الفصل 22 | من 23 فصل

رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم هدى زايد

المشاهدات
22
كلمة
2,599
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

ركضت خلفه من جديد، ما إن طبع قُبلة فوق رأسه. حاولت أن تستوقفه، لعله يرد عليها، لكن دون جدوى. ما تفعله ذهب هباءً. نظرت لزوجها الذي رفع الجريدة سريعًا، متحاشيًا النظر لها. ذهبت إليه، أزاحت الجريدة، وقالت بجدية: -تعرف إيه يا زين؟ أنا معرفوش. -ولا أي حاجة خالص. -زين! -من غير زين، هو يبقى يحكي لك. أنا كل اللي أعرفه إنه مش عاوز يتجوز. -ما هو كلنا عارفينه. أنا عاوزة اللي جوه الصندوق. وقف زين متحاملًا على نفسه،

وهو يقول بجدية مصطنعة: -يااه يا حسنة، بتحبي تعملي من الحبة قبة. أنا مش عارف حاجة. اسألي بنتك ولا ابنك، ماهو كلهم أسرارهم مع بعض. وقفت مقابلته، وقالت بشك: -ولادي ما يعرفوش ربع اللي أنت تعرفه عن جواد يا زين. اعترف وقول جواد بيحب مين؟ نظر لها بأعين مليئة بالعشق، وسألها بنبرة هادئة لا تخلو من الحنان البالغ: -هو أنتِ حلوة كدا ليه النهاردة؟ ردت بعتاب قائلة: -يا سلام، لسه واخد بالك دلوقتي؟

-أيوه فعلًا، لسه واخد بالي. أنا باين عليا لازم أغير نضارتي عشان ما بقتش أشوف كويس. -زمان كنت بتشوفني بقلبك. رد زين بميرة صادقة، وهو يجعلها تتوسط صدره قائلًا: -ولسه بشوفك بقلبي يا قلبي. ربنا يخليكي ليا ولا يحرمني منك أبدًا. -الله الله يا سي بابا، كدا في نهار رمضان عادي؟ أردفت أسما سؤالها وهي تخرج من غرفتها، مصفقة لوالديها بحرارة، والابتسامة لا تفارق شفتاها. بينما رد زين بجدية مصطنعة قائلاً:

-دا جبران خاطر يا بنتي. ربنا يجعلك من جابرين الخواطر لا كسريها. نظرت حسنة له، وقالت بحزن طفولي: -جبر إيه يا زين؟ جبر خواطر بقى؟ آخرتها جبر خواطر!! ماشي يا سيدي، شكرًا. رد زين بنظرة معاتبة لابنته، وقال: -عجبك كدا يا هادمة اللذات ومفرقة الجماعات. تابع بنبرة حائرة قائلاً: -أنا مش عارف، لما الشياطين كلها متسلسلة دلوقتي، أنتِ بتعملي إيه؟ ردت أسما بنبرة حزينة قائلة: -شكرًا يا سي بابا، كل دا عشان تراضي ماما. شكرًا.

-لا يا روحي، متزعليش. كنت بهزر معاك. -خلاص، صالحني. -ما أنا صالحتك أهو، وقلت لك حقك عليا متزعليش. عاوزة إيه تاني؟ -كدا صلح ناشف. ما ينفعش. أنا عاوزة صلح من أبو ألف أو ألفين ده، عارفه؟ زين قبل أن يغادر الردهة: -ولا عمري سمعت عنه. اسألي مامي كدا عنه، على ما أشوف حاجة ومش راجع لك. *** -حلوة الفرسة دي يا عمر. بكم؟ سأل جواد سؤاله، وهو يتحسس رقبة المهرة البنية. ابتسم عمر، وهو يستدير بجسده كله مقتربًا منه، ثم قال:

-مش هتبطل تسأل عن تمنها واصل، كأنك متعرفش إنها مش للبيع؟ -يا جدع، أنا صاحبك. اكرمني. ساعده في الترجل من على ظهرها، ثم امتطأ هو قائلًا: -صاحبي أكرمه في عشا، في نومة، في سِجارة. تابع باسمًا، وهو يقترب من عنقها، محاوطًا إياه بين ذراعيه قائلًا: -إنما أكرمك في زينة يبقى لأ. صاحبي واللي يتشدد له قُمان. أومأ جواد رأسه علامة الإيجاب، قائلًا بوعيد:

-ماشي يا عمر، ابقى وريني مين ها يدعمك في مقابلة الخميس ويقول عنك ألف من يتمناك. رد عمر بثقة حد الغرور قائلًا: -إني مش محتاج مساعدتك يا حبيبي. ساعد حالك. ختم حديثه قائلًا: -إني وأبويا اتفجنا إننا نزوركم الخميس عشان نحدد معاد كتب الكتاب والفرح قُمان. -والفرح كمان! شجاعتك مقوية قلبك. تابع عمر بغطرسة مرفوع الرأس: -أومال، إيه؟ انت فاكر إيه؟ إني الدكتور عمر بشار الدهشوري.

ضحك الاثنان بصوت عالٍ. سار جنبًا إلى جنب، تبادل أطراف الحديث في عدة موضوعات. مر أكثر من ثلاث ساعات عليهما. اجتمعوا حول مائدة الطعام عند اقتراب موعد آذان المغرب. لحظات، ثم انطلق صوت المدفع يليه صوت الأذان. تمتم عمر بخفوت دعاءه قبل أن يروي ظمأه، ناجى ربه بأن يمرر هذه الأيام سريعًا ليتمم زيجته على خير. روى ظمئه أخيرًا، ثم شرع في تناول وجبته. كان جواد يتناول طعامه بسرعة شديدة، على غير العادة. نظر له عمر،

وقال بنبرة متعجبة: -على مهلك يا بوي، في إيه؟ كأنك آخر ذاك. بلع جواد لقيماته بسرعة، وهو يخبره بهدوء: -معلش يا عمر، أصل مستعجل. -على إيه؟ -كنت عاوز أبوك في حاجة كدا. معادّي معاه في الجامع. هنصلي المغرب سوا. عقد عمر ما بين حاجبيه، وقال: -حاجة إيه دي؟ وقف جواد عن مقعده، وهو يتناول آخر قطعة من ورق العنب، وقال: -بعدين يا عمر، بعدين. عاد والتقط قطعة أخرى، وقال بتلذذ: -مش قادر يا أخي، اختك عليها ورق عنب ملوش زي. رد عمر،

وقال بنبرة مغتاظة: -يا أخي، چامز وكُل كيف الخلج، مش كِده؟ وبعدين روح لابوي. -لا لا، خلاص الحمد لله شبعت. أمشي أنا بقى، ونتقابل تاني بكرة. بس عندي عشان خالتي عاملة لك أكل عسل زيها. سلام. *** بعد مرور يومين. الساعة الثالثة فجرًا.

كان يسير بين المقابر، يلتفت حوله بين الفينة والأخرى، حتى وصل لنفس المكان الذي يتقابل فيه مع رجاله بشكلٍ يومي. رفع عباءته السوداء على كتفيه. ألقى بلفافة التبغ أرضًا، قبل أن يتناول كيسًا قماشيًا ذو اللون الأسود. كشف عن ما بداخله، ووجد تمثالًا من الذهب الخالص. ألقى نظرة تقييمية سريعة، أعاده لرجاله مرة أخرى، وقال: -التمثال ده مش أصلي. -كيف ديه يا كابير؟ ديه من مجبرة الـ...

حدجه شبل نظرة حادة، نكس رأسه أرضًا، وهو يقول بذعرٍ شديد: -عدم مؤاخذة يا كابير، اللي تؤمر بيه يمشي. رد بنبرة مقتضبة، وقال: -مشوا دلوقتي، ونتقابل بعد يومين كِده. -حاضر يا كابير، تؤمر بحاجة تانية؟ -لا، هنتقابل يوم الخميس كيف دلوقتي بالتمام، وتجيبه الصناديج كلها المرة الجاية. التقط التمثال مرة أخرى من الرجل، وقال بنبرة ساخرة: -مش مصخوت وتجولوا ديه اللي لاجينه.

تركهم قبل أن يستمع لردهم، يفعل ما يحلو له وقت ما أراد، تجارته الخاصة التي رفضها الجد حسان، وقام بمقاطعتها فترة طويلة، لكن إصرار شبل كان أكبر منه، فقرر العودة لها من جديد. و في أثناء طريقه للعودة، استوقفته يد من حديد، قابضًا على ساقه اليسرى. لم يُنكر الخوف الذي دب في أوصاله. نظر للأسفل، ووجد عباءة سوداء ترفع عن الجسد. اتسعت عيناه عن آخرهما، ما إن وصل لمسامعه صوت يشوبه صوت فحيح الأفاعى:

-اوعاك يا شبل تخرج من اهني، جبل الشمس ما تُشرق.

ما إن انتهت تلك العبارة، استدار بجسده، وجد ما لم يتوقعه. كاد أن يسأل أحدهم، لكنه تفاجأ بفتح أحد القبور التي على ما يبدو خصصت له. لم يكن هو ساكنها الأول، القبر به جثث عديد، وواحدة كانت هذه ليلتها الأولى. لم يركض أو يتحرك قيد أنملة. كل ما فعله اقترب، حتى باتت الوجوه تتقابل وجهًا لوجه. فرغ فاه ليتحدث، لكن صوت العجوز جعل الجميع يركعون أمامه. تحول المشهد من خوف وقلق داخلي لحدة وقوة ظاهرية. ركل الأرض بقدميه، وهو يهدر بصوته الجهوري. لم يتجرأ أحدهم على رفع بصره. نظر جنبه، وجد ربطات العجوز، والابتسامة الواسعة لا تفارق الأفواه.

*** قرع الناقوس، وقبل أن تسأله الخادمة عن صفته، تجاوزها وهو يبعدها عنه بطريقة لاذعة، وكأنها شيئًا يخشى التقرب منه ويؤذيه. هدرت الخادمة بصوتها محاولة منعه، لكنه لا يبالي. جلس على المقعد بأريحية، وضع ساقه فوق الأخرى، ثم قال: -روحي نادمي على بشار، وجولي له سيدك شبل جِه، ورايدك في حاجة خصوصي. كادت أن ترد عليه، لكن صوت شمس منعه من ذلك. أشارت لها بالعودة لمطبخها، وهي تقول: -روحي أنتِ يا شوقية.

دس شبل يده في جيب جلابه، أخرج لفافة تبغ، ثم قام بإشعالها. نفثها في سقف البهو. عاد ببصره لها، وقال: -جولي لـ شوجية تعملي فنجان قهوة عشان جعدتنا مطولة يا قمر. تجاهلت شمس أوامره، وتساءلت بنبرة مغتاظة قائلة: -مين أنت؟ -إني شِبل عمر حسان الدهشوري. ابتسمت بسخرية قائلة: -حصلنا الرعب والتهديد. اتفضل اطلع برا بقى. ما تجولي اتفضل جواه قلبك أحسن، أحسن الجو برا رصا ص. -والمفروض إني أضحك مثلًا يعني؟ -لا، أبكي عليك وعلى اللي جابك.

-أنت قليل الأدب، واللي جابني ده ها يعلمك الأدب. قلت أمشي اطلع برا. -روحي يا شاطرة، نادمي على بشار، وجولي له سيدك شِبل الدهشوري رايدك تسلمه نص الدار. بابا ملوش أسياد، وإن كان أنت ليك أسياد، فـ دا يدل على إنك كـلـب ليهم. عمومًا، ده بيتك ومش ها نقدر نمنعك منه، بس اللي أقدر أقوله، بلاش تلعب بالنار عشان متلسعكش يا شاطر. -شمس اطلعي فوق، وكفاية لحد كِده، وسيبنا أنا وواد عمك لوحدنا.

قالها بشار بعد أن تصاعدت المشاجرة بين شمس وشبل. صعدت على الفور ما إن أمرها أبوها بذلك. ظل يتابعها بنظرات غاية في الوقاحة، محاولًا استفزاز بشار، الذي فهم من نظراته تلك ماذا يقصد. عاد ببصره له، وقال: -بنتك دي يا بشار؟ رد بشار باسمًا، متجاهلًا وقاحة شبل: -أيوه يا شِبل، بتي. رد شبل ساخرًا: -ونعمة التربية. طلعالك جليلة ترباية، أحسنت واللهِ. تنهد شبل، قبل أن يخرج ورقة من جيب جلابه، ألقاها في وجه بشار، وقال:

-ديه صورة من عقد الدار، إني شريك في الدار ديه. تناول بشار الورقة من على الأرض، وقال بهدوء دون أن ينظر فيها: -خابر ديه من زمان يا شبل، وخابر إنك تمت السن القانوني من زمان، ويحج لك تستلم نصيبك في أي وقت. تابع بهدوء، وهو يخرج دفتر الشيكات، وقال: -ديه شيك على بياض يا شبل، حط فيه الرقم اللي تحبه، من جنيه لمليون، وأني موافق. وضع بشار الشيك نصب عينيه، وقال: -شوف حابب تتنازل عن الدار ميتا، وأني أشتري منك.

تناول شبل الشيك منه بعجرفة، نظر فيه، ثم أخرج دفتر شيكاته خاصته، وقال بوقاحة: -ديه شيك في متين جنيه، تمنها. تابع موضحًا مغزى حديثه، وقال: -تمن بتك شمس يا بشار. تديني بتك، أديك الدار. -خرج بتي من موضوعنا يا شبل. -يبقى أنت قُمان تخرج الدار من موضوعنا. -كيف إذا كان الدار ده هو موضوعنا أساسًا.

-لا، إحنا عندنا ييجي مليون حاجة غير الدار. يا بشار، تار أبويا، جمرة قلب أمي على موت أبويا، وحر ج عمتي وجديدة، ووجع قلب جدي اللي كل يوم يزيد عن اليوم اللي قبله. رد بشار بهدوء: -يا ولدي، والله العظيم اللي حصل زمان ده كان غصب عني، ويشهد على كده ربنا. وقف شبل عن المقعد، وقال بعصبية ما إن وصل لمسامعه صوت القرآن الكريم الذي دوى في المكان: -إني ماشي دلوقتي، وراجع، بس المرة الجاية رجوعي ها يكون غير.

نظرات بشار له كانت متفحصة. علم من خلال هذه النظرات أنه سار في نفس الدرب الذي سار فيه هو من قبل، ولكن على ما يبدو أن شبل يعاني من شيئًا أقوى بكثير. استدار ما إن هتف بشار قائلًا: -شبل، جدك واعر، ومعرفش يعمل مع أبوك حاجة. جدك حسان إبليس. ابتسم شبل، وقال: -وإني ولدهم. تابع بتذكر: -صح، ابجى جول لـ جدك إني جدي زعلان منه واصل، كان نفسه يفطر ويانا كيف كل سنة. ختم حديثه قائلًا: -يلا، تتعوض السبوع الجاي كيف ما جالنا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...