الفصل 19 | من 25 فصل

رواية زوجتي المجنونة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم هيام شطا

المشاهدات
19
كلمة
2,527
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

صرخة بهية أرعبت قلب جواد وهو يهرول على درجات السلم ليلحق بأمه. وما أن وصل إليها حتى وجد جسدها مفترش الأرض، وأسفلها بقعة كبيرة من الدماء. حملها على قدمه وهو يصرخ بأعلى صوته في علي: "علي اطلب الإسعاف بسرعة، أمي هتموت! أمسك أحمد بفارس وأنهال عليه بالضرب والسباب إلى أن أتت الشرطة. أخذت وفاء ريم وذهبت مع علي وجواد إلى المشفى. بقيت علا مع أحمد وهو ينهي إجراءات تسليم ذلك المجرم إلى العدالة. وقف أمامه حين أنهى أقواله لضابط

الشرطة وهو يهتف به بغضب: "ارتحت كدا يا فارس؟ حتى خالتك اللي ربتك وعملتك أحسن من ولادها مسلمتش من أذاك، أنت إيه؟ أنت ليه كدا؟ نظر له فارس بينما يعمل عقله كالآلة. لقد خسر في لحظة كل شيء، خسر زوجته وتزوج بريم، وياليته سيتزوجها. يعلم أن جواد سينتقم منه بشدة على ما فعله، وإن كان انتقامه قبل سابق مرة سينتقم منه ألف مرة. إن ماتت خالته بهية فسيكون هو الخاسر الأوحد في تلك القضية، ولكن مهلاً، لن أخسر وحدي. هذا ما

حدث به فارس نفسه المريضة: "لن أترك أحمد ينعم بدفء تلك الجميلة بينما أتجمد أنا من برودة السجن." وقبل أن يتركه أحمد وينصرف، اقترب منه وهمس له بفحيح وضحكة ملتوية: "نسيت أقولك يا مستر، إن حرمك المصون كانت عايشة حياتها براحتها زيها زي بنت خالتك بالظبط. آه مهما كانوا أنتيم وزي ريم ما كانت ماشية معايا هي كمان كانت ماشية مع حبيبها. وابقى اسألها كانت مستنية مين يجي يتجوزها، وأما مجاش قالت يلا أتجوزك وخلاص."

نزلت كلماته على أحمد وكأنها حمم بركانية. ظهر غضبه في عينيه، ولكنه تمالك غضبه ومال عليه بنفس الهدوء وهو ينظر في عينيه بتحدي ويقول: "مش مهم كانت مستنية مين، المهم هي في حضن مين." دَلفت إلى منزل أبيه ونار القلق تأكلها وهي تسأل الحاجة سعاد بقلق ظهر جليًا في صوتها: "ها ياماما، مفيش حد اتصل منهم؟ أجابتها سعاد بصوت قلق:

"لأ يا خديجة، محدش اتصل ولا أعرف حاجة. وكل ما أتصل على وفاء ولا علا ولا دي بترد ولا دي بترد. أنا قلبي مش مطمن يا بنتي، من ساعة ما شفت بهية وحالتها وأنا مش فاهمة أي حاجة من كلامها." حاولت خديجة أن تطمئن سعاد وهي تربت على كتفها: "متخافيش يا ماما، إن شاء الله خير." مسكت هاتفها وعاودت الاتصال بأحمد مرة أخرى، ولكن تلك المرة أجابها وهو بالمشفى بجانب جواد. "الو، أيوه يا أحمد، أنتم فين يا حبيبي؟

نزلت كلماتها ولهفة صوتها عليه تسكت أي صوت للشك الذي زرعه ذلك الشيطان في نفس أحمد. أجابها بحزن: "إحنا في المستشفى يا خديجة." صرخت هي من الخوف عليه: "مستشفى إيه يا حبيبي؟ أنت كويس؟ علا ووفاء كويسين؟ أجابها بسرعة حتى لا تسترسل في قلقها: "أهدي أهدي يا خديجة، كلنا كويسين بس." "بس إيه يا أحمد، طمني." أجابها بحزن: "خالتي بهية في العمليات وحالتها خطيرة."

بخطى متعثرة دلفت إلى المشفى بصحبة سعاد التي تنتحب على أختها التي لا تعلم ماذا أصابها، وبجانبها من تستند عليه طيلة عمرها شريك دربها الحاج محمد الذي أخذ يطمئنها بالكلمات ويهدئ روعها: "أهدي يا سعاد، إن شاء الله خير. متخافيش هنعرف دلوقتي إيه." أما خديجة فكانت عيناها تبحث عن عشق روحها كي يهدأ قلبها. وأخيرًا تلاقت عيناه مع أعينها القلقة عليه وهي تجري عليه وترتمي بين أحضانه ويداها تتلمس وجهه وجسده بلهفة:

"احم… د أحمد يا حبيبي، فيك حاجة؟ أنت كويس؟ كانت تتحدث وعيناها تنهمر بدموع تعرف سببها، قلقها عليه الذي شق روحها. مسك يدها وقبلها وهو يحدثها بحنان: "أهدي أهدي يا حبيبتي، أنا كويس وكلنا بخير. انتِ إيه اللي جابك؟ أنا قولت لك إننا بخير." أجابته بلوم: "يعني إيه؟ أنت عاوزني أعرف إنكم في المستشفى ومطمنش عليكم؟ ضمها إليه بحنان وأخذها وذهب إلى أمه وأبيه كي يطمئنهم.

جلست بجواره لا تعرف أبجديات الحديث الذي تريد أن تقوله إليه. أتواسيه على مصابه في أخته، أم تطمئنه على أمه؟ تاهت الكلمات في حلقها حين نظرت إليه ووجدت عيناه بها جبال من الحزن والهموم. فماتت الكلمات على شفتيها وما تحدث فيها. نظرت عينيها له وهي تطمئنه على ما أصاب حياته: "مجرد محنة وستأتي بعدها المنحة." أخيرًا خرج الطبيب من غرفة العمليات. هرول إليه جواد وريم والتف البقية حوله وهم يسألونه عن حالة بهية. أجابهم الطبيب بعملية:

"الحمد لله يا جماعة، كان فيه نزيف على المخ قدرنا نوقفه، بس للأسف ده هيأثر على حالة المريضة." سأله جواد بتوجس: "حضرتك تقصد إيه؟ أجابه الطبيب: "قصدي أن النزيف عمل لها مضاعفات في الحركة، للأسف مش هتقدر تتحرك زي الأول." صدمة ألجمت الجميع، وأولهم جواد وريم التي جلست على الأرض تبكي وتنتحب على أمها التي فقدت الحركة بسبب سوء تربيتها للابن الضال الذي أذى كل من حوله، حتى هي لم تسلم من أذاه.

انصرف الجميع بعد أن أصر جواد على ذلك. إلا أن علي وأحمد أصروا على أن يكونوا بجانبه. وبعد نقاش طويل، بقى علي وجواد وانصرف أحمد بالباقي. دلف أحمد مع أبيه الذي استوقفه وهو يقول له: "استنى يا أحمد، عاوز أعرف إيه اللي حصل."

وبالفعل قص أحمد كل شيء. أخبره به جواد منذ أن طلب منه هو وعلي أن يسبقوه إلى بيت فارس وينتظروه هناك. صعقت سعاد مما سمعته عن فارس وما فعله بريم وبهية وعلا. هل كانوا يربون إنسان يتيم أم ثعبان لم يسلم أحد من لدغاته؟

دخلت علا ووفاء إلى ريم ووجدواها متكورة على نفسها في الفراش تبكي بحرقة على ما آل إليه حالها وما صنعته بها أمها. انفطر قلب علا عليها، سحبتها إلى حضنها وأخذت تهدئها بكلمات حنونة. وكم كانت تلك الكلمات وفعل علا معها يشعرها بدونيتها ودونية فعلها معها. ليتها لم تتدخل وتسمع كلام ذلك الشيطان وتركت علا لجواد. ليتها لم تفعل أي شيء، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. "هموت من التعب." "بعيد الشر عليك يا حبيبي."

تلك الكلمات التي هتف بها أحمد لتدل على أن يومه وليلتها كانت من أكثر الأيام والليالي تعبًا وإرهاقًا وحزنًا. "أنا حضرت لك الحمام يا حبيبي، خدلك شور وكل حاجة خفيفة ونام."

استجاب أحمد ليد خديجة التي تحثه على التحرك للحمام وهي تعد له طعامًا خفيفًا. وما هي إلا دقائق وكانت تدثره في الفراش بعد أن غفى في دقائق. وانتظمت أنفاسه، انضمت له في الفراش. وما هي إلا ساعات قليلة وتعالى صوت هاتفها. نظرت فيه بعينين نصف مغمضتين، وعندما رأت أن عمر هو المتصل، قامت من الفراش لكي تحدثه. "أيوه يا عمر." أجابها عمر من الناحية الأخرى:

"الحقيني يا خديجة، أنا غلبت مع هالة ومش راضية تقعد وبتقول لي طلقني، أعمل إيه يا خديجة؟ خايف أجيبها مصر ترجع عند أهلها وتطلب الطلاق. أنا أموت من غيرها يا خديجة." تنهدت خديجة بضيق من ابن خالها المتهور الذي كما يقولون يفعل فعلته ثم يأكل أنامله من الندم. "طيب يا عمر، أهدي وأنا هكلمها." أجابها بغضب: "أهدي إيه يا خديجة؟

بقولك عاملة ثورة عليا هنا مش مديني فرصة حتى أكلمها. معلش يا عمر، أنا هكلمها ومتنساش إن انت السبب في ده كله." كم شعر بالغضب من نفسه. ماذا فعل بحب حياته في لحظة رغبة سيطرت عليه. استيقظ أحمد حين شعر بقيامها من جانبه. قام يبحث عنها وكانت هي تنهي حديثها بعمر وهي تقول له: "أوعدك يا عمر إني هتصرف." "خديجة بتكلمي مين بدري كدا يا روحي؟ أجابته بكذب، فهي لن تفصح أمر ابن خالها وابنت عمها مهما حدث:

"سلامتك يا حبيبي، دي نمرة غلط. تعالى كمل نومك يا حبيبي." مشي معها إلى الفراش، لكن رياح الشك بدأت تداعب عقله من جديد. إن كانت تحدث عمر، فلماذا تخفي عنه؟ "أنا عاوزة أنزل، إنت إيه؟ هتحبسني هنا؟ صرخت هالة في عمر الذي نفذت منه كل حججه لكي تبقى معه في روما. نعم، أخطأ بحقها، ولكنه مجرد خطأ واحد. لماذا أقامت القيامة؟ لها اعتذر منها وحاول بشتى الطرق استرضاءها، ولكنها لا ترضى. اقترب منها بخطى متأنية وهو يسألها:

"أهدي بس يا حبيبتي وأنا هعمل لك اللي انتِ عاوزاه." "أنزل مصر." "حاضر يا هالة. هتنزل مصر بس علشان خاطري، أوعديني إننا ننزل على بيتنا." "لأ، ليه بس يا هالة؟ والله ما هقرب منك أبدا." ثم استرسل بصوت نادم: "إحنا هنا قربنا على شهر يا هالة، أنا ضايقتك في حاجة؟ غصبتك على حاجة؟

لا تنكر أن نبرته المنكسرة أثرت بها، إلا أنها تمسكت بعنادها مرة أخرى، فهي لن تغفر له ما فعله معها في أول ليلة بينهما. أنها إلى الآن تخشاه وتخشى لمسته، وإن كانت عن طريق الخطأ. اقترب بهدوء منها وهم يلتمس وجهها لكي يطمئنها له. أجفلت من لمسته وابتعدت مسرعة عنه وهي تصرخ به: "قولت لك متلمسنيش." "حاضر يا هالة، حقك عليا، والله ما هلمسك. بس اديني فرصة واحدة يا هالة، أحاول أصلح غلطتي."

ثم أكمل بصوت نادم: "أنا بحبك يا هالة وبموت فيك، سامحيني." قتل قلبها توسله لها، فهو منذ تلك الليلة لم يقترب منها، لم يطلب منها شيئًا. يحاول وبشتى الطرق إسعادها، يأخذها كل يوم في جولات جديدة ونزهات، لم يبخل عليها بشيء. ولكن شيطانها صور لها كل هذا ليس إلا مقابل لجسدها إذا أراد التمتع به، وهذا ما جعل كل أفعاله تذهب هباءً أخيرًا. وجد التعقل بابًا لها حين هتفت له: "عاوزني أسامحك؟ قال بصوت أنار الأمل: "اكيد يا حبيبتي."

"بشرط." "موافق عليه من قبل ما أعرفه." "نزّلني مصر، نسلم على أهلك الأول، وبعد كدا أروح عند أهلي لغاية ما أهدى من ناحيتك وأطمن لك، تبقى تيجي تاخدني." وهل له أن يرفض بعد أن وصل أخيرًا إلى اتفاق مع تلك العنيدة التي أدهشته بقوة شخصيتها وعدم الخنوع له ولا لأي مغريات حاول بها جذب رضاها. ولكنها الآن على مشارف الغفران له، لا يمانع أن تدللت عليه قليلاً لتفعل ما يحلو لها، المهم أنها سوف تعفو عنه.

وبالفعل كان يحقق لها ما أرادت ويفعل لها كل شيء. وها هي تنعم بأحضان أهلها منذ أسبوع وهي تمكث معهم. وكلما طلب منها العودة إليه، تماطل في العودة. ولكن صبر. "بجد بقى يا هالة، حرام عليكِ، الواد جاب آخره." هتفت بها خديجة موبخة إياها بعد أن امتنعت عن الرد عليه في الهاتف. أجابتها هالة بمراوغة: "وأنا مالي يا ديجا؟ هو اللي وافق يجي هنا يومين، خليه قاعد لوحده في الشقة علشان يتربى." "يا مفترية يا هالة، يتربى إيه؟

دانتِ طلعت عينه، حرام عليكِ، حني بقى عليه." "خايفة يا خديجة، خايفة منه." وكم كانت كلمات قليلة، ولكنها لخصت كل معاناتها وهروبها من زوجها طيلة الأيام السابقة. جذبتها خديجة إلى حضنها وهي تطمئنها: "والله ندمان وعمره ما هيكررها." "تفتكري؟ "أنا متأكدة، جربي بس توثقي فيه مرة واحدة." "خلاص يا خديجة، قولي له ييجي ياخدني بكرة." ابتهجت خديجة لقرار هالة. هتفت بها بفرح: "أنا هروح بقى أبشره، هو عند بابا."

انصرفت خديجة مسرعة لبيت أبيها حتى تنقل البشارة. عمر أتاها اتصال أحمد: "أيوه يا روحي، خلصتي قعدتك مع هالة؟ أعدي آخدك في طريقي وأنا راجع من المستشفى." "لأ يا أحمد، أنا لسه هقعد شوية، روح أنت وأنا هبقى أجي." وقبل أن ينهي الاتصال، لمحها تدلف إلى بوابة بيت أبيها. أوقف السيارة وترجل منها ليلحق بها. ولكن ما رآه ألجم لسانه، وهي تهتف بفرحة عارمة لذلك الواقف ينتظرها وهي تقول: "عمر، خلاص المشكلة اتحلت، أخيراً مبروك يا عمور."

انتفض الآخر من الفرحة وهو يهتف بها: "ربنا يخليك ليا يا أحلى ديجا في الدنيا." لم يتحمل ذلك الواقف. اشتعل من نار غيرته وملايين الأفكار العاطبة ضربت بذهنه. انقض على يدها التي يحتضنها يد عمر وهو يصرخ بها: "خديييييييجة! إنهار عالمها وعلمت أن القادم لا ينذر بالخير. شعرت أن العالم يدور بها واستسلمت لتلك البقعة السوداء التي سحبتها إليها. كل ما سمعته صرخته وهو يتلقى جسدها قبل أن يرتطم بالأرض. "خديييييييجة….."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...