الفصل 22 | من 25 فصل

رواية زوجتي المجنونة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم هيام شطا

المشاهدات
18
كلمة
3,530
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

احتضنت جسده القابع بسكون بين يديها، تكاد تقتلها خفقات قلبها التي اشتعلت من الخوف أن تخسره. لا تعلم كيف وصلت إلى المشفى، كل ما تعلمه أنها في كابوس وحب عمرها يحتضر بين يديها. ليتها أخبرته أنها تعشقه كما يعشقها، ليتها أخبرته أنها منحته سماحها وغفرانها. ليتها، وليتها، ولكن ليت لا نشعر بها إلا مع أول طريق الخسارة. أخذه الأطباء منها على تلك العربة التي دلفوا بها إلى غرفت العمليات. بقلب لهيف تحدثت إلى الطبيب:

"طمني يا دكتور، أرجوك." أجابها الطبيب بعملية: "الحالة خطيرة يا مدام، الرصاصة في مكان حساس وصعب، قريبة من القلب. ادعيله." جلست على الأرض، فلم تعد تقوى على الوقوف. خارت كل قواها وهي تناجي ربها أن ينجيه لها ولأمه ولأخته. "مش هخرج يا ديجا." هتف بتلك الكلمات أحمد وهو يقترب من خديجة بمكر، بعد أن انتوى أن ينهي ذلك البعد الأحمق بينهم. يحبها ولم يعد يقوى على بعدها عن أحضانه. وكيف سيرق قلبها له وهي تنام بعادًا عنه؟

مر أسبوع منذ عودتها وهي على عندها، ولكن نفذ صبره بعد أن فاض شوقه لها. هتفت بغضب مصطنع، فقد اشتاقت له كما يشتاق هو، ولكنها تتدلل وتنتظره أن يخطو الخطوة الأولى، وهي لن تمانع أن خطت خلفه لتطفئ له وبه تلك النار. "لأ يا أحمد، هتخرج من الأوضة، أنا تعبانه وعاوزة أريح." اقترب منها بمكر، احتضن خصرها وهو يقربها إليه ويهمس لها: "طيب، ما أنا كمان تعبان وعاوز آخدك في حضني وأريح شوية بعد الغدا الحلو ده يا ديجا." ضحكت له

بصوت أنثوي وهي تهتف بدلال: "ومن امته يا مستر بتحب تريح بعد الغدا؟ قطع تلك الأناشات القليلة بينهم وهو يقول: "من النهاردة يا قلب وروح المستر." لم تكمل كلماتها، انقض على شفتيها يقبلها بحب ولوعة عاشق محروم من نعيم جنته التي أصبح الآن على أبوابها، وتدعوه سيدته ليخطو بها من جديد بعد أن حرمته من الاقتراب منها.

بأصابع مرتعشة، استجمعت علا قواها وهي تجري اتصالها بإخواتها. لم يجيب أحمد لأن هاتفه مغلق. أعادت الاتصال بعلي، فأجابها على الفور. لم تنتظر سماع صوت أخيها، ما أن أجاب عليها حتى صرخت فيه: "إلحقني يا علي، جواد بيموت." لم يفهم من كلماتها أي شيء بسبب بكائها وشهقاتها. وأخيرًا استطاع أن يعرف منها أين هم وعنوان المشفى. دلف إلى غرفته ليستبدل ملابسه. دلفت وفاء خلفه بعد أن رأت ملامحه القلقة وهي تسأله: "فيه إيه يا علي؟ مالها علا؟

جذبها إلى الداخل وقص عليها ما فهمه من علا بسرعة، وأوصاها أن لا تخبر أمها أو خالتها ولا حتى ريم. "أوعى يا وفاء حد يعرف، أنا هروح آخد أحمد ونروح المستشفى، احنا لسه مش عارفين فيه إيه." أجابته بتأكيد: "حاضر." "حاضر يا حبيبي، بس أول ما تعرف حاجة طمني." تركها وانصرف. كان أحمد في عالم آخر، وعلى أعتاب جنته ومرحب به لدخول فيها، حين تعالى جرس باب بيته وصوت خديجة الذي أخرجه من مشاعره وهي تهتف به وتزيحه: "أحمد، الباب."

"سبيه يخبط شوية، واللي بيخبط هيزهق." عاد يدفن وجهه في عنقها ويقبلها، ولكن صوت الطرقات تعالت على الباب. أصرت عليه تلك المرة: "أحمد، شكلها حاجة مهمة. علشان خاطري شوف مين." ابتعد عنها وهو يجلب قميصه يرتديه، وهو يسب من بين أسنانه ذلك القادم. ما أن فتح الباب حتى صرخ به علي: "الحقنا يا أحمد، جواد انضرب بالنار."

لا يعلمون كيف وصلوا إلى المشفى، وألف سيناريو وسيناريو يدور برؤوسهم. نعم، كلاهما يعلم أن أختهم مع جواد لحضور محاكمة فارس، بعد أن استأذنت علا أباها وأخويها في حضور تلك الجلسة برفقة جواد. ولكن ماذا حدث؟ ومن الذي ضرب الرصاص؟ هدأت أسئلتهم حين ارتمت علا بين أحضان أخويها وسندها في الحياة. ضمها علي إلى صدره وهو يهدئ من روعها ويجلس بها على أقرب مقعد، ويجلس أحمد بجوارهم.

"أهدي، أهدي يا قلبي، أهدي يا حبيبة قلبي، احنا خلاص معاكي، متخافيش." أخذ يربت على ظهرها وأحمد يملس على شعرها. بعد فترة قليلة، خرجت من أحضان أخيها وبدأت تقص عليهم ما حدث. هتف أحمد بغضب: "يا نهار أبوه أسود، يعني ابن الـ... "كان عاوز يموتك." بصوت باكي منتحب أجابته: "أيوه يا أبيه، لولا جواد زقني والرصاصة جت فيه هو. يا ريتني موت أنا وهو." احتضنها أحمد بقلب لهيف: "بعد الشر عليكي يا حبيبتي." ثم أكمل بصوت مطمئن:

"إن شاء الله جواد هيبقى زي الفل." هل يطمئنها أم يطمئن نفسه؟ وها هي تمضي الساعات كأنها دهر، وثلاثتهم أعينهم معلقة على ذلك الباب الذي يقبع خلفه جواد بين يدي الأطباء. جلست بقلب يحترق عليه من القلق. نظر إلى ملابسها التي ترتديها والتي تحمل دماء عزيز قلبها. بعد عدة ساعات، خرج الطبيب من الغرفة. جرى عليه أحمد وعلي وعلا. هتف أحمد بصوت قلق: "ها يا دكتور، جواد عامل إيه؟ أجابهم الطبيب:

"الحمد لله، العملية نجحت وخرجنا الرصاصة. وحفاظًا على القلب لازم يفضل في العناية المركزة كذا يوم وربنا يسهل إن شاء الله، وبعدها يخرج لأوضة عادية." سألته علا بلهفة: "يعني هيعيش يا دكتور؟ أجابها الطبيب وهو مشفق عليها: "إن شاء الله يا مدام. وبعدين إحنا كلنا تحت رحمة ربنا. ادعيله."

تركهم الطبيب وانصرف. بعد برهة، خرج جواد محمولاً على ذلك السرير يدفعه بعض الممرضين. هرولت خلفه علا وأحمد وعلي. وأخيرًا دلف إلى غرفته العناية المركزة. وبقيت هي وأخواتها ينظرون إليه من خلف ذلك الزجاج. هي تحترق من الخوف عليه، وأحمد وعلي شارفا على الموت رعبًا على أخ وصديق ظلمته الحياة، وها هو يكافح ليحيا ما تبقى منها. كادتا أن تحترق قلوبهم من الخوف والقلق عليهم، فالأخوة الثلاثة في المشفى، لا أحد منهم يجيب على هاتفه.

همست خديجة لوفاء بقلق: "خلاص يا وفاء، مش قادرة أستحمل أكتر من كده. محدش بيرد منهم. أنا هموت من القلق." همست لها وفاء بنفس الخوف والقلق الذي ظهر جليًا في صوتها: "ولا أنا يا خديجة. إحنا هنا مش عارفين حاجة. الله أعلم جواد حصله إيه. أنا خايفة يكون حالته خطيرة." وضعت خديجة يدها على فمها وهي تكتم شهقتها، ثم قالت لكي تطمئن حالها ووفاء: "لأ، لأ يا وفاء. لو حصل حاجة، بعيد الشر، كان زمانا عارفين."

صاحت فيهم وهم يتهامسون الحاجة سعاد بقلق نهش قلبها على أبنائها: "وفاء، إنتي وخديجة، حد فيكم يعرفني فيه إيه؟ وعلا فين؟ ومبتردش على التليفون ليه؟ ومحدش يكذب عليا تاني ويقولي راحت عند ريم بعد جلسة فارس، علشان لسه قافلة مع ريم وهي مش هناك." ثم أكملت بصياح: "أنا قلبي مش مطمن، أكيد حصل حاجة لأولادي. وأحمد وعلي اختفوا، راحوا فين؟ انطقي إنتي وهي." وأثناء صراخها، دلف إليهم الحاج محمد وهو يسألها بقلق: "فيه إيه يا سعاد؟

بتزعقي للبنات ليه؟ أجابته بغضب: "اسألهم مخبيين عني إيه؟ وأولادك فين؟ خرجوا من بعد الغدا ومحدش رجع منهم، والساعة داخلة على 11. لعلا رجعت من الصبح ولا حد من ولادك." نظر محمد إلى خديجة ووفاء، ثم سألهم بهدوء عكس القلق الذي اشتعل في صدره: "فيه إيه يا وفاء؟ علي وأحمد وعلا فين؟ وقبل أن تقولي مش عارفة، أنا متأكد إنك عارفة." قبل أن تجيب وفاء، اندفعت خديجة كعادتها، فهي لم تعد تتحمل أكثر من ذلك. قالت لمحمد:

"لأ، فيه يا بابا. وبصراحة كده، أنا هقولك، علشان إحنا مش عارفين نتصرف." ثم بدأت تقص على أبو زوجها كل ما حدث، ثم أنهت كلامها: "والله يا بابا، ده اللي حصل، ومن ساعتها إحنا مش عارفين حاجة عنهم." قفز القلق من عين محمد، بينما صرخت سعاد باسم جواد، ونهش الخوف قلبها، فهو لم يكن فقط ابن أختها، إنه ابنها أيضًا وتربى مع أولادها. أخرج محمد الهاتف وقام بالاتصال بأحمد، الذي ما أن أبصر اسم أبيه على الهاتف فأجابه بسرعة:

"أيوه يا حاج." "أيوه يا أحمد، اسم المستشفى إيه اللي أنتم فيها؟ أجابه مطمئنًا: "اطمن يا حاج، جواد كويس، وأنا روحت علا مع علي، وهفضل أنا معاه." قاطعه أبيه بحزم: "أنا قلت لك، أنتم في مستشفى إيه؟ ترد عليا باسم المستشفى." أجابه أحمد بقلة حيلة: "إحنا في مستشفى... "يا بابا." هتف الحاج محمد في سعاد:

"أجهزي يا حاجة علشان هنروح على المستشفى. وإنتي يا خديجة، خليكي هنا مع وفاء، وأنا هروح أجيب بهية تاخدوا بالكم منها، علشان هناخد ريم معانا تطمن على أخوها." أجابته خديجة ووفاء بطاعة: "حاضر يا بابا الحاج." وما هي إلا دقائق وفعل ما قاله، وها هي بهية تجلس مع وفاء وخديجة يعتنون ببهية، ولم يخبروها بالحقيقة كاملة. أخفوا عنها ما أصاب جواد، كل ما قالوه لها أن علا مرضت بعد جلسة فارس واضطر جواد أن يأخذها إلى المشفى.

ذهبت ريم مع سعاد ومحمد إلى المشفى. ما أن دلفوا حتى هرولت ريم وهي تنتحب على أخيها. جرت على علا التي احتضنتها، وهي يقتلها الشعور بالذنب، فهي من أصرت على الذهاب مع جواد، وهي أيضًا من كانت هدف فارس، لولا يد جواد التي أبعدتها ليتلقى هو مكانها الرصاصة. سألتها ريم بصوت باكي: "جواد ماله يا علا؟ حصله إيه؟ أجابته مهدئة لها: "أهدي، أهدي يا حبيبتي، جواد كويس، إن شاء الله هيبقى كويس." هل تطمئنها أم تطمئن روحها؟

يا إلهي، ماذا تفعل؟ جلست ريم وهي تبكي بحرقة على أخيها المغدور من ذلك الخائن الذي دمر كل شيء بحقده وغله، وأيضًا استغلها في تدمير أخيها، فهي أيضًا غرست سكين أشد فتكًا من تلك الرصاصة في صدر أخيها. جلس أحمد وعلي بجوار أبيهم يقصون عليه ما حدث. وأخيرًا تحدث الحاج محمد: "إنتوا الاتنين غلطانين، إن محدش فيكم عرفني فيه إيه." أجابه أحمد مدافعًا عن أخيه، معللاً:

"بابا، كل حاجة حصلت بسرعة، وحضرتك كنت بره البلد، فأنا وعلي اتصرفنا." "ماشي يا أحمد، المهم دلوقتي، واحد فيكم هيفضل هنا مع ريم، وواحد ياخد أمه وأخته ويروح على البيت. وأنا هروح المركز للزفت." أطاعه الجميع، بينما أصرت علا على المبيت مع ريم وأحمد. هتفت بها أمها بقليل من الحدة: "هتباتي فين يا علا؟ تعالي يا حبيبتي معايا، وبكرة الصبح هنيجي كلنا، وخلاص الفجر قرب يأذن." أجابتها بترجى:

"علشان خاطري يا ماما، مش قادرة أسيبه وهو في الحالة دي." تمزق قلبها على صغيرتها وعلى حالها. ربتت ريم على كتفها بحنان وهي تقول لها: "مش هينفع يا علا، تفضلي كده هنا وهدومك دي اللي كلها دم. روحي غيريها وارتاحي وتعالي الصبح. واللي هيفضل هنا، يعني هيعمل إيه؟ إحنا كلنا بره، وجواد بين أيادي رحمة ربنا، وإحنا كلنا بندعيله."

امتثلت علا لحديث ريم وذهبت مع علي وأمها على أن تعود في الصباح. جلس أحمد بجوارها وهو يطمئنها على جواد، الذي خرج الطبيب من عنده وقد أخبرهم أن ضربات قلبه بدأت تستقر. جلست تنتحب بصوت خافت وتحمد ربها أنه نجى لها أخاها، وتدعوه أن يتم شفاها على خير. استأذن منها أحمد وخرج إلى حديقة المشفى يدخن سيجارة ويتصل بخديجة يطمئن عليها ويطمئنها على جواد. "أيوه يا خديجة." بصوت لهيف أجابت عليه: "أيوه يا أحمد. أيوه يا حبيبي، عامل إيه؟

أجابها بحب: "أنا الحمد لله كويس، وكمان جواد الحمد لله حالته استقرت. أمي وصلت." "أيوه يا حبيبي، وصلت من ساعة هي وعلا، بس علا صعبانة عليا قوي يا أحمد." سألها بخوف: "جرالها حاجة؟ أجابته لتطمئنه: "لأ يا حبيبي، اطمن. هي كانت منهارة من اللي حصل لها، بس أنا ووفاء فضلنا معاها، وأخدت شور ودخلناها تنام، ونامت." "وإنتِ فين يا خديجة؟ أوعي تكوني روحتِ." "لأ، لأ يا حبيبي، أروح فين؟ أنا هنا مع وفاء وماما سعاد، متقلقش."

"أنا هنام في أوضتك يا حبيبي." "خدي بالك من نفسك يا روحي." "حاضر يا حبيبي. ابقى طمني لو حصل حاجة." أنهى معها المكالمة وهو يجلس على مقعد في حديقة المشفى. بينما ريم ظلت جالسة أمام الغرفة التي ينام بها جواد. غلب عليها النوم مع ساعات الصباح الأولى، حين أتى ذلك الطبيب الذي يباشر حالة جواد. لفت نظره تلك التي تغفو بملامح جميلة هادئة، وأيضًا حزينة أمام غرفة المريض. تذكرها وهي تصرخ باسمه حين جاءت إلى المشفى،

وهي تسأله: "جواد، أخويا، جراله إيه؟ " إذن هو أخوها. استفاق الطبيب من تخيلاته حين لمحها تتململ في نومتها غير المريحة. استقام في وقفته وهو يجلي صوته حين رآها استفاقت: "حضرتك نايمة كده ليه؟ سألها بلهفة، بينما لم تسمع أي كلمة مما نطق بها. "جواد كويس يا دكتور؟ حصله حاجة؟ أجابها مطمئنًا: "جواد الحمد لله، حالته بقت زي الفل، ربنا كتبله عمر جديد." ثم أكمل لها أمرًا وكأنه يعرفها منذ زمن بعيد: "أنا بسألك نايمة كده ليه؟

أجابته ببلاهة: "كده اللي هو إزاي حضرتك؟ تدارك موقفه الحرج وهو يشير إلى إحدى الغرف: "لو عاوزة تريحي شوية، اتفضلي نامي هنا، دي أوضة فاضية لحد ما جواد يفوق." شكرته بتهذيب وسألته: "هو هيفوق إمتى يا دكتور؟ أجابها بصدق: "إن شاء الله كلها كام ساعة ويفوق، وبكرة إن شاء الله لو حالته فضلت مستقرة هننقله أوضة عادية." سألته بلهفة: "هو ممكن يحصل له حاجة يا دكتور؟ ابتسم لها ليطمئنها وهو يقترب منها ويقول:

"لأ، اطمني، إن شاء الله مش هيحصل حاجة." ابتسمت له، ولكن الحزن غلب على ملامح وجهها وهي تشكره: "شكرًا لحضرتك يا دكتور." تركها وانصرف، ولا يعلم لماذا وقف أمامها، لماذا جذبت انتباهه؟ هل لأن عيناها حزينة أم لأنها تشبهها إلى حد كبير؟ وصل الحاج محمد إلى مكان حجز فارس، ولكنه صعق مما سمعه من ضابط المركز: "مات فارس؟ مات إزاي يا فندم؟ أجابه الضابط:

"أيوه يا فندم، هو لما أخد المسدس وضرب نار على المدنيين، القوات اللي كانت واقفة قدام المحكمة ضربت عليه. ضربت عليه نار وهو اشتبك معاها علشان كان هيهرب، وأثناء الاشتباك هو اتصاب إصابة خطيرة، وقبل ما نوصله بالمستشفى كان مات." "إنا لله وإنا إليه راجعون." تلك الكلمات التي نطق بها الحاج محمد، وبعدها هاتف علي الذي كان على وشك النوم بعد تلك الليلة المريرة. أجابه علي وقص عليه أبيه كل شيء.

عليه فعله ليدفنوا جثمان فارس. عاد الحاج محمد إلى منزله مع ساعات الصباح الأولى، وقد أخبر بهية وسعاد بما حدث لفارس. رغم ما فعله فارس في بهية وسعاد، إلا أنهم حزنوا لما أصاب ابن أختهم. كما مر الليل ببطء وحزن شديد، كان النهار مثله. في الصباح، استلم علي جثمان فارس من المشفى، وقاموا بإجراءات الدفن والعزاء. انتهى شر فارس، والعجب هو أيضًا من أنهى حياته، بينما أراد أن ينهي حياة غيره، لينهي هو حياته بيديه.

بينما انشغل الجميع في عزاء فارس، هي لم تنشغل أو حتى تحزن عليه، وإنما ذهبت مبكرًا إلى المشفى لكي تطمئن على غاليها وأسر قلبها الذي ضحى بحياته لأجلها. هي دلفت تبحث عن ريم التي كانت ما تزال تجلس أمام غرفة أخيها. هرولت إليها وهي تسألها بلهفة: "ها يا ريم، مفيش جديد؟ أجابتها ريم: "لأ يا علا، الدكتور بيقول إن شاء الله هيفوق كمان ساعات." جلست بجوارها. وبعد بضع ساعات، جاء الطبيب يوسف المشرف على حالة جواد. أقبل عليهم مبتسمًا.

هرولت إليه ريم وهي تسأله: "جواد عامل إيه يا دكتور؟ أجابها ممازحًا، بينما هي خطفت دقة من قلبه حين لمحها: "والله جواد، أنا سايبه من أربع ساعات ومؤشراته الحيوية كلها تمام. أنا اللي شكلي تعبت." سألته باهتمام: "سلامتك حضرتك." وسألته علا بقلق: "ممكن حضرتك تسمح لنا ندخله؟ أجابها بهدوء: "كل واحدة لوحدها خمس دقايق بس."

دلفت علا أولاً، بعد أن أصرت عليها ريم لتدخل قبلها، بعد أن طمأنها يوسف على حالة جواد وأخبرها أنه ممكن أن يفيق في أي وقت، وبعدها ينقلونه إلى غرفة عادية. دلفت إليه وقلبها يتمزق عليه من الخوف، بعد أن رأت شحوب وجهه وتلك الأجهزة الموصلة به. جلست بجواره وهي تحتضن كفه الكبير بين يديها وتهمس له: "جواد حبيبي، فوق، عاوزاك تسامحني، أنا آسفة يا جواد، ياريتني كنت أنا وأنت لأ، يا حبيبي."

زاد انتحابها وهي تكتم شهقات بكائها. شعرت بيديه تتحرك بين يديها. نظرت له وهي لا تكاد تصدق أنه بدأ في استعادة وعيه، وهو يهتف باسمها الذي خرج متقطعًا من بين شفتيه: "عل... علا." أجابته بلهفة عمره كله: "علا." "هرولت إلى الباب لتهتف بالطبيب الذي ما زال يقف مع ريم: "دكتور يوسف، جواد فاق." انتهى البارت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...