هبت واقفه تضرب بقوه كل من تقابله يدها، بيدها وقدمها وأظافرها وأسنانها أيضًا. تلكم عمات مريم بكل غل، وهجمت على من تدافع عنها وعضتها من ذراعها بكل ما تحمل لها من كره. من يرى آثار أسنانها يقسم أن من هاجمها إحدى الحيوانات المفترسة. رغم عددهم الكثير وهي بمفردها، لكن وحشيتها كانت كفيلة بلجامهم جميعًا من شدة الصدمة. لم تترك أحدًا إلا ولكمته بقوة، حتى تركت معظمهم ينزفون دماء بسبب أظافرها وأسنانها.
حالة من الصدمة والصراخ والعويل والتفاجؤ سيطرت على جميع الحضور. هي حقًا وحش لم يقدر على كسرها أحد. أتى دور والدة مريم التي تحمل صغيرها. اقتربت منها وهمت بصفعها، وهي تتراجع للخلف حاضنة حفيدها تخشى عليه من هذه المتوحشة. لحظة، فقط لحظة، وكان انتشلها زوجها رافعًا إياها عن الأرض داخل حضنه هي وحفيدها متلقيًا الصفعة عنها. أسرع أدهم وشقيقه بإمساك والدتهم التي تريد الوصول لها بشتى الطرق.
تصفع والد مريم بقوة وهو يتفادى ضرباتها بيد واحدة. بصعوبة بالغة أبعدوها عنها وهي تسبهم بأفظع الشتائم. نظر عبد الخالق نظرة خاطفة على شقيقاته. كلٌ منهم بوجهها جرح، لم يسلم من تحت يدها أحد. أما ابنته فذراعها ينزف بشدة. بعلو صوته وصرامته المعهودة وجه حديثه لأولاده وأشقائه الرجال. عبد الخالق: محمد، خذ أمك واختك وعماتك، روحوهم حالًا. نظر لابنه الآخر. تجيب عربيات ورجاله وتحمل عفش أختك كله. نظر له بتأكيد وأمر.
ساعة واحدة تكون الشقة دي على البلاط. نفذ أولاده ما قاله بسرعة البرق. انتظر هو حتى خرج جميع الحضور. لم يبقَ سوى أدهم وشقيقه وشقيقته الذين ممسكين بوالدتهم بكل قوتهم، وعبد الخالق وأشقائه الاثنين وأبناؤهم. تسب وتلعن هي بكل سوقية موجهة حديثها لعبد الخالق. شادية: إيه يا راجل يا... هتخوفنا ولا إيه؟ يله بره يا شوية... محدش هقدر يشيل قشاية من شقة ابني، اللي هيقرب من العفش هشقه نصين. نظرت لابنها وأكملت بأمر.
ارمِ على الغرباء بنته اليمين يا واد يا أدهم. صرخ ابنها فجأة بعلو صوته. أسامة: كفااااااااايه، اسكتتتتتتتتى بقى، أنتي أيييييييييه؟ دخل بحالة من الانهيار، يحمل هو بقلبه الكثير من أفعالها. اقترب برأسه منها بشدة ونظر لها بعيون تفيض دمع. أنتي عايزة تعملي فينا إيه؟ بتخربي بيوتنا ليييييييييه؟ بعدته عنها بعنف هو وشقيقه الواقف مصدوم حد الشلل، ينظر لهم بزهول. عقله لم يستوعب ما حدث وما يحدث.
صفقت بيدها بشدة وتحدثت هي بكل ما تملك من استفزاز. شادية: هعوز منكم إيه يا أخويا؟ إش ياخد الريح من البلاط بلا وكسة. أشارت بيدها على أولادها وأكملت بسخرية. كل واحد فيكم رايح يجيب لي واحدة... ويقولي دي مراتي. انتفضت فجأة من صوت عبد الخالق الغاضب. عبد الخالق: اخرسي يا مرة يا قليلة الأدب يا بنت الكلب، أنا مش همد إيدي عليكي. للأسف معندناش رجالة تمد إيديها على حريم. نظر لها بتمعن وأكمل بوعيد.
بس أنا هندمك بمعرفتي على قلة أدبك وجبروتك ده. وجه نظره لأدهم وشقيقه وأكمل بأسف حاد. انتو هتاخدو عقاب أمكم يمكن تتعظ. نظر لأشقائه وأبنائهم وأشار على أدهم وشقيقه وأكمل بأمر. كسروهم قدام عين أمهم. هجم 5 من الشباب على أبنائها، واثنان آخران أمسكوا بها بإحكام. لم يقاوم أدهم وشقيقه، مستسلمين للغاية، ينظرون لوالدتهم بكره ظاهر بأعينهم. بدأت هي تصرخ بعويل. انقطعت صرخاتها فجأة وبكت بشدة حين استمعت لصوت كسر يد ابنها أسامة.
ونظرت لعبد الخالق وتحدثت من بين شهقاتها برجاء. شادية: أبوس رجلك كفاااااايه، خليهم يسبوهم كفايه. اقترب منها عبد الخالق وتحدث بغضب عارم. عبد الخالق: شايفة جبروتك وقسوتك ولادك أول ناس بتدفع تمنها يمكن دا يخليكي تتهدي. انتبهوا على جرس الباب، فتوقف الشباب عن ضربهم، بعدما أوشكوا على فقدان وعيهم. فتح عبد الخالق لأولاده والكثير من الرجال برفقتهم، وبدأوا بتحويل العفش كامل دون أي مقاومة أو رفض من أحد منهم.
اقترب عبد الخالق من أدهم وتحدث بغضب وأمر. ارمِ اليمين على بنتي. هو متماسك. لم يبكِ، لم يتفوه بكلمة رغم كل ما حدث أمامه. ملتزم الصمت. أمسكه عبد الخالق من ياقة قميصه وعاد ما قاله بغضب أكبر. بقولك ارمي اليمين بدل ما أخلص عليك خالص. نظر له أدهم نظرة زلزلت كيانه. نظرة غريق يستنجد بأحد ينقذه، نظرة راجية متوسلة. رفع أصابعه لفمه وأنفه يزيل دماءه بتألم، وهمس بصعوبة محاولًا التحكم بدموعه. أدهم: عمري ما هطلق مراتي يا عمي.
بعدي عن مريم بموتي. هي جامدة، صامتة، لكن قلبها يصرخ ألمًا. ستفقد عقلها من شدة صدمتها. سؤال واحد فقط يدور ببالها: ماذا فعلت ليحدث لها كل هذا؟ نظرت للضمادة الموضوعة على ذراعها وآثار دمائها بدموع تلتمع بعيونها وقهره وحسرة بقلبها. فقد احتاج جرحها لأكثر من غرزة. لهذه الدرجة تكرهها. رفعت عينها تنظر حولها بضياع. تستمع لوالدتها التي تعتذر لـ عمتها بحرارة. ترى نظرة الشفقة والحزن والأسف بعيونهم جميعًا.
ترى خيبة أمل والدتها بزيجة ابنتها الوحيدة. أغمضت عينها بقوة وحمدت الله بسرها أن والدتها لم تصب بأذى. فهي مريضة قلب وسكر، لم تتحمل صفعة أو لكمة من هذا الوحش الملقب بحماتها. بوهن، هبت واقفة واتجهت نحو صغيرها الموضوع على إحدى الأرائك وحملته وهمست بضعف. مريم: عن إذنكم. ابتهال: بحنان. بت يا مريم متزعليش نفسك يا ضنايا. نظرت لها مريم بغصة مريرة. هبت واقفة واقتربت منها تربت على ظهرها وأكملت بتأكيد.
أبوكي هيجيب لك حقك وحقنا من عينهم كلهم. نظرت لها بتمعن وأكملت بأمر. اجمدي يابت عشان خاطر اللي على إيدك دا، محدش هينفعك لو جرالك حاجة يا خيبة. اقتربت منها عمتها سلوى وربتت على ظهرها أيضًا وتحدثت بدموع وألم لأجلها. سلوى: يا ضنايا ولا يهمك. نظرت حولها وأكملت. إحنا كلنا جنبك ومعاكي وفي ضهرك. ضحكت من بين دموعها وأكملت بمزاح. هو آه إحنا كلنا اتعلم علينا بس عشان اتفاجئنا بوحش الغاب طويل الناب حماتك. احتضنتها وأكملت بوعيد.
المرة الجاية هنستعدلها كويس وناكلها علقة متينة. ابتهال: بمزاح أيضًا. إحنا خلاص عرفنا أسلحتها بتعض وتخربش بنت العضاضة. ضحكوا جميعًا على حالهم وهم ينظرون لبعضهم بعدم تصديق. فتحدثت سهير بجدية مصطنعة. سهير: يله يا أختي انتي وهي اللي اتعض يجي يمين واللي اتخربش يجي شمال عشان تطعموا. انفجر الجميع بالضحك مرة أخرى. فقربت جيهان من ابنتها وحملت عنها الصغير وتحدثت بأمر. جيهان: هاتِ أنا هنام تيمو وخليكي انتي وسط عماتك.
سعاد: أنا كلمت بناتنا يا مريم وجايين في الطريق عشان يطمنوا عليكي يا حبيبتي. اقتربت منها وتحدثت بتعقل. هما كانوا عايزين يجوا معانا بس قولتلهم خليكم عشان منبقاش كتير ونزحملك الدنيا. انتبهوا على صوت شقيقها. محمد: بستعجال. مريم هاتِ مفتاح الشقة اللي فوق بسرعة. انقبض قلبها. ارتعش جسدها بشدة. نظرت له بخوف وتحدثت بتساؤل. مريم: احححم ل ليه يا محمد؟ محمد: بغصة. هنطلع عفشك فيها. أوشك قلبها على التوقف.
فمن يقل أن خراب البيوت والانفصال أمر سهل فهو حتمًا لم يمر بالتجربة، لأن التجربة مريرة وقاسية لأبعد الحدود. ولذلك فأن أبغض الحلال عند الله الطلاق. ابتلعت ريقها بصعوبة واقتربت منه بخطوات بطيئة مرتعشة وهمست بغصة مريرة وألم حارق. مريم: أدهم طلقني؟ تنهد شقيقها بألم وتحدث بأسف. محمد: للأسف لا. أنا سايب بابا ماسك في رقبته عشان يرمي اليمين وهو مش راضي أبدًا وعمال يقول أموت ولا أطلقها.
شبه ابتسامة ظهرت على وجهها، فهو كما أخبرها مهما حدث لن يطلقها. ورغم كل ما حدث إلا أنها لم تستطيع منع قلبها من الفرحة برد فعل زوجها. متمسك هو بها بشدة. اقتربت والدته بمفتاح الشقة وأعطته له وتحدثت بأمر. جيهان: طيب روح انت طلع حاجات أختك وخلي بالك من نفسك انت وأخوك. نظرت لمريم الشاردة، والتي استعاد رونقها قليلاً بعدما استمعت لما قاله شقيقها. جذبتها داخل حضنها وقبلت رأسها وتحدثت برضى بقضاء الله.
خير، إن شاء الله خير يا بنتي. أخيرًا، انتهوا من حمل كافة شيء. لم يترك أي شيء بالشقة، حتى ملابس أدهم. نظر له عبد الخالق بغضب وتحدث بتحذير. عبد الخالق: هترمى اليمين ولا لاء؟ أدهم: بإصرار. لا يا عمي، مستحيل أطلق مريم، على جثتي. عبد الخالق: بنفاذ صبر. يبقى بنا المحاكم. نظر لاشقائه وأبنائهم وأكمل بأمر. بينا يا رجالة. خرجوا جميعًا واحدًا تلو الآخر من الشقة.
اقتربت هند من الباب وأغلقته خلفهم وجلست أرضًا تضم ركبتيها لصدرها تبكي بنحيب. سار أدهم بخطوات واهنة نحو شقيقه الجالس أرضًا أيضًا وجلس جواره يربت برفق على ركبته وتحدث بحنان وهو ينظر ليده المصابة. أدهم: هتقدر تقوم أوديك المستشفى ولا أشيلك؟ نظر له شقيقه بتفاجؤ وصدمة، فقد تركه صغيرًا حين سافر. الآن أصبح يفوقه طولًا وقوة. شبه ابتسامة ظهرت على وجهه وبلحظة كان انتشله داخل حضنه محتضنه بقوة وانفجروا بالبكاء سويًا بنحيب.
طال حضنهم وبكائهم فترة ليست بقليلة، وشقيقتهم تبكي بشدة على بكائهم. أما هي تنظر لهم بقلب يعتصر على حالهم وما وصلوا له. فهيئتهم يبكي لها الحجر. بيدها وأفعالها تسببت بكسر نفس أبنائها. ابتعد أسامة عن شقيقه وتحدث بأمر. أسامة: قوم روح لمراتك. نظر له بتمعن وأكمل بتأكيد. مروحك وراهم على طول كده هيبقى في صفك. نظر له أدهم بدموع منهمرة وهمس من بين شهقاته بصعوبة. أدهم: بحلفك بالله يا أسامة تشوف لي أي شغل معاك بره.
بكى بنحيب أكبر. عايز أغور من البلد دي كلها. هبت شقيقتهم واقفة وركضت عليهم وترمت أرضًا بجوارهم وتحدثت برجاء من بين شهقاتها أيضًا. هند: وأنا يا أسامة، ورحمة بابا تاخدني معاك. أمسكت يده وقبلتها وأكملت. أبوس إيدك ما تسيبني هنا معاها والله هموت بقهرتي زي بابا. تنهد أسامة بألم حارق ودموعه تهبط بغزارة على حاله وحال أشقائه. وربط على ظهورهم بحنان وتحدث بغصة مريرة. أسامة: بتأكيد، مش هسيبكم، هاخدكم معايا. نظر لأدهم وأكمل.
بس روح لمراتك الأول وعرفها إنك خلاص. صمت قليلاً وأكمل بأسف. هتتغرب. نظروا الثلاثة لوالدتهم بكره وحسرة بأعينهم وأستندوا على بعضهم وتركوه بمفردها واتجهوا للخارج دون النطق بحرف واحد. هلم الهدوم والهموم واللعب، وصورة حبيبتي اللي بين الكتب. وهبعت لصاحبي المسافر جواب أقوله إن صاحبك حبيبك تعب وقرر يسافر. مسافر وفاكر هترتاح هناك، وتاخد صحابك وحلمك معاك. مامتك وأختك، خالتك وأوضك، هينفع تسيب اللي حبك وراك.
هسافر وأجرب، بتكدب بتهرب، ما يمكن هتضرب، ما تسأل مجرب. أنا جبت أخرى، ياواد لسه بدري، متوجعش راسي. وليه تبقى قاسي، وإيه اللي فيها؟ دي فيها وفيها. بطالة ومشاكل، دا بجنيه بتاكل، وفكرك هينفع. دا ينفع وينفع، أنا نفسي تسمع، وأنا نفسي ترررررررررررررررررررجع. دا فيكي يا بلدي اللي مش عند حد، دافي وسط عيلة ومشاعر بجد. هتتعب تلاقي اللي ياخدك في حضنه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!