ظل يونس يبحث عن بلقيس طوال فترة الصباح وهو يشتعل غضباً، خصوصاً حين يسمع همس وضحكات العاملين في القصر والمزرعة بعد الذي حدث في الصباح الباكر. يحدق بهم بحدة جعلتهم يصمتون وينصرفون إلى أعمالهم. لكنه يأس من إيجادها هي وبراءة، وكأنها جن قد تبخر في الهواء. تنهد وقرر أن ينصرف حتى يباشر أعماله، لكن فكرة مع بلقيس...
في الحظيرة تختبئ بلقيس وهي تبتسم كلما تذكرت حال يونس وهلعه من الدجاجة، وكيف كان يصيح مثل طفل خائف من الوحش، وحاله المزري وهو يركض خلفها من غرفة إلى أخرى حتى خارج القصر. ظل يلحقها ويركض خلفها بين الحقول ولم يبالِ بتعجب العاملين والأهل، بل كلما تتذكره وهو يردد اسمها بغضب ناري وتوعد، ووجهه المحتقن الذي لا تعرف له لون من شدة احمراره، وعروق وجهه وجسده البارزة الذي جعله قابل للتقبيل والتأمل فتجبر العين أن تصبح أسيرته.
وكلما تذكرت تتطلع الفتيات بهيام إليه. هناك قلوب ترفرف، حاولها تغضب وتثور بشدة وتضرب قدمها أرضاً بغضب وعبس طفولي. فتقهقه براءة على حالها المضحك، فتقول بمكر لا يليق بطفلة: "ما أنا قلت لك بابي وسيم والبنات هتموت عليه وبتخطط توقعه في شباكها." ثم تصمت برهة وهي تسير أمامها بافتخار الطاووس وتتطلع إلى بلقيس المشتعلة غيرة وغضب من ذلك الحديث. فتبتسم براءة وتكمل قائلة:
"أصل بابي رجل بجد جاذب مش أي حاجة، وأنتي مهملة في نفسك وعاملة زي الطفلة الهبلة. وأنا حذرتك إنك تهتمي شوية وتظهري أنوثتك وتبقي مزة جامدة. أنا قلت لك وأنتي حرة، بس فكري بسرعة وقرري قبل ما تندمي يا جميل." تحدق بها بلقيس بريبة وتهتف بسخرية قائلة: "هو انتي متأكدة يا أختي إنك طفلة؟ أنا أشك، ده انتي عجوز شمطاء ومش متربية، وأنا اللي هربيك."
حين قالت هذا ورأت بلقيس تركض صوبها، أطلقت العنان إلى أقدامها وانطلقت مثل الجواد الجامح وهي تضحك وتصرخ بفزع مصطنع، وخلفها بلقيس تصيح وتتوعد إليها. والجميع يتعجب مما يحدث هنا من جنان وضجة لم تحدث قبل الآن، فقد كان الصمت والصارمة يسود المكان. في القاهرة...
يدخل فريد إلى قصر ألوان بلقيس، هذا المكان الخاص بمشروع بلقيس، وهو عبارة تجمع ضخم لكل صاحب فكرة أو موهبة نادرة، مثل صناعة الفخار والمشغولات اليدوية والمنسوجات وصناعة الخزف وصناعة المصوغات الفضية بكل ألوانها وأشكالها.
باختصار، إعادة إحياء التراث التاريخي للمشغولات اليدوية التي تمتاز بالإبداع. هي تريد أن تبث بها الحياة من جديد، وهذا تطلب مجهود وسنوات من السفر والبحث المدني في كل أرجاء مصر والعالم العربي بأكمله من الشرق إلى الغرب. بل سافرت إلى الخارج حتى تبحث عن تراث التاريخ لكل حضارة.
فهي تعكس جمال وعظمة الماضي، فهذا كان حلمها منذ الصغر، فهي تعشق النقش على الزجاج وصناعة أواني وأشكال تخطف العين. وتلك مواهبه ورثتها من والدها، فهو كان فنان ماهر في ذاك المجال. لكن حلمها قد سُرق منها، هو وكل حياتها، ضحكتها، وتركت الدمع يسكن عينيها التي كانت تشع سعادة وحماسة. يقف فريد أمام تمثال زهرة زهي الألوان مصنوع من الكريستال منقوش عليها كلمتين: "حبي فريد".
فتتجمع الدموع في عيون فريد حين يتذكر كلمات بلقيس وضحكتها التي يعشقها، ونظرة الحماسة والحب التي تشع من عينيها. فتقول بنبرة حب ودلال وهي تقترب منه وتقف أمامه تهيم في عيونه بعشق قائلة: "دي زهرة حبك اللي في قلبي اللي ملت حياتي بالألوان، أنت ألوان قوس قزح، حبك لون حياتي أنت حبي يا فريد، ودي زهرة حبي لك حافظ عليها."
يفيق فريد من شروده على صوت روزنا، صديقة طفولته وابنة خاله المهاجر منذ سنوات إلى بولندا وتزوج هناك واستقر. ولم يأتِ إلى مصر أبداً هو ولا أسرته. لكن فريد كان يسافر إلى هناك في الإجازات، ولم يسبق لبلقيس أن قابلتهم من قبل، بل سمعت عنهم.
فهم ربوا فريد بعد انفصال والديه حين كان عمره ٧ سنوات. فيعود إلى مصر بعد دراسة الثانوية ويكمل دراسته في مصر ويعيش مع جدته التي كانت تسكن بجانب منزل عائلة بلقيس. ويقابل بلقيس حين كان عمرها ستة عشر عاماً، ومنذ أول وهلة عشقته، وهو أيضاً أصبح أسيرها دون أن يدرك.
فيلتفت إلى روزنا، فتحزن حين ترى حال فريد المزري. فتقترب منه تؤازره بنظراتها وتمد يدها تجفف دمعة قد فرت من عيناه دون إدراكه. فلا يتحمل فريد أكثر ويرتمي بين أحضانها التي كانت ملجئه في كل مراحل حياته حتى يجد السكينة والدفء بين أحضانها. فتمسد روزنا على ظهره وتتحدث بنبرة حزينة مشفقة عليه قائلة:
"اهدأ يا فريد عشان نعرف نفكر ونلقى حل، وإن شاء الله خير. بس المهم إنك اتعلمت وعرفت قيمتها وتعرف تحافظ عليها، وأنا ياما حذرتك من جنونك وغرورك وقولت لك اعترف إنك بتحبها، بس ملحوق." يظل فريد يعانقها بقوة ويتحدث بنبرة مرتعشة باكية تحمل بين طياتها الندم والاشتياق قائلاً:
"أنا عمري ما كنت أتخيل إني بعشقها كده. أنا بتنفسها، وحشتني أوي أوي. بعدها قتلني، أنا تعبان من غيرها. كانت نقية أوي، دي عمرها ما خلتني أبوسها أو حتى أحضنها. حبها كان عذري نقي وطفولي زيها. بس أنا كنت خايف من الحب والجواز، كنت خايف أتعلق بحد وفي الآخر يسيبني زي ما أمي وأبويا عملوا بعد ما اتخلوا عني. فكروا بس في نفسهم ونسوني. أنا اللي دفعت التمن مش هما. وكان التمن جرحي لأكتر حد عشقته. كنت أناني وغبي، ليه الأهالي مش بيفكروا في أولادهم قبل الانفصال؟
دي اللي بتدفع التمن هما الأطفال." يحترق قلب روزنا حين تسمع اعترافه بعشقه لغيرها، فهي تعشقه في صمت منذ سنوات وتتعذب في عشقه. فتبعده عنها وتحاول أن تغير الحديث ببراعة وتنجح في هذا، ويباشرا العمل بجد وحماسة حتى يفتتحا ويصبح مفاجأة لبلقيس، وحينها تعلم أنه يعشقها بعد أن أعاد المشروع إليها.
يمر اليوم ويأتي صباح جديد، والغريب صمت يونس وتجاهله لبلقيس وكأنها غير موجودة، وهذا كان عقابه إليها. فتجن بلقيس وتشتعل غضباً من أفعال يونس، فتصمم على استزازه بأي طريقة. لكن يونس يفاجئها أنه يريد العودة إلى القاهرة لأمر طارئ لمدة يوم واحد، وبعدها يعود إلى المزرعة من جديد. لأن عائلة أبيه سوف تعود من الصعيد بعد انتهاء زفاف قريبهم هناك. لكن بلقيس تصمم أن تسافر معه، فيقبل يونس ويسافران إلى القاهرة.
يصلي يونس إلى مؤسسته الضخمة ويدخل إلى مكتبه، فتتفاجأ بلقيس من ضخامة المبنى وأناقته، فقد جمع بين التصميم الهندسي الكلاسيكي والمعاصر من الألوان الباهية والأثاث الفخم العريق. واحترام وتقدير الجميع إليه، فهو حقاً لديه هيبة وهالة تبث الرعب في القلوب. يدخل يونس إلى مكتبه وهو يجذب براءة تاركاً بلقيس خلفه، فتسبه بلقيس بغضب واستياء من تجاهله.
يجلس يونس على مقعده خلف مكتبه بكل هيبة وقوة، يجذب الملفات ويتصفحها بتركيز. وبراءة ترمق بلقيس بمكر لا يتناسب مع طفلة، فتتوعد إليها بلقيس. وما يكسر هذا الصمت دخول بهير إلى المكتب بكل مرح وهو يبتسم بسعادة ويفرد ذراعيه بترحاب مشيراً إلى براءة أن تأتي إليه. "حبيبتي هنا تعالي في حضني تعالي، وحشتني يا عمري." فتتركض براءة وهي تقفز من السعادة إلى بهير تحتضنه بكل حب هاتفة بنبرة بتلقائية طفولية: "وأنت كمان وحشتني يا عمو بهير."
فيحدق يونس بانزعاج صوب بهير الذي لا يبالي بنظراته الساخطه والمحذرة، ويحمل براءة ويجلس بجانب بلقيس ويمزح معها ومع براءة، فيشتعل يونس غيرة وغضباً من قرب وحديث بهير مع بلقيس. فيبادله بهير نظراته، لكن ببرود ومكر. فينتفض يونس من مقعده ويتجه صوبهما، فيجف حلق بهير من التوتر الذي أصابه من نظرات يونس الحارقة. فيفكر كيف سوف يفر من غضبه هذا.
"يا ربي أنا لسه صغير على الموت، ده أنا حتى محبيتش ولا اتجوزت، يا رب انقذني من إيدينا الديك الرومي على رأي بلقيس." فطرق الباب وكأن الله قد استجاب لدعائه، فيأذن يونس للطرق بالدخول، فيفتح الباب وتخرج منه فتاة في ربيع العمر ذات ملامح غربية فاتنة ترتدي فستان أبيض رقيق وحجاب يعطيها جمال فوق جمالها. كانت بيضاء البشرة ذات عيون لبنية صافية تشع بكل حماسة.
فتجز بلقيس على أسنانها ويشحب وجهها حين تتقدم تلك الفتاة من يونس وتصافحه وترحب به ببسمة رقيقة. وبعد ذلك ترحب الفتاة ببهير وبراءة وبلقيس التي ترحب بها ببسمة متكلفة. وبعدها تلتصق بيونس الذي يصعق من تصرفها هذا، لكنه يبتسم ابتسامة جانبية وتلمع عينيه بمكر. فلم تلاحظ بلقيس هذا لأنشغلها بالتحديق في تلك الفتاة بنظرات غضبه. فيبتسم بهير بمكر حين يلاحظ نظرة وبسمة يونس.
فيدرك أن هناك بوادر عشق جنوني قد بدأت بين هذا الثنائي العنيد. وما أثار ريبة بهير نظرات الفزع التي تسكن عين تلك الفتاة كلما نظرت إلى بلقيس التي تصدم حين تحدثت بتملك وهي تجذب يونس من خصره قائلة بتحذير: "مش تعرفنا يا رومي يا جوزي يا حبيبي مين الحلوة؟
فيشحب لون الفتاة حين تسمع كلمات بلقيس وكأن صاعقة قد صعقتها، فتجز بلقيس على أسنانها من شدة انفعالها. ليتاكد حدسها أن تلك الفتاة معجبة بيونس. تشدد من جذبها إليها، فيحاول يونس تهدئة الأوضاع المشحونة متحدثاً بجدية متجاهلاً بلقيس الغاضبة بشدة قائلاً: "أهلاً بيكي يا روزنا، أحب أقدم لكِ بلقيس مراتي ودي براءة بنتنا." فتظهر الحيرة على ملامحها أكثر، لكنها تخفيها في الحال مصطنعة الجدية. فيكمل يونس حديثه:
"ودي بقى الآنسة روزنا جبر، صاحبة شركة نيوز للدعاية والإعلان، وهي هنا عشان التسويق والدعاية لصفقة الأدوية الجديدة. ممكن بقى نشتغل يا جماعة... فينهي حديثه دون أن ينتظر رد من أحد ويذهب حتى يجلس على أحد مقاعد الطاولة الكبيرة الخاصة بالاجتماعات ويشرع في تصفح الملف وبدأ الحوار في التفاصيل.
فيستأذن بهير حتى يأخذ براءة حتى يتناول الغداء برفقتها ويدعو بلقيس، لكنها تعتذر وتفضل البقاء مع يونس لأن ليس لديها شهية الآن. فيحمل بهير براءة ويرحل. في الحال تذهب سالي إلى منزل يونس حتى ترى براءة، لكنها تعلم بسفرها فتحزن وتشعر بالوحدة، فتقرر أن تذهب إلى الحديقة حتى تفكر بهدوء في الخطوة القادمة. في إحدى الحدائق...
تسير سالي شاردة الذهن تفكر في طريقة حتى تدخل حياة بلقيس وتعرف أخبارها وتشيع أكاذيبها في عقل يونس ومن يحيط بها حتى تجعلهم يكرهوها ويلعنوها. ظل شيطانها يعبث في عقلها، لكن قلبها يؤنبها ويحثها على التراجع، لكن شيطانها تغلب عليها.
في نفس اللحظة كان بهير يقهقه وهو يركض خلف براءة التي تضحك من قلبها بكل سعادة تشاكسه، فيركض خلفها حتى يلعب معها. فيصطدم بسالي ويقعان أرضاً كلا على حدة من قوة الاصطدام. فتتأوه سالي وتضع يدها أسفل ظهرها من الخلف وهي تحاول النهوض.
أما بهير لم يتأثر من الوقعة وانتفض مسرعاً حتى يساعدها في النهوض وخطى صوبها ومد يده إليها. لكن ما أثار حفيظته وتعجبه في آن واحد إبعاد سالي ليده بعيداً عنها بحدة وهي تنهره وتسبه بكل ألفاظ تعهدها. كل هذا دون أن تتطلع إليه، فهي كانت مشغولة بجمع أشياءها المبعثرة أرضاً وظلت تهمس بكلمات غير مفهومة من كثرة انفعالها وهي خافضة وجهها أرضاً تبحث عن حقيبتها الصغيرة.
يظل بهير واقفاً مكانه رافع حاجبه بتعجب من أمر تلك الشعنونة الصغيرة، هكذا اسمها في عقله. "بنت عجيبة بجد، عمري ما قابلت بنوتة حلوة أوي كده بس لسانها طويل، وحاسس إني قبلتها قبل كده بس مش عارف فين. شكلها مألوف، هي شعنونه بس لطيفه وجميلة أوي." يفيق من شروده على صياح براءة بسعادة، فيتطلع إلى مكانها يجدها تركض وعينيها تشع بالحماسة وتصفق وتقفز في الهواء وهي تردد بفرحة: "سالييييي صاحبتي وحشتني."
فتركض إليها، فتستقبلها سالي بحب ودفء صادق، هي حقاً أحبت براءة كثيراً وتعدها أختها الصغيرة. فتعانقها سالي بحب وتمسد على خصلاتها بمزاح وطفولة، فهي تنسى نفسها مع براءة. فتشق الابتسامة طريقها إلى شفتي بهير وعينيه تتلألئ ببريق الإعجاب. فيخطو إليهما حتى أصبح يقف بجانبهما ويمزح مع براءة التي تعرفه على سالي وهو يعرف عن نفسه ويندمجون في الحديث. فتبتسم سالي بمكر وكأنها وجدت ضالتها، فتفكر في بدء خطتها منذ الآن.
"أنا كده لقيت المدخل لحياتك يا بلقيس، ولعبة الانتقام وجحيمك ابتدأ من الثانية دي، والبوابة هو بهير." فتثبت عينيها عليه، فتجده يحدق بها بإعجاب واضح، فتتسع ابتسامتها أكثر وتركض إليه هو وبراءة ويذهباه حتى يتناولوا الغداء. تظل بلقيس تجوب مكتب يونس سخطاً وغضباً من أفعاله والتصاقه مع روزنا طوال الوقت وهي تهتف بغيرة واضحة وغضباً قائلة: "بقي كده يا ديك يا رومي، بقي أنا تتجاهل أهلي ولا كأني هنا؟
طيب صبرك يا ديك يا سافل أما جننتك وهبلت أم بوظ البطة دي، طيب يا يونننننس صبرك." فتجلس على مقعد مكتبه وتفتح حاسبه المحمول وتعبث به مدة من الزمن، ثم تغلقه وهي تحدق بمكر وتوعد هاتفاً: "ابقي قابل بقى اللي هيحصل." وريني بقى هتفضل مطنشني ولا إيه. وفي خلال خمسة عشر دقيقة كان يونس يصرخ ويصيح بغضب ناري يردد اسم بلقيس بتوعد وهو يبحث عنها في كل ركن من أركان الشركة. فيفر من أمامه كل شخص رعباً من تحديقه الناري. فيصيح بصوت ضاخب
اهتزت كل الشركة منه صداه: "بلقيييييييييييس."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!