سألت خديجة سؤالها بنبرة تملؤها الفضول، بينما رد بشار بنبرة مرحة وهو يشرح لها كل شيء: –مقابل ميت جنيه لكل احترام ها تظهري قدام الناس، ولما نطلعوا نتحاسب عليهم. –وافرض كلتهم عليا؟ –ابقي اعملي ما بادلك، وانتِ بتشتري زبون دايم مش مجرد واحد كده وخلاص.
انتهت ضحكة خديجة. ما إن ختم بشار حديثه حتى كاد أن يقترب منها، لكن سرعان ما صدح صوت صرخات هزت الجدران. هرع تجاه الباب وقام بفتحه متسائلًا عن السبب. اتسعت عيناه ما إن وجد جبل يرتجف بشدة إثر كلمات التحصين التي يُلقيها عليه الجد سالم. هرع نحو ابن أخيه متسائلًا بلهفة وقال: –حصل إيه يا جدي؟! ماله جبل، ما هو كان كيف الحصان دلوقت!
لم يرد الجد سالم بل واصل ما بدأه. كان جبل في حالة يرثى لها. حاول الجد السيطرة على الوضع، لكن تدخل بشار ومساعدته أتت في الوقت المناسب. بدأ جبل يسحق فكيه بقوة شديدة. شاهدت خديجة ما يحدث وهي تضع كفها على فاها والدموع تنهمر من مقلها. هل هذا ما كان يعاني منه بشار في الصغر، أم مر بأسوأ من ذلك؟ تساؤلات عديدة كانت تدور في ذهنها، ولم تجد لها حلًا. بعد مرور أكثر من ساعة ونصف تقريبًا.
أراح بشار ظهره للخلف وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة. الأذكار والتحصين الذي ذكرهما مع الجد كانت حلًا مؤقتًا لذاك المسكين الذي وقع في ذات الفخ الذي وقع فيه عمه، بل وأشد قسوة. نظر لجده وقال بتوجس: –خير يا جدي، بتبص لي كده ليه؟ –مستني. –مستني إيه؟ –مستني أعرف رايد توصلوا أنت وجدك لـ فين يا بشار. رد بشار وقال بنبرة صادقة: –والله العظيم يا جدي، أني ما ليا أي علاقة بجد حسان، واصل ويشهد عليّ ربنا. تابع بتساؤل قائلًا:
–عنروح بعيد ليه؟ أني بعمل إيه دلوقت مش بصلي الفرض في وقته، وقائم بشتغل وياك في الأرض والمزرعة؟ جل لي بقى ليه لساتك بتشك فيا؟ رد الجد سالم بعد برهة من الصمت: –المسكين ده وجع في الأذى. رد بشار متسائلًا بعدم فهم قائلًا: –قصدك إيه يا جدي؟ أجابه الجد بهدوء: –الواد ده دخلت عليه لقيته فاتح المندل، ولما زعقت وياه وجلت أذكر الله، زعق فيا وكان هيضربني. اعتدل بشار في مكانه ليجلس بأريحية وقال بهدوء: –قصدك إنه؟!
أومأ له الجد علامة الإيجاب. بينما سألت خديجة بعدم فهم من بين دموعها المنسابة على خديها وقالت: –ماله جبل يا جدي؟ رد الجد بنبرة متأثرة مما آل إليه ذاك الصغير، بعد أن راقبه الجد جيدًا وعلم خطواته متى يخرج وإلى أين! –كنت شاكك من الأول إنه مش طبيعي، واتأكدت من ده عشية لما طلبت منه يجي يصلي ويانا. –وبعدين؟ –اتأجل إنه بيلعب مع العيال وإنه هايجي بعدين.
–سيبته وفضلت أراقبه لحد ما سمعته بيتحدت مع واحدة رايدة تعرف مين سرقها، جالها إنه هايفتح المندل، فزيت فيه، الولية هربت وهو فضل كيف الصنم. بعدها عطيته ميه مجرى عليها قرآن وأذكار، شربها وفضلت يجيب اللي في بطنه، عرفت دُغري إنه راكبه حاجة. جلت لازم أتحرك. ابتسمت خديجة وقالت بإمتنان: –أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا جدي، حقيقي. كان نفسي أقابلك من زمان، يمكن تكون حياة بشار تكون أحسن من كده. رد الجد وقال:
–كل شيء يا بتي بأوانه. الحمد لله إن جبل لساته صغير، يمكن يتعب في الأول عشان يتعالج، لكن كفاية إنه ها يكبر ويربى في دنيا نضيفة غير اللي كان فيه. ردت خديجة بإبتسامة متكلفة: –عندك حق. في شقة (وجيدة وخالد)
داخل المطبخ، تحديدًا. كان يقف خالد يُنهي وجبة الغداء خاصته. ظل يتجول المكان ينظف هنا وهناك، كما علمته زوجته. عفوًا، حذرته. كان المهرج الذي يتجول في المكان ويصنع حركات بهلوانية ليجبرك على الضحك، لكنه لا يريد أن يضحكك. هو يصنع وجبته فقط. وقفت على باب مطبخها تشاهدهُ في شماتة مما يحدث له. حاولت كبح ابتسامتها، لكن باءت جميع محاولاتها بالفشل الذريع. توقف خالد فجأة وقال بنبرة مغتاظة: –ضحكيني وياكِ عشان نفسي أضحك!
تنحنحت وقالت بجدية مصطنعة: –فين الضحك ده؟ رد خالد وقال: –اللي أعرفه عنك ما بتحبيش الكذب، فـ ليه دلوقتي بتكذبي؟ ردت وجيدة وقالت بجدية: –ماشي، عندك حق. جل لي يا خالد، أنت في كلية تجارة كيف اتعرفت على خليل وهو دكتور؟ وقف خالد أمامها يطالعها بنظرة علمتها جيدًا. تنحنحت ثم قالت بتلعثم: –ده مجرد سؤال فضولي مش أكتر. رايد تحكي ماشي، مش رايد خلاص، نقفل على الموضوع عاد. رد خالد بهدوء وهو يستدير بجسده كله
تجاه الصحن ليسكبه ثم قال: –خليل صاحبي من زمان. أمي كانت رجليها اتكسرت وركبنا لها شرايح ومسامير، وبعدها احتاجت لعلاج طبيعي، وخليل هو الدكتور اللي كان بيعمل لها العلاج ده. تابع بهدوء وهو يمدح فيه قائلًا: –الشهادة لله، هو راجل وجدع وعمر العيبة ما طلعت منه و… استدار ليُكمل حديثه، لكنه توقف من تلقاء نفسه حين وجدها تردد بخفوت والإبتسامة تزين ثغرها قائلة: –فعلاً خليل جدع قوي جوي.
سألها بنبرة تملؤها الغيرة حين ذكرت اسمه وعلامات السعادة ترتسم على وجهها: –في حاجة يا وجيدة؟ أجابته بتلعثم وهي تلج المطبخ وقالت: –ما فيش حاجة، ها يكون فيه إيه يعني؟ أني جاية بس أعمل وأكل ليّ عندك، مانع؟
تابعه وهي تتحرك بتوتر ملحوظ. على ما يبدو أن الأمر تطور مع زوجته، أم هو الذي ينظر للأمر من زاوية أخرى لا يعرف. غادر المطبخ تاركًا إياها تعد الطعام بهدوء. زفرت ما بريئتيها وهي تتنفس الصعداء. حمد لله على أنه لا يلاحظ اهتمامها الزائد بالدكتور خليل.
صدح رنين هاتفها معلنًا عن رسالة نصية. هرولت بخطواتها المتلعثمة وجذبت الهاتف من فوق سطح المنضدة الزجاجي. فتحتها وقرأتها بأعين مليئة بالسعادة، ولأول مرة يراها في هذه الحالة. قطم قطعة من الشطيرة بغيظ مكتوم. جلست على المقعد وبدأت تكتب ردًا لرسالة خليل. كان خالد يحدثها، لكنها لم تنتبه له. كرر حديثه للمرة الثالثة أو الرابعة ولم تعطه أي اهتمام. وقف عن المقعد بغضب شديد علها تنتبه له، ولكن لا حياة لمن تنادي.
نظرت جنبًا وقالت قبل أن تكتشف ذهابه منذ فترة ليست بالطويلة: –خير يا خالـ… نظرت لطعامه ووجدته كما هو. تحاملت على نفسها ثم اتجهت نحو غرفته. طرقتها بهدوء وولجت بعد أن أذن لها. تنحنحت وقالت بتساؤل: –ما جيتش كده من غير ما تقول إنك ماشي، أنت كنت بتتكلم وياي؟ رد بنبرة مقتضبة: –لا. –طب أني كنت حابة أروح لـ حسنة، جتنا من شرم الشيخ عشية وزين كان عازمنا. –دريت ومليش مزاج أروح. –على كيفك، أروح أنا. –كده لحالك؟
طب خدي إذن راجل الكرسي اللي في البيت. ردت وجيدة بنبرة جادة تذكره فيها بما حدث من قبل: –أني فاكرة إن أني جلت لك قبل كده إني أخرج وقت ما أحب وأدخل وقت ما أحب. رد خالد بصوته الجهوري وهو يضرب بكفه على الجدار قائلاً: –دي لما تكوني متجوزة واحدة صاحبتك مش متجوزة راجل وشايلة اسمه. جلت ما فيش خروج يبقى ما فيش زفت خروج.
التزمت الصمت. ما تصاعد الأمر بينهما لصراخ وشدة في الحديث، غادرت المكان دون أن ترد على أوامره بكلمة واحدة. كان يظن أنها ستتناقش في الأمر كسابق عهدها معه، لكن التزامها الصمت جعله يهدأ تمامًا. بعد مرور أكثر من ساعة. وقف أمام غرفتها، طرقها، ثم ولج بعد أن أذنت له. تنحنح وهو يقول: –قومي غيري خَلقاتك عشان هنتأخروا على العشا.
نظرت له ولم ترد. سمح لنفسه بالدخول دون أن تأذن هي. جلس على حافة الفراش بعد أن مال بجذعه ليطبع قبلة خفيفة فوق رأسها وقال بنبرة مرحة: –حاطة زيت تموين في شعرك ولا إيه؟ ابتسمت ابتسامة شديدة التكلف ولم ترد على مزحته. داعب خدها وقال: –فكِ التكشيرة دي بقى. –اعتذري لي الأول وجل حجك عليّ. أردفت وجيدة جملتها دون سابق إنذار. نظرت له وجدت تقلص عضلات وجهه تخبره بعدم رغبته في ذلك. لم تكترث لهذا الوجه العابث وكررت جملتها قائلة:
–اعتذر لي كيف ما بعتذر لك لما أغلط، ودي ما ها تعيبكش، أصل دي ها ترفعك في نظري أكتر وأكتر. رد خالد وقال بمشاكسة: –جلت خلاص، متزهقش عليّ بجلعك دي، وأني قائم ها أجلع عليكِ كيف ما بتعملي. –مستكبر تقول حجك عليّ؟ –لا. –طب قولها. –وبعد كده تستغلي ضدي. –أنت خابر زين إن دي لا يمكن يحصل أصلًا. أني رايدة لما حد فينا يغلط يعتذر، دي لا عيب ولا حرام. وضع خالد راحة يده على مؤخرة رأسها ثم قرب جبهتها ولثمها برفق، وهو يقول:
–حجك عليّ، متزعليش مني يا ست البنات، زين كده؟ ردت بابتسامة انتصار قائلة: –أيوه زين. تابعت باعتذار هي الأخرى: –وأنت كمان حجك عليّ عشان ضايجتك ومردتش عليك لما سألتني.
طالعته بنظرات ناعمة لم تفهم مغزاها، أو تعمدت تجاهلها. اقترب خالد شيئًا فشيئًا، كانت تشعر بأنفاسه تنعكس على وجهها. حاولت أن تبتعد عنه، لكنه منعها من ذلك بطريقته. اقترب منها. لم تكن أولى محاولاته. على ما يبدو أنه بدأ يتولد بينهما تلك المشاعر العاطفية التي تأتي بعد الزواج كما قالت له والدته. لثم جانب فمها بهدوء شديد، تبعتها شفتاها بالكاد تشعر بهذه القبلات. فرغ فمه لتتحدث، لكنه لم يمهلها هذه الفرصة بل قام باستغلالها على أكمل وجه.
دار بداخل عقلها الكثير من التساؤلات. هل توافق على إتمام هذا الزواج أم تنفصل عنه؟ وقبل أن تجد إجابة هذه التساؤلات، وجدت نفسها تبادله قبلاته وكأنها كانت في انتظاره منذ البداية. صدح رنين الهاتف، لكنها لم تستطع الرد بسبب يد خالد التي منعتها، ثم قام بإلقائه أرضًا عندما علما أن المتصل خليل البيومي. إذًا هو يغار عليها كما فهمت. توقف لحاجتهما للهواء. نظرت له وقالت من بين أنفاسها المسموعة: –ليه كسرت التليفون ده غالي؟
رد عليها وهو يمرر بإبهامه على شفتيها وقال: –أني عندك أغلى صح يا وجيدة؟ نظرت له وقالت بنبرة تملؤها العتاب واللوم: –كيف مجلس الإدارة كده، ما هو أغلى عني اللي كلها كام يوم و تستلمه صح؟ ابتسم بجانب ثغره وفجر قنبلته الموقوتة قائلًا: –أني اتنازلت عنه من عشرين يوم لزين. نظرت له وتساءلت بدهشة: –بتجول إيه؟ أجابها بهدوء: –بحبك يا وجيدة. خالـ….
كفى ثرثرة. حتى الآن لم يعد لديه قدرة على التحمل. منذ البداية وهو يشعر تجاهها بارتياح، ثم تحول لإعجاب ومنه إلى حب. كان عليه أن يتأقلم مع تلك الساق المبتورة، حاول مرارًا وتكرارًا حتى نجح في هذه الخطوة. وقبل أن يعترف، دخل في حياته صديقه خليل البيومي. دخل دون قصد، لكن وجوده أكثر من اللازم غير مرحب به في حياة خالد. وعلى خالد أن يخبر زوجته بما يجول في صدره، وعليها بدورها أن تختار الأصلح لحياتهما سويًا.
لقد صدقت والدته حين قالت: لولا التفاهم لتدمرت العلاقات. وعليك يا ولدي أن تخبر شريكك بأنك تريد أن تنعم بسلام معه، فهذه أبسط أمنياتك. في غرفة حسنة وزين. مازالت تمكث مع والدته في نفس المكان، لن تخرج بهذه البساطة. وقفت أمام النافذة تشاهد الطريق. نظرت لساعة معصمها، وجدتها العاشرة والنصف مساءً. مازالت أختها لم ترد على هاتفها حتى. زين لم يهدأ في اتصالاته التي تأمره بها زوجته. عادت إليه وقالت:
–كلم أخوك خالد تاني، اتأخروا جوي. نظر زين في ساعة معصمه وقال: –حسنة، ما أعتقدش إنهم هايجوا أساسًا. الساعة قربت على حداد. جلست حذائه وقالت بعصبية: –يبقى قوم البس ونروح إحنا. –إزاي بس يا حسنة نروح من غير معاد؟ –ده بيت أخوك وخيتي، معاد إيه اللي بيتحدد عليه؟!! وضع زين الجريدة جنبًا وقال بهدوء: –يا حسنة، الذوق والاتيكيت بيقول كده. ردت بنبرة ساخرة وهي تحاول تقليده:
–الاتيكيت بيجول كده. بجل لك إيه، أني اللي أعرفه لما أحب أروح مكان أروحه، غير كده لأ. رد زين بنفاذ صبر متسائلًا: –وافرض بقى طلعوا نايمين ولا خرجوا، ناكسف نفسنا عشان حضرتك بتحبي تروحي المكان من غير إذن؟ ردت بعصبية متسائلة: –أنت عاوز إيه أنت دلوقتي؟ عاد يقرأ الجريدة من جديد وقال: –مش عاوز حاجة. اعملي اللي يعجبك. نظرت له بضيق وهي تتنفس بغضب مكتوم. وضع مجددًا الجريدة جنبًا ثم قال بتساؤل: –عاوزة إيه بس؟ متزعليش نفسك كده.
ردت بضيق وهي تضع يدها أسفل خدها: –عاوزة أخرج أشم هوا. ابتسم لها وقال بهدوء: –وهو عاوزة يخرج يشم هوا؟ يروح لخالد أخويا برضه؟ –أعمل إيه يعني؟ أني أعرف حاجة غير هم؟ وجلت لأ. –طب قومي البسي ونتفسح في أي مكان. –جد يا زين؟ بتتكلم جد والله؟ –آه والله، فيها إيه يعني؟ قومي يلا. تابع برجاء: –بس معلش منتأخرش عشان عندي شغل الصبح بدري ومحتاج أنام بدري. ردت حسنة قائلة بإحباط: –لا، وعلى إيه بلاها منها الخروجة دي، أصل… –ليه بس؟
أنا بقول لك نخرج ونقضي ساعة برا ونرجع بدري. أنا مش مانع. –لا، أصلها ملهاش لازمة الساعة دي، الوقت اتأخر أساسًا. رد زين بابتسامة واسعة: –خلاص يا ستي، متزعليش نفسك. بكرة هحاول أرجع بدري ونخرج نقضي السهرة برا. تابع بنبرة تغلفها الحزن: –ودي تبقى هدية الطلاق. ما هو خلاص فاضل عليه عشر أيام بس، وتبقي حرة.
ترددت الإبتسامة على شفتاها وهي تعود بجسدها للخلف. ساد الصمت بينهما حتى قررت أن تنسحب من المكان متجهة نحو الشرفة تتابع الطريق. في مساء اليوم التالي. كان زين يحاول الاتصال بـ حسنة، لكنها لم تجيب. حاول أكثر من مرة حتى قامت بالرد عليه. رد بلهفة قائلًا: –فينك يا حسنة؟ قلقاتيني عليكِ. طب قربتي تخلصي ولا لسه قدامك كتير؟
تمام، ما فيش مشكلة. الساعة بتاعتك دي أنا بقيت حافظاها. عمومًا، أنا فاضل أقل من عشر دقايق وأكون عندك. مع السلامة.
أنهى مكالمته وهو يتابع في مرآة السيارة التي تراقبه. لاحظ خروجها منذ أن خرج من الشركة وحتى هذه اللحظة. توقف فجأة، قـ طع عليه مجموعة من الرجال الملثمين. حاولوا جذبه من السيارة عنوة. تشاجر معهم، لكنهم كانوا أكثر عددًا وقوة. بدأ الرجال في تهشيم عظامه مما جعله يسقط أرضًا وهو يتأوه إثر الضربات العنيفة التي تلقاها منهم. وقف شداد، كبير هذه المجموعة، وقال:
–الدكتور عمر بيقول لك المرة دي جيت سليمة. المرة الجاية بموتك، وبيقول لك خلي بالك، لأن كلها عشر أيام ويرجع اللي خدته منه. غادر شداد تاركًا زين يسعل بشدة وهو يزحف على بطنه ليصل إلى هاتفه عله يجد من ينجده. وقبل أن يصل إليه، فقد الوعي. بعد مرور ثلاثة ساعات كاملة. خرج الطبيب من غرفة العمليات. وقفت حسنة أمامه بلهفة من بين دموعها: –خير يا دكتور؟
–خير إن شاء الله. متقلقوش، الحمد لله اطمنا إن ما فيش نزيف داخلي ولا أي إصابات خطيرة. كل الحكاية شوية كدمات في أماكن متفرقة في الجسم، وكسر في الرجل والإيد. ردت والدته من بين دموعه وقالت: –أقدر أشوف ابني إمتى يا دكتور؟ –ساعتين بس وتقدروا تشوفوا، ويا ريت بلاش كلام كتير. –حاضر. أتت وجيدة برفقة خالد، الذي، ولأول مرة، ترَ زوجة أبيه لهفته على أخيه بهذا الشكل. وقفت أمامه وقالت من بين دموعها:
–ابني بيروح مني يا خالد. زين أخوك بيروح مني، والسبب حسنة. ابوس إيدك خليها تبعد عنه هي وعمر. خالد بابتسامة مترددة وقال: –أهدي يا أم زين، إن شاء الله خير. كيفه هو دلوقتي؟ على الجهة الأخرى من نفس المكان، كانت حسنة تشكو حالها لأختها وقالت: –شايفة بتجول إيه الحيزبونة دي؟ –اعذريها يا حسنة، ولدها وقلبها ومحروجة عليه برضو. ردت حسنة وقالت بنبرة مغتاظة: –وهو مش جوزي إياك؟ تابعت بعناد قائلة:
–طب بالعند فيها، مش ها أطلق دلوقتي وها أقعد على جلبها لحد ما تموت بغيظها. توريني بقى ها تعمل إيه؟ ردت وجيدة بابتسامة واسعة قائلة: –الظاهر إن زين أمه داعية له في ليلة القدر، والظاهر كمان إن ربنا بيحبه قوي. –اتمسخري عليّ يا أختي. زين والله لأعرفها إن الله حق. تصبر عليّ بت الحسب والنسب دي. بعد مرور ساعتين.
استفاق زين من نومه وهو يشعر بالألم يعصف برأسه. جسده كله مغطى بالضماد الأبيض والكدمات أسفل عينيه وبعض الأماكن المتفرقة من الجسم. نظر لـ حسنة وقال بخفوت، لكنها استطاعت تفسير ما قاله: –مش هاسيبهم. التفتت بجذعها وقالت بهدوء وهي ترتب له خصلات شعره الطويلة: –مين دول؟ –عمر. سألته بدهشة قائلة: –هو اللي عمل فيك كده؟ أجابها بإيماءة علامة الإيجاب. نظرت له وقالت باعتذار: –معلش يا زين، والله لأخد لك حقك منه. صبرك بس عليا.
–ششش. أنا لسه إيدي ما اتقطعتش عشان واحدة ست تاخد لي حقي. –طب اهدأ دلوقتي وبعدين نتحدثوا في الموضوع ده. الدكتور قال الحديث هايتعبك. أرخى جفنيه محاولًا أن ينال قسطًا من الراحة ليتأهل لما هو قادم. أما هي، قررت أن تذهب إلى ذاك العمر لتوقفه عند حده. كان في انتظارها. ابتسم ما إن ولجت والغضب والشر يتطاير من عينيها. وقف، وقبل أن يتحدث، قامت بصفعه صفعة مدوية. تحسس مكان صفعتها وقال: –لدرجة إيه أني زعلتك؟
كنت فاكر إن لما أخلصك منه ها تفرحي عشان هنرْجع لبعض تاني؟ ردت بابتسامة حاولت فيها قدر المستطاع استفزازه، وفي الحقيقة هي لم تفشل نهائيًا في استفزازه دائمًا: –أنا بقيت لزين خلاص. بقيت مراتي شرعًا وقانونًا. رضيت ولا عنك ما رضيت. أنا شايلة اسمه. كنت فاكرة إن حبك ليا ها يخليك تبقى سعيد لسعادتي. هدر عمر وقال بصراخ: –أدبتي في عقلك ولا إيه؟؟
افرح إن راجل لمسك، خد حاجة كانت حقي في يوم من الأيام، حاجة حرمت نفسي منها في الحرام عشان تبقى حلالي، ولما قرب الوقت بقت لغيري؟ ردت حسنة بهدوء حد الاستفزاز: –انساني يا عمر، انساني عشان ما فيش بديل تاني. أنا مش ليك، ولو حتى زين طلقني، أني مش ليك يا عمر. في الأول كنت صعبان عليّ، دلوقتي جرفانة منك ونفسي أجتلك، بس يا خسارة، ها أدخل السجن في حاجة متستاهلش. سألها عمر بهدوء قائلاً:
–خلاص خلصتي حديثك الماسخ ده ولا لسه في حاجة في قلبك؟ طالعته بنظرات ساخطة، بينما هو تجاهل هذه النظرات وقال: –اسمعي بقى يا حلوة، أنتِ ليّ سوى كان برضاكِ أو غصب عن عينك، وأني ما بتنازلش عن حاجة تخصني غير بمزاجي، وأني لسه مزاجي فيكِ. يعني تقدري تقولي كده أني وأنتِ كيف القط والفار. روحي لجوزك دلوقتي، وصدقيني لو حاولتي تستفزيني تاني ها تبقى بموته هو وعلى يدك. ابتسمت له وقالت بعناد:
–وأنا هافضل في ضهره لآخر العمر، وهو حبيبي وسندي و ضهري. ولو فكرت تقرب منه يا عمر، يبقى بموتك. هدر عمر بصوته الجهوري قائلاً: –حسنة! بكفاية لحد كده!! بعد مرور أسبوعين كاملين. التزم فيهم زين الصمت ولم يتحدث بكلمة واحدة بعد خروجه من المشفى واستكمال علاجه في البيت. حاولت حسنة أن تتأسف، لكن لا يفيد ما تفعله. لم يعد يحدثها كما كان يفعل. اليوم، أصعب يوم مر عليها معه.
كان اليوم هو موعد فك الضماد من يده وساقه. تمر الدقائق وكأنها دهر على زين. على ما يبدو أن الطبيب يتفق مع ذاك العمر. كانت حسنة واقفة بجوار والدته تشاهد ما يفعله الطبيب بزوجها. وانتهى أخيرًا من فك آخر جزء من الضماد الإسمنتي ذو اللون الأبيض. وثب زين عن المقعد غير مبالٍ بتعليمات الطبيب الذي لم يكمل تحذيراته بعد. هرولت حسنة محاولة إيقاف زوجها، لكنه لم يبالِ لهذا التوسل. قفز بين سلالم الدرج بسرعة فائقة عبر البوابة الداخلية ومنها حيث سيارته. استقلها ثم أمر الحارس بأن يفتح له، لكنه لم يمتثل لأوامره بعد أن حذرته والدة زين.
ضغط على المكابح بقوة شديدة ثم اندفع تجاه البوابة ليصدر عنه هذه الدفعة كـ سـ ـرها. استقلت حسنة السيارة الجديدة التي ابتاعها لها زين وطلبت من السائق الذي عينه لها قائلة: –خليك وراه يا عم جمال، يمكن نلحقوا. –حاضر يا بتي، ربنا يستر زين، وأني عارفه ما هيسكتش أصلًا غير لما ياخد حقه. كانت تحاول الاتصال به، لكنه لا يرد على جميع الاتصالات، سواء كانت منها أو من والدته. حتى والده لم يرد عليه. تأزم الوضع أكثر من ذي قبل.
بعد مرور وقت قصير. استطاع سائق حسنة أن يسير على نفس الطريق الذي يسير فيه زين. نظرت له عبر النافذة وهتفت بصراخ عله يتوقف، لكنه لم ينظر لـ شيء سوى صورة عمر الذي سخر منه وفعل به ما فعله. وصل أخيرًا إلى المزرعة التي يجلس فيها الجد حسان وأحفاده. دفع الباب بقدمه وهو يهدر بصوته الجهوري حتى برزت عروقه قائلًا: –عمــــــر يا دهشــــوري. ابتسم عمر لسقوط زين في الفخ الذي نصبه له من البداية. تنهد وهو يصطنع الجدية قائلًا بتساؤل:
–خير، من ينادمني كده؟ نظر الجد بذات الإبتسامة الخبيثة وقال: –تفتكر إنه يا عمر؟ كاد أن يرد عليه، لكن دخول زين المفاجئ بعد أن تهجم عليه، وقبل أن يقف عمر من خلف مكتبه، قام بلكمه في وجهه أكثر من مرة. لم يمهله الوقت ليرد أو يتساءل عن السبب، بل جذبه زين من ياقة قميصه ثم قام بسحبه خلفه كالبهائم. ألقى بجسده وسط المزرعة ثم بدأ بركله في بطنه. جلس على بطنه بعد ذلك وقام بلكمه عدة لكمات.
وقف بشار يشاهد ما يحدث في ساحة الحرب الذي صنعها زين. كاد أن يفض النزاع، لكن عكاز الجد منعه وهو يقول بابتسامة واسعة: –سيبه. عمر اللي بدأ وعمر اللي لازم ياخد القصاص. إحنا محدش ياخد علينا أصلًا. –يا جدي، ولدنا اللي غلطان. عيب اللي عمله كده. –ولدنا يغلط كيف ما يحب واحنا نداري على غلطه قدام الناس، لكن بينتنا ندي فوْق دماغهم. مد زين يده في جانبه ليخرج سلاحه الناري، وقال بنبرته الواثقة من بين أنفاسه المسموعة:
–الراجل بيتعرف من أفعاله، والراجل اللي بجد بيعمل ما بيقلش، ولا يأجر رجالة ياخدوا حقه. وقفت حسنة أمام زين وقالت بتوسل من بين دموعها: –أبوس إيدك يا زين، والله ما يستاهل تضيع نفسك عشانه. سيبه عشان خاطري. زحفها جانبًا وتابع حديثه قائلًا: –اتفرجي على حبيب القلب وهو بيموت قصاد عينك.
قام زين بإطلاق الرصاصة لتستقر داخل صدر عمر الذي لم يتوقع كل هذا من البداية. تحامل على نفسه متكئًا على جذعه بعد أن قام بجذب السكين الصغير، قام بتوجيهها نحو زين. استقر في ظهره. ابتسم عمر قبل أن يغمض عينيه وقال بخفوت: –أني أرجل من عيلتك كلها يا زيـ….
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!