خرجت الممرضة من غرفة الحضانات و قالت بسرعة قبل أن تعود: –إحنا محتاجين رعاية الطفل، حالته حرجة و بيموت. اتجهت حُسنة و قالت بلهفة متسائلة: –رعاية؟ أومال إنتوا إيه و فين هي الرعاية دي؟ انطقي بسرعة! ردت الممرضة بسرعة موضحة: –ده قسم الحضانات و ابنك محتاج رعاية، الحال بتسوء كل يوم عن اليوم اللي قبله. اتحركي بسرعة.
تحركت حُسنة ما إن تركتها الممرضة. حاول زين إيقافها لكنها لم تستمع إليه. استوقفها جاذبًا إياها من ذراعها قائلًا: –استني عندك. فهميني هنا مين ابنك ده و منين و إزاي أصلًا؟ ردت حُسنة بصراخ من بين دموعها قائلة: –ابعد عني بقى. كفاية. روح لحالك و سيبني في حالي. أنا مش عاوزاك ولا عاوزة منك حاجة. خليني ألحق ابني قبل ما يروح مني. للمرة الثانية على التوالي نطقت بكلمة "ابنها". كيف، أين، ومتى؟ تُرى من هو والده؟
هو لم يلمسها خلال الفترة التي قضتها في منزله. خرجت من المشفى و هي تكفكف دموعها بكم جلبابها. رفعت هاتفها على أذنها و قالت بصراخ: –جدك رجع يلعب معايا تاني يا بشار و أنا مش هاسكت. جدك ده دمر كل حاجة بحاول أبنيها. و دلوقتي جه الدور على ابني. كله إلا ابني يا بشار، سامع؟ كله إلا ابني. وصل إلى مسامعها صوته المختنق إثر البكاء و هو قال:
–و وجيدة و عُمر ماتوا يا حُسنة. أخويا و صاحبي و نور عيني اللي بشوف بيها مات يا حُسنة. حبيبي و حبيبتك ماتوا يا حُسنة. ردت حُسنة بعدم استيعاب و قالت: –أنت بتقول إيه؟ إيه التهريج ده؟ بلاش هزارك البايخ ده و تكدب عليا عشان أعدي اللي حصل ده بالساهل كدا. وأوصدت الهاتف في وجه بشار. وسرعان ما ضغطت على لوحة المفاتيح بأنامل مرتعشة. رفعت الهاتف على أذنها مرةً أخرى ثم قالت:
–أنا مش هاسيبك يا حسان. أنا هدمرك زي ما دمرتني. و قبر بنتك مش هرحمه يا أبو وجيدة. سامع؟ مش هرحمه. وحضر نفسك عشان اليوم اللي بقالك خمسة و عشرين سنة بتستناه جه خلاص. و القبر هيتفتح و بدل ما تخرج وجيدة هتدخل لها أنت. و بكرا تقول حُسنة قالت. وصل إلى مسامعها وصراخه وقهرته و هو يقول بصوتٍ حزين: –بناتي التنين راحوا يا حُسنة. و عُمر راح يا حُسنة. بشار جابهم. بشار جاب ولادي يا حُسنة. تابع بوعيد و هو يكفكف دموعه و قال:
–بس لا مش هاسيبك يا بار. و لو كنت في سابع أرض، هاجيبك و هاخد حقي منك. هربي شبل على كره ليك. هاخلي مش شايف حاجة غير الانتقام منك. و أنتِ بكرا اللي تجولي چدي جالها يا حُسنة. أغلقت حُسنة الهاتف في وجه جدها. دارت حول نفسها باحثة عن زين الذي أتى على الفور. كانت كالمجذوبة و هي تبحث عن هاتفه و تقول بعدم استيعاب: –اتصل لي بـ خالد بسرعة. خليني أسمع صوت وجيدة. هات تليفونك يا زين بسرعة. رد زين و هو يبحث عن هاتفه
و نظراته لا تبرح مقلتيها: –مالها وجيدة؟ في إيه يا حُسنة؟ كانت أنامله تتراقص بتوتر ملحوظ، وأنفاسه تتسارع بشكلٍ مريب. وضع زين الهاتف على أذنه و قبل أن يحدث أخيه، جذبت منه الهاتف و قالت بنبرة متلعثمة: –أيوه يا خالد. اديني وجيـ…. لم تكمل حُسنة طلبها. سقط منها الهاتف و كلمات خالد المتحسرة تتردد على مسامعها. نظرت لـ زين الذي هزها برفق لتعود لوعيها لكنها سقطت أرضًا فاقدة للوعي. نظر زين تجاه باب المشفى و قال بصراخ:
–دكتور بسرعة. حد يلحقني بدكتور بسرعة. ما إن انتهى من ندائه لطاقم المشفى حتى أتى أحد الأطباء و الممرضين. تم نقلها و عمل اللازم لها. كان زين يقف في غرفة الطوارئ لا يعرف ما الذي حدث. أتاه اتصالًا من والدته التي أخبرته فيه عن كل شيء حدث. بعد مرور ساعة تقريبًا.
استعادت حُسنة وعيها بشكلٍ و أصبحت قادرة على التحدث لكنها فضلت الصمت. شردها جعل زين يحترم حضرة تلك الذكريات التي أتتها بغتة. هبطت الدموع من مقلها على خديها بغزارة. اقترب بمقعده الحديدي و قال بنبرة متوسلة: –حُسنة عشان خاطري بلاش دموع. ادعي لها بالرحمة. ردت حُسنة متسائلة بنبرة ذاهلة و قالت: –أدعي لها!! أدعي لها إزاي و هي اللي كانت مغرقاني بدعواتها!! بسطت حُسنة يدها و قالت من بين دموعها بمرارة:
–دي كانت فاتحة لي دراعتها و بتعاملني أختها. كانت الحضن الحنين اللي برمي فيه لما أعوز أتكلم. دي ياما شالت عني مصايب عشان حسان ما يعرفش و يبهدلني. نظرت له و قالت بنبرة متحشرجة إثر البكاء: –قل لي يا زين أترمي في حضن مين و أحكي له اللي واجعني؟ مين هيحبني زيها و ينصحني زيها؟ بلع زين لعابه و دموعه تتزاحم في مقلته و تأبى البقاء. كم هو أحمق في الوقت الذي يجب عليه احتوائها شرعًا لا يجوز. حدثها بنبرة حانية و قال:
–عشان خاطري يا حُسنة. كل ده ملوش أي داعي. هي دلوقتي بين إيدين اللي أحن مني و منك عليها. ادعي لها بالرحمة. تابع بجدية و قال: –أنا لازم أسافر الصعيد. لازم أكون جنب خالد. لازم أحضر الجنازة. رفعت الدثار عن جسدها ثم قامت بفك المحلول المثبت على ظهر يدها. بينما هو استوقفها قال: –أنا جاية معاك. –رايحة فين و أنتِ تعبانة؟ خليكِ هنا. تابع بتساؤل و الفضول يقوده: –حُسنة مين البيبي اللي في الحضانة؟
ظنت أنه لن يحصل على إجابة أو تثور لعدم مناسبة سؤال كهذا لكنها ردت بأعين دامعة و هي توضح حقيقة الرضيع و من بين كلماتها العتاب و اللوم الشديدان:
–ده ابن اختي. جت غضبانة من جوزها، ولدت و هي عندنا و حصل حريقة في الشقة. متحملتش و ماتت. مش بس لأ، هي و أمي و اخواتي الصغيرين. مفضلش غير ابنها. كنت واخده عشان عنده الصفرا. رجعت البيت لاقيت النار ما سبتش حتة سليمة في البيت. الحكومة معرفتش توصل للسبب و الطب الشرعي قال ماس كهربائي. ختمت حديثها بنبرة مختنقة قائلة: –بس أنا و أنت و العالم كله عارفين إن حسان هو السبب.
احتوى يدها بين كفيه، حدثها و هو مطأطأ الرأس ناظرًا ما تحتوي يده قائلًا: –عارف إن كل واحد فينا غلط. غلط شكل. بس ربنا غفور رحيم. تعالي نبدأ صفحة جديدة ما يكونش فيها لا جدك و لا أي حد من الماضي. صفحة فيها أنا و أنتِ و بس. ردت حُسنة و قالت بمرارة: –و المسكين اللي جه الدنيا لقى أمه ماتت و أبوه مسألش عنه لحد دلوقتي رغم إنه عارف إنه اتولد؟ اقترب زين منها خطوة ليقف أمامها مباشرةً و قال بنبرة صادقة استشعرتها في حديثه حين:
–أنا أبوه و أنتِ أمه. و حياتنا حياته. حركت حُسنة رأسها علامة النفي و هي تقول من بين دموعها: –كلكم كدابين. محدش حنين لا غليا و لا ابني. كلكم بتقولوا هتبقوا دنيتي و في الآخر بتضحكوا عليا و تمشوا. مش هاسيب ابني يشوف نفس اللي حصل لي منكم. كاد أن يقترب منها لكنها ابتعدت و ساءت حالتها. ظلت تصرخ و هي تنادي باسم وجيدة. علها تنجدها من بين براثن أضغاث الأحلام تلك. لكنها فقدت الوعي و هي تنتظر رد شقيقتها.
مدام شمس، ما هو قولك فيما قاله المدعو بشار الدهشوري، و إنه هو قاتل المجني عليه الدكتور عُمر الدهشوري؟ صاحب العبارة المحقق الذي كان جالسًا على مقعد حديدي و بجانبه كاتب يدون كل ما يسمعه. كانت شاردة لا تسمح لدموعها بالنزول مهما كلفها الأمر، فالبكاء لم يأتي دوره بعد. بلعت لعابها بعد أن كرر المحقق سؤاله. نظرت له و قالت: –محصلش. سأله بهدوء قائلًا: –هو إيه بالظبط اللي محصلش؟
ردت شمس بهدوء و هي تتحسس باطنها المنتفخة إثر الحمل. ما إن شعرت بركلة جنينها: –بشار ما قتلش عُمر. –اومال إيه اللي تقدري تحكي لي اللي حصل وقت مقتل الدكتور عمر؟ –عُمر كان جاي من برا و عارف إن بشار هنا. سلم عليه و طلع يغير هدومه عشان يقعد معاه براحته. بيطلع على السلم و هو نزل تاني. رجله خانته زيه بالظبط. سألها المحقق بمكرٍ قائلًا: –زي بشار مش كدا؟ أجابته بحكمة و دهاء قائلة:
–لأ. جسمه هو اللي خانه. مقدرش يسيطر على حركة عفوية من رجله. رد المحقق و قال بضيقٍ مكتوم: –طب بشار بيقول إن عُمر تشابك معاه عند السلمة الأخيرة فوق و كان بيحاول يولع في الأوضة بدل المجني عليها وجيدة الدهشوري. و إن بشار”زقه عشان يبعد عنه و مكنش قصده يقتله؟ ابتسمت بجانب فاها و قالت بمرارة: –مش بشار اللي قتل عُمر. مش بشار. –اومال مين؟
–نصيبه و عُمره. نصيبه و عمره يروح مني قبل ما يفرح بابننا. راح مني زي ما كل حاجة حلوة راحت مني. الموت أخده مني و ساب لي ذكريات. أردفت شمس عبارتها بقلبٍ مقهور. حاولت أن تصمد حتى آخر لحظة. لكن ضغط ذاك الماكر الذي يتلاعب بالأسئلة ليوقعها في الخطأ و يجبرها على الاعتراف هو الذي أودى بها لحافة الانهيار. الوضع بات غاية في الصعوبة. أمر الطبيب المحقق بأن يغادر الحجرة لأن الحالة لا تسمح كما أخبره من قبل.
الحالة التي يمر جميع أفراد العائلة جعلته ينتظر لأيام لا يعرف كم عددها. لكن حتما سيضع كلمة النهاية على هذه القضية. كان بشار داخل محبسه يناجي ربه بأن يخلصه من هذا العذاب الذي يحيطه من كل اتجاه. استند برأسه على الجدار و هو يتمتم بكلماتٍ معاتبة لنفسه تارة و يدعو لـ عُمر تارة أخرى. غلبه النعاس على حالته تلك، بدأ صورة عُمر تظهر شيئًا فشيئًا و هو يتسأل بنبرة معاتبة قائلًا: (ليه كده يا صاحبي ليه؟
رد عُمر بنبرة مقهورة و هو يهز جسده المتكور حول نفسه قائلًا: –غصب عني يا حبيبي والله غصب عني. معقول برضك أني أأذي روحي؟ على ما يبدو أن بشار أصابته الحمى بدأ يهذي كثيرًا قائلًا بتوسل: –ارجع يا عُمر و أني أحرق الدار كلها مش الأوضة. ارجع يا حبيبي، ارجع يا سندي و ضهري في الدنيا. جثا الحارس الخاص بالحبس و قام بوضعه على جبين بشار ليتحسسه. رد بشفقة و عطف: –لا حول و لا قوة إلا بالله. ديه كيف النار. حرك
رأسه و قال بنبرة متعاطفة: –مين كان يصدق إنك تجتل صاحب عمرك يا بشار يا ولدي. صحيح احرس من عدوك مرة و من صاحبك ألف مرة. استدار الحارس لصديقه و قال بجدية: –قول للبيه المأمور. إنه المتهم بشار چاته حمى و لازم له دكتور جبل ما يموت. –يموت لا عالجوه. اصرفوا ما يهمكوش من جنيه لمليون بس بشار يعيش. رايده حي.
أردف الجد حسان عبارته و هو يقف عن مقعده داخل غرفة مأمور القسم. من يراه يظنه يتلهف لمعالجة حفيده حتى لا يخسره. لكن في حقيقة الأمر هو يريده لـ يأخذ حقه بطريقته الخاصة. خلاص يا عُمر أنا سجلت لك نص البيت و بكدا يكون ملكك. مطلوب مني حاجة تاني؟ أردفت حُسنة عبارتها و هي تضع بين يدي عُمر الأوراق التي تثبت ملكيته لنصف منزل الجد سالم. ابتسم و قال بهدوء:
–كان نفسي يبجى مهرك يا حُسنة. بس الظاهر إن مفيش نصيب و ربنا كاتبك تكوني بت عمي و بس. –عُمر ارجوك كفاية كلام في الموضوع. مراتك مش عاوزها تزعل مني. هي ما شاء الله عليها هادية و رقيقة و متفهمة. بلاش تخليها تتدوس على نفسها أكتر من كدا. أومأ عُمر برأسه علامة الإيجاب و قال بنبرة صادقة تلمؤها الاشتياق: –عنيدك حج. هي رقيقة و كيف النسمة. والله ربنا عطاني نعمة هي شمس و فعلا كيف الشمس منورة حياتي. ابتسمت حُسنة و قالت:
–ربنا يخليهالك و تفرح بابنك. أسيبك بقى عشان الحق أدفع مصاريف المستشفى. عادت حٌسنة من بئر ذكرياتها الأخيرة التي جمعتها مع عُمر. ذاك الشاب الوسيم الذي وقع على أعتاب قلبها و قال لها أريدك زوجةً. لكن تعنتها الشديد و إصرارها على أن تبقى لغيره جعله يريد أن يفعل أي شيء ليبقى جوارها. ابتاع منها نصيبها في بيت الجد سالم و هو يعرف حق المعرفة أن من المؤكد الجد حسان لن يمرر هذا الحدث مرور الكرام. لكنه لا يبالي.
ارتـمت برأسها للخلف و تذكرت سؤالها له حين وضع النقود بين يدها و قالت: –مش خايف جدي يقف قصادك يا عُمر و تخسر كل حاجة؟ نظر لها و قال بأعين مليئة بالحسرة و القهر الشديدان: –ما فيش خسارة كيف خسارتي ليكِ. الدنيا كلها في كفة و عشقي ليكِ في كفة تانية. واصل. ردت حُسنة بنبرة معاتبة و قالت: –يا عُمر من فضلك متخلنيش أندم إني لجأت لك و كلمتك عشان تساعدني. يرد عُمر و قال بنبرة عاشق لم يتجرع من العشق سوى مرارته:
–غصب عني يا حُسنة. حطي نفسك مكاني. ليل نهار أعد الليالِ عشان تبقي نصيبي. و يوم ما أقول خلاص بجيتي ليّ. رحتِ لغيري. يختم حديثه قائلًا بمرارة في حلقه: –الدنيا جسيت عليّ جوي يا حُسنة. كنت ماشي كيف العيل الصغير فيها. لا ليّ دعوة بحد و لا بعرف حد. شغلي الشغال. ميتا أتجوزك. فجأة ييجي چدي و يجول لا نصيبك في الدنيا دي تتعذب و بس. ردت حُسنة بهدوء و قالت:
–بالعكس يا عُمر. مافيش أحسن من نصيبك. ربنا رزقك بـ شمس و ابنك اللي جاي في السكة. و أظن مافيش أحسن من كدا عوض من ربنا. صمت مليًا ثم قال بمرارة: –ها تصدقي لو جلت رغم كل محاولات شمس المستميتة عشان تاخد جلبي فشلت فشل ذريع. مش عارف أحب بعدك. –عمر ارجوك أنـ… قاطعه عُمر تحذيره تحذيرها المعتاد للمرة المئة بعد الألف و هو يخرج ما يجيش بداخله و كانه جبل جاثم على صدره: –ارجوكِ أنتِ يا حُسنة. بكفاية بجى. ليه مش عاوزة تحسي بيا؟
خابر إن بابنا اتجفل و مافيش في رجوع. لكن اني چوايا كاتير كاتير جوي يا حُسنة. يمكن ديه المرة الأخيرة اللي هاشوفك فيها. –بعد الشر عليك. ليه بتقول كدا؟ –جلبي بيجول لي إن في حاجة ها تحصل. إيه هي مخابرش. أني كل اللي طالبه منكِ يا حُسنة إن منين ما اچاي على بالك تدعي لي ربنا يجمعني بيكِ في جنته. چايز ملناش نصيب في الدنيا بس في الآخرة ربنا ها يجبر بخاطري. هو بشر الصابرين و أني صبرت كاتير كاتير جوي يا حسنة.
أجشهت بالبكاء و هي تعود من بئر تلك الذكريات التي لا ترأف بها. و على ما يبدو أنها لن ترأف بها اليوم. تعال صوت نحيبها و هي تدعو له. نار تأجج بصدرها. ظلت تصرخ حتى أتى الطبيب و وضع الإبرة الطبية و قام بحقن ورديها بالمهدئ علها تأخذ قسطًا من الراحة. يتبع….
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!