اليوم الذي قرر أن يُهاجر فيه البلاد نفسه اليوم الذي قد خُطبت لغيره. بعد حب، قصة حب عاشت بداخله مُنذ أن ولدت وهو طفل في الخامس من عمره. فضحك بستهزء وهو يوقف ذلك الشريط اللعين ويلعن نفسه مائه مره لقدومه مره ثانيه لحياته التي هجرها. فرن هاتفه ليعلن عن اتصالا، فتأمل الاسم قليلا قبل أن ينبعث صوته ليتحدث قائلا: "ازيك يارامز؟ فجأه صوت رامز الضاحك قائلا: "فرنسا كلها وحشتها، وديانا هتموت وترجع."
تأفف هو بضيق قائلا: "سيبك من ديانا وقولي اخبار الشغل ايه." هتف صديق غربته قائلا: "كله تمام متقلقش، وأنا ببعت ليك كل حاجة تخص الشغل على إيميلك. بس شكلك مش فاضي تبص على أي حاجة. إيه مصر بقت حلوة كده عشان تخليك تنسى الشغل ومشاريعك؟ ليتحدث شريف قائلا وهو يلعن تلك الطاحونة التي وضعه فيها فارس لكي يكمل عنه تصميماته وأعماله إلى أن يعود من رحلة زواجه: "معلش يارامز بس مضغوط في شركة فارس الأيام دي، لأنه مسافر...
عقبال عندك أصله اتجوز من أسبوع." فأتاه صوت رامز الضاحك قائلا: "حاجتين ربنا يبعدني عنهم: الجواز وإني أنزل مصر تاني." جلس بأسترخاء على مكتبه الفخم الذي دوما قد حلم به. فتح عينيه على صورة زوجته القابعة على مكتبه وهي في حضن أبوها. فظل يتأملها قليلا إلى أن حن لوجه طفولي قد عصف به. فأخرج هاتفه ليبحث فيه عن صورة وحيدة لها مازال محتفظاً بها وقد أخذها لها دون أن تُلاحظ. وقد كانت الصورة تحتوي على بعض من السائحين.
ليتذكر اليوم الذي قابلها فيه وقد كانت فعلا ملاك كما كان يتخيلها. نظر باسماً وهو يتأمل ملامحها وضحكتها وهي تُحادث أختها وتشاور بأصبعها على أحد السُياح. ليتنهد قائلا: "وحشتيني أوي يازهره، كنتي أنقى إنسانة عرفتها ونورت حياتي. بس للأسف حظك وقعك مع إنسان مش بيفكر غير في نفسه وبس." أغلق هاتفه سريعاً عندما أحس بأن الحنين سيأخذه لذكري راحلة. وبدأ يتابع أعماله على حاسوبه الشخصي. حتى رن هاتفه ليرد بحبور: "ازيك ياعمي." ليأتيه
صوت أحدهما يضحك قائلا: "نهى الحمد لله كويسة، والقرية تمام. جوز بنتي طول عمره شاطر ودماغه عجباني، سلملي على نهى وخد بالك منها." وقبل أن تنتهي محادثته مع والد زوجته، سمع صوت أنثوي يتحدث بمياعة: "هنروح فين يابيبي؟ ليضحك هشام على أفعال حماه وهو يتمتم: "بيبي... وتابع بأحاديثه قائلا: "ادلع وانبسط يابيبي." هتفت نسرين بسعادة وركضت نحوه لتتعلق برقبه قائلة: "بجد ياشريف هنروح النهارده نشوف العروسة؟ فأبتسم شريف
وداعب وجنتي أخته قائلا: "شريف حاف كده، فين أبيه يابت؟ راحت فين؟ فضحكت نسرين وتأملت وجه أمها البشوش قائلة: "أنا كبرت دلوقتي وبقيت مدام." فحضنها بحب وهو يرى دموع والدته التي تقف أمامه. فترك أخته وذهب إليها ليضمها إليه بحنان قائلا: "بتعيطي ليه دلوقتي ياست الكل؟ فنطقت أمه وهي تُغالب دموع سعادتها: "البيت من غيرك كان ضلمة ياحبيبي، وروحي كانت رايحة مني... ربنا يفرحك يابني ويكرمك." فرفع بكف أمه الاثنين
وقبلهما وهو يبتسم قائلا: "ربنا يخليكي ليا ياأمي وأعيش طول حياتي تحت رجليكي. سامحيني إني سبتك، بس كان غصب عني." فرفعت أمه عينيها إليه وهي تبتسم قائلة: "مسمحاك ياشريف وحاسة بيك." لتأتي نسرين إليهم قائلة بدعابة: "ابنك عريس يامنى وبتعيطي، ياست انتي زغرطي." وكادت والدته تستجيب لفكرة أخته المجنونة حتى قال: "ماما أبوس إيدك بلاش فضايح." وتركهم وهو يضحك، حتى أتى بفكره لقاء اليوم. فأخذ يتمتم بإحباط: "شكلي هصلح غلطة بغلطة!
أخذت تتأمل أثر اعتدائه عليها ليلة أمس وهي تتأوه من الألم حتى أدمعت عيناها. لتسمع طرقات طفلها الصغير على الباب قائلة: "أيوه ياشريف ياحبيبي، أنا طالعة أفسحك." سكبت على وجهها قطرات الماء كي تزيل أثر دموعها، وأكملت ارتداء ملابسها لتُغطي أثر الكدمات عن جسدها. وخرجت إليه لتنحني بجسدها أمامه قائلة وهي تمسح دموعه: "مالك ياحبيبي زعلان ليه؟ فخرجت الكلمات من فم صغيرها بصعوبة قائلا: "اللعبة بتاعتي اتكسرت يا ماما."
فضمته إليها بحنان وأخذت تلامس جسده الصغير وهي تتمتم: "حال مامي زي لعبتك ياحبيبي... بس اللعبة ممكن ييجي غيرها. أما أنا فخلاص مت بسبب أنانيتي وحبي للمظاهر." وقفت أمها ورائها وهي تتمتم: "يابنتي يلا اخرجي بقي للناس." فرجعت بأقدامها للخلف قائلة: "هو أنا لازم أخرج؟ فأبتسمت أمها بسعادة قائلة: "يابنتي بطلي كسوف، الراجل مستني بره هو وأمه وأخته وجوزها. يلا يازهره أنا مش عارفة مش طالعة زي جميلة أختك ليه."
فتذكرت هي موقف أختها التي تركتها هي وحازم في مثل ذلك اليوم من أجل أن يروا أحد الشقق من أجل زواجهم المُعطل مُنذ عامين. فضغطت على شفتيها بحنق قائلة: "متفكرنيش ببنتك دي، ماشي ياجميلة انتي وحازم." وصارت بهدوء نحو غُرفة صالونهم المتواضعة وهي تقرأ بعض الآيات وأيديها تهتز بأكواب العصير. وعندما أرادت أن تقدم الأكواب، وجدت وجهاً بشوشاً يطالعها. لتسمع صوت سيدة أنيقة قائلة: "ما شاء الله قمر ياشريف."
لتبتسم والدتها قائلة: "ده من ذوقك يا حجة، أقدمي العصير يازهره للضيوف." فأخذت تُطالع زهره الأكواب بتردد متذكرة نصائح والدتها من أجل التقديم. وصارت نحو حماتها التي يبدو عليها الطيبة، ثم إلى تلك الفتاة التي يبدو أنها في شهورها الأخيرة بسبب انتفاخ بطنها. ثم إلى الرجل الذي بجاورها ويبدو أنه زوجها. وجاء دور والدها الذي ضحك ببشاشة قائلا: "قدمي لخطيبك الأول ياحبيبتي." فأقتربت منه وهي تهمس بصوت أنثوي راقي قائلة: "أتفضل."
ليرفع هو أحد حاجبيه بشك من تلك الفتاة التي أول معرفته بها كان صداماً وجنوناً بسبب أفعالها. وكاد أن يمد بيده كي يأخذ كوب العصير، ولكن هيهات. قد انسكب العصير على بدلته التي يبدو أنها غالية الثمن. لتقترب أمها قائلة: "إيه اللي عملتيه ده، إحنا آسفين يابني." فوجدها تبتعد عنه بخجل حتى شعر هو بها فقال بهدوء: "مافيش حاجة." فأبتسمت أمه بطيبة قائلة: "محصلش حاجة يا جماعة، تعالي يازهره ياحببتي جنبي." ونظرت إلى ابنها الذي يُطالع
بدلته بتأفف حتى قالت: "وانت ممكن الحاج يقولك فين الحمام وانقذ ما يمكن إنقاذه." وضحكت وهي تتأمل ملامحه. فربطت على يد زهره بحنان قائلة: "حد يطول القمر دي توقع عليه العصير." ليخرج صوت ممدوح الضاحك وهو يتذكر نفس فعلت زوجته حتى غمز لها قائلا: "مبتفكركيش بحد الحكاية دي." فضحكت نسرين بحب وهي تتأمل ملامحه قائلة: "قلبك أسود يازوجي العزيز." وتحولت تلك الزيارة الكئيبة للضحك والمداعبات حتى شعرت الأسرتان بالألفة.
ضحكت جميلة بقوة إلى أن سمعت صوت أمها المحذرة قائلة: "جميلة." لتنظر جميلة إلى أختها التي مازالت هائمة. فقالت بهدوء: "خلاص ياست الكل، معلش يازهوره أصلي بتخيلك وانتي بتدلقي على شريف العصير." وتابعت بحديثها قائلة: "حد قدك ياعم هتسافري فرنسا معاه، لاء واسمع كمان إنه عايش في شقة قصاد برج إيفل." فنظرت زهره إلى جميلة دون استيعاب حتى قالت بسعادة: "مين قالك كده؟
فتأملتها أمها قائلة: "ربنا يشفيكي يابنت بطني، يابت انتي مش من شوية قولتي لأبوكي إنك مش عايزة تبعدي عني." فلمعت عين زهره قائلة: "ياماما دي فرنسا، بس ياست الكل هو قال فترة بسيطة هيخلص شغله هناك وهنرجع تاني." فتأملتها جميلة بمشاغبة قائلة: "صبرتي ونلتي! وما كان من أمهما سوا أن تمتمت بسعادة: "ربنا يسعدكم يابناتي." نظرت إليها منى بإشفاق لما فعله ابنها حتى قالت بأسف وهي
تتأمل أعين ابنتها نسرين: "شريف بيقولك اختاري الشبكة اللي تعجبك ياحببتي." نظرت والدتها بانبهار للأطقم المعروضة من الألماس حتى قالت: "ربنا يعينه يا حاجة، أكيد يا حبة عيني مشاغله كتير." ومدت يدها اتجاه ابنتها كي تقترب وتتأمل الأطقم المعروضة، ولكن زهره ظلت واقفة بقهر وألم لما فعله. فأحست بوجع وهي تُحطم حلم آخر من أحلامها، فخطيبها يترك والدته وأخته تختار لها شبكتها. أما هو منشغل بأعماله وأمواله.
وكادت أن تفر دمعة من عينيها لما تُلاحظها سوا حماتها التي أشفقت عليها. أما أمها كانت منشغلة مع نسرين ليختاروا من بين الأطقم المعروضة طقماً مبهراً. فأقتربت منها أمها قائلة: "زهره، تعالي شوفي اختارت ليكي إيه." نظرت إلى أمها التي استسلمت لأموال ذلك المدعو بخطيبها. ولم تشعر بها فأقتربت من أمها وهي تشير على دبله ذهبية ثمنها لا يساوي شيئاً قائلة: "أنا هاخد الدبلة دي وبس." نظرت إليها أمها بصدمة، حتى
اقتربت منها حماتها قائلة: "ليه يابنتي؟ ده شريف موصيني أجيبلك كل اللي نفسك فيه وميهمكيش الفلوس." فأخذت تهز رأسها برفض وهي تُطالعهم. وكادت أن تُنهرها أمها على فعلتها ولكن هيهات.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!