صالحها." وما كان من ممدوح سوى أن استجاب لطلبه دون أن يتفوه بكلمة. فهو يعشق زوجة عمه التي يعتبرها أماً ثانية له. واحتضن هشام نسرين الواقفة تتابع كل ما يحدث بصمت قائلاً لها بحب: "احكيلي بقى يا نونو، خطيبة شريف حلوة ولا أخوكي اتدبس." ***
نظرت إلى أختها بسعادة رغم حزنها، لتتأمل فرحتها هي وحازم بعدما وجدوا شقة من أجل إتمام قصة حبهما. لتقترب جميلة منها قائلة بغمز: "عقبالك يا زهرة لما تتجوزي انتي وشريف." فخفضت زهرة رأسها سريعاً وهي تستمع لأختها. وثم وجدت عين والدتها تحدق بها بقسوة. حتى اقترب حازم من خالتها قائلاً بخبث: "مالك يا خالتي بتبصي للبت زهرة كده ليه؟ وبدأ يضع دعابته في حديثه: "أوعي تكوني عملتي حاجة يا زهرة تزعل الجميل ده منا."
فرمقه خالته بنظرة غاضبة. إلى أن ضحك منصور قائلاً بفكاهة: "خالتك دي شكلها قلبت على ريا لما كبرت." وضم زهرة إلى أحضانه وهو يهمس في أذنيها: "حاسس فيكي حاجة يا بنتي." وعندما وجدت نعمة دموع ابنتها أوشكت على الهبوط، غادرت المكان قائلة: "تعالي يا جميلة نحضر العشاء." لمعت عين زهرة وهي لا تصدق بأن والدتها نفذت تهديدها لها عندما طلبت منها أن لا تكمل في تلك الخطبة التي لا تشعر بها.
ولكن ردها كان: "لساني مش هيخاطب لسانك لو فكرتي تعملي كده يا زهرة، وقلبي عمره ما هيرضى عنك." فأفزعها حازم بصوته. ليفيقها من شرودها: "قررتوا تعملوا الخطوبة فين انتي وشريف؟ على فكرة الفندق اللي رحناه يوم فرح فارس ملكه." وداعبها بحديثه: "وقعتي واقفه يا زهرة، بس أوعي تنسي حزمتك، لأحسن أدعي عليكي دعوة أسخطك." لترتسم ابتسامة بسيطة على شفتي زهرة. إلى أن هتف منصور بعدما طالع وجه ابنته:
"طلعنا منك فايدة ياواد يا حازم النهارده." *** سيجارة تلو الأخرى أخذ يشعلها في شرود. إلى أن اقترب منه أخيه قائلاً: "بتشرب سجاير يا هشام؟ مش معقول." فالتف إليه هشام ضاحكاً وهو يتمتم: "شوفت بقى السنين بتغير." فحدق به شريف للحظات. ومن ثم ابتسم له بحنين: "عارف يا هشام، لحظة وجودنا سوا بتخليني أكره الغربة وأكره ضعفي إني سبتكم وسافرت."
ليطفئ هشام لهيب سيجارته بعدما نفث دخانها بعمق وهو يتأمل المساحة الفارغة التي يطل عليها ساحة منزلهم. وبدأ يشرد في سنين مراهقتهما معا قائلاً: "فاكر أحلامنا يا شريف؟ فلمعت عين شريف وهو يتذكر أحلامهم: "إننا منفترقش عن بعض أبداً مهما حصل." ليعم الصمت للحظات. إلى أن تنهدا سوياً. ليلتف هشام قائلاً: "مبروك على الخطوبة." فطالعه شريف بعجز وهو لا يشعر بأي شعور نحو تلك الكلمة. ليبتسم هشام قائلاً: "مبتحبهاش صح؟
وللأسف لسه بتحب مريم." فرمقه شريف باعتراض خفي قائلاً: "هتجوز وهعيش حياتي. وحبي لمريم خلاص مات." وضع بكفيه نحو كف أخيه وهو يتمتم: "وهتظلم نفسك وهتظلمها يا شريف، صدقني." ليعود به الحنين إلى اليوم الذي تزوج به نهى. تلك الزيجة التي اختار فيها العقل القرار. *** وقفت مصدومة في رواق المستشفى وهي تشاهد والدها وعم زوجها واقفان أمام غرفة العمليات. واقتربت منهم بجسد مرتجف قائلة: "أشرف كويس يا بابا صح؟
فلمعت عين والدها وأخذ يحتضنها بدفء وهو يخشى أن تفقد ابنته زوجها. فالحادث الذي وقع به زوجها كان صاعقاً. ليخرج الطبيب متطلعاً إلى وجوههم قائلاً بأسف: "البقاء لله." *** أخذ هاتفها يدق برقم غريب. فتناولته بصمت وهي ترى نظرات والديها تحاوطها. فنظر إليها والدها قائلاً: "ردي يا بنتي. يمكن الشركة اللي انتي رحتي تقدمي فيها قبلوكي ولا حاجة." فابتسمت زهرة وهي ترى الأمل يلمع في عين والدها. فتمتمت بخفوت:
"ما أفتكرش يا بابا. أنا نسيت خلاص فكرة الشغل. أنا شكلي فاشلة في كل حاجة." لتلوي والدتها شفتيها باعتراض: "عشان هبلة وبيضحك عليكي." وعاد الرنين ثانية بنفس ذلك الرقم. ليأخذ منها والدها الهاتف بعدما ترك كوب قهوته. ليهاتف المتصل قائلاً: "أيوة يا بنتي. أه تليفون زهرة منصور، بس أنا والدها." وظهرت ابتسامة سعادة على وجهه وهو يتأمل أعين زوجته. وعندما أنهى الحديث نظر إلى زهرة بسعادة:
"مبروك يا بنتي. قبلوكي في الوظيفة. مش قولتلك إني متفائل." فلمعت عين زهرة بفرحة وقد نسيت كل المشاعر الزائفة التي كانت تحاوطها. حتى أنها نسيت تفكر للحظة كيف قد قُبلت في تلك الوظيفة رغم عدم وجود خبرة لها. إلى أن هتفت والدتها بجمود: "لازم خطيبها يعرف." ليحتضن منصور ابنته وهو يرمقها بنظرات جامدة: "خطيب مين ده؟ بنتي تعمل اللي هي عايزاه. وأنا الخطوبة دي مش عجباني ومبقتش مرتاحة ليها." وأسكتي خالص عشان أنا فرحان ببنتي.
فطالعتهم هي بغضب: "خليك مبسوط. لما تقعدها جنبك كده وتعنس. وبرضه لازم تقول لخطيبها." ونهضت سريعاً من أمامهم وهي تضرب كفاً بأخرى. ليتأمل منصور فعلتها بصدمة. إلى أن تحولت صدمته لضحكة عالية. تعالت معها ضحكة زهرة. هامساً بحنان أبوي لها: "لو مش عايزة الخطوبة دي، قوليلي يا بنتي." فصمتت زهرة للحظات وهي تستجمع شجاعتها. ونطقت أخيراً: "بابا أنا... *** نظر إلى والدته التي عادت إليه بعدما ذهبت لتجيب على هاتف المنزل. فهمست بأسى:
"أشرف جوز مريم بنت خالتك مات يا هشام." فأخذ يحدق بعين والدته وهو لا يصدق بما سمعت أذنيه. وكاد أن ينهض من مقعده ليقترب منها، خاشية عليها. إلى أن وجد شريف يقترب منه بعدما استعد بهيئته المنمقة من أجل أحد الاجتماعات التي سيعقدها مع تلك الشركة التي جاء من أجلها. قائلاً: "تسألوا مالكم إيه اللي حصل؟ فعم الصمت للحظات بينهم جميعاً. وكل من هشام ووالدته يرمقون بعض بنظرات قلقة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!