ابتسمت ابتسامة خبيثة على جانب شفاه الجد، رد على الجهة الأخرى وقال بهدوء مريب اعتاد عليه بشار وكل من يعامل الجد في مثل هذه المواقف. ضغط على زر السماعة الخارجية وقال وهو ينظر لحفيده: –جول جلت إيه تاني يا سيادة النايب عشان الصوت موصلش زين؟ رد فؤاد القصاص بهدوء مكررًا كلماته قائلاً: –جلت إن كنت رايد خديجة لبشار ولدي، رايد حسنة بنت ابنك يا حاج. سأله الجد بفضول: –ولدك مين فيهم يا فؤاد؟ أجابه فؤاد قائلاً:
–ولدي زين، وأنت خابر ولدي مليح يا حاج. راجل وها يصونها. جلت إيه؟ دامت الصمت للحظات قبل أن ينهيه الجد حسان وقال بابتسامة واسعة: –وأني في انتظارك في العشية يا سيادة النايب، وربنا يقدم اللي فيه الخير. سأله فؤاد قائلاً: –اعتبر دي موافقة يا حاج؟ رد الجد حسان قائلاً: –جول إن شاء الله يا فؤاد، متتأخرش عليّ.
ختم حسان آخر كلماته وعيناه ما زالت معلقتان على عيني بشار الذي لم يعد يفهم شيئًا. تناول الجد قهوته في صمت مطبق، بينما سأله بشار بنبرة تغلفها الحيرة وقلة الحيلة في ذاك الجالس أمامه وقال: –نفسي أفهم أنت بتعمل كل ده ليه؟ في إيه بيدور في راسك؟ –كل خير يا ولدي. بت عمك جالها عريس زين، نجول لا؟ –أيوه نجول لا، وألف لا. نجول إن عمها رايدها وهي ريداه. نجول إن الدنيا كلها تعرف ده.
–عمها خرج عن طوعي. ساعدها تهرب من هنا، ودلوقتي رايدني أجوزها له! دي نجوم السما أقرب له مني. تنفس بشار بعمق وهو يقول بنبرة أهدأ من ذي قبل قائلاً: –يا جدي الله يرضى عنيك، ما تخربهاش علينا وجوزهم لبعض. وقف الجد بهرجلة مما جعل مقعده يسقط من خلفه وهو يقول بغباء مكتوم: –الله في سماه ما ها يحصل طول ما إني عايش على وش الدنيا دي. كلكم بتدوروا على حالكم، ومحدش يكلف خاطره يدور على الغلبانة اللي رجليها عجزت بسبب كيد الحريم.
رد بشار بهدوء قائلاً: –يا جدي حرام عليك، أنت بتدخل الأمور في بعضها ليه؟ مال عمر وحسنة باللي عملته أمها يا جدي؟ رد الجد حسان قائلاً بغضب: –ذنبها اللي ذنبها بقى. هم بينا. عاد الصمت يحل محل الغضب الذي كان يسيطر على كلاهما. تابع سيره دون أن يحدث جده أو يعارضه في شيء. الأمر من الأساس لا يتحمل كلمة واحدة من الطرفين. صدح رنين هاتف بشار المكان. دس يده في جيبه ليخرجه، وجد اسم خديجة يضيء شاشته. تنهد بضيق.
الآن فقط تكرمت عليه وقررت الاتصال! ألهذه الدرجة لا يمثل عندها أي رابط قوي تغفر لأجله ما بدر منه من غضب وذلة لسان؟ ترك الهاتف يصدح لعدم قدرته على الرد الآن. ترجمت خديجة عدم رده في الحال تجاهلاً منه، فقررت أن ترد هذا التجاهل هي أيضاً. وضعته على خاصية عدم الإزعاج حتى لا يحاول الاتصال بها. في القاهرة. الساعة الآن الثالثة عصراً. كانت حسنة تقف على أعتاب باب غرفة العمليات في انتظار خروج الطبيب وسط أخواتها وزوج والدتها.
كان القلق والذعر يسود المكان. حالة والدتها متأخرة للغاية، وعلى ما يبدو أن البتر هو آخر حل سيلجأ إليه الطبيب. ظلت تجوب الممر ذهاباً وإياباً وهي تمتم بكلمات هامسة تناجي ربها أن ينجو بأمها ويلطف بها. كانت تنظر لشاشة هاتفها بين الفينة والأخرى. لم يهدأ عمر من الاتصالات والرسائل، التحذيرية منها والمستعطفة أحياناً. قلبها يكاد ينفطر عليه. قررت أن ترسل له رسالة كتبت فيها وهي أناملها ترتعش من فرط خوفها:
(ماما يا عمر تعبانة أوي، والدكتور بيقول إن الغرغينة منتشرة في رجليها، وإن عملية البتر ها تتعمل. أنا تايهة مش عارفة أعمل إيه ولا أروح فين؟ محتاجة لك جنبي أوي بجد.)
مرت لحظات حتى وصلت رسالتها إليه. فتحها وهو يأكل أنامله من فرط توتره بأنها تمتنع عن الرد. قرأ بعينيه سريعاً ما كتبته ونبضات قلبه تتسارع بتناقض مع تلك الجلسة التي يجلسها خلف مكتبه بالمزرعة. كتب كلمات كثيرة مواسية لها ووعد بأن يصل إليها خلال ثلاث ساعات. وبعد أن كتب لها أنه سيأتي بأول طائرة بدلاً من السيارة، قبل أن يضغط على زر الإرسال، فرغت البطارية. ضرب على سطح المكتب الزجاجي فانكسر الزجاج وجرحت يده.
وضعه على وصلة الشاحن وبدأ اتصاله بشركات الطيران. قام بحجز أول طائرة ستقلع للقاهرة والتي خلال ساعتين على الأكثر. وثب من مقعده، بعد أن جمع أوراقه خرج ونسي أمر هاتفه، أو لم يكترث له ما دام هو ذاته سيكون معها خلال ساعات قليلة. عودة إلى القاهرة.
خرجت والدتها من غرفة العمليات بعد أن بُترت ساقيها حتى أعلى الركبة. أصبحت طريحة الفراش، لم تعلم أن تم بتر ساقيها حتى الآن. كل ما تعرفه أنها سوف تخضع لعملية جراحية بسيطة لتنظيف جرحها. استفاقت من المخدر وأصبحت تشعر بكل شيء يدور حولها. علمت ما حدث ما إن ولج الجد حسان وخلفه بشار. ابتسم ملء شدقيه وهو يطالعها بشماتة واضحة وضوح الشمس.
لم تصدق حسنة ما رأته أمام عينيها. كانت والدتها تكاد تموت كمداً من فرط حزنها وجدها يحدثها بشماتة قائلاً: –رجليكِ اتقطعت؟ مبروك يا أم حسنة. تابع حديثه مردفاً بنبرة حزينة ليس عليها بل على حفيدته التي نالها ما نال والدة حسنة دون أي ذنب تقترفه. –جيتي تكيدي ضرتك بنت الحسب والنسب عشان أنتِ الجديدة وأفعالك اللي متفرجش عن إبليس واصل. في حاجة كنتي رايداها تكسري رجليها وتخليها ترقد في السرير.
بس ربنا حط بتها مكانها في اليوم ده ورجليها هي اللي اتكسرت. وياريتها جات على الكسر وبس، لا دي اتقطعت. ابتسم ابتسامة جانبية وهو يظهر الشماتة في عينيه وبين كلماته حين قال: –بس عشان ربنا اسمه الحكم العدل، اتقطع رجليكِ الاتنين. ردت حسنة بنبرة مغتاظة من حديث جدها وهي تتوسله بأن يتوقف عن ذكر ما حدث في تلك الليلة الملعونة، ليس شفقةً على والدتها بل تعاطفاً مع تلك المسكينة التي لم تفعل شيئاً في حياتها سوى الخير لكل من حولها.
تعلم أن والدتها جانية وليست مجني عليها، ولكن بالنهاية هي والدتها حتى وإن كانت كافرة فالله عز وجل أمرنا بالطاعة لهم والدعاء بالهداية. كانت والدتها تستند برأسها على كتف ابنتها التي هدّرت بصوتها قائلة بصراخ: –بزيادة يا جدي لحد كده الله يرضى عنيك، أني قلبي واجعني لحال… هدّر الجد حسان مقاطعاً إياها بصوت مرتفع ونبرة تملؤها الغيظ والغضب الشديد قائلاً:
–اقفلي خشمك واصل. أنتِ حسابك وياي كبير قوي. الله في سماه ما هاعدي اللي جرى ده كده. ختم حديثه قائلاً بابتسامة ارتسمت على ثغره وتنحنح وحدثها بنبرة آمرة: –فزي جومي عنيدنا. حديث كتير وحاجات أكتر أهم من قطع رجلي أمك. كادت أن تتحدث لكن يد والدتها منعتها. نظرت لها وقالت برجاء: –روحي يا بنتي روحي، وكفاية لحد كده. ده مهما كان جدك.
نظرت حسنة لـ والدتها الحزينة ودموعها تنساب على خديها. ربتت والدتها على كفها وهي تحثها على الخروج من المشفى والعودة مع جدها. وقفت حسنة أمام جدها وقالت بصوت مختنق ونبرة تملؤها الغيظ الشديد قائلة بوعيد: –أنا بكرهك وبتمنى لك الموت، وها يجي اليوم اللي هاخد حقي وحق أي حد قهرته في حياتك. لم تتلق ردًا سوى صفعة على خدها ونظرات تملؤها الغيظ والحقد. قبض على رسغها وقال بوعيد:
–امشي جدامي يا تربية الحريم. ها أستنى منكِ إيه غير كده. امشي جدامي! ردت حسنة بنبرة مختنقة قائلة بصوت مرتفع: –ربنا ياخدك ويريحنا منك. ربنا بياخد عيالك واحد ورا التاني وسايبك أنت تقهر فينا مخابرش ليه! تدخل بشار قبل أن يقتل الجد تلك المتهورة التي قامت بسبه علناً أمام مرأى ومسمع الحاضرين، محاولاً فك قبضة جده وهو يقول برجاء: –عشان خاطري يا جدي بزيادة لحد كده. نبقى نتحدث في البيت وحدين.
نزع الجد حسان يده من يد حفيده ونظراته ما زالت موجهة نحو تلك الحرباء التي تتلون كوالدتها تماماً. غادر الغرفة ومن المشفى بأكملها. كان بشار يحاول أن يهدئ من غضب ابنة عمه حتى لا تدمر ما تبقى لديها في مكانة قلب الجد. أم هي فلا تكترث لأيهم بعد الآن وعلى رأسهما عمر الذي أخبر الجد بفرارها وبمكانها في المشفى. من منهم يعلم بوجودها هنا إلا هو؟ أين هو؟ لماذا لا يرد على رسائلها؟ ألهذه الدرجة لا يعشقها ويريد أن يتخلص منها؟
حسناً، ستفعل كل ما بوسعها لتنفيذ ما رغبته. بعد مرور يومين. كان من أصعب الأيام على الجميع، وتحديداً عمر الذي فشلت جميع محاولاته ومحاولات والدته في إقناع حسنة بعدم اشتراكها في ما فعله الجد، لكن لا حياة لمن تنادي. بل ووافقت على زين القصاص نجل فؤاد القصاص. تمت الخطبة رغم أنف عمر الذي كان الثور الهائج. الشيء الوحيد الذي منعه عن ارتكاب جريمة قتل ذاك اللعين هي حسنة حين قالت صراحة أمام الجميع لا تريده ولا ترغبه في رؤيته.
تم تحديد حفل الزفاف يوم الخميس. كانت وجيدة تبتسم بين الفينة والأخرى حين تتذكر أختها غير الشقيقة والعشاق يتوسلونها لترضى. كم تمنت أن تحظى برجل واحد يكن لها كل حياتها وتكن هي حياته. لم تبخل في يوم من الأيام وهي ترفع أكفها للسماء تناجي ربها بأن يرزقها زوجاً صالحاً. مثلها كمثل الفتيات وتعيش حياة طبيعية بعيداً عن السخرية التي تلازمها طيلة حياتها. انتهت من صلاة الفجر ثم التقطت مسبحتها وبدأت تستغفر ربها. طرقات خفيفة قبل أن تأذن للجد بالدخول. ولج وعلى وجهه ابتسامة واسعة، الوحيدة التي يرى منه الطيبة والحنان. أما باقي الأحفاد فلهم وجه آخر لا يعرفه.
طبع على رأسها قبلة حانية ثم جلس مقابلها وقال: –صباح الخير يا بنات. –صباحك كيف الفل يا جدي. خير اللهم اجعله خير. ضحكتك هتطلع منك، كل ده عشان حسنة وافقت على زين القصاص؟ الجد بابتسامة واسعة وقال: –حسنة مين؟ وست العرايس منورة الدنيا كلها. عقدت ما بين حاجبيها قائلة بنبرة متعجبة قائلة: –قصدك مين يا جدي؟ ما هي حسنة هي العروسة؟ احتضن الجد خديها بين كفيه المجعدتين وقال بسعادة غامرة تشع من عينيه وترى بوضوح:
–أنتِ يا ست العرايس كلها. مبروك يا جلب جدي من جوا. جالك عريس زينة الشباب كلها. والله تعالي في باطي، تعالي يا جلب جدي. ضمها لحضنه وهي ما زالت على حالتها تلك، داهشة مما يتحدثه الجد. ربتات خفيفة تشعر بها على ظهرها، كلمات ومباركات وهي ما زالت لا تفقه شيئاً عن الأمر. خرجت من حضنه وقالت بتساؤل وعيناها لا تبرح عيناه قائلة: –مين العريس ده يا جدي؟ ويعرف اللي فيّ ولا لأ؟
اختفت الابتسامة من على شفتيه لكن سرعان ما رسمها من جديد بأخرى متكلفة. ربت على كتفها وقال: –ده خالد. والله فؤاد القصاص شافك يوم ما جه هنا بأهله وطلب يدك. النهار ده. كررت سؤالها عليه قائلة بنبرة جاهدت في أن تجعلها خالية من أي حزن أو انكسار: –ويعرف خالد يا جدي بإني… رد الجد حسان مقاطعاً بنبرة متدعثمة قائلاً بجدية مصطنعة: –هملي حديدتك الماسخة دي وافرحي بقى. هو خالد ده غريب عننا؟ ده احنا اللي مربينه وهـ…
ردت وجيدة مقاطعة جدها قائلة بابتسامة متكلفة قائلة: –إني أكبر من خالد يا جدي، لا مش كده. إني… –بكفاية حديدت ماسخ جلت. إني ها أصلي الفجر قبل الشروق، وأنتِ انعسي هبابة عشان تقدري تجابلي عريسك العصار. هايجي هو وأهله يتغدوا معانا. غادر الجد قبل أن يستمع ردها حتى. أما هي فكانت الأفكار تجوب في رأسها ولا ترحمها أبداً. عجزت عن الوصول لإجابة واحدة منطقية غير الذي قالها جدها. فلم تجد.
مددت جسدها على الفراش وهي ترخي جفنيها، لعلها تحصل على قسط من الراحة بعد القنبلة الموقوتة تلك. في عصر اليوم نفسه. كانت وجيدة جالسة مع خالد في حديقة المنزل. الصمت يسود المكان إلا من ضجيج أفكارهم. علمت أنه مجبر عليها. لا تعرف ممن؟ لكن الذي تعرفه وجيدة أن قلبها لا يكذب نهائياً. قررت أن تبتر الصمت قائلة بهدوء: –رايدة أعرف مين اللي أجبرك عليّ؟ رد خالد وقال بنبرة متعجبة قائلاً: –أفندم؟ غيرت سؤالها وقالت بابتسامة واسعة بشوشة
تليق بوجهها الملائكي: –عندك كام سنة يا أستاذ خالد؟ رد خالد قائلاً: –ثمانية وعشرين سنة. وأنتِ؟ ردت بابتسامة صافية قائلة بتصالح مع النفس: –لم أجده مع الآخرين الذي عاشرتهم لسنوات. –عندي ثلاثين سنة وماشية في الواحد وتلاتين. –كام؟!! –تلاتين! تابعت بنبرة مختنقة استشعرها في نبرتها وهي تحاول إخفائها قدر المستطاع: –إني قايمة برجل ونص كيف الناس ما بتقول. رجلي مبتورة يعني.
من الواضح إن جدي مكانش صريح وياك من البداية. فـ حبيت إني أصرحك والقرار يرجع لك في النهاية. رايد تكمل ولا تفضل مفصوب عليّ باقي حياتك؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!