تطلع ليديه بين يديها، وسمع دقات قلبه المتمردة على صمته المغلف بالثبات، كأنها تعلن عن حبها له، فالتزم آدم الصمت لأنه تهوس بها. سحب يديه بخفة وعيناه تتفحص نظارتها الحارة البسيطة، قائلاً بهدوء: -يلا نروح، اتأخرنا. تركها واستدار، فأبتسمت أنجي لتقول بخفوت: -بعشق طريقتك دي. استمع لما تفوه به، فأخفى بسمته ليصعد لعربيته، فهو مازال على وعده معها حتى لو اعترفت هي بحبه.
ذهبت أنجي وركبت بجوار آدم، إلى وصولهم أمام القصر، ودخلت لتجد الفتيات وهالة تتعالى بينهم الضحكات المرحة. اقتربت منها ياسمين، بنت عم آدم وأخت أثر، قائلة بسعادة لرؤية أنجي: -اتأخرتي كده ليه؟ ثم جذبتها لتجلس بجوارهم، ابتسمت بفرحة وانضمت للجلوس معهم، تتبادل الحديث فيما بينهم. أما آدم، فجلس على الأريكة المجاورة لهم يتأملها بنظرات خاطفة. خرجت أم أثر من المطبخ قائلة بابتسامة رقيقة: -أنجي، انتي جيتي يا حبيبتي.
ابتسمت أنجي قائلة بفرحة: -أيوه يا طنط، ازيك عاملة إيه؟ اقتربت منها ريم، أخت ياسمين وأثر الصغيرة، قائلة بضيق: -بقى كده قاعدين تتكلموا وسايبنا نطبخ أنا وماما نجهز العشاء لوحدنا! كل هذه تحت نظر أم مي، التي قالت بسخرية: -عيدكم مبارك. تعالت ضحكات على ريم، لتفوه أنجي وتقترب من أم أثر قائلة: -ما تزعليش يا مرات عمي، أنا والبت ياسمين هنساعدكم، وسيب ريم تلعب بصواريخ. تعالت ضحكاتهم، وتوجهت ريم خلفها قائلة: -ليه هو أنا صغيرة؟
هجي أساعدكم. تطلعت لها أمها بابتسامة هادئة: -تعالي يا قلبي. ودخلت أنجي للداخل معهم، تحت نظرات آدم المطاردة لها. تمدد على الأريكة، فدخل الشباب من الخارج بعد قضاء يوم مهلك. اقترب منه أثر قائلاً بغضب: -أه يا خويا، عندك حق تنام وتفرد جناحك، ما أنت اتعتقت من اللف، عشان أبوك مش عارف يحكم عليك ويحكم علينا إحنا طبعًا مش كبير العيلة. لم يفوّه آدم بكلمة. تمدد شهاب، أخو مي، على الأريكة المقابلة له قائلاً بغضب:
-هو أنت هتحس باللي زينا إزاي! دخل طارق، صديق آدم، ليجلس كلا منهم ليستمعوا لما يحدث، فدائماً يريد أثر استفزاز آدم، لأنه مقتنع بأن آدم يعرف مكان مي. نهض آدم عن الأريكة قائلاً بغضب: -ما تلم نفسك أنتوا، وهو واضح كده إنكم عايزين تتكلموا في الماضي وتقولوا كلام فاضي. قال أثر بخوف مصطنع: -ما تفكرنيش بالماضي يا آدم. رمقهم شهاب بنظرته، فهم يريدون أن يتحدثوا عن أخته، فتخلى عن صمته قائلاً بحزم:
-ما تقوموا تاخدوا بعض قلمين أفضل، قسمًا بالله اللي يتكلم عن أختي لأقتله. خلع أثر حذائه قائلاً بغضب مكبوت: -ولا ناخد ولا نأخذ. ثم صاح بصوت مرتفع: -أنتوا يا بشر يا اللي جوه، شوفولنا مية سخنة، ينوبكم ثواب. طارق وأنا عاوز قهوة، دماغي وجعتني من الوش ده. خرجت ياسمين من الداخل تكبت ضحكاتها، فابتسم طارق حينما رآها تقترب منهم لتقدم القهوة لهم، ليردد بهمس مسموع: -إذا كان كده ماشي، كل تعبي راح من نظرة عيونك يا قمر.
نهض شهاب عن الأريكة ليجذبه بقوة قائلاً بغضب: -مش قلتلك كذا مرة تلم لسانك ده. قال طارق: -ما يرد. تطلعت له ياسمين بابتسامة مكبوتة. فصاح أثر بضيق: -ادخلي أنتِ. نظرت له وهرولت سريعًا للداخل والبسمة تحفل على وجهها. أبعده طارق قائلاً بسخرية: -أنتوا مش مصدقين ليه إنها هتكون خطيبتي قريبًا. أغمض شهاب عينيه ليتحكم بأعصابه قبل الفتك، لأن طارق تقدم لها. ثم توجه شهاب للقاعة ليجدها أمامه تضع الطعام على الطاولة.
رفعت عيناها هالة بابتسامة ساحرة قائلة بخفوت: -شهاب. طرب قلبه سريعًا لسماع اسمه يزف منها، فابتسم قائلاً بهدوء: -عيونه. خجلت للغاية وأعدت الطاولة كمحاولة للهرب من نظراته، فأقترب منها قائلاً بهمس: -أنا راجع مش جعان، بس مدام أنتِ اللي رتبتي الأكل بنفسك، أكيد مش هضيع الفرصة دي.
تلون وجهها بشدة، فرفعت عيناها بصعوبة لتلتقي بسحر عيناه. كانت كل لحظات هامسة بين أرض شاسعة بالأشجار الخضراء، وبين شمس أضاءت تتوهج فتجعل لها سحراً خاص. خرجت أنجي من المطبخ وهي حاملة زجاجات المياه البلاستيكية، ولكن الزجاجة تناثرت منها المياه على أثر، الذي اتصدم بأنها عند دخولها إلى المطبخ. اعتذرت أنجي ودخلت المطبخ مرة أخرى لتحضر زجاجة غيرها. رصت ياسمين الأطباق على الطاولة، ثم أشارت هالة لهم قائلة بابتسامة هادئة:
-يلا يا ولاد، الأكل هيبرد. نهض كلا منهم وجلسوا على الطاولة، وعلى رأسهم الديب، الذي أمرهم بالبقاء معه طول أيام العيد. وبعد انتهاء الطعام، خرجت أنجي وهي عبء الحزن على وجهها، فهي تفقد عائلتها. جلست أمام المسبح تنظر له بشرود. شعرت بحركة خافقة خلفها، فاستدارت لتجد أثر يقترب منها بنظراته الماكرة.
أشاحت بنظرها عنه متصنعة عدم المبالاة به، فابتسم بمكر ثم ألقى بقميصه أرضاً ليكشف عن هذا الجسد الممشوق بوضوح، ليلقي بذاته بداخل المياه الباردة تحت نظراتها الغاضبة. وخرج وقترب منها، وظنت ببدء الأمر أنه أتى ليعتذر، ولكن الآن علمت ما سبب وجوده عندما...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!