مر يومان. يقال: أعوذ بالله من قهر الرجال. فالماذا خصصت للرجال فقط؟ أجابتها مخيفة قليلاً. فالرجل هو عمود الأسرة والمجتمع والسلطة، وبقهره يزول الأمر أو يكاد. ولا يقهر الرجل إلا لأمر عظيم. ترددت تلك العبارة بعقلها وقلبها أيضاً. غصة مريرة ودمعة حارقة هبطت على وجنتيها. مسحتها سريعاً وهي تنظر لزوجها الواقف أمام والدها يترجاه بإستماتة حتى لا ينفصلوا. انتفضت بشدة على صوت والدها الصارم.
عبد الخالق: هي كلمة واحدة، ترمي اليمين على بنتي النهارده. صمت قليلاً يحاول يهدأ قليلاً وأكمل: إحنا كده عدانا العيب. قدرنا وفاء والدك وبنتي وقفت معاك 3 أيام العزا. نظر لابنته الواقفة تكتم شهقاتها بصعوبة وأكمل بإصرار: أول ما العزا ينفض، بنتي هاخدها في إيدي وأنا ماشي. نظر لأدهم مرة أخرى وأكمل: أنا مش هجازف ببنتي الوحيدة. اقترب منه أدهم وقبل رأسه وتحدث بندم. أدهم: حقك عليا يا عمي. أنا عارف إني خيبت ظنك فيا.
نظر لزوجته وأكمل: وإنتي كمان يا مريم حقك عليا أنا على كل حاجة زعلتك. نظر لعبد الخالق وأكمل برجاء: بس بحلفك بالله بلاش طلاق. تجمعت الدموع بعينيه لكنه تمالك نفسه سريعاً وأكمل بغصة مريرة وقلب يعتصر ألماً على فراق والده: أبويا الله يرحمه وصاني ما أفرط في مريم. نظر لها بإصرار وعزيمة شديدة وأكمل: وأنا مستحيل أسيبها تضيع من إيدي. أنهى حديثه وأسرع بالخطى نحو أحد الأدراج، فتحه وجذب ورقة وقلم ومضى عليها ودون رقم بطاقته وأعطاهم
لعبد الخالق وأكمل بأمل: اتفضل يا عمي، أنا مضيت لك على بياض. ابتلع ريقه بصعوبة وأكمل: لو شفتني زعلت مريم أو هي اشتكتلك مني، احبسني وأنا راضي. تنهد عبد الخالق بنفاذ صبر وقد خرج عن شعوره وتحدث بعلو صوته: يااااااااابني افهم، المشكلة مش فيك إنت لوحدك. إنت ربنا رزقك بأم لا تطاق. معنديش استعداد تقهر بنتي زي ما عملت في أبوك وودته الترب. أغمض عينيه بعنف وأكمل: الله الغني عن أم دي جوازة، أنا مش لاقي بنتي يا أخي. ربط
على كتفه ببعض العنف وأكمل: كفايا عليك مشاكل والدتك، والله يعينك عليها وعلى عمايلها. هم أدهم بالحديث، قطعه عبد الخالق سريعاً: إنت سمعتها بودانك قالتلي إيه وهي بترمي هدوم والدك في الشارع. خفض أدهم رأسه بخزي. فنظر عبد الخالق لابنته التي تنظر له بعيون راجية وأكمل بغيظ وغضب شديد: حماتك بتقولي هحسرك على بنتك. احمرت عيناه بشدة من شدة غضبه وأكمل بوعيد: الله في سماه اللي يفكر يمس بنتي بسوء، ليكون موته على إيدي.
أنهى حديثه وابتعد بعينه عن ابنته وزوجها ينظر للفراغ ويتنفس بعنف وصوت مسموع. متماسك أدهم. لا يبكي رغم الدموع اللامعة بعينيه. خفض رأسه وتنفس بعمق. ورفع رأسه مرة أخرى. نظر لزوجته نظرة تحمل ألف ألم. نظرة تخبرها أنه حقاً آسف. تبادله هي النظرة بأخرى عاتبة. يومان برفقته وهو منطو بعيداً عنها بغرفة أخرى كعادته. تركت له خصوصية حزنه ولم تضغط عليه. تنتظر أن يخبرها بأي شيء إيجابي حتى تتمسك به وتدافع عنه أمام والدها.
تنحنح هو لإيجاد صوته وهمس لها بشفاهه بكل صدق ونظرة عينيه عاشقة راجية. قد غابت طويلاً هذه النظرة وأشتاقتها هي كثيراً. أدهم: بحبك. متسبنيش. هبطت دموعها بغزارة وتمنت لو فقد تحتضنه بكل قوتها الآن. طالت نظرتهم لبعضهم قليلاً. فأكمل هو بصوت مبحوح من شدة تأثره: مريم أنا ماخدتش منك مفتاح الشقة لما غيرتي الكالون. عفواً. حقاً. ما استمعت إليه.
اتسعت عيونها بذهول حين تذكرت أن نسخ المفاتيح كانت بحوزتها وقد فصلت نسختين لتعطيهم له لكنها لم تعطهم له ووضعتهم بحقيبتها. فأقتربت منه وتحدثت بتساؤل من بين شهقاتها: مريم: امال مامتك خدتهم إزاي. نظرت لشقتها وأكملت: وانت دخلت الشقة إزاي لما ماخدتش المفاتيح. أنهت حديثها ونظرت له بعيون راجية أن يكون صادقاً. أغمض عينيه بإحراج وتحدث بأسف: أدهم: أمي خدتهم من شنطتك واحنا بنفطر عندها.
قطع المسافة بينهم بخطوة وأمسك يدها بين يديه يقبلها مرات متتالية بعمق شديد وأكمل: والله يا مريم أنا ما أدتهاش المفتاح، هي اللي خدته من شنطتك. وحياة ابننا أنا كنت ناوي أفتح معاكي صفحة جديدة. جذبها داخل حضنه وقبل جبهتها وأكمل: هعمل أي حاجة وكل حاجة بس طلاق لأ. نظر لوالدها برجاء وتوسل شديد: طلاق لأ يا عمي. هم عبد الخالق بالحديث لكن رنين جرس الباب قطع حديثهم.
ابتعد أدهم عن زوجته بصعوبة بعدما ضغط قليلاً على خصرها بكف يده يخبرها بحركته هذه أنه لا يريد الابتعاد عنها. واتجه نحو الباب وفتحه فوجد العديد من النساء من الجيران والأقارب يريدون تقديم واجب العزاء. ابتعد عن الباب وخطى هو ووالد مريم للخارج تاركين لهم حرية الجلوس. اقتربوا من مريم وبدأوا بإلقاء السلام وهي تبادلهم السلام بترحاب. هم عبد الخالق بنزول الدرج لكنه توقف فجأة والتفت لأدهم. نظر له طويلاً وتحدث بصرامته المعهودة:
عبد الخالق: عندي شروط لو وافقت عليها هخلي بنتي على ذمتك. أدهم: بلهفة: أنا موافق على كل شروطك يا عمي. سار عبد الخالق وخلفه أدهم وأكمل بتعقل: عبد الخالق: مش وقته، لما العزا يخلص وتسمع الشروط الأول وتشوف هتقدر عليها ولا هتبقى صعبة عليك. ببرود ولامبالاة. تجلس أمام التلفزيون وأمامها طبق كبير من المكسرات بمختلف أنواعها. لم تتأثر نهائياً بموت زوجها. عفواً. بموت طليقها وكأنه لم يكن في يوم زوجاً لها ووالد أبنائها.
بجانبها باسكت قمامة مليء بالكثير من الصور الممزقة، فقد مزقت كافة ذكرياتهم معاً. حتى أنها لم تذهب للآن للعزاء. ولا تستقبل أحد يريد تقديم واجب العزاء. بل أنها وضعت ورقة مدون عليها أن العزاء بمنزل ابنها أدهم حتى لا تنزعج برنين جرس الباب. تضحك بقوة على المسلسل الكوميدي الذي تشاهده. وترتشف من كوب الشاي قليلاً وتعاوذ التهام المكسرات بشراسة.
انتبهت على صوت فتح الباب ودخول ابنتها. نظرت لها بسخرية وعادت النظر مرة أخرى للتلفزيون. اقتربت ابنتها بخطوات شبه راقصة وطفأت التلفاز بعنف ونظرت لها بشرار وتحدثت بغضب عارم. هند: انتي إييييييييه. قلبك حجر. يا جبروتك. دارت حول نفسها بزهول وبكت بنحيب وأكملت: أبويا لسه بناخد عزاه وإنتي ولا على بالك. صرخت بعلو صوتها: وإنتي قاعدة تتفرجي على الزفت وتضحكي وتأكلي ولا كأن اللي مات دا كلب وراح. نظرت لها بزهول مقارب للجنون
وأكملت بعدم استيعاب: الناس الغريبة بتيجي تعزينا وإنتي لحد دلوقتي محضرتيش العزا!!! وضعت يدها أسفل ذقنها تنظر لها بسخرية وتنهدت بملل وتحدثت باستفزاز. شاديه: خلصتي؟ افتحي التلفزيون بقى. لما المسلسل يخلص هروح أعزي حاضر. همت ابنتها بصراخ بوجهها والهجوم على التلفاز وتحطيمه. لكن رنين جرس الباب نهاها عن ما كانت ستفعله. اتجهت نحو الباب بعيون تفيض دمعاً وفتحته لتصرخ بتفاجئ ويزيد بكائها أكثر. هند: أساااااااامه.
أنهت جملتها وارتمت بكل قوتها داخل حضن شقيقها تبكي بنحيب وألم حارق. هند: بابا ماااات يا أسامة. استقبلها هو بترحاب داخل حضنه يربط على ظهرها بحنان بالغ وعيناه تفيض دمع أيضاً بغزارة وتحدثت من بين شهقاته. أسامة: كفاية يا حبيبتي. دا قدر ربنا. ولا نقول إلا ما يرضي الله. إن لله وإنا إليه راجعون. ظلت فترة ليست بقليلة داخل حضن شقيقها تبكي. بل تشكو له ببكائها كم الألم الذي تعانيه.
لكنها توقفت فجأة واتسعت عيونها بزهول حين استمعت لصوت بكاء مصطنع بطريقة مستفزة ويد تنتشلها من داخل حضن شقيقها تبعدها بعنف. واحتضنته هي وتحدثت بعويل. شاديه: ااااااه يا أسامة. يالهووووووى على اللي جرى لأمك وبهدلتها في غيابك يا أسامة. بعدت عنه ولطمت خديها بعنف وأكملت بصراخ: أبوك طلقني قبل ما يموت وباع عشرة السنين يا أساااااااااامه. اتسعت عيناه بصدمة وتفاجئ. لم يخبره شقيقه بهذا حين هاتفه.
اقترب من والدته يمسك يدها بقوة يوقفها عن العويل ولطم الخدين الذي تفعله وتحدث بصرامة. أسامة: كفاية يا ماما حرام عليكي اللي بتعمليه دا. شاديه: بصراخ: دخلت علينا مرات أخوك بقدمها الشووووووم. هي السبب مريم بنت جيهان. الله لا يوليها مطرح ما هي قاعدة. صرخت ابنتها بغضب عارم. هند: حرااااام عليكي بقى، انتي كمان بتدعي عليها هي. نظرت لشقيقها وأكملت وهي تشير بيدها على والدتها التي
تنظر لها بغيظ وعضب شديد: أمك هتخرب بيت أخوك وهيطلق مراته زي ما خربت بيتي وخربت بيتك قبل كده وخلتك رميت اليمين على مراتك. اقتربت منه وأكملت بنحيب شديد: أمك رمت هدوم أبوك في الشارع وطردته وقالتله البيت باسمي. صرخت بعلو صوتها: أمك موتت أبوك بحسرته وقهرت قلبه. ينظر بينهم بزهول. صدمات متتالية يتلقاها عقب وصوله من غربته. اقتربت هي من شقيقها وأكملت بغصة مريرة: أمك ما استقبلتش عزا في أبوك لحد دلوقتي.
صفقت بعنف بيدها وتحدثت بسخرية بعلو صوتها. شاديه: شاطرة يا هند. شاطرة يا بت. اشتكيني أوي لأخوكي. ركضت نحو الداخل وخرجت ممسكة بيدها إحدى العصي وأكملت بأمر: خد يا أسامة اضربني بالمقشة. أمسكت يده ووضعتها بها بعنف وأكملت: خد مدني على رجلي وعلمني الأدب إنت وأختك. القى هو العصا من يده بعنف وتحدث بنفاذ صبر بعلو صوته. أسامة: كفااااااايه يا ماما. مش وقت كل اللي بتقوليه ولا تعمليه دا.
نظر لشقيقته ووجه نظره للورقة الموضوعة على باب المنزل وأكمل بغصة مريرة: عزا أبوكي في بيت أخوكي أدهم. حركت هند رأسها بالإيجاب. ودموعها تهبط بغزارة وهمست بصوت مبحوح وهي تنظر لوالدتها بشرار. هند: أيوه. كنت جاية علشان آخدها معايا. الناس عايزة تعزيها وقولنا إنها تعبانة. نظر ابنها لها بغضب عارم وتحدث بأمر وصرامة. أسامة: البسي يا ماما خلينا نروح عند أدهم. همت هي بالاعتراض، قاطعها هو بصراخ وغضب أكبر.
أسامة: البسي يااااااااااماما أبوس إيدك بدل ما أعمل جناية. على مضض تحركت نحو غرفتها وارتدت عباءتها وحجابها الأسود وذهبت معهم نحو منزل ابنها وعلى وجهها شبه ابتسامة خبيثة لما ستفعله بزوجة ابنها.
بشقة أدهم. أدب. وأخلاق وأصول. تتعامل بهم مع من يقدم واجب العزاء. قلبها يتمزق ألماً على من مات قهراً وهي كانت تعتبره بمثابة والدها. وقلبها يعتصر أيضاً على زوجها وما يمر به من اختبار ليس هين. وأيضاً تأنب نفسها لأنها قد ركضت نحو زوجها فور سماع صوته ولم تخبر والدها وهذا سبب بزعل والدها منها بشدة.
فحسمت أمرها أنها ستترك والدها يتصرف بأمرها مع زوجها كما يجب. فقد اكتفت من هذه المرأة. بل اكتفت من هذه الزيجة المؤلمة لها ولزوجها أيضاً. تعلم أن حماتها لن تتركهم وشأنهم إلا وهما منفصلين. أو بموت أحدا منهم قهراً كما فعلت مع زوجها. فرأت أن حل والدها هو الأنسب والانفصال هو الحل. أغمضت عيونها بألم ودموعها تهبط ببطء. انتبهت على صوت بكاء صغيرها فهبت واقفة تستقبل والدتها به. فتفاجأت بعمتها برفقة والدتها. مريم:
بترحاب شديد: عماتي يا حبايبي. حمد لله على السلامة. احتضنتهم بحب شديد واحدة تلو الأخرى. ابتهال: عمتها الكبيرة: حبيبتي يا مريم. عاملة إيه يا بنتي. ربطت على يدها. البقاء والدوام لله يا حبيبتي. وفاء: تعالي يا مريم في حضني يا حبيبتي. البقاء لله يا بنتي. سعاد: واحشاني يا بنت الغالي. البقاء لله يا عين عمتك. سلوى: يا حبيبتي يا غالية. البقاء لله ربنا يجعلها آخر الأحزان.
سهير: مريم يا بنت قلبي. تعالي في حضني يا حبيبة عمتك. البقاء لله يا حبيبتي. مريم: ببكاء: ونعم بالله. مجيتكم على راسي يا حبايبي. ربنا ما يحرمني منكم يا رب. اتفضلوا يا حبايبي. اقتربت من والدتها وقبلتها أيضاً وهمست بأذنها. مريم: ونبي حقك عليا يا ماما متزعليش مني إنتي كمان. هبطت دموعها بغزارة وأكملت: والله يا ماما ما كنت أقصد أمشي من دماغي بس لما سمعت صوت عياطه في التليفون صعب عليا أوي وكمان عمي الله يرحمه كان غالي عندي.
نظرت لها جيهان بعتاب وتحدثت بتعقل. جيهان: مش وقته يا مريم. قومي اعملي حاجة لعماتك. وعمامك تحت مع أبوكي وأدهم. اعمليلهم قهوة وأخويا هيطلع ياخدها. همت مريم بالوقوف فأوقفتها عمتها. ابتهال: فين حماتك يا مريم علشان نعزيها يا بنتي؟ نظرت مريم لوالدتها بإحراج وهمت بالحديث لكن صوت عويل وصراخ حماتها فور دخولها من باب الشقة المفتوح فزعها هي وجميع الحضور.
شاديه: اااااااه على القدم الشووووووم اللي دخلت علينا وفرقتنا. ااااااااااااه على البومة وش الغراب اللي قدامها نحس. جلست على أقرب مقعد تخبط بيدها على ركبتها تارة. وفوق رأسها تارة. وخديها وصدرها تارة أخرى. ااااااااه على الجوازة السودة اللي اتجوزتها يا ابني. نظرت لمريم بشرار وأكملت بغيظ وحقد شديد: اخفي من وشي يا قدم الغراب يا نحس يا وش المصايب. ركضت مريم سريعاً نحو المطبخ تبكي بنحيب.
أكملت هي بسخرية: بتعيطي بعد ما خربتيها وقعدتي على تلها، ياللي يعيطوا عليكي. لهنا وكفى. فهبت جيهان واقفة وتحدثت بغضب عارم. جيهان: بعيد الشر على بنتي. إن شاء الله يكرهها ويدعي عليها. شاديه: بقله أدب وزوق: اخرسي يا ولية يا حرباية إنتي وامشي انكشفي من هنا يله. وخذي الغرابة بنتك معاكي. اتفوووووووو عليكي نسب يعر.
لحظة. اثنان. وفجأة. لا تعلم من أين وكيف ومتى. انقضوا عليها عمات مريم وكل منهم تحمل بيدها حذائها. وبكل عنف وغضب. بدأوا ضربها بقوة. ركضت مريم سريعاً ووقفت أمامهم تحاول منعهم عنها بشتى الطرق. لكن عمتها الكبيرة تحدثت بأمر وصرامة. ابتهال: اوعي يا بت يا مريم من قدامنا بدل ما نضربك معاها. مريم: ببكاء: مش هبعد واضربوني معاها يا عمتي. في ظل أن ابنتها تقف تنظر لها بتشفٍ وشماتة وعيون تفيض بالدمع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!