جلس في شرفة منزله يتأمل السماء وهو يتذكر معذبة روحه حب حياته غاليته التي طعنته بسكين الغدر. نعم، لم يصارحها بحقيقة مشاعره، ولكنه فهم من خجلها وهو يتحدث معها أنها تبادله نفس المشاعر. فلاش باك ……….. قبل خمس سنوات جواد نادته باسمه وكم يعشق اسمه حين يخرج من شفتيه. تعجبت علا حين رأته أمامها في الجامعة. بخطى سريعة، هم هو لها وهو يبتسم لها. علا الحمد لله إني لقيتك. تعجبت من حديثه. أيعقل أنه جاء إلى جامعتها ليراها؟ تحمم
ليجلي صوته وهو يسألها: جواد خلصتي محاضرات ولا لسه؟ أجابته بهدوء وخجل: علا أيوه خلصت. ليه في حاجة؟ ابتسم لها بسمته التي تذيب قلبها المتيم بحبه. جواد أيوه عاوز أعزمك على حاجة وأتكلم معاكِ شوية. تسارعت دقات قلبها وتزاحمت الأسئلة تضرب رأسها ولا تعرف الإجابة. وكثرت التوقعات والتخمينات. فحبيبها أمامها ويدعوها للحديث معه. هل علم شيء؟ ولكن كيف؟
فهي لم تفض لأحد بما يجوب في قلبها ناحية هذا الحبيب. هو حبيبها الخفي، فهل ظهر هذا ويدعوها للبوح به؟ أم يبادلها شعورها ويفتح لها أبواب جنته التي طالما حلمت بها معه؟ لحظات تاهت ما بين سؤال وعدم إجابة. أومأت له وانصرفت معه. جلست معه ولأول مرة تجلس معه وحدها. رغم أنه ابن خالتها التي تربت معه، إلا أنها تخجل منه ومن نظراته التي تذيب قلبها. جواد إزيك يا علا عاملة إيه؟ علا الحمد لله أنا تمام. جواد والدراسة عاملة فيها إيه؟
أجابته بخجل: علا الحمد لله تمام. جواد يعني إن شاء الله هتتخرجي السنة دي بتقدير؟ أجابته بصوت حماسي: علا أكيد إن شاء الله. ثم استرسلت في الحديث وهي تقول بحماس: علا عارف يا جواد لو جبت تقدير حلو السنة دي كمان هيبقى قدامي فرصة كويسة أبقى معيدة في الجامعة. ابتسم لها بعشق وهو يقول: جواد يعني نفسك تبقي معيدة يا علا؟ أجابته دون تردد: علا أيوه ومين يجيله فرصة زي دي ويرفضها. جواد
حتى لو جالك عريس يكون بيحبك وعاوز يخطفك معاه على أوروبا؟ هل يقصدها بكلامه؟ لماذا هذا الغباء الذي ضرب رأسها؟ نعم، يقصدها. هو مهندس وسيسافر قريبًا إلى أوروبا. إذن يقصدها هي. احمر وجهها من الخجل حين وصل إليها مغزى حديثه وتوترة ملامحها، ولكن السعادة بدت واضحة عليها. سرت قشعريرة لذيذة في جسدها حين أطبق بكفه الكبير على كفها الصغير وهو يقول: جواد
يا علا مقولتيش رأيك. المهندس يسافر لوحده ولا يستنى وأول ما تتخرجي يطلب إيدك وتسافري معاه؟ أومأت له برأسها حين ضاع صوتها من شدة سعادتها وخجلها. ضحك هو وهو ما زال يأسر يدها بين يديه وهو يسألها مرة أخرى بتسلية: جواد يعني أفهم من كدا يا علا إنك موافقة؟
أومأت مرة أخرى وهي تكاد تذوب خجلًا منه ومن جرأته التي لم تعهدها منه. فهو دائمًا هادئ، كتوم، لا يفصح عن أي شيء يخصه إلا لأخيها أحمد، صديقه الصدوق. ولكن اليوم معها تخلى عن رصانته وكاد أن يعترف لها بحبه. ولكن مهلًا، إنها البداية وسوف يعترف. هكذا حدثت نفسها تمنيها. غاب هو في سمار ليل شعرها المسدل على كتفيها. كم يعشقه ويعشق ملمسه. لن ينسى نعومة ملمسه حين كان يلهو معها وهي صغيرة يتحجج بلعبه معها. ولكنها حين كبرت وظهرت عليها معالم الأنوثة الطاغية ابتعدت عنه بسبب خجلها.
كسرت هي لحظة تأمله بها حين سحبت يدها من يده وهي تقول: علا أنا همشي بقى علشان أنا اتأخرت. حين همت بالنهوض، مسك هو يدها مرة أخرى وحدثها وهو ينظر لها: جواد خلاص يا علا كلها شهرين وهاخلص شغلي في الشركة اللي بشتغل فيها وهاجي البلد أكلم عمي الحاج محمد وأحمد. لم تتمالك نفسها من السعادة التي طغت عليها حين تركته وانصرفت بتعثر في خطواتها. أما هو، فقد ملك الدنيا حين علم من خجلها أنها تريده كما يريدها. هل تحبه كما يعشقه؟
نادى عليها مرة أخرى وهو يؤكد عليها: جواد شهرين يا علا. ابتسمت له بحب وانصرفت. نهاية فلاش باك…….. أخرج تنهيدة حارقة من صدره علها تهدئ من روع أفكاره. دلفت عليه أمه وهي تراه شارد البال منذ أن أتى من سفره وهو لا يفعل شيء سوى الجلوس في منزله أو عند خالته. ومعظم أوقاته يقضيها عند أحمد. الأم يا جواد هتفضل كدا كتير؟
أجابها بتسويف حتى لا تخوض معه نفس الحديث الذي مل منه عن ماذا فعل في تلك السنوات، ماذا حدث، لماذا لم يتزوج. أسئلة كثيرة لم يرد أن يدخلها. جواد هيهون يا أمي. أنا داخل أنام.
لم يكن حالها بأفضل منه وهي تجلس في شرفة حجرتها تتذكره وتتذكر ذلك اللقاء الذي جمعهم منذ أكثر من أربعة أعوام. بعد أن أكد لها أنه سيتقدم لخطبتها بعد عودته من مهمته في الشركة التي كان يعمل بها مبرمج. وبطبيعة عمله لم يكن يعيش معهم في قريتهم إلا أوقات إجازاته فقط. لقد وعدها وأكد لها وعده. لماذا إذا تخلى عنها وتركها لذلك الفارس الذي لا يملك من اسمه أي شيء؟ يملك فقط كل ما هو عكسه، الحقارة والخسة. أفاقت من شرودها على
صوته الدميم وهو يحدثها: فارس هتفضلي على الحال ده كتير يا علا؟ نظرت له بشك من نبرة صوته الهادئ، متوجسة منه. علا حال إيه يا فارس؟ إحنا كويسين. أهو. بدأ صوته يحتد عليها وهو يجذبها من ذراعها لتدخل إلى الغرفة. فارس لأ يا هانم إحنا مش حلوين ولا حاجة. أنا عاوز أخلف منك. عاوز عيال. نفضت يدها من يده بقوة واستشرست ملامحها وهي تصيح به: علا عاوز عيال ليه؟ علشان يشوفوك وانت بتضربني وبتهيني كل شوية؟
ولا عاوز عيال يكبروا ويشوفوا قرفك ويعرفوا حياتك معايا شكلها إيه؟ دفعته من صدره وهي تزجره بقوة. لم تعدها بنفسها ولكنها اكتفت من إهانته لها وهي تصيح به: علا سيبني في حالي بقى. أنا قرفانة منك.
سيطر الغضب منه واشتعل من جرأتها التي تحدثت بها وصوتها الذي علا في أرجاء الغرفة، غير مهتمة من أن يسمعها أحد. نعم، لقد تجرأت عليه وقوي قلبها. لم يشعر بنفسه إلا وهو يصفعها على وجهها ويجذبها من شعرها وهو يكيل لها الضربات. وكلمات أفلتت منه رغم حرصه إلا أن غضبه أعماه. فصرخ بها: فارس أوعى تكوني فاكرة حبيب القلب جه. هسيبك له؟ ده بعينك يا بنت محمد بعينك. ضربت كلماته سمعها وكادت أن تصمه. هل يعلم بحبها لجواد؟
لم تخبر أحد بسرها الصغير. هل أخبره جواد؟ لا، لم يخبره. إذن من أخبره؟ هنا فارس لم تربطه بجواد ولا أحمد علاقة صداقة. كل ما كان بينهم صلة القرابة وأنه تربى وسطهم. ناهيك عن طبع جواد الكتوم. إذن من أخبره؟ شهقة خرجت منها عندما ضربت الحقيقة رأسها وأنها لم تخبر عن حبها لجواد إلا شخص واحد، صديقتها وابنة خالتها. ريييييييييييم.
استيقظ من نومه مفزوعًا على شهقات بكاء عالية آتية من غرفة المعيشة. بحث بعينيه عنها لم يجدها. هتف بصوت عالٍ: أحمد خديجة. وجدها تجلس أمام التلفاز وهي تحمل طبق الفشار وتأكله بنهم وتبكي. اقترب منها بقلب لهيف وصوت يملؤه الخوف يسألها: أحمد خديجة مالك يا قلبي بتعيطي ليه؟ في حاجة بتوجعك؟ أنتِ تعبانة؟ أخذ يتحسس وجهها بلهفة منه. نظرت له بأعين باكية وهي تقول: خديجة أنا كويسة يا مستر بس البطل طلق البطلة وهي مظلومة.
وما كادت أن تنهي كلماتها إلا وانهارت في البكاء مرة أخرى. جذبها إلى صدره وضمها بحنان وهو يمرر يده على ظهرها ويكتم ضحكاته على تلك المجنونة. يعلم أنها فوضوية وأيضًا تخاف المواجهات ودائمًا تهرب. أما آخر ما اكتشفه بها حسها المرهف وبكائها من أقل شيء يحمل مشاعر حتى لو أحداث تحدث داخل فيلم مع أنها ممكن أن لا تكون حقيقية. خرجت من حضنه بعد أن هدأت موجة بكائها ونظرت في عينيه وهي تسأله: خديجة
هو انت ممكن تطلقني يا أحمد لو حد قالك عني حاجة؟ أجابها بلهفة: أحمد عمري يا قلبي أنتِ عمري وروحي. ولا أقدر حتى أفكر فيها. أنا أموت لو بعدت عنك يا خديجة. ثم أضاف بصوته المرح حتى تخرج من حالة الحزن التي سيطرت عليها وهو يقول: أحمد وبعدين يا هبلة حد يعيط على فيلم كدا؟ دول بيشتغلوك يا مجنونة. خديجة لأ يا أحمد ده بيحصل بجد وأنا عارفة. ضمها مرة أخرى لصدره وهو يضيف بنبرة حنونة: أحمد
يحصل بعيد عننا يا قلبي. العيون الحلوة دي متعيطش أبداً. ثم أطبق على شفتيها يقبلها بحب وشغف يزيد كل يوم. لها، لها هي فقط. تلميذته، حبيبته، زوجته المجنونة. علي علا، يا علي. همهمات صدرت منه وهو نائم. مرت يدها على وجهه تعبث بلحيته الكثيفة حتى يستيقظ. جذب يدها وقضمها بفمه. صرخت وفاء بهلع حين شعرت بأسنانة وهي تجذب يدها من فمه. وفاء إخص عليك يا علي. حد يعمل كدا؟ جذبها إليه يحاوط خصرها وهو يقول: علي فيه أجمد من كدا يا حبيبي؟
بس صحيني انتي وصبحي عليا مش تلعبي في دقني. خرجت من حضنه وهي تقول بجدية: وفاء استنى بس يا علي عاوزة أقولك حاجة مهمة. استشعر الجد في حديثها. سألها: علي فيه إيه يا وفاء؟ حصل حاجة؟ حد جاله حاجة؟ أجابته هي بتأكيد: وفاء أيوه يا علي عاوزه أحكيلك حاجة مهمة. علي إيه هي؟ وفاء هقولك بس اوعدني إنك تفهم من علا أختك الأول وبعد كدا اتصرف. سألها بلهفة: علي مالها علا؟ أجابته: وفاء
امبارح وأنا في الجنينة بستناك شوفتها في البلكونة بتاعت أوضتها سهرانه. قولت أروح أقعد معاها شوية نتسلى مع بعض. اتأخرت عليها شوية كنت بدي الدوا لماما سعاد وقولت أروح أسهر معاها. لسه راحة لها يا علي سمعت صوت خناقها مع فارس. وقصت وفاء جزء من المشاجرة التي كانت بين علا وفارس. بعد أن أنهت حديثها، سألته: وفاء هتعمل إيه يا علي؟ أجابه بصوت بدا عليه الغضب: علي فارس مد إيده عليها يا وفاء؟ أجابته بتلعثم فهي غير متأكدة: وفاء
معرفش والله يا علي وأنا لسه مشفتهاش. أنا كنت هطلع لها بس مردتش أضايقها وأحسسها بحاجة علشان محرجهاش. علي أنت أخوها تعرف منها بطريقتك بقى. لأني مبحبش جوزها ده. وفاء هتعمل إيه يا علي؟ انتشل سؤال وفاء من أفكاره التي تتوالى عليه. ماذا فعل فارس بأخته؟ أجابها: علي هنشوف الأول يا وفاء. ومتبينيش لحد علشان أمي تعبانة. ويا ويله لو مد إيده عليها.
أشرقت شمس الصباح عليهم جميعًا. على أحمد وخديجة بعشق لم تخمد ناره طوال الليل. وعلى علا بقلب مكلوم من زوج خائن يستقوي عليها بنقصه الذي يعوضه بضربها وإهانتها. وأيضًا أفكار تعصف بها، كيف علم بسرها وأنها تحب جواد. أشرقت أيضًا على أخ يشتعل من خوفه على أخته من زوج ناكر للخير والمعروف.
أشرقت أيضًا على ذلك العاشق الذي قطع مسافة السفر من القاهرة حتى بلد معشوقته ليشبع قلبه من صفاء عسل عيناها. وأيضًا يأخذ جولة معه. لجل فستان الزفاف. نعم، لم يبق إلا أسبوع عن موعد زواجه، وأخيرًا سيتزوج تلك التي وقع صريع حبها. الأم هالة يلا يا بنتي عمر مستني من بدري. كان هذا صوت أمها تحثها على الخروج من غرفتها. خرجت له بطلتها البهية. هالة أنا جاهزة اهو يا ماما.
تقدم منها وهو يسلم عليها، يحتضن كفها الصغير بين راحت يده الكبيرة بشوق فاض به، وهو يهمس لها: عمر إزيك يا حرمي المصون؟ وحشتيني يا قلبي. اشتعل وجهها من الخجل وهي تبعد عنه وتهتف بشراسة: هالة عمر احترم نفسك وابعد. ماما جايه معانا.
هدّمت كل أحلامه التي حلم بها قبل أن يأتي بأنه وهي فقط في هذه الجولة، وأخيرًا سيختلي بها بعد أن حرمته قربها بعد ما فعله يوم عقد قرانهم. تخشاه نعم، تخشاه بعد أن رأت نار الرغبة تحترق في عينيه ذلك اليوم. ابتعدت عنه بأعين مناصرة بعد أن لاحت نظرة خيبة الأمل في عينيه. ابتسمت له وهي تقول بصوت ساخر: هالة لأ يا مورى هنتأخر. عاوزين نلحق النهار من أوله. جذبها من ذراعها لتصطدم بصدره العريض وهو يهمس في أذنها: عمر
يا قلب مورى اللي هيقف على إيدك. ثم اقتنص قبلة منها بذكاء منه. ها هي انقلب السحر على الساحر حين طلب من أمها بذكاء منه أن تبقى هي في المنزل وهو سيأخذ هالة لكي تشتري ثوب الزفاف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!