قشعريرة سارت بجسدها أرغمتها على الاستيقاظ وهي غافية في حوض الاستحمام. فتحت عينيها وهي تحاول استيعاب أين هي، أين فراشها الوثير؟ ما هذا الشيء الصلب الذي كسر لها عظامها؟ أخيرًا، ضربت حقيقة ما هي فيه ومشاهد ليلة أمس تمر أمامها بسرعة.
شهقة عالية خرجت من فمها، وضعت يدها على فمها تكتم شهقتها. قامت من حوض الاستحمام ببطء وصعوبة بسبب فستان زفافها. ابتسمت وهي تتذكر كيف سيكون وجه أستاذها وزوجها بعد أن أضاعت له ليلة العمر كما يقولون. فتحت باب الحمام بهدوء وهي تحمل غيمتها البيضاء وتتقدم بخطى بطيئة حتى لا يشعر أحمد بها. ما هي إلا عدت خطوات خطتها خارج الحمام ووقفت تنظر إلى ذلك المنزل التي لم تراه إلا مرة واحدة عندما حضرت مع والدتها لكي تراه بعد الخطبة.
طلب منها أحمد وقتها رأيها فيه وأي تعديلات ممكن إضافتها إليه حسب رغبتها. عليه لم تطلب منه أي تعديلات وقتها، كل ما قالته وقتها: "جميل مش محتاج حاجة". إلا أنه وكالعادة ومن خلال فترة خطبتها، أبهرها بجمال ذوقه ورقة اختياره لكل ما يتعلق بعشهم الجميل. هل سيظل يبهرها هكذا؟
وقبل أن تسترسل في تفكيرها، وجدت قدماها تغادر وهي تعلو في الهواء بين ذراعين قويين. صرخة عالية دوت في أركان المنزل الهادئ، وأيضًا سمع بها من كان مستيقظًا في منزل أبيه لأنه يسكن في بيت أصر أن يكون له منزله الخاص، فقد بناه بجوار منزل أبيه. ضحك بصوت عالٍ بعد تلك الصرخة التي صدرت عنها. هي حبيبته، مجنونته. بعد أن هدأت ضحكته وأيضًا اختفت صرخة تلك المجنونة، قال لها ممازحًا حتى يخرجها من خوفها الذي ظهر جليًا
من تلك الصرخة: "بس بس يا مجنونة الناس تقول إيه". ثم أكمل وهو بنفس المرح الذي يملأ روحه: "كذا الناس هتفكرني عملت العمايل وسويت الهوايل وأنا يا حرام عروستي نامت في الحمام". واتبع كلماته بغمزة وقحة من عينيه التي تتفرس ملامحها الجميلة. لا يصدق أنها وأخيرًا بين ذراعيه. نزلت عيناه إلى تلك الكريزتين التي حلم بها طويلًا. هل إن مال وقطفها ماذا ستفعل به تلك المجنونة؟
لم يفكر طويلًا، مال ناحيتها وهي ساكنة بين يديه. هبط على شفتيها يقبلها بتمهل حتى لا تخشاه. وجدها هادئة مستكينة بين يديه وهو يقبلها، أخذ يتذوق شهد شفتيها بتمهل. هل يحلم؟ لا. طالما حلم بتلك القبلة ولكن الواقع أروع. عدي فيها حتى شعر بها وبحركتها بين يديه. ابتعد عنها حتى تلتقط أنفاسها التي سلبها منها ذلك المحتال بتلك القبلة التي فاقت كل تخيلاتها. هل هو وقح؟ نعم وقح.
خضبت وجنتاها بالاحمر القاني. أنزلها ببطء ومازال يحتجز خصرها النحيف بين يديه وهي مغمضة العينين. همس بصوته العذب: "ديجا". لم تجبه وزاد انقباض يدها على فستانها. وضع يده تحت ذقنها ورفع وجهها له وهو يهمس باسمها: "ديجا يا قلبي بوصيلي". همهمات صدرت عنها، لم يسمع منها إلا كلمة: "مستر". كأنها سحرته بكلمتها. أجابها بوله: "قلب وروح وعمر المستر".
هبطت تلك المرة متناولًا شفتيها في قبلة شغوفة. لم يشعر بنفسه وهو ينهل من شهدها. خافت منه وتململت بين يديه. ابتعد عنها، نظر في عينيها وجد بها خوفًا. خذها بين يديه محتضنها وهو يقول لها: "أنا آسف يا حبيبتي سمحيني مقدرتش أبعد. أنا ياما حلمت باليوم ده. ديجا يا قلبي أنتِ خايفة مني؟ لم تجبه. "خلاص يا حبيبي أنا هسيبك تغيري هنا وأنا هخرج الأوضة التانية أغير". قبلة جانبية على وجنتيها وانصرف. جلست هي على طرف الفراش تتحسس أثر
قبلته على شفتيها وهي تهمس: "مستر قليل الأدب…". *** "علي يا علي". كان هذا صوت وفاء زوجة علي أخو أحمد. وقفت أمامه بأعين ناعسة وهي تقول لها: "إيه يا علي اللي مصحيك بدري كدا ومالك بتضحك كدا ليه؟ أجابها وهو مازال يضحك بصوته الرجولي: "بضحك على أحمد". نظرت له باستفهام: "ماله أحمد؟ هو أحمد مش في بيته ولا إيه؟ "أيوة في بيته بس كنت عطشان وقمت أشرب سمعت صرخة من بيته. شكله غشيم وهيفضحنا". قالت له وقد فهمت مغزى كلماته.
"طب وأنت مالك وماله؟ هو حر مع مراته". "علي احترم نفسك وبعدين خديجة استحالة تصوت". ازدادت ضحكات علي وهو يقول: "طب إيه رأيك صرخت شكل الواد أحمد جامدة". "تفت به وفاء على: "احترم نفسك بقى ويلا ننام ساعتان قبل أهل خديجة ما يجوا". قبض هو على يدها حين همت بالمرور من جانبه وقال: "استنى هنا راحة فين؟ أجابته ببلاهة: "راحة أنام ساعتين يا علي". "يوه بقى". قال لها بوله: "وعلى نفسه يعمل زي المستر". اغضب وجهها
بالخجل وأجابته بدلال: "علي بطل هو أنت معملتش زي المستر". ضحك بقهقهة وهو يحملها ويتجه نحو الفراش. "لأ يا قلب علي". ثم غمز لها وهو يقول: "أنا خدتك على الهادي". انتهت كلماته بين شفتيها تلك الفاتنة التي أحبها وهو مازال يدرس وتزوجها بعد أن أنهى دراسته بعد أعوام قليلة. يحبها ويرى فيها كل نساء العالم بفتنتهم. ***
جلست بأعين منتفخة من البكاء والحسرة على ذالك الذي لم يحبها يومًا كما أوهمتها أمها وصور لها عقلها المريض. إن كان يحبها كان طرق بابها بدلًا من باب أخرى خطفت لب عقله وفقد معها وقاره وهو يحملها ويدور بها ليضرب بكل كلمات العقل والوقار عرض الحائط. نعم هو يعشقها وظهر هذا جليًا في زفافهم الأسطوري. دلت عليها أمها وهي تنظر لها بقهر على حال ابنتها. حاولت أن
تخفف عنها ما هي فيه وقالت: "خلاص بقى ياريم وحياتك عندي لبكرة أجيب لك راكع قدامك وهو مطلق الحر". "بإيه دي؟ " هنا لم تتحمل ريم المزيد من الوعود الكاذبة من أمها وانفجرت فيها صارخة: "خلاص بقى حرام عليكي سبيني في حالي. أنتِ إيه مش شايفة هو كان فرحان بها إزاي؟ أنا معتش عاوزاه ولا عاوزة غيره. سبيني في حالي".
زاد كره ومقت بهية على خديجة بعد أن رأت انهيار ابنتها بتلك الطريق. والتي وكالعادة حملت خديجة كل الذنب في حالة ابنتها وتوعدتها وأقسمت بأن تخرب لها عشها وتجعل من هام بحبها وفعل من أجلها كل شيء ينفر منها ويتركها ولا يجد صدرًا حنونًا إلا خالته وابنتها. *** "ماما أنا هسبق أنا على بيت عمي رشدي". كانت هذه كلمات هالة التي غادرت منزلها إلى منزل عمها حتى تعد مع زوجة عمها تجهيزات الصباحية كما اعتاد أهل البلد.
طَرقت على الباب عدة طرقات. فتح لها ذلك المشاغب الذي باتت تهرب من كل مكان هو به، ولكن للقدر رأي آخر فباتت تجتمع به أكثر. وقف أمامها مأخوذًا برقتها وجمال ثوبها الأنيق الذي يصل إلى كاحلها وجمال شعرها. واه منه، أنه مثلها دائمًا ثائر يصل إلى خصرها يزيدها جمال فوق جمالها. فاق على حاله حين أشارت بيدها أمامه وقالت: "انت انت يا أخويا. الو يا عم". تحشرج صوته وهو يجيب: "نعم فيه إيه خير".
ابتسمت وهي تعلم أن ما كان به ما هو إلا تأثيرها عليه، فهي ذكية فطنة هادئة تحسب كل خطواتها إلا تلك الخطوة التي فقدت فيها قلبها بسن السادسة عشر لذلك الواقف أمامها بتيه. ولكنها أقسمت أن تجعله يأتي إليها بقلبه وها هي تنجح في أولى خطواتها. قالت له: "فيه إنك سادد الباب وأنا عاوزة أدخل لـ طنط صفية". انتبه على وقفته وعاد خطوة للخلف حتى يتسنى لها المرور. حين
مرت بجواره همس لها وقال: "إيه الجمال ده يا لولو أموت أنا". غمز لها بوقاحة. حين نظرت له غير مستوعبة كلماته التي بها انهارت كل حصونها. وخطف هو دقة جديدة من دقات قلبها وهو يتركها ويغادر إلى خارج منزل عمته لكي يهدئ من نبض ذلك الثائر في شماله منذ أن رآها بجمالها الصبوح وأقسم أن لن تكون تلك القاهرة الماكرة إلا له وله هو وعن قريب. ***
طرق على باب الغرفة حتى تسمح له بالدخول. حين سمع صوتها الجميل أذن له بالدخول. دلف إلى الغرفة وجدها ترتدي بيجامة نوم محتشمة عكس كل تخيلاته وتوقعاته التي انهارت ما أن رآها هكذا. كتم ضحكته وهو يتقدم إليها وهي تنظر إلى الأرض وتفرك يدها دليل على توترها. وقف أمامها وهو يحيط كتفها بحنان ويقول بمرحه الذي اعتادت عليه: "إيه الحلاوة دي يا ديجا. أمال فين الحاجات التانية بتاعة المتجوزين؟
هل ستنفجر من الخجل أم سيقف قلبها من رهبة الموقف؟ أجابته بتهتهة وكأن الكلمات ضاعت من قاموسها: "هو… يعني…. أنا…". رحمها هو حين أكمل عنها: "هو إيه يا ديجا؟ أنتِ مكسوفة مني؟ " أومأت هي برأسها دون أن تنطق بكلمة. قال هو: "خلاص يا ستي براحتك دي حتى البيجامة جميلة". لم تستطع منع بسمتها التي ظهرت له جليًا. ضمها هو إلى قلبه وهو يهمس في أذنها: "وايه كمان يا خديجة؟ نظرت له وهي مازالت بين يديه وقالت: "وايه إيه؟
قال لها: "مكسوفة مني وايه كمان؟ " هل شعر بخوفها من ذلك اليوم؟ أجابته بصدق: "مكسوفة وخايفة". ضمها إليه مرة أخرى وهو يعتصرها ويهمس في أذنها: "وأنا عمري ما هاذيك يا قلبي". ضمها أكثر إليه وهو يميل على شفتيها يرتوي بعد سنوات عجاف من بحرها العذب ويبدأ معها أولى ليالي عشقه له. فهو متيم بتلك الصغيرة المجنونة التي أصبحت بين يديه ملكته وغاليته وساكنة أحضانه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!