قاطعت حُسنة نفسها وهي تقول بقلق شديد: -يا نهار أبيض أنا إزاي مأخدتش بالي إن جدي هو اللي رد على تليفونها أربع مرات في الأسبوع كدا. فعلاً مرات عمي ماتت وأكيد هو السبب ورا اختفائها! ردت والدة زين متسائلة قائلة: -ها تعملي إيه؟ -هاكلمه وأعرف منه هي فين. ردت والدة زين باسمة: -وأنتِ فاهمة إن جدك بالسذاجة؟ -اومال ها أعمل إيه؟ دام الصمت لثوانٍ قبل أن تفكر في حلٍ عبقري. طرقعت أناملها وهي تقول بهدوء: -لاقيتها. -هي إيه؟
-أنا هرن عادي على تليفونها ولو رد هو ها أقول بعزيها وكدا ولو قال حاجة تاني غير اللي قالها ليكِ يبقى ساعتها نشوف هنتصرف إزاي. بدأت والدة زين في تنفيذ خطتها التي رسمتها للتو. ظلت تحاول مرة تلو الأخرى حتى جاءها الرد. تحدثت بشكلٍ طبيعي؛ حتى لا تلفت الانتباه، لكن تحذيرات الجد دبّت في أوصالها الرعشة والخوف حين قال: -جولي لـ حُسنة بعدي عن أم عمر لو رايدة السلام لنفسك. جولي لها بلاش تنبشي في القديم عشان محدش هيتأذي غيرها.
من فرط خوفها ألقت بهاتفها أرضًا، تشبثت في والدة زين وبدأت تتلعثم في كلماتها. لقد نجح الجد في إيصال رسالته المحذرة لهن. حاولت أن تستجمع شجاعتها وهي تسألها بذعر قائلة: -هو هو عرف عرف إزاي إننا بنتكلم؟ تساءلت والدة زين وهي تلملم أغراضها بخوفٍ شديد: -أنا ها أمشي مش قادرة. -لا استني معايا أنا خايفة. -وأنا مرعوبة أكتر منك. -طب اتصلي على زين يجي لنا. هدأت صرخاتهن واهتزت أجسادهن إثر قرع ناقوس الشقة. طرقت
زين الباب وهو يسأل بقلق: -حُسنة مالك في إيه؟ هرولت حُسنة تجاه الباب، قامت بفتحه وهي تحمل جواد بن أختها. وضعته بين ذراعيها وقالت بتلعثم: -امسك جواد اعصابي مش قادرة تتلم على بعضها وخدنا وخلّينا نمشي من هنا بسرعة. نظر زين لها بنظراتٍ متعجبة بينما تمتم بخفوت: -ماما!! ردت حُسنة بنبرة مرتجفة وهي تخبره قائلة: -مرات عمي مطلعتش ميتة ومدفونة في البقيع. دي دي دي. هرولت والدته مقاطعة حُسنة بذعر تحثه على الخروج من الشقة
على الفور وهي تقول بتلعثم: -يلا يا زين يلا خليني نمشي بسرعة. -في إيه يا جماعة مالكم؟ بعد مرور ساعتين. داخل شقة خالد بالقاهرة كانت تستمع حُسنة لحديثه ونظرت الدهشة والذهول لا تبرح وجهها. وقفت عن مقعدها وقالت: -يعني هي ماتت فعلاً؟ رد خالد بعدم اكتراث: -مخبرش والله يا حُسنة بس الله يرحمها. وجيدة جالت إن جدك ورا اختفائها كيف ربنا وحده اللي يعلم. رد زين بتساؤل: -طب هو ها يعمل كدا ليه يعني يا خالد؟
-عشان كانت مانعة عمر يشتغل مع جدّه. واللي دريت بـ كِده إن حارس المدافن جاله إن في ناس جت يدفنوا واحدة وكانت تصاريح الدفن وياهم لحد ما حصل اللي حصل. سألته حُسنة بنبرة فضولية قائلة: -وإيه اللي حصل يا خالد؟ أجابها بهدوء رغم ضيق صدره لذكر هذه التفاصيل لأنه عرفها عن طريق زوجته: -حارس المدافن سمع حس حد بيستنجد وراح عند المجبرة وفجأة مات. ختم حديثه قائلاً: -ناس يقولوا من الخوف وناس تانية يقولوا دي ماتت مخنوق.
سأله زين بعد فهم: -أيوه بردو إيه اللي خلاك ربطت إن الست اللي ماتت واندفنت دي تبقى والدة عمر؟ أجابه بهدوء: -عشان لما النيابة طلبت تشوف التصريح اللي جاله عنها مرت الحارس وعياله لاقوا التصريح ولا الجثة نفسها. بس لقوا سلسلة عليها اسم وجيدة. استكملت حُسنة حديث خالد قائلة بشرود: -وطبعًا الناس فكرت إن دا اسم الست اللي كانت موجودة. بس اللي ها يسمع عن القصة هيعرف إن دي واحدة تبع بيت الدهشورية صح؟ تابعت حُسنة
وهي تضرب بكف على الآخر: -السؤال المهم بقى فين هي جـ ـثة مامت عمر؟ رد خالد على سؤالها بسؤالٍ آخر قائلاً: -والسؤال الأهم والأهم يا حُسنة ليه عمر بعت لك رسالة عشان تتجمعوا وهو خابر زين إن أنتِ ما ها ترجعيش الصعيد تاني واصل. وليه ما اتحددتش في التليفون مثلاً؟ ليه رسالة مكتوبة؟ عقدت ما بين حاجبيها قائلة بدهشة: -قصدك يا خالد؟ ابتسم وقال بهدوء: -قصدي إن ديه كان فخ من جدك. ولما فشلت محاولته الأولى بعت اللي يحرّج شجاعتك.
هوت حُسنة على مقعدها وفاها فارغاً إثر الصدمات التي تتساقط فوق رأسها واحدة تلو الأخرى. نظر لها زين وقال برجاء: -حُسنة عشان خاطري كفاية لحد كدا بقى. خلينا نرتاح من كل اللي بيحصل حواليّنا دا. -طب فين مامت عمر؟ عايشة ولا ميتة؟ رد خالد بهدوء: -صدقيني يا حُسنة إجابة سؤالك حاولت الله يرحمها تدور عليها جابلك وكانت هي ضحيتها. بعدي عن الشر وغني له. ربي ابن أختك وعيشي مع جوزك. كل ديه ما هيفيدش بحاجة واصل.
كبر يا جبل وبقيت راجل. قالها الجد حسان وهو ينظر لـ جبل. لقد مرت الأعوام كالبرق في سرعته. اليوم زيارة جبل لجده، تلك الزيارة السرية الوحيدة التي يفعلها دون علم بشار. إن علم بذلك لجعل لحياته لونًا آخر لا يود أن يعرفه وينبذه من العائلة الجميلة تلك. ابتسم جبل له وقال بهدوئه المعتاد: -لساتك كيف الأسد يا جدي. كيفك وكيف حالك؟ -حالي مبقاش هو الحال يا ولدي. جُل لي كيفه بشار وكيف بنته؟ سأله جبل بهدوء ظاهري وقال:
-جُل يا جدي رايد إيه من عمي وبنته. رد الجد على سؤاله بسؤالٍ آخر وقال: -عشقتها يا جبل؟ لم يرد جبل على سؤال جده، لكنه عاد من جديد لمكره وقال: -جُل لي يا جبل أبوك مات كيف؟ -البيت اتربطج عليه يا جدي. زفر الجد ضاحكاً ثم قال بنبرة خبيثة: -والله وعرف بشار كيف يضحك عليك يا جبل. بس معلاش ما هو عمك برضك ورايد مصلحتك. -مصلحة إيه؟ -تبقى خدام تحت رجليه. بس عمي بيعتبرني ولده يا جدي. اطلع أنت منيها. وحتى لو عاملني خدام أني راضي.
رفع الجد حسان كفيه المجعدتين وقال: -اديني طلعت يا خويا. عجبال ما تطلع أنت منيها. سكت لبرهة ثم قال بهدوء: -الدم الدم يا ولدي هو اللي ها يبرد النار اللي في صدري. -دم إيه يا جدي؟ رايد تاخد تارك من مين إذا اللي عملوا كِده ماتوا خلاص. -سيبك يا جبل من الحديث ديه دلوقت. وجل لي بن عمك بشار بقى عندها كَم سنة كِده؟ رد جبل بابتسامة خفيفة: -خمسة وعشرين سنة خمس شهور وعشرين يوم وخمس ساعات. -وه لدرجة دي حاسب لها سنها؟
-طبعًا يا جدي مش خيتي واتولدت على يدي. سأله الجد حسان وقال: -خيتك برضك يا جبل؟ رد جبل على سؤاله بسؤالٍ آخر وقال: -أنت بعت لي ليه يا جدي دلوقت؟ أنت خابر زين إني باجيك من ورا عمي عشان ما ياخدش على خاطره مني. وخابر كمان إن أني بوصل رحمي وبس. الله يرضى عنيك تهملني لحالي بجى. حرك حسان رأسه وقال بهدوء: -حاضر يا ولدي ها أهمل لك لحالك. بس جاوبني على سؤال واحد وبعدها روح لحالك. -خير يا جدي؟ -بن عمك بشار. -مالها يا جدي؟
-رايد أشوفها. آخدها في باطي. أشم فيها ريحة بشار يا جبل. رد جبل بصوت مرتفع قائلاً: -لا مستحيل يحصل ديه. أنت خابر زين إن الطلب ديه من رابع المستحيلات يحصل. -عشان خاطر يا ولدي مرة واحدة. ما أنت اهو بتيجي وبتطل عليّ من وقت للتاني وبتروح في أمان الله. -أني غيرها. أني خابر ألاعيبك ديه ومش هتتخيل عليّ. إنما هي لا. هي ما ها تيجي هنا وايه لو إيه اللي حصل.
هبط شبل على سلالم الدرج بخطواته الواثقة والإبتسامة الخفيفة تزين ثغره. وقف أمام جبل بعد أن تناول يد جده وطبع قبلة هادئة عليها ثم عاد ببصره وقال: -ما تخليها تيجي يا جبل. واهي تاخد بحقنا أنا وجدك. رد جبل وهو يكز على أسنانه بغيظٍ شديد وقال: -ابعد أنت عن الحديث ديه يا شبل. أني وجدي بنتحدت ويا بعضنا. خليك بعيد أحسن يا شاطر. اقترب شبل وقال بإبتسامة واسعة:
-مش شبل الدهشوري اللي يبعد عن حاجة رايدها غصب عنيه. أني أبعد عنها بمزاجي. دب الجد حسان وقال بإبتسامة بتباهي: -زمان كنت بقول بشار هو ولي العهد. بس دلوقت أقدر أقول بكل فخر واعتزاز إن شبل عمر الدهشوري هو ولد الأبالسة بحق.
تنفس جبل بعمق وهو ينظر لكلاهما نظراتٍ ذات مغزى. سار شبل بخطواتٍ واثقة تجاه المقعد الوثير وهو يرفع عباءته السوداء على كتفيه. هوى عليه ثم وضع ساق فوق الأخرى. قام بإشعال لفافة التبغ. سحب نفسًا عميقًا منها ثم قام بإفراغه في سقف البهو. عاد ببصره وقال باسمًا: -تاخد لك سيجارة يا جبل؟ رد جبل بهدوء: -لا الحمد لله صايم. -صايم ليه؟ -عشان النهار ده أول يوم رمضان. ولا أنت رمضان ما جاش عندك؟
لم يرد شبل على سؤاله واكتفى بسحب نفسًا عميقًا وكرر نفس العملية. نظر له وقال بنبرة متعجبة: -يا أخي والله الواحد ما خابر كيف يتحملك ويتحمل يطل في سحنتك العفشة دي كيف. أني لولا الحشيش ده مكنتش أتحملك دقيقة واحدة. -ربنا يهديك يا شبل. رد شبل بإبتسامة واسعة قائلاً: -لا قل ربنا يطول في عمر بشار لحد ما الوشوش تتجابل من تاني. تابع بتذكر قائلاً: -صحيح هي بنت عمك اسمها إيه؟ جبل بإبتسامة واسعة وقال:
-سبحان الله يا أخي اسمها على اسم المرحومة أمك شمس. وهي فعلاً شمـ..... لم يكمل جبل عبارته بسبب قبضة شبل له. كان يكز على أسنانه بقوة شديدة. كاد أن يجزم جبل أن وصل لمسامعه صوت طحن أسنانه وكأنها تفرم داخل ماكينات. بحركة مباغتة منه استطاع وبجدارة أن يسيطر عليه ويصبح هو مركز القوة. لم تدوم السيطرة طويلًا ليعود شبل المسيطر. كان الجد يتابع بإبتسامته التي كشفت عن نواجذه. كاد أن ينهي حياة جبل لكنه تركه في اللحظة المناسبة
وهو يخبره من بين أنفاسه: -الظاهر إن أمك كانت بتحبك. كانت روحك ها تطلع في يدي بس مش مشكلة. المرة الجاية فكر فكر بس كيف تضايجني وأني أريحك من الدنيا كلها. هدأت أنفاس جبل قليلًا. نظر لجده وقال: -بعد عن بن عمي يا جدي. شمس ما هتدخلش هنا واصل ودي آخر مرة هدخل فيها هنا. غادر جبل بخطواته الواسعة والسريعة. بينما استوقفه شبل قائلاً بنبرة مرتفعة وهو يشعل لفافة تبغ جديدة:
-ابقى خد الباب في إيدك ومتنساش تقول لـ بشار يجهز التوب الأبيض لبنته. ختم حديثه بوقاحة لم يتحملها جبل حين قال: -يا تدخل جبره يا أدخل عليها أني. عاد جبل وقام بضرب شبل. تحول البهو من جديد لساحة معركة. ظل يكيل له اللكمات دون رحمةً ولا شفقةً. ألقى شبل بجسده بعيدًا عنه بغيظٍ شديد. اعتلاه وبدأ يرد له ما سدده جبل. كان الجد يشاهد ما يحدث في صمت. لقد نال شبل التعب. وقف وهو يشاهده وقال بنبرة محذرة:
-جلت لك جبل سابج محدش ها يزحك من تحت يدي مصدجتـ... -شبل بكفاية لحد كده. هدر بها الجد حسان مانعًا حفيده من إطلاق رصاصة الرحمة. قام بإطلاقها ولكن بالقرب منه وقال: -المرة الجاية في صدرك يا جبل. ابتسم الجد حسان وقال بحزن مصطنع: -هو ده يا ولدي اللي رايد يوصله بشار. بشار رايد يخليكم تجعوا في بعض. رايد يكمل اللي معرفش يعمله زمان. تابع بنبرة مغتاظة وقال: -بس لا إن كان نجح زمان فـ مش ها يعرف يعمل ديه دلوقت.
لم يعقب جبل على حديث الجد بكلمة واحدة. اكتفى بالمغادرة من المنزل وهو يسب حاله مرة ويلعن قلبه الطيب الذي يصدق الجد دائمًا ألف مرة. ما زال شبل يقف مكانه لا يتحرك قيد أنملة يتوعد لذاك الأحمق الذي تجرأ وقام بضربه. شعر بسائل دافئ ينساب على جانب ثغره. مسحه بظهر يده قبل أن يصل إلى ذقنه. وصل لمسامعه حديث جده وهو يحثه على الانتقام من بشار وليس جبل. فجبل الذراع الأيمن ليس إلا. التفت له وقال بغيظٍ شديد:
-والدرع ده لازم يتـ ـقطع يا جدي. ورحمة أمي وأبي ما هسيبه لحاله واصل. وقف الجد حسان عن مقعده وقال بهدوء ومكر: -همل جبل دلوقت. حسابه معايا أنا. وضع يده المجعدة على كتف حفيده وقال: -حضر حالك أنت هاتروح تقعد في دار أبوك اليوم اللي مستني بجالك كتير خلاص جه يا ولدي. تابع الجد حديثه وقال:
-خلاص الحج جرب. كل واحد منا ها ياخد حجه من بشار. يا شبل تار أبوك يا ولدي بيجرب. وتار بنتي وجيدة بشار حرّق قلبي على أغلى تنين ولساته عايش في الدنيا يظلم ويحرج في الخلق كيف ما يحب. التفت شبل لجده وقال بوعيد: -متقلقش يا جدي حجك وحق كل واحد أذاه بشار ها يرجع. وحياتك ما ها يعرف ينام الليل من حرقة جبله على كل حاجة غالية عنده. وأولهم جبل. رد الجد بضيق وهو يقول:
-لا جلت لا. بعد عن جبل. ملكش صالح بيه واصل. اقتل واسرج وانهب واعمل ما بدا لك في بشار واللي منه. بس متجربش على جبل. نظر شبل لجده وقال بشك: -ليه؟ اشمعنى جبل اللي مرايدنيش أجرب له؟ يتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!