الفصل 21 | من 25 فصل

رواية زوجتي المجنونة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم هيام شطا

المشاهدات
20
كلمة
2,624
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 84%
حجم الخط: 18

جلست في غرفتها ببيت أبيها لا تصدق أنه مر شهر. شهر لم تراه، شهر لم تنعم بدفء أحضانه، شهر لم يدللها، شهر لم تسمع صوته. كل ما بقى بينهم هي تلك الرسائل الغبية التي يطمأن بها عليها، أو كما تعتقد هي يفعل واجبه تجاهها. كيف قسى قلبه عليها؟ تعلم أنها أخطأت، ولكنها لم تقصد خطأها. كل ما فعلته هو سوء تصرف منها، لا سوء ظن به. لما لا يفهمها تلك المرة؟ لما يقسو عليها؟ انتشلتها أمها من شرودها وهى تهتف: "ديجا يا قلبي، مالك يا حبيبتي؟

سرحانة في إيه؟ أجابتها بوجوم: "ما فيش يا ماما." "سلامتك يا حبيبي. طيب يا قلبي تعالي الغداء جاهز، وبابا ومصطفى أخوك مستنينك." "ماليش نفس يا ماما." سألتها أمها بقلق: "إيه يا حبيبتي حاسة بحاجة؟ "لأ يا ماما، أنا كويسة." "طيب يا حبيبتي، يلا بقى علشان صحتك يا حبيبتي، انتي والنونو. ولا عاوزة لما تروحي تبقي خاسّة ويقولوا علينا إيه مش بناكلك." ابتسمت خديجة بسماحة وهي تقول لأمها: "مش بأكل إيه يا ماما؟ أنا قربت أبقى فيل."

"فيل إيه يا حبيبتي؟ انتي بتاكلي لك وللنونو. يلا بقى." انضمت إلى أبيها وأمها وأخيها إلى طاولة الغداء. وما هي إلا لقيمات قليلة إلا وتركتهم وهمت بالانصراف. سألها أبوها: "إيه يا خديجة، رايحة فين يا حبيبتي؟ ابتسمت لأبيها: "والله شبعت يا بابا." "استني يا حبيبتي، عاوزك في حاجة." توجهت خيفة من أبيها أن يسألها إن كان هناك مشكلة بينها وبين زوجها. وما حسبته وجدته حين جلست مع أبيها وهو يسألها:

"خديجة يا حبيبتي، انتي وأحمد فيه حاجة بينكم؟ أجابته بتأكيد: "لأ يا بابا، إحنا كويسين، مفيش حاجة." "امال يا بنتي ليه سايبة بيتك وقاعدة هنا؟ وكمان ليه هو مش بيجي لك هنا؟ كل اللي بعمله أنه بيتصل عليكي." أجابته بنفي: "مفيش يا بابا، أنا اللي طلبت منه أقعد معاكم شهر، الوحم اللي لسه ده عشان أنا تعبانة، ويومين كدا وهروح أول ما أبدأ في الرابع." ثم أكملت بمرح حتى تطمئن قلب أبيها: "انت زهقت مني ولا إيه يا سي بابا؟

احتضنها وأجابها بصدق: "عمري يا حبيبتي ما أزهق منك، دا إنتي وأخوكي نور عيني." دلفت إليهم صفية تحمل القهوة لزوجها وهي تهتف بمرح: "سيدي يا سيدي، إيه ده يا رشدي؟ أنت لسه بتدلّع خديجة؟ ديجا خلاص هتبقى أم! أجابها بحب وهو يشدد من احتضانها: "حتى ولو بقت جدة هتفضل ديجا حبيبة قلبي الدلوعة." انقضى اليوم وهي تضحك وتلهو مع أبيها وأخيها. وها هو الليل أتى بثقل ساعاته.

عزمت أمرها على أن تذهب غداً إلى بيتها ولن تحدثه إلا إذا جاء هو وحدثها. وأيضاً سوف تعلمه كيف له أن يقسو عليها. صبراً أيها الأحمد. أحمد. "هتفت الحاجة سعاد بغضب في ابنها." "بقولك إيه يا أحمد؟ أنا مش عيلة صغيرة علشان أصدق إن مراتك عاوزة تقعد الفترة دي كلها عند أهلها. انتم أكيد متخانقين." أجابها أحمد بمراوغة: "ولا متخانقين ولا حاجة يا ماما، هي بس مامتها هي اللي قالت لي سيب خديجة يومين معانا." "وهما اليومين دول مش هيخلصوا؟

اعمل حسابك الصبح هروح أجيبها أنا ووفاء وعلا ونطمن عليها." لم يعترض على اقتراح أمه بل تراقص قلبه من الفرحة. هل ستأتي حبيبته غداً له؟ ولكنه توجس خيفة من أن ترفض خديجة الحضور مع أمه أو تقص عليها ما حدث. لا، لا لن تفعل، فلابد أنها وعَت وعرفت الدرس وتعلمته. هكذا حدث نفسه. وكم كان الليل طويل على خديجة. كان طويل على أحمد. وكلا منهم ينتظر الصباح بفارغ الصبر. "ماما أنا خلاص لميت حاجاتي، بابا هيوصلني دلوقتي ولا بعد الغداء؟

سألت خديجة أمها بعد أن حزمت كل شيء لها. أجابتها أمها بمرح: "اصبري يا ديجا لبعد الغداء يكون بابا جه من الشغل وأجي أنا كمان معاكي أنضف لك البيت. زمان أحمد قلبه." "خلاص يا ماما بعد الغداء نمشي." لم تنهِ كلمتها إلا وسمعت جرس الباب يعلن عن قادم. وكم كان هذا القادم غالي وعزيز على قلب خديجة. أنها أمها الثانية الحاجة سعاد وأخواتها التي لم تلدهم أمها. أنهم علا ووفاء. وكم كان استقبالها لهم بشوق وترحاب.

رغم أنهم يحدثوها كل يوم وأكثر من مرة إلا أنها اشتاقت لهم. "بترحاب شديد رحبت بهم صفية أم خديجة." "يا مرحب يا أهلاً، والله البيت نور." أجابتها سعاد بحب: "البيت منور بأهله يا أم مصطفى." وأكملت ممازحة حتى تخبرهم بسبب زيارتها دون أن تعرض خديجة للحرج إذا كان هناك مشكلة بينها وبين ابنها ولم تخبر أهلها بها.

"إحنا قولنا نيجي نتغدى معاكم وناخد خديجة عندنا بقى شوية. كفاية كدا. تيجي بقى هي والغالية ابن الغالي تنور بيتنا، ولا إيه رأيك يا ديجا؟ ابتسمت خديجة بحب لها، وقبل أن تجيب على حماتها أجابت أمها ببسمة وسماحة نية: "والله أنتم ولاد حلال. لسه بقول لخديجة خلينا نروحك بعد الغداء وسبحان الله أنتم جيتوا تاخدوها. نتغدى كلنا بقى ونروح نوصل لها البيت." هتفت الحاجة سعاد بفرحة لما سمعته:

"إذن خديجة كانت تنوي اليوم العودة. كم هي فتاة جميلة محبة لابنها." "لأ، بيت إيه اللي ننضفه؟ البيت زي الفل من امبارح وأنا خليت أحمد جاب اتنين نظفوه." هل هكذا يدبر الله الأمور؟ بينما هي أرادت أن يدخلها أحد إلى بيتها مرفوعة الرأس، وأيضاً لم يعلم أحد بما حدث. وكيف يكون تدبير الله لأمرك؟ أن نويت الخير وتركتها لتدابير الله. وها هي تدلف إلى بيت حماتها بصحبة حماتها وهالة وعلا.

ولم تكن فرحتها أقل من فرحته التي ظهرت جلياً في عينيه حين أبصرها. وبقلب لهيف خطى إليها وهو يحتضن يديها بين يديه ويقول بحب: "نورتي الدنيا يا حبيبتي." كسى وجهها حمرة الخجل، بينما هو لم يخجل من البوح بمكنون قلبه أمام الجميع. اقتربت منه أمه وهي تمازحه: "لأ لأ يا مستر، أنت تاخد مراتك بيتك وتقول لها اللي أنت عاوزه، إنما كدا قدامنا عيب يا ولا اتحشم." انفجر الجميع ضحكاً على كلمات سعاد.

وبعد فترة قليلة اصطحب أحمد خديجة وذهبوا إلى منزلهم. وما أن دخلا من البيت حتى جذبها إلى صدره يحتضنها بشوق بالغ وهو ينثر قبلاته على وجهها ويقول ما بين القبلة والأخرى بلهفة عاشق أضناه البعاد: "وحشتيني يا ديجا، سامحيني يا قلبي، عمري ما هبعد عنك تاني يا روح قلبي." بعد فترة طويلة أخرجها أخيراً من أسر أحضانه. حملها لكي يدلف بها إلى غرفتهم. ابتسمت هي بدهاء، بينما انتوت أن تنفذ مخططها، فهي لم تسامحه ولكنها أوهمته بالسماح.

وما أن وضعها على الفراش حتى تحججت وهي تقول له بمكر: "معلش يا أحمد، ممكن تجيب شنطتي من بره." أجابها بنفاذ صبر: "وده وقته يا روحي؟ خليكي معايا." همست له بدلال: "وحياتي." وكيف يرفض لها طلب؟ خرج من الغرفة لكي ينفذ طلبها. وها هو وقع في فخها. فإن هي عادت، فقد عادت له لأنها تحبه، ولكنها ستعلمه أن لا يتركها خارج بيتها بعد الآن. إن كان غاضب حانق عليها، فلا يبعدها عن بيتها، يتركها فيه إلا أن تهدأ ويهدأ هو، ثم يأتي دور العتاب.

أغلقت الباب خلفه وهي تضحك بمكر وتهتف من خلفه: "أحمد يا روح قلبي، نام بقى في أوضة الأطفال علشان أنا أخدت إني أنام لوحدي على السرير. تصبح على خير يا روحي." هل تمزح معه؟ عن أي نوم وأي غرفة تتحدث؟ اشتعل من الغضب بينما وقع بكل غباء في فخ صغيرته التي عادت، ولكنها عادت لتنتقم. "خديجة بطلي هزار تقيل وافتحي يا روحي، إنتي وحشاني." "أنا مش بهزر يا مستر، وسبيني بقى عاوزة أنام." ناداها بصوت عاشق: "خديجة وحشاني، أيهون عليكِ؟

"ما هونت عليك وسبتني شهر ونص عند بابا؟ استحمل شهر ونص زيهم." صعق من ردها عليه. ولكن مهلاً، هل هي خديجة زوجته الحنونة ذات القلب الطيب؟ أين هي؟ هتف بلوعة علها ترفق بحاله: "ديجا يا قلبي، أنا كنت بموت كل يوم من غيرك." "لأ، مش هفتح وأنا حرة." هنا علم أنها تتدلل عليه وتعذبه كما تظن هي أنه فعل بها. ولكن مهلاً، فلتتدلل كما تشاء، المهم إنها في بيته. وما لم يتم اليوم، فأن غداً لناظره قريب.

وكما كان أحمد يُنكوى بنار العشق وهو يتقلب على ذلك الفراش البارد بدونها، كان عمر الذي مازال يسدد فاتورة خطأه الوحيد مع هالة. فقد مر على عودتهم إلى منزلهم شهر ونصف وهو ملتزم بما اشترطته عليه هالة. أنها ستتركه إلى أن يعتاد عليه. ومن قال إنها لم تعتد عليه؟ من طريقته المرحة، حبه الذي أغدقها به طوال تلك الأيام. تعلم أنه يحترق شوقاً لها، ولكنه ملتزم بوعده لها.

ولكنها اليوم ستكون أكرم منه، فقد أعدت له مفاجأة يتمناها ولم يتمنى سواها. دلف إلى المنزل الغارق في الظلام بعد أن عاد من العمل. يتمنى أن يراها مستيقظة تنتظره، ولكن هيهات. هكذا كان يتمنى نفسه. دلف بهدوء إلى غرفة النوم، ولكنه تصنم في مكانه من روعة المفاجأة. هل هي أميرته تبهره بتلك الهيئة التي بدت عليها؟ لقد أعدت له عشاءً رومانسي على ضوء تلك الشموع، وأيضاً ارتدت له. ما هذا يا إلهي؟ إنها فاتنة. اقترب منها كالمسحور،

وهي تقول بصوت ناعم خجول: "حمد الله على السلامة يا حبيبي." هل يحلم أم أنه دخل الجنة الآن؟ جذبها إليه يتلمس وجهها وهو يقول: "هالة، إنتي بجد ولا أنا بحلم؟ ضحكت بصوت أنثوي وهي تهمس أمام شفتيه: "لأ يا حبيبي، بجد." "طيب اقرصيني علشان أصدق." ضغطت بيدها على وجنته بخفة وهي تقول: "ها، صدقت؟ جذبها إلى صدره يعصرها بين أحضانه وهو يقول: "كذا، أنا صدقت." أنهى كلماته بين شفتيها، يقبلها برقة مراعياً أنها مازالت تخشاه.

وجدها تبادله قبلاته بجهل منها. وما هي إلا ثوانٍ وحملها واتجه بها إلى الفراش. هتفت له بدلال: "لا لا، عمر العشاء." غمز لها وهو يضعها برفق على الفراش: "لأ، أنا هحلى الأول." ثم التقط شفتيها وهو يذهب معها إلى عالم كم تمناه معه فيه. يروي عطش حبه لها، ولكنه كان مراعياً لها، حنوناً عليها، يزيل أي ذكرى مريرة لها معه ويضع أخرى جميلة لهم. ما أن رآها تنزل من سيارة علي، حتى جرى عليها بلهفة وشوق: "علا، استني، عاوز أكلمك."

أجابته بقليل من الغضب: "جواد، لو سمحت افهم بقى، أنا مش هتجوز تاني. ولو سمحت سبني في حالي." اقترب منها وهو يقول بحب: "حالك هو حالي يا علا، ولو عشت عمري كله مش هبعد عنك ولا هسيبك تاني. اديني فرصة يا علا، أنا بحبك والله بحبك." كم أثلجت قلبه كلماته ونبرة صوته الحنونة وهو يترجاها. لكنها هتفت فيه بغضب مصطنع: "لو سمحت يا جواد، أنا لسه في شهور العدة وكدا حرام وغلط." "طيب ما أنا هستنى لبعد العدة واستناكي عمري كله بس وافقي."

أجابته بدلال: "هفكر." هل لأن قلبها له أم أنه يتصور من شدة شوقه لها؟ هتف غير مصدق: "بجد يا علا هتفكري؟ "أيوه، بس مش دلوقتي. بعد جلوس فارس وعاوزة أحضرها." هل استدعت شياطينه الآن؟ بعد ذكر اسم فارس. صاح فيها بغضب: "على جثتي." أجابته بتحدي: "وده شرطي." خضع لها بعد تفكير وهو يقول لها بأمر: "معنديش مانع بس تبقي معايا." "خلاص اتفقنا يا جواد." أسبوع مر وها هي تقف بجواره أمام قفص فارس وهي تنظر له بتشفٍّ.

فقد رأت بأعينها أن الله لم يذهب حقها بل عوضها بالمقر. وها هو فارس ينال عقابه بعد التخطيط المتقن الذي أوقعه فيه جواد، وأيضاً سوء عمله انقلب عليه. فكل إنسان يجني حصاد عمله، من عمل خير يجني الخير، ومن غرس الشر لا يجني إلا شوك الشر. فاقت من شرودها على صوت القاضي: "حكمت المحكمة على فارس حسن الصياد بخمسة عشر عاماً مع الشغل والنفاذ." تنفست الصعداء ورقصت الفرحة في عينيها. هتف ذلك العاشق بجوارها:

"مبروك، مبروك، خلاص حقك رجع يا علا." أجابته بفرحة مثلها: "الله يبارك فيك يا جواد. لولا اللي انت عملته مكنتش أخدت حقي." "أنا معملتش حاجة، ده كرم ربنا علينا." خرج فارس مع الحراسة المشددة عليه. اقتربت منه علا قبل أن يصعد إلى سيارة الترحيلات وهي تقول له: "شوفت يا فارس، ربنا جاب ليا حقي منك، بس عاوزة أقول لك حاجة، أنا عمري ما هسامحك." نظر لها بشر وهو يقول لها بفحيح: "ومين قال لك أنا عاوز سماحك؟

ولا هسيبك تتهني مع حبيب القلب." وقبل أن تفهم مغزى كلماته، جذب السلاح من خصر أحد أفراد الحراسة وصوبه إلى صدر علا، وهو ينوي قتلها. فهو بكل الحالات خسر كل شيء ولن يخسر وحده. أراد أن يحرق قلب جواد وأحمد معاً، وليس أمامه إلا علا، هي من سينتقم منهم فيها. وعى له جواد حين جذب السلاح. وقبل أن تخرج تلك الطلقة منه، دفع جواد علا أرضاً، بينما استقرت تلك الرصاصة في صدر جواد. حدث كل شيء بسرعة وكأنه كابوس.

وقع جسد جواد على الأرض، بينما هرولت علا عليه وهي تصرخ بقلب يحترق من الخوف: "جوددد." حملت رأسه على قدميها وهي تبكي بحرقة: "جود رد عليا، جوووووود." فتح عينيه وهو يقول بصوت متألم: "قلب جود ودنيته."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...