الفصل 1 | من 11 فصل

رواية زوجتني اختها الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
33
كلمة
1,389
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

يا باشا أنا نضفت القصر ومسحت الأرضيات وغيرت الزيت للقناديل ذي ما حضرتك أمرت والحطب اتقطع ومرصوص جنب المدفأة. حضرتك تأمر بشي آخر؟ دون أن يرفع عينيه المحدقة بالكتاب همس البيه: لا يا عبد العاطي، تقدر تمشي أنت. لكن متنساش وانت خارج تسقي الزرع. أوامرك يا باشا، حاضر.

رفع عبد العاطي حقيبة القاذورات التي تحوي بداخلها بقايا طعام البيه أمس فوق كتفه وخرج نحو الحديقة التي قص أشجارها قبل أسبوع. ثم ألقى نظرة على شرفات القصر القديمة قبل أن يبدأ سقاية الأشجار والزهور. من بعيد خلف الحديقة كانت أصوات الفلاحين والفتيات الآتي يجنين الفاكهة من المزارع تتعالى، وأمين العزبة يصرخ من على حماره: الهمة يا بنات، الشمس قربت تغرب.

جلس البيه فوق مقعده في فمه سيجاره، مرتدياً بزته الزرقاء ونظارة شمس سوداء، واضعاً قدم فوق قدم، يرمق الأفق من على سطح القصر. كانت شمس الشتاء تتسحب خلف الأشجار تاركة خلفه شفق أحمر قانٍ. والفتيات الشابات منحنيات داخل الحقول تلاعب الريح الأشربات التي يغطين بها شعرهن، يمسحن العرق من على جباههن. رغم برودة الجو صرخ الخولي: خلاص خلصنا النهاردة.

اصطفت الفتيات في صف طويل، يتلقين الأجرة من أمين العزبة، واضعاً في كف كل واحدة منهن قرش أو قرشين، ومحذراً بصوت صاخب: أي فتاة تكون سرقت حبة فاكهة وخبأتها تحت ملابسها. ثم انطلقت كبرتة أمين المزرعة في الطريق الترابي نحو منازل القرية والفتيات يركضن خلفها.

أشد اللحظات التي يكرهها البيه عندما تختفي الأصوات وتحل به الوحدة، ولا تتبقى إلا أظلال القمح والنخيل والأشجار الشبحية. وكاد أن يغادر مكانه عندما لمح فتاة تمشي بمفردها خلف الجماعة متباطئة في سيرها. كانت الشمس اختفت من جو السماء وحلت غبشة من سواد. كانت تسير ببطء حذر حتى اختفت آخر ظلال أقرانها. استدارت يمين ويسار، ثم من تحت عريش كركديه نبت على طرف قناية ماء، سحبت لفة مربوطة بأشرب ووضعتها فوق رأسها. ابتسم البيه في سخرية:

فلاحة خبيثة. وهو يتابعها ترحل. عندما عبرت الفتاة القصر، ألقت نظرة مطولة على شرفات القصر، نظرة غير مألوفة. ووقفت دقيقة كأنها تتحدث مع نفسها، ثم رفعت طرحتها وغطت وجهها وتابعت السير حتى اختفت في الظلام. عندما وصل عبد العاطي القصر في صباح اليوم التالي، حمل القهوة للبيه الذي يتصفح الجورنال ويدخن السيجارة. القهوة يا محمود بيه. حطها هنا يا عبد العاطي. تأمر بحاجة تانية يا باشا؟ لا يا عبد العاطي، شوف شغلك أنت. عبد العاطي؟

همس البيه وهو يقلب أوراق الجورنال. أنا عايز خدامة. ابتسم عبد العاطي كأنه نال حظوة أو جائزة غير متوقعة. أنا قلت كده يا باشا وعرضت الموضوع عليك أكتر من مرة، لكن حضرتك كنت رافض تماماً التعامل مع أهل القرية. شفلي خدامة كويسة يا عبد العاطي، وتكون أمينة ومش رغّاية. حاضر يا بيه. رفع الباشا يده منهياً الكلام، وحارماً عبد العاطي من الاستغراق في إبداء تفانيه المبتذل. ده يوم السعد يا باشا، مين يطول يخدم محمود بيه بجلالة قدره؟

امشي يا عبد العاطي، أنا مش عايز صداع. أحضر عبد العاطي أكثر من فتاة ليختار منهم محمود بيه خادمة. وقفت الفتيات في الحديقة تحت أنظار محمود بيه الواقف في الشرفة مرتدياً بزته الرسمية كالعادة. دقق محمود بيه النظر لدقيقة، تأمل ملابسهم المهترئة وجوهم الشاحب الشمراء التي صبغتها الشمس، قسمات البلاهة البادية على ملامحهم. لم يجد داخله أي رغبة في وجود واحد منهم في مكان يتواجد فيه باستمرار. هز رأسه باعتراض. بعدها صرخ عبد العاطي:

يلا يا بنات، كل واحدة تروح على بيتها. وهو يشعر بالخزي والتقصير لأنه لم ينجح في المهمة التي أوكلها إليه الباشا. عندما يتحدث إليك البيه أو يطلب منك أمر ما، هذا أمر لا يحدث كل يوم. منذ وصول محمود بيه وقد حفظ عبد العاطي كلماته القليلة: شكراً يا عبد العاطي، اسقي الزرع، حطها هنا، تقدر تروح يا عبد العاطي.

ثم إن عدنان بيه وزوجته، وفارس الدرملي مفتش الصحة، ومأمور القسم، كل واحد منهم لديه خادمة حضرت معه من القاهرة. ومحمود بيه أراد أن يشرف قريته باتخاذ خادمة منها. انتظر عبد العاطي أمام باب القصر، يده خلف ظهره مطرقاً لحضور الباشا الطاغي. خرج الباشا محمود بيه واضعاً يده في جيب بنطاله واليد الأخرى تدخن سيجارة. ركض عبد العاطي ومشى جواره، لكن متأخراً عنه خطوتين.

اسمع يا عبد العاطي، البنت اللي أنا عايزها مش لازم تكون مميزة، لكن مش لازم تكون أي بنت تلاقيها في وشك. أنا ليا نظام ومزاجية وطقوس، والاختيار مش هيكون سهل أبداً. مش عايز أي واحدة فلاحة تتلف الكتب أو تلعب في دفاتري وأغراضي من غير إدراك. أنا هديك فرصة تانية، لكن المرة دي كن حريص إنك متفشلش. ثم أطرق البيه مطلقاً بصره تجاه الحقول المزهّرة ونفخ دخان سيجارته. هي البنات اللي بتعمل في الحقول دي ميصلحش منهم خدامة؟

دي بنات وش شغل يا بيه، واديهم ورجليهم مقشفة، ومعرفوش يتعاملوا غير مع المواشي. أعتقد مفيش واحدة من بنات القرية تحسن القراءة والكتابة يا عبد العاطي؟ قراءة إيه لا سمح الله يا باشا، إحنا الفساد لسه مدخلش عندنا الحمد لله، ومفيش راجل يتجرأ يدخل بنته المدرسة. همس الباشا: الظاهر إني هطلب من رأفت بيه يشوفلي خدامة عن طريقهم. متشغلش بالك يا محمود بيه، بكرة الصبح هيكون عندك أكتر من خدامة ينالوا رضاك إن شاء الله.

تأمل محمود بيه بيوت القرية من فوق سطح قصره. الحطب الذي أشعلوه أمام المنازل لصنع الشاي والتدفئة. تخيلهم يجلسون مع أسرهم في الهواء الطلق وأطفالهم يلعبون من حولهم، وزوجاتهم داخل المنزل تعد الجبن القديم أو العدس والخبز. إنها الحياة التي لم يخترها يوم وفرضت عليه، بعد أن كان اسمه ماركة مسجلة في حانات حي الجمالية وبين القصرين، تلك الحياة التي لم يشعر فيها بالملل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...