الفصل 16 | من 23 فصل

رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل السادس عشر 16 - بقلم هدى زايد

المشاهدات
17
كلمة
2,884
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

استيقظت حسنة على صوت ناقوس الباب. نهضت من فراشها، فتحت الباب وجدت رجلًا ماثلًا أمامها. سألته بهدوء قائلة: –خير، مين حضرتك؟ رد الرجل وقال: –دا بيت حسنة طه حسان الدهشوري؟ أومأت برأسها علامة الإيجاب، وقالت: –أيوه أنا، خير في إيه؟ أشار الرجل وقال: –اتفضلي استلمي. –إيه دا؟ –ها، تعرفي بعدين، من فضلك امضي. وقعت حسنة على الورق، وما إن غادر الرجل بدأت تفتح الظرف بجوار أمها. قرأته بعينها، ثم تنهدت بإحباط وهي تقول:

–بدأنا بقى وجع القلب. –في إيه يا حسنة، ومين اللي بعت لك الجواب؟ –دا عمر. –وعاوز إيه عمر؟ مش اتجوز خلاص؟ –بيقول إن لازم نتجمع. –تتجمعوا ليه بقى إن شاء الله؟ هو الواد دا مش متجوز وجاي له عيل في السكة؟ تابعت بشك قائلة: –بت يا حسنة، الواد عمر دا هو السبب في طلاقك، ولا أنتِ اللي السبب؟ ما حكيتيش لي؟ ردت حسنة بنبرة متأففة قائلة: –مش هو يا ماما السبب، أنا اللي كنت السبب، ها أقولها لك للمرة الكام عشان تصدقي! سألتها

والدتها بنبرة ساخرة قائلة: –أومال بيبعت لك جوابات ليه يا عنيا؟ وتجمع إيه دا اللي تتجمعوا؟ تنهدت حسنة بعمق وهي تقول: –ريحي نفسك يا ماما، ما فيش في دماغي حاجة من اللي في دماغك دي، أنا خلاص لا أنفع للحب ولا غيره. تابعت بنبرة حزينة قائلة: –أنا يا ماما اللي خرّبت على نفسي، أنا اللي عشان أشيل تهمة من على واحد مظلوم وما يروحش في الرجلين، كشفت سر بقاله سنين وما حدش يعرفه، إن حقيقته إيه ولا لأ. اختتمت حديثها بندم قائلة:

–يا ريتني سمعت كلامك يا بشار واحتفظت بالسر لنفسي، ما كانش حصل اللي حصل. زين عشان يرد اعتبار أمه زي ما أبوه قال، داس على قلبي أنا. سألتها والدتها بفضول قائلة: –هو زين كان بتاع أبوه وأمه يا بت يا حسنة؟ ابتسمت حسنة ابتسامة باهتة وهي تتذكر مواقفها معه، وهي تقول:

–زين لا بتاع أبوه ولا أمه، ولا حتى مراته. زين كان راجل بجد، كان بيوزن الأمور بالعقل والحكمة، ويشوف الصح فين ويعمله. وعشان يرد اعتبار أمه، داس على قلبي أنا. أنا عاذراه، هو معاه حق، واحدة قالت كدا على أمه وطلعت كدابة، تقعد على ذمته تاني ليه؟ ردت والدتها بنبرة متعاطفة قائلة: –عيني عليكِ وعلى بختك يا بنتي، حبيتِك رجالة كتيرة، بس محدش فيهم يعرف قيمتك صح. تابعت بجدية قائلة: –ها تروحي الصعيد تاني وأنتِ لسه جاية منه؟

ردت حسنة بهدوء وهي تعتدل في جلستها وقالت: –مش ها أروح في حتة، أنا خلاص قطعت علاقتي بالناس دي. أنا ها قعد هنا أشوف حالي وأشوف هبدأ من تاني إزاي. اقترحت والدتها عليها قائلة: –اطلبي ورثك في أبوكِ، هو آه جدك الله ينتقم منه ها ياخد نصه في بطنه، بس أهو أحسن من ما فيش. حركت حسنة رأسها حركة بلا معنى ثم قالت: –ورثي إزاي بس يا ماما؟ وبابا ميت قبل أبوه وكمـ… ردت والدتها مقاطعة قائلة:

–ومين قال لك إن أنا بتكلم عن ورث طه في مال أبوه يا عبيطة!! سألتها حسنة باستفهام قائلة: –أومال أنتِ بتتكلمي عن إيه بالظبط؟ أجابتها والدتها بجدية قائلة: –جدك سالم. –مين جدي سالم دا؟ –جدك سالم دا أخو جدك حسان، الله ينتقم منه، بس من أبوه. –ودا علاقته إيه بالورث بس؟ –علاقته يا قلب أمك إن أبوكِ، الله يرحمه، اشترى منه البيت اللي هو قاعد وكتبه باسمك بيع وشراء. –وأنتِ عرفتي الكلام دا إزاي؟ لوحت والدتها بشفتيها وقالت بحسرة:

–ما هو دا كان شرطي عشان أأمن مستقبلك بعد اللي عرفته عن جدك وأبوكِ. قالي أعمل لك إيه عشان ترجعي لي أنتِ وبنتي؟ قلت له اكتب لبنتك البيت الجديد عشان لو حصل لك حاجة تبقى بنتي تلاقي حاجة. قامت كتب نص البيت والنص التاني بتاع جدك سالم. نظرت حسنة لوالدتها وقالت بنبرة متعجبة قائلة: –وأنتِ عرفتي الكلام دا كله إزاي؟ سألتها والدتها بنبرة مغتاظة قائلة: –أنتِ عبيطة يا بت ولا غبية؟ بقولك كان شرطي على أبوكِ عشان أرجع له.

تابعت بنبرة حزينة حاولت إخفائها وهي تقول: –أيام ما كان لي خاطر عنده، وبدلع على حسّه وأطلب اللي أنا عاوزاه وهو يقول لي حاضر، زيك كدا مع زين. ختمت عباراتها قائلة بحسرة قائلة: –عيني على بختي وبختك يا بنتي، ما لناش حظ في جوازاتنا. قررت حسنة أن تتجاهل حسرات والدتها، والتي على ما يبدو أنها لن تنتهي هذا اليوم. وقفت عن الأريكة متجهة نحو حجرتها الجديدة. الشقة بأكملها لا تتماثل مع المرحاض الذي كان بغرفتها.

على كلٍ، لا يهم ما كانت فيه وما آلت إليه في الأوان الأخيرة، عليها أن تتأقلم من جديد على وضعٍ جديد كُتب عليها. على الجانب الآخر، وتحديدًا داخل حجرة زين، كان ممددًا في فراشه ناظرًا لسقف الغرفة. من يراه يظن أنه يعد النجوم المنقوشة عليه، لكن في حقيقة الأمر هو يعيد ذكرياته معها.

ولجت والدته ولم يشعر بدخولها. كانت تتألم من داخلها لرؤية فلذة كبدها يعاني من فراق حبيبته في صمت. لو كانت تعلم أن الأمور سوف تجعله هكذا، لتوسلته ألا يفعل ما فعله مع حسنة. مسحت بيدها على كتفه بحنو وهي تقول بنبرة حانية: –حبيب ماما، مش ها يروح شغله النهار ده ولا إيه؟ انتبه أخيرًا لوجودها في غرفته. اعتدل في جلسته وقال: –معلش يا ماما، مش هقدر أروح النهار ده، سهران طول الليل وما نمتش كويس. –على كيفك يا حبيبي.

كادت أن تغادر غرفتها، لكنها تراجعت وهي تقول بهدوء: –ارجع لها يا زين، أنا مسامحة في حقي، طالما ربنا نصرك. رد زين بنبرة مختنقة قائلاً: –لأ يا ماما، مش هرجع لها. هي مش بس إهانتك أنتِ لوحدك، أنا كمان يا ماما أهانتني. داس على كل حاجة حلوة عملتها لها ونسيت قدمت لها إيه، وداس على شرفك بمنتهى الوقاحة. ردت والدة زين وقالت باعتراض، ولأول مرة تأخذ صف حسنة: –لا يا زين، متظلمهاش، هي كانت بتحاول تمنعك. –تـقــتـل حد ملوش ذنب.

سألها زين بنبرة ذاهلة وهو يطالعها بنظراتٍ تملؤها الدهشة: –حضرتك بتدافعي عنها!! أجابته موضحة: –أنا بقول الحق. أنا اللي يحب ابني قيراط، أحبه أربعة وعشرين، ويشيل ابني في عينه، أحطه جوه قلبي. وهي بأمانة الله، عمرها ما خانتك ولا طعنتك في ضهرك، يبقى أحاي عليها ليه؟ بالعكس، دي كانت بتحاول تمنعك عن شر. ختمت حديثها قائلة بهدوء:

–أنا مش ها أنكر إن أنا مختلفة مع حسنة من ناحية المستوى اللي هي كانت فيه، ولا الحياة الجديدة اللي كانت مش عارفة تتعود عليها، بس خليني أقول كلمة حق: وهي حافظت عليك وعلى اسمك طول ما هي كانت مراتك. عشان كدا بقول لك ارجع لها، لأنها تستحقك بجد. ربتت على كتفه وقالت بحنو وحب: –ربنا يهديك يا حبيبي وترجعوا لبعض. أنا كل أملي في الحياة أشوفك مبسوط مع الإنسانة اللي يختارها قلبك.

غادرت قبل أن تستمع لرده الذي يحاول إثباته، رغم مخالفة قلبه لهذه القوانين الجديدة التي وضعها. لقد اختار لـ قلبه العذاب. الأمر بالنسبة له غاية في الصعوبة، كيف يمكنه أن يتأقلم على العيش بدونها؟ اللعنة واللعنة ألف مرة على من تتدخل بينهما ليدمر هذه العلاقة الجميلة التي كانت في بداية ظهورها. تُرى من الذي فعل فيهما هكذا؟ بعد مرور أسبوع.

لا شيء جديد يذكر، ما زال زين يمكث في بيته طيلة الفترة الماضية. لم يعجبه والده هذا الأمر، لقد كان قاسيًا عليه. لم تكن هذه المرة الأولى التي يراه بهذه القسوة، ولن تكون الأخيرة. ولج فؤاد القصاص غرفة زين يطالعه وهو نائم. لقد تغير كثيرًا منذ ذلك اليوم الذي انفصل فيه عن زوجته. ألهذه الدرجة تؤثر عليه؟ ألهذه الدرجة تتحكم فيه؟ لقد خرجت الأمور عن السيطرة إذًا. نظر حوله، وجد كأسًا من الماء. قبض عليها بغيظ شديد.

ألقاها في وجهه. سحب شهيقًا طويلًا وكأنه يغرق. ظل يسعل بشدة وهو ينظر لوالده الذي قال بجمود: –لو ها تفضل كِده كيف الحريم في الدار، وأني أشتغل وحدي في الشركة، جول وعرفني عشان أدور لي على راجل من رجالتى يشيل الحِمل عني. التقط زين أنفاسه بصعوبة بالغة. ما إن هدأ سعاله قليلًا، نظر لوالده وقال: –أنا تعبان يا بـ…. هدر والده بصوته الجهوري وقال:

–وطول ما أنت حابس نفسك كِده كيف الحريم، ها تتعب بزيادة. فز، جوم شوف شغلك كيف الرچالة، وحط يدك في يد أخوك وكبر شغلكم. رد زين وقال بطاعة: –حاضر يا بابا. استدار والد زين تجاه باب الحجرة. وقبل أن يغادر قال بتحذير: –لو خرجت من أهني وأنت لساتك نايم، رجوعي المرة الچاي مش هايعدي كِده واصلًا. –رجع و اجـتك عشان إني ولاد رچالة مش حريم.

أومأ زين له علامة الإيجاب. ما إن خرج والده من الغرفة، نهض من الفراش. اتجه نحو المرحاض. نظر لصورته المنعكسة في المرآة ليجد نفسه تبدل مئة وثمانون درجة منذ ذلك اليوم الذي قرر أن يُخرجها من حياته. لقد طالت لحيته أكثر من اللازم، وخصلات شعره أيضًا. بحث بعينه عن ماكينة إزالة الشعر. استقر ناظريه على أحد الأرفف. مد يده ليجذبها. بدأ في تشذيب لحيته وتصفيف خصلات شعره الطويلة. انتهى بعد عشر دقائق تقريبًا.

قام بفك حزام الرداء ثم أسقطه أرضًا قبل أن يضع قدماه في حوض الاستحمام. وقف أسفل المياه المتدفقة فوق رأسه وهو مغمض العينين. زفر بهدوء ليبعد المياه عن فاه. عشر دقائق أخرى قضاها في الاغتسال. خرج من المرحاض متجهًا نحو غرفة تبديل الملابس. كاد أن يجذب القميص الأبيض، إلا أن سقطت عيناه على منامته القنطية في الجزء المخصص لـ حسنة. كانت ترتديها بشكل دائم.

اتجه نحوها، التقطها بين كفيه، قربها من أنفه ليشتم رائحتها. أرخى جفنيه محاولًا استعادة جميع ذكرياته معها. ضحكاتها، غنجها، ودلالها. الذي كان يُهلك له عقله وروحه معًا. قرع ناقوس العقل لينذره بأن الضعف ليس من شيمه، وعليه أن يتجاوز تلك المرحلة من حياته حتى يستطيع العيش بدونها ما تبقى من عمره. يا لها حمقاء توغلت بين ثنايا قلبه وتشبثت معلنة أنها ملكة متوجة على عرشه.

بشار، بابا تعبان بقاله فترة وعاوزة أروح أزوره وأطمن عليه. زعلان مني عشان ما بسألش عنه خالص. أردفت خديجة عباراتها وهي تجلس جوار. وجهه الذي كان ينفث سحابة الدخان في السماء. وضع لفافة التبغ في المنفضة وهو يقول بهدوء: –مش رايد أزعلك منيّ، بس كان اتفجنا إن نبعدوا عن أي حاجة تجيب لنا وجع دماغ، وأبوكِ الوجع ذات نفسه. لكزته في كتفه برفق ثم قالت بحزن طفولي يليق بها وهي تقلب شفتاها:

–اخس عليك يا بشار، ها أزعل منك بجد. وبعدين أنا بابا يا حبيبي، بيخاف عليا أكتر منك، وهو ما يهمش في الدنيا دي كلها غير راحتي. تنهد بشار بعمق وقال بهدوء: –مش حابب خروجي دلوقت وأنتِ تعبانة كده. اصبري شوية لما تشمي نفسك شوية. ردت بابتسامة باهتة وقالت: –ها يحصل لي إيه يعني يا بشار؟ أكتر من إن خسرت ابني ولا بنتي للمرة التانية. شاحت بوجهها بعيدًا عنه محاولة حبس الدموع في مقلتيها، بينما هو لف وجهها له وقال

للمرة المئة بعد الألف: –جلت لك يا بت الناس، لو رايدة الخلفة، سبيني لأن هما ما هيسبونيش لحالي واصلًا. توسدت خديجة صدره وهي تقول بأسى: –مش ها أسيبك يا بشار، أنت قدري وأنا قدرك. مش ها أسيبك حتى لو ربنا ما كتب لنا الخلفة، يبقى دا قدرنا. ربتت خفيفة على رأسها تبعها قُبلة خفيفة على خصلات شعرها الطويل. رفعت بصرهاله وقالت بابتسامة واسعة على أمل أن يوافق: –ها أروح بقى عند بابا؟ حرك بشار رأسه علامة النفي وقال بعناد:

–برضك لا، ها تفضلي في حضني أحسن من أبوكِ. خرجت من حضنه وقالت بحزنٍ مصطنع وهي تقف عن المقعد: –طب إيه رأيك بقى؟ ها أروح وبالعند فيك، هاتناول لفافة تبغ جديدة. وقال بجدية مصطنعة: –ابجي وريني ها تعمليها كيف يا نعمات، وأنا عايش. عادت له واضعة يدها في خصرها وقالت بدهشة وذهول: –بقى أنا نعمات؟ ها؟ ماشي، إيه رأيك بقى؟ ها أروح يعني ها أروح، ولا أقلب لك نعمات بحق وحقيقي؟ ما أنا مرات بشار ابن الأبالسة كلهم. رفع

بشار كفيه وقال باستسلام: –خلاص يا كابيرة، الكلمة كلمتك والرأي رأيك. ابتسمت بانتصار وقالت: –أيوه كدا اتعدل هـ…. قاطعها بعد أن جذبها من معصمها لتسقط بين ذراعيه. فلتت صرخة منها على إثر حركته المباغتة لها. طالعها وهو يحاصرها قائلاً: –جلتِ راح فين بجى؟ رفعت خديجة إصبع الشهادة وقالت بتحذير وهي مغمضة العينين: –بشار، والله العظيم لو ضربتني على قفايا، ولو الحركات اللي بتـ…

لم تُكمل خديجة تحذيراتها التي ألقاها بشار عرض الحائط، حلت صرخاتها محل الضحكات، ثم عادت الضحكات تسيطر من جديد على الأجواء. تلك المشا كسات التي تدور بينهما كانت هي الشيء الوحيد الذي يخرجها من حالتها تلك. في عصر اليوم التالي، عبرت خديجة البوابة الرئيسية لمنزل والدها. شعرت بقبضة في قلبها لم تشعر من قبل. تمتمت بالبسملة وهي…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...