تخرج بلقيس مهرولة من المرحاض وهي مبللة، وتضحك بشدة على حال يونس المزرى. يخفق قلبها رعباً حين تسمع صيحات يونس المتوعدة المصاحبة لأنينه الذي يصدح في أرجاء المرحاض ويهز جدرانه. وهو يتكئ على عقبيه، يخفض وجهه أرضاً، وملامحه تظهر مدى الألم، فقد تصبغت باللون الأحمر القاتم، وعيناه تلونت بالأخضر القاتم من شدة غضبه وألمه. ظل واضعاً يديه أسفل بطنه، يؤلمه أثر ركلة بلقيس العنيفة له في تلك المنطقة. ليهتف بكل غضب وتوعد قائلاً:
يونس: بلقييييييس نهايتك النهاردة، مش هرحمك. بلقييييييس! تنتفض بلقيس مكانها وهي تسمعه يردد اسمها بكل غضب، فتغمض عينيها تحاول تنظيم أنفاسها واستعادة هدوئها الذي فقدته منذ دقائق. فتحادث نفسها تشجعها على القوة: بلقيس: اهدي كده يا بلقيس عشان تعرفي تربي السافل اللي اسمه يونس ده. وبعدين أنا إيه اللي حصلي من شوية في الحمام ده، إزاي أسلمه ليه كده بس؟
تفتح عينيها بسرعة حين تسمع صوت مقبض المرحاض يفتح، فتفر راكضة إلى خارج الغرفة، وترصد بابها يغلق بقوة. تركض وهي تتلفت خلفها، تعلق عينيها على الباب الذي يهتز بقوة وحدة من ركل وطرق يونس عليه، وصياحه الذي يهز جدران البيت. فتركض فيران حين تسمع صرخات يونس الغاضبة التي تسمعها لأول مرة. فتصطدم ببلقيس وهي في طريقها، فترجع بلقيس خطوات من أثر الاصطدام. فتشهق فيران بقلق حين ترى حال بلقيس المبعثر، فتهتف بقلق قائلة:
فيران: مالك يا بت مدهولة كده ليه؟ وإيه اللي خرجك بالمنظر ده من أوضتك؟ وليه شعرك مبلول وكلك ميه؟ وإيه لبس الغطس اللي انتي لبساه ده؟ تنظر إلى الباب وتبتسم بعبث وتكمل حديثها: فيران: وبعدين إيه اللي جاب الولا يونس عندك؟ وماله بيزعق كده زي التور الهائج؟ وإيه هو انتي عملتي إيه؟ كانت فيران تتحدث وبلقيس ترمقها بحدة وسخط، لتضم يديها إلى صدرها وتهتف بتهكم قائلة: بلقيس: ها، خلصتي كل كلامك وتلقيح الكلام عليه؟
والله انتي ماكرة زي حفيدك الزفت ده، أهو عندك روحي اسأليه، أصله سافل. وده سبب لبسي لبدلة الغطس دي اللي اشتريتها ليه مخصص عشان أبقى استحمه بيها. أما سألت الدكتور وعرفت إنه هيخرج ومقاليش لي حد، فتوقعت نيته السودة. وبعد إذنك، أنا هروح أغير هدومي في أوضة براءه. الصبر من عندك يا رب.
فترحل بلقيس تاركة فيران في حالة تعجب وهي تضرب كفاً على كف من أفعالهما الصبيانية. فتخطو إلى غرفة بلقيس وتفتح الباب، فتجد يونس يخرج من الغرفة بملامح متجهمة تبشر بعاصفة من الغضب، ويصيح بجنون أعمى وعيناه تبحث عنها في كل مكان. يونس: جدتي، هي كارثة راحت فين؟ تضحك فيران بهستيريا على حال وأفعال يونس التي تشهدها لأول مرة. فيونس معروف عنه الهدوء الذي يصل إلى برودة الصقيع وعدم تأثره بأي انفعال.
فيحدق إليها يونس بحدة ويتركها تقهقه، ويذهب حتى يبحث عن بلقيس. فيهبط إلى الأسفل، فتلمحه براءه، فتبتسم بسعادة وتنتفض راكضة إليه تاركة مشاهدة التلفاز، فتهتف بحب قائلة: براءه: باببببا حبيبي، هو انت خرجت إمتى؟ انتي وحشتني أوي أوي.
بمجرد أن سمعها ورآها يونس، تلين ملامحه وتشق البسمة طريقها إلى شفتيه، ويدنو ويجثو على ركبتيه، ويفرد ذراعيه مشيراً إليها أن تأتي إليه. فتلقي براءه نفسها بين أحضانه، فيعانقها يونس بكل حب ودفء، فتتشبث به براءه بطفولية لأنها تشعر بحنانه وحبه، فيبث إليها الأمان والطمأنينة. فيحملها يونس ويقف ويخطو بها إلى الحديقة وهو مازال يعانقها، فيمرح معها ويحادثها بكل حب ودفء قائلاً:
يونس: وانتي كمان وحشتيني يا عيوني وروحي، عشان كده خرجت وجيت ليكي جري عشان نلعب سوا ونتمتع بضحكتك اللي منورة دنيتي. بحبك يا روحي، ودلوقتي يلا على المطبخ نحضر الفطار أحسن أنا جعان أوي، وبعدين نطلع على الجنينة نلعب حبة، ماشي؟ فتؤام براءه بالإيجاب وعيناها تتلألأ بالفرحة والحماسة، فيذهبان إلى المطبخ. ***
يطرق فريد باب بيت بلقيس، فتفتح فردوس إليه الباب وعيناها حمراء وذبلة من كثرة البكاء، ووجه شاحب من قلة النوم والطعام حزناً وقلقاً على بلقيس. فيحزن فريد على حالها الذي لا يختلف كثيراً عن حاله.
فيلج إلى الداخل ويجذب يدها يمسد عليها، موسياً يبث الأمل إليها بنظراته التي تشع بإصرار وتصميم على إيجاد بلقيس وإرجاعها إلى البيت الذي تحول إلى مقبرة من دونها. فيجذب يدها ويخطو إلى داخل البيت مغلق الباب خلفه، ليجد سالي تضع قدمها وهي تبتسم إليه وتتطلع إليه بهيام. فيرمقها بسخط واحتقار ويتركها ويخطو مبتعداً عنها وهو يلعن اليوم الذي رآها فيه. فتُلحقه فردوس التي لا تبالي بشيء حولها.
فتتوعد سالي إليه أنها سوف تمتلك قلبه لا محالة، وتذهب إليهما حيث يجلسان في بهو البيت. فتجلس على المقعد المقابل للأريكة التي يجلس عليها فريد وفردوس، فتلقي بحقيبتها وتتحدث بتأنيب قائلة: سالي: إف، بقي هو احنا هنفضل كده كتير في حالة الحداد دي؟
أنا زهقت، مش عارفة آكل ولا أشرب ولا أنام ولا أروح المدرسة، ولا حد مهتم بأهلي. خلصوا، لأني كأني بنتكم، حتى بابا مش بشوفه من ساعة هروب الغندورة. طول عمري وانتوا بتفضلوها عليّ، ولا كأني بنتكم. أنا خلصت، تعبت من الحال ده بجد، حرام، حرام! فيحدق بها فريد بغضب قائلاً:
فريد: انتي فعلاً إنسانة منعدمة الإحساس ومعندكيش رحمة. بقي أختك اللي كانت سندك وعمرها متأخرت عليكي في حاجة، وطول عمرك بتعتمدي عليها وبتسد وراكي كل كوارثك وبتفضلك على نفسها، ده يكون جزئها منك؟ بجد إنسانة حقيرة أوي وخسارة فيكي كل الحب والخوف اللي أتدهولك. فتنظر سالي إلى أمها في انتظار دفاعها عنها، لكن ما حدث جعلها تنفجر باكية، ساخطة على الجميع، حين أكدت فردوس على حديث فريد قائلة:
فردوس: أنا بجد اتصدمت فيكي، ومكنتش أعرف إنك وحشة أوي كده وأنانية. بجد أنا مصدومة منك يا بنت بطني. إلى هنا لم تتحمل سالي أكثر، فتنفجر باكية وهي تصيح بكل طاقتها، تهتف بغضب وحسرة وخيبة أمل وهي تتطلع إلى أمها بكل انكسار قائلة:
سالي:
كففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففف،
انتوا كلكم ظلمه ليه؟
وليه محدش حاسس بيه؟ الاهتمام كله والحب كله لبلقيس، حتى انتي يا ماما، كنتي بتكسريني معاهم، بس اللي فات كوم، واللي حصل دلوقتي كوم تاني. أنا من اللحظة دي مليش أم، أنا بكرهك وكفاية عليكي بنت واحدة، أما أنا موت.
فتفر من أمامهما وتصعد إلى غرفتها وتغلق على نفسها، وتلقي بحالها على الفراش تنتحب بقهر وتئن بوجع. لتتذكر بلقيس وحنانها عليها، لكن كرهها وحقدها عليها يفوق حبها وندمها على كل أفعالها. فتصميم على تدميرها وإذاقها من العذاب ألوان مثلما هي تعاني وتتعذب. تحترق روح فردوس وتشعر أن قلبها قد تفتت إلى أجزاء صغيرة حين لمحت الانكسار والوجع في عيون سالي، وتشعر بالندم من حديثها وأنها قد قصرت في واجبها كأم.
تتسرب الريبة إلى قلبه، فيعتزم فريد مراقبة سالي حتى يعرف ماذا تخفي. يفكر في احتمال أنها تعرف مكان بلقيس، فيتوعد إليها. فريد: أقسم بالله يا سالي ما أنا سيبك غير أما أخلص القديم والجديد منك، وهلعب معاكي بنفس أسلوبك الحقير، إلا كانت مانعاني إني أوريكي شيطاني. طفشت وسابت الجمل بما حمل، الصبر حلو يا بنت عمر.
يفتح عمر الباب، يتنهد بتعب والإرهاق يزين وجهه وعيناه ذبلة من قلة النوم، فيدخل إلى البهو ويجلس بجانب زوجته، يضمها إليه يحاول أن يهدئها ويبث إليها بعضاً من الأمل. يمر أسبوع والحال في جمود لا تغير به. بلقيس لا تحادث يونس، لكنها تشعر بالريبة بسبب صمت يونس وهدوئه الذي يجعلها ترتجف في كل مرة تقع عليها عيناها، وتجزم أنه يدبر لي أمر ما، وهذا يثير قلقها وتوترها.
ظل فريد يبحث عن بلقيس مثل المجنون، لكن بلا فائدة ترجى، وهذا زاد من انفعاله وغضبه. أما سالي مستمرة في خططها حتى تدخل عالم بلقيس، وفي نفس الوقت تحجب أي معلومة من الممكن أن توصل فريد إليها، وهي في حال تجاهل لوالدتها رغم كل محاولات فردوس لإرضاء ابنته.
وفي مساء يوم الخميس، يخبر يونس أن يذهب إلى الريف يمكث به عدة أيام حتى يباشر أعمال الزراعة والمزارع، ويراعي أمور مصنعه الجديد الذي يشيده هناك. فتجهز بلقيس الحقائب وهي مازالت متوترة وقلقة من نظرات يونس المبهمة إليها. فيرحلوا إلى هناك.
وبعد رحلة شاقة مرهقة، يصلوا إلى الريف، فتصعد بلقيس وهي تحمل براءه النعاس طوال الطريق، لكن يونس يصمم أن يحمل هو براءه. فتعترض بلقيس، لكنه يحدق بها بحدة، فتصمت وتبتعد عن طريقه. فيصعد هو أولاً، وخلفه بلقيس التي تسبه وتلعنه، لتضغط على أسنانها بغضب وتوعد لأنه قد سمع كل ما تفوهت به.
فيضع براءه في غرفة قد سبق وجهزها إليها، فيضعها في سريرها بكل رقة، وينزع عنها خفها ويدثرها جيداً، ويقبل جبينها ويغلق الباب ويخرج ببطء. فتحاول بلقيس الدخول، لكنها تجده يقف أمام الباب مثل الحائط المنيع، ويبتسم إليها بمكر ويحدق إليها بتوعد. فتتنهد بلقيس وتتحدث بحدة قائلة: بلقيس: ممكن يا أستاذ ديك رومي توسع عشان عايزة أنام، عشان معنديش طاقة أهزقك يا ديك يا رومي.
لكنها تصدم حين تجده مازال على حاله يبتسم بثقة. فتنتفض مكانها وتشهق بفزع حين تجده يخطو نحوها، وفجأة يحملها على كتفه وهو يهمس إليها بتوعد قائلاً: يونس: بس يا مراتي انتي يا حلوة. أنا بقي هوريكي طولت لسانك دي هتعمل فيكي إيه. بس الصبر جميل يا كارثتي.
تظل بلقيس تفلفص منه وهي تصيح بغضب وتسبه وتلعنه حتى يطلق سراحها، لكن لا فائدة. فتجد نفسها تلقى بقوة داخل حوض الاستحمام، ويونس يرمقها بنظرات مبهمة لا تستطيع تفسيرها. فتجده ينزع ثيابه حتى أصبح بسرواله الداخلي فقط، ولا يستر جسده شيء. فتشهق بلقيس بفزع وخجل وتنتفض من الحوض وهي تخطو إلى الخارج، فارهة من جنان يونس، لكنه يحكم قبضته عليها جيداً ويرجعها إلى الحوض من جديد، ويظل يقيدها من خصرها ويرغمها على الجلوس به، وتصبح بين أحضانه، وظهرها ملتصق بصدره، ويونس يغمر وجهه في جانب عنقها، يقبلها برقة، يعبث بها.
وهي ظلت تقاومه، لتستكين فجأة. فيبتسم يونس بمكر ويهمس إليها بتهكم قائلاً: يونس: هو انتي كنتي فاكرة إني هحولك لمراتي بجد؟ تؤ تؤ، متحمليش، انتي هتفضلي زوجة مع إيقاف التنفيذ. وبعد هذا يحررها، ويظل يغني ولا يبالي بصياحها وسبها وتوعدها إليه بأنها سوف ترد عليه قريباً. فترحل بلقيس وهي تشتعل غضباً منه ومن نفسها، وتلوم حالها كثيراً على استسلامها إليه بمجرد أن يلمسها، وتشعر بالانكسار والإهانة من حديثه، فتبكي بمرار.
لكنها تجفف دموعها، وتعود قوية صلبة من جديد، وهي تبتسم بكل شر وتوعد. فتتحمم وترتدي ثياب النوم المريحة، وتذهب إلى النوم بجانب براءه، فتغفو في النوم بسرعة من شدة إرهاقها. يرتدي يونس بنطال أبيض قطني فقط، ويذهب إلى النوم وهو يشعر بلذة لأنه استفز بلقيس وانتقم منها. لكنه يشعر بشعور آخر يغزو قلبه ووجدانه، شعور يجعله يريد أن يظل يعبث مع بلقيس حتى ينعم بقربها، لكنه يتجاهل هذا ويسقط في بحر النوم.
تشرق الشمس من جديد، تحمل بداية يوم جديد، آمال جديدة. فتتسلل بلقيس إلى غرفة يونس وهي تبتسم بشر، وتحمل بين قبضتها كيساً ثقيلاً، وتلوج إلى غرفة يونس وتخرج مهرولة من غرفته، والابتسامة تزين ملامحها وعيناها تلمع بكل حماسة ومكر. فتختبئ وهي تراقب غرفة يونس وهي تعد بحماسة وترقب قائلة: بلقيس: ١... ٢... ٣... هوبااا!
فتجد يونس يخرج راكضاً وهو يتمايل بحركات مضحكة ويدور حول نفسه، ليهبط الدرج ويقع أرضاً. تقف بلقيس على الدرج المؤدي إلى الدور العلوي، تبتسم بشر وهي تراقب يونس يرقص تانجو وهو يحاول أن يزيل مكعبات الثلج التي تقبع في بنطاله بكميات كثيرة، وهو يصيح بتوعد أثيم لي بلقيس: يونس: أقسم بالله ما أنا عاتقك من تحت إيدي النهاردة يا بنت الإبليس، بقي حد يصحّي حد كده يا كارثة. بلقيييييييييييييييييييييس!
فتنفجر بلقيس بموجة من الضحك الهستيري على حال يونس المزرية، فقد ألقى بجسده أرضاً وتقوس على ذاته حتى يصل إلى مكعبات الثلج القابعة في ثيابه الداخلية، وهو يئن من ألم البرودة، لدرجة أن وجهه قد تلون بالحمرة وعيناه قد غيمت بغيمات من الغضب الناري.
فتقرر بلقيس تخليد ذاك الموقف، فتأتي بهاتفها وتصور ما يحدث مع يونس، وما زاد الوضع سوءاً دخول الدجاجة المشاكسة برقة، التي تلتصق بي يونس حين تلمحه، لتصيح بضخب، فتركض وترفرف بجناحيها وتقفز على يونس وتنقر في رأسه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!