خديجة. كان هذا صوت أحمد الذى حضر مع آخر كلمات خديجة لريما: "اطلعي بره بيتي." لم يسمع إلا تلك الكلمات. عصفت بها الظنون. ماذا سيظن بها أو بماذا ستخبره إن سألها عن سبب طردها لإبنة خالته؟ لم تخبره قبل سابق عن كلام تلك الـ... معها. كيف لها أن تنجو من هذا الموقف؟ ليتها أخبرته وقتها بما قالته عنه. جذبها أحمد بشيء من العنف وهو يحدثها: "خديجة فيه إيه؟ "إيه اللي حصل من ريم؟ بتطرديها ليه؟
يعلم أن بينها وبين ابنة خالته شيئًا، لأن كل شيء بينهم اختلف بعد زيارة ابنة خالته لها قبل شهر وقت خطبتهم، تلك الزيارة التي لم تخبره بها ولكن أمها أخبرت بها. يتذكر جيدًا إنها بعد تلك الزيارة كادت أن تنهي الخطبة لولا ذكاءه الذي دفعه أن يعقد قرانه عليها في اليوم التالي. ترى ماذا تخفي عنه خديجة وبماذا أخبرتها ريم؟ "يا خديجة هتقولي بتطردي ريم ليه، ولا هي اللي هتقول؟ "فيه إيه يا ريم؟ مضايقة خديجة في إيه؟ تصنعت تلك
الشمطاء البراءة وهي تتحدث: "أنا أنا يا أحمد والله ما عملت حاجة ومش عارفة ديجا متغيرة معايا ليه من وقت خطوبتكم. اسألها قدامك أهي، كل ما تشوفني تصدر ليا الوش الخشب، وآخرتها أول ما شفتني جايه أبارك لكم طردتني، والحمد لله إنك سمعتها بودانك." أغمضت خديجة عيناها تريد أن تهرب من ذلك الموقف التي وضعت نفسها به. واستغلته تلك الـ... ماذا تفعل؟ ليتها استمعت لنصيحة هالة وأخبرته كل شيء. ماذا إن أخبرته الآن؟ هل سيصدق؟
أخذت نفسًا عميقًا وأخيرًا تحدثت: "مفيش يا أحمد، مفيش حاجة بينا. بس ده بيتي وأنا حرة أستقبل فيه اللي أنا عاازاه." تلك الغـ... لقد هربت مرة أخرى. كان يضغط عليها، يعلم أن ابنة خالته قالت لها شيئًا سيئًا أو افترت على أحد، وهذه كانت الفرصة المناسبة التي سيعرف منها وينصرها عليها. ولكن مهلًا، لن يخذلها أيضًا. وكيف له أن يكسر قلبها؟ وفي أول موقف لهم سيتركها حتى تتغلب على هروبها وتخبره ماذا قالت تلك الـ...
وقف بجانبها، مال على قلبها، جذبها إلى جواره، احتضن خصرها النحيل وهو ينظر داخل عيناها كي يطمأنها. ونظر أخيرًا إلى ريم وهو يقول: "والله يا ريم أنا أعرف إن خديجة من بيت طيب ومش هتطردك كدا منها لنفسها. ضروري فيه سبب، بس طالما أنتِ مقولتيش وهي كمان مقلتش، يبقى... "أنا آسف. ده بيت خديجة تستقبل اللي تستقبله براحتها، واللي مش عاازاه يبقى مع السلامة." قال آخر كلماته وهو يشير لريم على باب البيت بيده وعيناه.
شعرت ريم وكأنها غرقت في دلو ماء حين خرجت. صفع أحمد الباب خلفها بشدة. أما تلك التي تخشبت في مكانها في ذهول من موقف زوجها، تحاول استيعاب ما حدث للتو. لقد وقف بجانبها دون أن تطلب أو تشرح أو تفسر. أهكذا يكون الحب؟ أم هذا شيء تعدى الحب؟ نعم، وثق بها دون دفاعها عن نفسها. هنا رأت خديجة صورة جديدة من صور عشقها له. إنها الثقة. وجه جديد من أوجه الحب الذي ظهر اليوم في أول موقف تتعرض له في بيته. نظرت له وهمت أن تتحدث. وضع إصبعه
فوق شفتيها ثم أردف يقول: "ديجا يا قلبي، أنا مش هسألك عملتي كدا ليه مع ريم، لأن ده بيتك وأنتِ حرة. بس أكيد فيه حاجة حصلت بينك وبينها ومش هضغط عليكي علشان أعرفها. بس كمان لازم يبقى عندك ثقة فيا." "أنا يا أحمد والله بثق فيك." أجابت عليه خديجة بلهفة حتى يعلم أن ما منعها من إخباره شيء آخر لا علاقة له بالثقة. قبل طرف شفتيها وهو يبتسم لها وهو يقول: "أمال إيه يا ديجة؟ خايفة؟ أحنت رأسها وتوترت ملامحها وهي تجيب: "هو... اصل...
يعني أنا مبحبش المشاكل ولا عاوزة حد ياخد فكرة وحشة عني." "مين ده يا قلبي اللي ياخد فكرة وحشة؟ على العموم يا ديجا، هو موقف وعدى. وأول ما تحبي تحكي أنا تحت أمرك يا حبيبتي. ويلا بقى جهزي، اتأخرنا على الحاجة سعاد وأنا هموت من الجوع." "خمس دقائق يا حبيبي ونخرج." "ماما، هو أحمد وخديجة وصلوا ولا إيه يا وفاء؟ "لسه موصلوش. يلا خلصي انتي وعلا الأكل، عاوزين نخلص قبل ما يجوا."
كان هذا حوار وفاء والحاجة سعاد التي أعدت وليمة كبيرة لاستقبال ابنها وأيضا ابنتها التي عادت بعد سفر دام ثلاث سنوات. بعد قليل وصل أحمد وهو يحتضن خصر خديجة بتملك. ما أن دلفوا إلى بيت أبيه وكزته بكتفها حتى يبعد يده عنها، إلا أنه شدد من حصار خصرها. اشتعل وجهها بحمرة الخجل حين جذبتها الحاجة سعاد منه وهي تمزح معها: "إيه يا أحمد ماسك مراتك كدا ليه؟ متخافش، إحنا هنسلم وهنرجعها لك تاني، مش هناكل منها حتة."
جذبتها من يدها واحتضنتها بحنان أم وهي ترفع وجهها الذي كاد أن ينفجر من الحمرة التي كسته: "ما شاء الله يا خديجة، إيه الحلاوة دي يا قمر." "لأ يا ماما، خديجة طول عمرها حلوة." كان هذا صوت علا التي أتت من الممر المؤدي إلى المطبخ وهي تحمل أطباق وتضعها على طاولة الطعام. ثم أكملت وفاء عنها بصوت مرح: "أنتِ مش شفتيها من زمان يا علا؟ دي بقت قمرين مش قمر واحدة." هل سينفجر وجهها من الخجل؟ نعم، تحول إلى الأحمر القاني.
ضحك الجميع على خجلها المفرط. وأخيرًا جاءتها النجدة حين ضرب جرس الباب يعلن عن وصول أحدهم. "هم أحمد يفتح الباب." "دا أكيد علي وفارس، أنا هفتح لهم على ما تحضروا السفرة." دخل علي بمرحه المعتاد وهو يمزح: "أخيرًا العريس ظهر. إيه يا عريس، هو العسل مش بيخلص ولا إيه؟ "همست وفاء وهي تحضر باقي الطعام لعلي." "اسكت يا علي، الله يرضى عليك. مرات أخوك كانت هتموت من الكسوف، كفاية عليها كدا." "ليه هي الحفلة بدأت بدري عليهم ولا إيه؟
أومأت له برأسها. "خلاص، اخف أنا عليه." حين انصرفت وفاء، سلم أحمد على علي وهو يمازحه: "ما تتلم بقى يا خفيف، ولا أنتم هتحفلوا عليا؟ اجتمعت العائلة حول طاولة الغداء حين قالت الحاجة سعاد: "استنوا يا ولاد، فارس راح يسلم على بهية وريم ويجيبهم يتغدوا معانا." ما أن أنهت كلماتها حتى شحب وجه خديجة. ونظرت إلى أحمد الذي مال عليها وهمس لها مطمئنًا وأنه مجرد غداء.
بعد قليل، وصل فارس بصحبة بهية وريم. وما أن وقعت عين فارس على خديجة إلا وظهر في عينيه نظرة خبيثة ظهرت جليًا في عينيه وهو يسلم عليها ويتفحصها من أخمص قدمها حتى منبت شعرها. توترت ملامح خديجة حين ضغط على كف يدها وهو يسلم عليها. حاولت سحب يدها منه ولكنه ضغط عليه أكثر وهو ينظر إليها وكأنه جردها من ملابسها. تقدمت علا من زوجها الـ... وهي تسحب يد خديجة منه حين انشغل عنها أحمد بحديثه مع أبيه، وهي تنظر له نظرة ذات معنى:
"إيه رأيك في مرات أحمد يا فارس؟ قمر مش كدا؟ أصل أحمد كان مستنيها تكبر علشان يتجوزها." عض على طرف شفته وهو ينظر إلى خديجة ويقول: "له حق يستناها." لم تطمئن خديجة لذلك الـ... وهو من أول ظهور له في حياتها وهو يخيفها. مر الغداء وكأنها محنة عليها. وما زاد الطين بلة ما فعله فارس لينضم إلى ريم، وهذا ما كان ينقصه. لاحظت علا شرود خديجة، علمت أن زوجها قـ... يمكن أن يخيفها. أخذتها من يدها وهي تمزح معها:
"تعالي يا ديجا، أما أوريكي أنا جبت لك إنتي ووفاء إيه." أخذتها هي ووفاء وقضوا بعض الوقت معهم. لن تنكر كم كان وقت جميل لطيف مليئ بالحب والألفة من وفاء وعلا. ولم يخلو من همساتهم وهم يتسلون عليها بأسألتهم كيف أوقعت معلم الأجيال في عشقها وتخلى عن رزانته من أجلها هي. مر شهر على زواجها، واليوم هو موعد عقد قران هالة بعد أن أصر عمر أن يكون خطبة وعقد قران على أن يكون الزفاف بعد ثلاثة أشهر.
تزينت هالة وارتدت ثوبها الأرجواني، كانت فيه كاميرا. احتبست أنفاس عمر حين رآها. كانت جميلة وكأنه يراها لأول مرة. جميلة هادئة. همست خديجة في أذنها: "الواد عمر هياكلك بعينه يا لولو. الواد شكله طب ولا إيه يا قمر؟ ابتسمت هالة وهي تقول بثقة: "لازم يطب يا ديجا." ضحكت خديجة بصوت عالٍ. انتبه لها ذلك العاشق الذي دب حـ... في صدره وهو يستمع قهقهاتها ويتوعدها أنه سيعاقبها ما أن يصبحوا سويا. ضربت خديجة هالة
بخفة على رأسها وهي تمزح: "يا بت، اتكسفي ولا اعملي أي حاجة من بتاعة البنات. مش تقولي لازم يطب." "واتكسف ليه يا خديجة؟ يحمد ربنا إني وافقت عليه." "يخربيت غرورك يا هالة. يعني مكنتيش هتـ... موتّي عليه ولا حاجة." "الله بقى يا ديجا، خلاص الواد جه لعندي. أقول لأ يعني؟ قاطع حديثهم دلوف رشدي، أبو خديجة، وهو يأخذ هالة وخديجة لإتمام عقد القران. "بارك لكما وجمع بينكم في الخير."
ما أن أنهى المأذون عقد القران، تعالت الزغاريد وعمت الفرحة أرجاء المنزل. "مبروك يا لولو." احتضنتها خديجة بحب. "هنأها الجميع وبارك لهم." "مبروك يا عمر." "الله يبارك فيك يا ديجا." هل سيحترق من غيرته البلهاء عليها وهي تفرق ضحكاتها عليهم؟ ولكنه يغار بدرجة التملك. لا، لن يتركها. أكثر، يكفي. انتفض من مكانه واستأذن بأدب وأخذها وانصرف بوجه متجهم. انصرف الحضور وتركوا عمر وهالة. "مبروك يا لولو." "مبروك يا قلبي."
"الله يبارك فيك يا عمر." اقترب منها وهو ينظر لها بخبث: "قاعدة بعيد ليه يا قلبي؟ مش هتسلمي عليا ولا إيه؟ "ها؟ فرقت شفتيها ببلاهة وهي تقول: "ما أنا سلمت." أجابها بوقـ... وهو يطبق على شفتيها: "لأ يا قلبي، مش ده السلام ده السلام اللي أنا عاوزه." قبلها، سرق أول قبلاتها. ابتعد قليلا ثم أطبق مرة أخرى عليها وهو يعتصر خصرها ويقربها من صدره. عل قربها يطفئ نـ... ار شوقه لها. وكيف يطفئوها؟
وكلما تعمق في قبلتها أراد المزيد. شعر بحاجتها للهواء. ابتعد عنها وما زال يحتجزها بين يديه. سند جبهته على جبهتها وهو ينظر إلى شفتيها. أخيرًا خرج صوته متحشرجًا من أثر المشاعر التي عصفت به: "بحبك يا هالة، وقد إيه حلمت بيك بين إيديا، بس الحقيقة أجمل بكتير." ما أن أنهى كلماته حتى عاود الهجوم مرة أخرى، ولكنها استعادت نفسها حين دفعته عنها ليفيق من مشاعره على صوتها وهي تدفعه: "إيه يا قليل الأدب... طلقني...
بهجوم أعنف وأشد ضراوة كان أحمد يقبل شفتي خديجة وهو يطفئ نـ... ار غيرته. صورتها وهي تضحك وتلهو مع عمر لا تبارح خياله. يعلم إنها فعلتها ببراءة، ولكن ماذا يفعل بتلك الـ... نـ... يران؟ هي من أشـ... علتها. وهو يغار. اشتد عنفه عليها. أفاق من نـ... ار غيرته ورغبته على صوت تألمها. خف من وطأة هجومه عليها. عاد له تعقله، لكنه لم يكتف من النهل من بحور عشقها التي أخذها إليها، وهي لم تمنعه بل كانت محبة مطمئنة له، أنها له هو فقط.
استجمعت قواها وهي تدفعه عنها بمنتهى التقزز منه وهي تتذكر نظراته القذـ... على زوجة أخيها: "ابعد عني يا أخي، هو بالعافية إيه؟ أزاحته عنها وهو يلهث. كم يرغب بها ولكنها دائمًا تصده وتكره لمسه لها. أخيرًا طلع صوته: "أنا جوزك يا هانم، وده واجبك إني وقت ما أعوزك ألاقيك." نظرت له بإشمئزاز وهي تقول: "حقك وأخدته. حل عني بقى." "عاوزك تاني يا علالاء؟ "وابعد عني، أنا بأرف منك. روح للهوانم اللي تعرفهم."
"وهو أنا عرفتهم ليه يا هانم؟ مش عشان أنتِ مش مديني حقّي." سخرت من كلماته وهي تقول: "لأ، متدورش على حجة تبرر بيها عمايلك. طول عمرك خـ... اين." "اخرسي... صفعها صفعة أدمت قلبها قبل شفتيها ثم تركها وانصرف بدناءته. فلقد خانها أمام أعينها بعد زفافها ببضعة أشهر. هو خـ... ائن حـ... قود.
خرجت من بوابة منزلهم الضخمة، علها تستنشق الهواء الذي يطفئ نار حسرتها على شبابها الذي يذبل يومًا بعد يوم مع ذالك الفارس الذي لا يتمتع بأي صفة من اسمه. صوت بوق سيارة اندفع إلى أذنها لكي تتنحى عن الطريق. أفاقت من شرودها على صوته. هل تحلم أم أنه هو؟ "جواد؟ "علا؟ "إنتي علا؟ إزيك؟ ماشية ليه لوحدك في الوقت ده؟ هل عاد سارق قلبها وحبيب طفولتها جواد؟ نطقت اسمه وهي لا تستوعب أنه أمامها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!