الفصل 18 | من 23 فصل

رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم هدى زايد

المشاهدات
17
كلمة
3,002
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 78%
حجم الخط: 18

أجهش الجد سالم بالبكاء، وكأنه طفل صغير. لم يتحمل سرد ما تبقى من حكاية الجد حسان، فتولى رجب سرد الجزء الأسوأ. حين قرر الشيخ المرعي فعل الفاحشة مع وجيدة ابنة حسان، حتى يسخر الجن. لقد فقد ما تبقى من عقل وقلب بعد موت ابنته. ختم حديثه قائلًا بهدوء: –كل ده جدي ما حضرش اللي شافته الحكاية دي أم عمر وجت حكت لجدي وأمرته يمشي من الدار وعشان يحافظ على حاله. وبعدها حصل اللي الكل مكانش يتخيله ولا حتى في أحلامه.

سألت خديجة بنفاذ صبر ودموعها لا تتوقف أبداً: –حصل إيه تاني؟ في إيه تاني لسه الناس دي مفكرتش تعمله؟ رد بشار وقال: –حاجة ما تتوقعهاش. قالت وجيدة: –جدي حسان هو اللي قطع رجل وجيدة بت عمي، اللي في الأساس بنته من رجاصة في الموالد. انهارت خديجة بعد استماعها لهذا الكم من الاعترافات التي لا حصر لها. وضعت رأسها بين كفيها وقالت بصراخ:

–كفاية أبو س ايديكم كفاية، مش قادرة أسمع أكتر من كده. أنا قررفت من نفسي ومنه ومش قادرة أستوعب أكتر من كده. نظر رجب إلى بشار ثم قال بجدية: –لازم تسمعي وتعرفي كل حاجة عشان الفترة الجاية اللي جاي واعر جوي وحسان ما هيخليش فرصة غير لما يستغلها زين. ولازم أنت وجبل تمشوا من هنا. نظرت إلى جبل الذي تبادل معها في نفس الوقت تلك النظرة المذهلة. عادت ببصرها له وقالت باستفهام: –نمشي نروح فين؟ رد رجب وقال:

–في مكان أمان بعيد عن هنا ومتحصن. الفترة الجاية الهجوم بقى كيف المطر. الأول كان مجرد رسايل، لكن دلوقتي الضرب في المليان. وأنتِ وجبل نقطة ضعف بشار. وطول ما إنتوا هنا محدش هيعرف يحمي الدار دي. ردت خديجة بنبرة متحشرجة قائلة: –وأنا مش هاسيب بشار لوحده أبداً. إنتوا ممكن تبعدوا جبل، لكن أنا لأ. فاهم يا بشار؟ أنا لأ. ***

داخل غرفة عمر وشمس. حدثها عن كل شيء حدث في حياته. عرفت الصغيرة والكبيرة. كم أسعدها هذا الشيء ولأول مرة تشعر بأنها زوجته حقاً. بدأت تتناقش معه في أموره الشخصية. كان يستمع لها، يعارضها ويوافقها أحياناً. تلك هي الحياة الزوجية بالفعل. ليست الحياة الأولى التي كانت تعيشها. مازال يعشق حسنة، مازالت بداخله. وعلى ما يبدو أنها لن تخرج إلا بخروج روحه من جسده.

جلس في شرفة حجرته يطالع حركة النجوم. الابتسامة الخفيفة التي تزين ثغره تعلمها زوجته جيداً. هو الآن يفكر فيها، يريدها تحديداً بعد انفصالها عن زوجها. ولجت الشرفة وبين يدها قدحان من القهوة. وضعتهما على سطح المنضدة الزجاجي وهي تقول: –اتجوزها يا عمر. اتجوزها وحقق حلمك اللي بتحلم بيه بقالك كتير. استدار بجسدها لها وهو يقول بنبرة حانية: –لساتك بتفكري في الموضوع ده يا شمس؟ تابع بنبرة صادقة وهو يتناول يدها بين كفيه وقال:

–والله العظيم أني ما هينفع أعمل كده مع الإنسانة اللي نورت لي حياتي. تحسس باطنها المنتفخ إثر الحمل وقال: –وأم ولي العهد شبل الصغير؟ ردت شمس بقهر قائلة: –بس أنت لسه بتحبها يا عمر. تنكر ده؟ أومأ برأسه علامة النفي وقال بكل صدق: –لا، بس كمان مجدرش أنكر حبك ليا وأدوس عليه كيف الحمار. كل حاجة بتاخد وقت وأنتِ صبرتي كتير. كملي جميلك معايا للآخر. ردت شمس بنبرة ناعمة قائلة: –حاضر يا عمر. هأفضل معاك للآخر. ابتسم ملء شدقيه وقال:

–يحضر لك الخير يا أم شبل. يا بلاص العسل أنتِ. تذمرت لمغازلته تلك التي تبغضها وهو يتعمد إغاظتها. ضحك على ملامحها المغتاظة وقال وهو يداعب خديها: –اضحكي كده بلاش التكشيرة دي يا أم شبل. ردت شمس قائلة بتساؤل: –لسه بردو عاوز تسمي شبل؟ –أيوه عشان يبقى هذا الشبل من ذاك الأسد. –يا سلام يا أسد. –مش عاجبك ولا إيه؟ ردت بعناد وهي تقف عن مقعدها وتقول: –لا مش عاجبني. واعمل حسابك أنا أمه وأنا اللي بتعب، يبقى أنا اللي اسمي.

سار خلفها وقال بعدم اكتراث لما تخبره به وقال: –ابقى سمي اللي بعد كده دي خلاص. نزل باسمه شبل عمر الدهشوري. –لا. –وأني جلت أيوه. ردت بعناد طفولي قائلة: –طب والله ما أنا مولدة الشهر ده. هاضحك عمر وقال بجدية مصطنعة: –أيوه أيوه عشان نبقى كيف الجاموسة وتبجـ... كاد أن يكمل مشاكسته لكنها لم تتركه في حاله وحاولت ضربه بكل ما أوتيت من قوة. احتواها بين ذراعيه مقيداً حركتها، طبع على خدها قبلة عميقة وقال بسعادة حقيقية استشعرتها

من بين طيات حديثه: –والله ليا كتير ما ضحكت من قلبي كده. ربنا يخليكِ ليا يا سبب فرحتي وسعادتي. وضع يده على باطنها وقال: –ويجيب شبل بالسلامة. توسدت صدره برأسها وقالت وهي مغمضة العينين: –ويخليك ليا يا عمر وتنور حياتي دايمًا. *** بعد مرور يومان. ولجت وجيدة ولأول مرة منذ زواجها منزل حسان. لم تعد تعرف ماذا تقول له، أبي أم جدي؟

المواجهة ولا أي شيء بديل سواها بعد اليوم. جلست وانتظرت مجيء عمر الذي ذهب إلى القاهرة منذ يومين لمقابلة حسنة. كانت جالسة على المقعد تتمتم بكلمات خافتة، حتى أتى بشار. جلس جوارها وقال بهدوء: –عمر لسه برا؟ –أيوه. –فين جدك؟ ردت ساخرة وقالت: –قصدك أبوي؟ سألها بشار بهدوء قائلاً: –ناوية على إيه يا وجيدة؟ ردت وجيدة بابتسامة ماكرة وقالت بشرود: –كل خير يا واد أخوي، كل خير. ولج حسان من باب المنزل والابتسامة الخبيثة تزين ثغره.

قال بترحاب شديد: –يا مرحب يا مرحب. الحبايب كلهم اهني منورين يا ولاد. وقفت وجيدة تبعها بشار. ابتسمت له وقالت بهدوء مريب: –ده نورك يا بويرد. حسان بنبرة حانية: –طالعة من خشمك كيف السكر. كنت مستنيكِ ليا كتير جوي يا وجيدة. جلست من جديد وقالت: –كل آذان وله وجهته يا بوي. تابعت بتساؤل قائلة: –قل لي لياتك بتحرب ورا حسنة ليه؟ –ملكيش صالح. –لا ليا. دي خيتي. قصدي بت أخوي. –جلت لك اطلعي منها الحكاية دي. سأل بشار بعدم فهم وقال:

–في إيه يا جماعة؟ مالها حسنة؟ ردت وجيدة وقالت بنبرة غاضبة: –جدك بعت لها ناس يولعوا في شقته. رد بشار وقال بذهول: –أنتِ بتجولي إيه؟ وناس مين دي اللي راحت؟ أجابته وجيدة قائلة: –بعت لها رجالة سرقوا منها دهبها وفلوسها وبهدلوا أمها العاجزة. وياريت وقف لحد كده وبس، ديه سلط اتباعه يولعوا في الشقة وكل اللي كانوا فيها ماتوا. اتسعت أعين بشار وقال بخوف وقلق: –طب وحسنة جرى لها إيه؟ ردت وجيدة قائلة بهدوء:

–حسنة وابن اختها بخير. ودي لأنهم كانوا عند الدكتور. لو كانوا في البيت كان زمانهم راحوا ويا اللي راحوا. –أنتِ بتجولي إيه؟ وعمر هناك بيعمل إيه؟ هو السبب في ده؟ ما تفهموني في إيه بالظبط؟ ردت وجيدة قائلة بهدوئه الذي لم يتغير حتى هذه اللحظة وقالت: –عمر راح ياخد عقد نص الدار بتاع جدك سالم. وقف بشار عن مقعده وقال بغضبٍ جم: –دار إيه وعقد إيه اللي بتتكلمي عنيه؟ أنتِ خابرة بتجولي إيه!! ابتسم حسان وقال ولأول مرة ليعلن عن وجوده:

–لو حد تاني حكى لي إن أنتِ وجيدة بنتي، مكنتش صدجت. خابر إنك دريتي بكل حاجة بس مكنتش متوقع تبجي كيفي كده. ذريتي كان لازم تتسلم مني العهد. رد بشار وقال: –عهد إيه اللي بتتحدوا عنيه ده؟ نظر له الجد حسان وقال: –عهدنا يا بشار، عهدنا اللي أنت خنته وشردت عننا. واني جلت وماله، خلي يا واد يشق طريقه. ما هو لساته شاب ورايد يفرح بالدنيا كيف العيال الصغيرة. سألها بشار بدهشة وذهول شديد: –أنتِ بجيتي وياهم يا وجيدة؟ ردي عليّ.

أجابه عمر ويلج من البوابة الداخلية وقال: –سيبك من وجيدة وجل لي يا بشار، كيف قادر تضحك علينا كلنا كده؟ كيف قادر تكون بالوشين؟ كيف قادر تبجى الخير والشر وياي بعض؟ استدار بشار وقال بتساؤل: –قصدك إيه؟ رد عمر وقال بنبرة غاضبة: –قصدي إنك لساتك وياه جدك حسان وبترسم على جدك سالم. لساتك بتحرب ورا حسنة وإن اللي حصل ده كله من تحت راسك. رد بشار بنبرة مرتفعة وعدم استيعاب قائلاً: –أنت بتجول إيه!!

مين يا أبو مخ تخين جالي الحديث العفش ده؟ وقفت وجيدة عن مقعدها وقالت بنبرة حادة وهي تتجه نحو الدرج: –بشار مظلوم يا عمر. اللي عمل كده حسان. رد عمر وقال بصوت مرتفع: –وهو ساعده على كده. –ابدًا والله العظيم ما حصل. تابع بشار وهو يطرق بأنامله على رأس عمر وقال: –يا واد فكر بديه مرة في حياتك. أني بعدت عن كل الجرف دي وماشي بما يرضي الله. إيه اللي هايخليني أرجع له تاني؟ رد عمر وقال:

–عشان ما بيعيش لك عيال يا بشار. رايد تجدد العهد عشان مراتك تحبل وتخلف صح؟ ولا أنا غلطان؟ بشار بنبرة تملؤها الصدق: –غلطان يا واد عمي. أني حد الله بيني وبين الحرام بكل أنواعه. وإن كان على العيال، طالما ربنا كاتب لي أخلف هاخلف غصب عن الكل. ولو مش رايد يبقى خلاص. ولو مين بالذي ما هيعرفش يعملها. وقفت وجيدة عند سلالم الدرج الأخير وقالت:

–الصح بيقول إن الجزاء من جنس العمل. وحسان عمل كتير ولساته ناوي يعمل أكتر. وعشان كده الأوضة دي لازم تولع باللي فيها وهو جواها. وقف الجد حسان عن مقعده وقال بصراخ كالمجذوب: –اوعاك تعملي كده يا وجيدة. كده بتفتحي طاقة جهنم الحمرا يا بتي. احجني. هرع بشار وعمر في محاولة منهما لمنع وجيدة التي لا تعرف فداحة ما تفعله ولا النتائج المترتبة على فعل ذلك. خرجت شمس من غرفتها وقالت بعدم فهم: –في إيه يا جماعة؟ مالكم واقفين كده ليه؟

تابعت بدهشة: –عمر أنت رجعت إمتى؟ حاول بشار فك يد وجيدة المقبضة على الثقاب والبنزين لكنه لم يفلح. زجرخا بنظرات غاضبة وقال: –سيبي يا وجيدة. اللي بتعملي ده أكبر غلط. ولو على الحرج ميبقاش كده. سيبي بجول لك. –لا يا بشار مش هاسيب. أنت مش حاسس بالنار اللي جوا قلبي من اللي عمله فيا حسان. سبني خليني أحرق جلبه كيف حرق قلبي على حياتي. رد بشار وهو يكز على أسنانه ومحاولاته في فك يدها لا تتوقف أبداً:

–سيبي بجى يا وجيدة. جلت لك كده أكبر غلط. حاول عمر أن يتدخل وهو يقول بغضبٍ جم: –لساتك معاه يا بشار؟ لساتك شغال في السحر والشعوذة كيف ما جلت؟ أني بنفسي اللي هاحرق. حرك بشار يد وجيدة وقال وهو يدفع عمر في كتفيه للخلف: –يا عم اهمد بجى. لم يكمل حديثه بسبب قوة دفعته لابن عمه وصديق عمره الذي سقط للتو على سلالم الدرج. ظل يتدحرج حتى وصل إلى الدرجة الأولى. ارتطم مترأسه بطرف السور الحديدي. هرع بشار نحو عمر ورفع

رأسه عن الأرض وقال بتوسل: –احب على يدك. جوم يا عمر. جوم يا واد. هي أول مرة نتعارك ويا بعضنا؟ هرع الجد حسان نحو حفيده، جثا على ركبته ثم جذبه بيده المجعدتان وقال بنبرة مرتعشة: –جوم يا عمر. جوم يا ولدي. جوم احب على يدك.

مازالت شمس واقفة محلها والصدمة والذهول يسيطران على ملامحها. بينما كانت وجيدة تتابع ما تفعله. ظلت تنثر قطرات البنزين على كل أرجاء الغرفة. دموعها تتساقط ولسانها لا يتوقف بالسب والقصف في والدها وكل من تبعه. وصل لأنف الجد حسان رائحة الاشتعال. تجاوز جسد عمر وصعد سلالم الدرج بخطوات مرتعشة. وقبل أن يصل إلى باب الغرفة، وجد الباب يوصد بشكل تلقائي.

وجيدة بالداخل، استدار تجاه الباب لتجد أشباح تتحرك في المكان. ظلت تردد ما تيسر من القرآن ودموعها تنساب على خديها. نظر الجد حسان لحفيده بشار وقال بصراخ: –الحقني يا بشار. بتي هتروح مني. الحقني يا ولدي. احب على يدك. نظر بشار لجده ثم نظر لصديق عمره وقال بنبرة متحشرجة إثر البكاء:

–جوم يا صاحبي. جوم يا حبيبي. جوم حط يدك في يدي ونبني من جديد كيف ما كنت رايد. جوم يا حبيبي والله إني مظلوم. يشهد عليّ ربنا يا حبيبي إني تبت عن الطريق دي. جوم عشان تربي ولدك كيف ما بتحلم. *** بعد مرور يومين. في المشفى بالقاهرة. وقف زين أمام حسنة ويده داخل سرواله. يشيح ببصره يمينًا ويسارًا وهو يقول بمرارة في حلقه:

–كنت فاهم إني ظلمتك وإنك لسه فعلًا بتحبيني زي ما بتقولي. لكن بعد اللي عرفته اتأكدت إنك بتروحي للي يدفع أكتر. سألته حسنة بنبرة مستفسرة قائلة: –وإيه بقى اللي أنت عرفته عني؟ زفر ضاحكًا وقال بمرارة: –كتير أوي يا حسنة. كتير. مصايبك طلعت كتير جدًا. بعتي نفسك لعمر وليا. وما خفي كان أعظم. –بجد والله؟ ومين بقى فهمني إنك رخيصة وبتبيع نفسي؟ –سيبك من اللي قال لي وخليني في كشف حساب المستشفى ده. عمر يدفعه بأي وجه حق؟ جذبته من يده

وقالت بنبرة مغتاظة قائلة: –وأنت مالك يدفعه ليه ولمين؟ أنت كان ممكن تسألني سؤالك ده لو لسه على ذمتك. وكان من حقك وقتها تعرف كل حاجة. لكن دلوقتي لأ ومليون لا. عشان لا بقيت أنا مراتك ولا على مكتوبة على اسمك. عمر يدفع لي أبيع نفسي كل ما دا ملكش فيه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...