الفصل 21 | من 29 فصل

رواية زوجتي الشرقية الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سيليا البحيري

المشاهدات
19
كلمة
4,537
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 72%
حجم الخط: 18

ليلة كئيبة في غرفتها في المشفى. صوت الرعد جعلها تنتفض في كل مرة. احتضنت جسدها وهي تختبئ من شيء، من مجهول قادم! غاب عدة ساعات ولم يأتي. لا يوجد أي شيء بحوزتها، لا هاتف ولا بطاقة تعريف، فقط حجابها الذي يغطي خصلات شعرها الفحمية. سمعت صوت صرير الباب يتبعه دخوله هو، معذب فؤادها. ابتسمت بمرارة ونظفت حلقها.

"حياتي، وأنا صغيرة كنت معتمدة فقط على السمع والطاعة، دون أن أسأل حتى. أبي وأمي كانا يقولان دائمًا: لا تفعلي ذلك، توقفي عن فعل ذلك. وحينما أصبحت فتاة ناضجة، توقفت عن اللعب مع الصبيان في حارتنا. لكن الصبي الوحيد الذي ظل معي هو يوسف، يوسف الذي أخبرني أمام جميع عائلتي وأنا فتاة ذات السادسة عشر من العمر أنه يحبني ويريد أن يتزوجني. يوسف كان وقتها في مرحلته الجامعية، وأمام جميع الأهل اتفقوا على الخطبة وتمت خطبتنا حينما دلفت

للمرحلة الجامعية الأولى. كنت مضطرة لأن أحبه لأنه الرجل الوحيد أمامي، وأنا الطفلة ذات الجديلتين التي كبرت أمامه وتحولت إلى أنثى ناضجة. كنت دائمًا أطيع الجميع تقريبًا، لم يكن لي رأي. تعلم، رغم شقيقتي سارة أصغر مني، إلا أنها أكثر جرأة وشجاعة عني بكثير، تستطيع المجادلة كثيرًا."

ضحكت بألم وهي تنظر إلى وجهه الخالي من التعبير. تابعت وهي تعبث بأصابعها بشرود. "طبيعي، فبالنسبة لماما عريس لقطة، وتعلم طباعه، كما أنه جارنا. تزوجنا، وكل يوم أقول: إنه زوجي، عليه أن أحبه، شيء طبيعي. لكن برغم ذلك، لم أشعر بذلك. رغم أنه لم يفعل شيئًا سيئًا معي، كان مهذبًا ومحترمًا. إذا، هل كان مجرد حب مراهقة؟

نعم، لقد كنت منجذبة له في مرحلة مراهقتي. اقترب موعد زفافنا وأصبحت لا أعلم شيئًا، قلقي يزداد من شيء سيء قادم. وصدق حدسي حينما جاء وطلقني دون أسباب تذكر. لم أبكي، لم أتألم، تقبلت الوضع بوجه خالي من التعبيرات، والجميع يواسيني. لا أعلم لما، كلما أخبرهم أنني بخير، لا يصدقوني."

سحبت زفيرًا عميقًا وهي تنفض أتربة وبقايا ماضيها. لا تعلم كيف أتى وجلس بجوارها في الفراش. كيف أمسك بكفها واحتضنه بين راحتي يديه بذلك الدفء. تورّدت وجنتاها خجلًا. لم ينفر مثل المرة السابقة، بل يقترب، ومقترب منها بحميمة. هل هذا بدافع الشفقة؟ غامت عيناها عندما اهتدت إلى تلك الفكرة. نفضت يدها منه وانكمشت حول نفسها تحت نظراته الغاضبة. أراحت بظهرها على الوسائد وهتفت.

"وعملي الذي اعتبرته موهبة لي وقررت أن أبذل فيه كل جهدي. تعرفت على مقالك بالصدفة البحتة، حاولت إيجاد أي معلومة لك، لكنني لم أجد. قلت: لا مشكلة، منذ متى وأنا دائمًا أحصل على ما أريد. صداقتي بليلي كانت أشبه بحلم، شيء لا يصدق. من يصدق شرقية وغريبة صديقتان، ولا تحمل كل واحدة منهما للأخرى ضغينة. لو سمعت ذلك الخبر قبل عامين أنني سأحصل على صديقة أجنبية وزوج غربي، كنت سأقول: مجنون."

ابتسمت بتهكم قبل أن تنظر إلى عينيه التي أصبحت أسيرة بهما، قائلة بصدق. "حينما تقابلت أعيننا للمرة الأولى ونظراتك المبهمة، وأنت توصل لي رسالة، تغاضيت ذلك وكنت أهرب منك، أهرب حتى لا أقع في حبك. عرضت عليّ مقابلة زين، الذي هو أنت، يا إلهي كم كنت غبية وقتها. عيناك هي أول من آسرتني. عرضك عليّ ذلك الزواج أهانني وأنت تخبرني ببرود أنك تقيم علاقات كثيرة مع النساء. ثقتي بكوني امرأة تحطمت بين يديك.

قلت: إذا، زواج مصلحة لكلينا، وهل هذا مثل الروايات سينتهي بالنهاية السعيدة؟ قضيت أيامًا حبيسة في أربعة جدران المنزل، رغم وجودك معي، لكن كنت أريدك يا رجل." "كنت طفلة، أريد أبًا بجواري، شقيقًا يحميني، زوجًا يبث في داخلي كلمات معشوقة، يغزر بي كلمات تزيد من ثقة أنوثتي. لكن ماذا فعلت يا زياد؟ كنت تبتعد وتتجاهل، وكل ذلك بسبب امرأة. أنا زوجتك ولست تلك الحبيبة الخائنة."

نبرتها تحولت من الهدوء إلى الانفجار، حدة، ضعف، نجاة، دفء. "ليان، اهدئي." تمتم بها وهو يحتضنها بين ذراعيه. أحاط وجهها بين راحتي يديه وعيناه تخبرها: كفي. كيف تتوقف وهي تلك فرصتها الوحيدة للحديث؟ عندما تحدث، لم تقاطعه، وعندما أخبرها عن بيث، حبيبته الخائنة.

ذلك الغبي، تود قتله. بدأت تقارن بينها وبين الخائنة. بالطبع، كان يعامل الأخرى بحنية، لم يقسُ عليها، لم يتعامل ببرود، لم يتجاهلها. أغدقها بالهدايا ومعها رسالة حب، وليس مثلها هدايا توضع أعلى فراشها وكارت صغير تكون به جاهزة على الساعة كذا. كانت كالدمية، هو يحركها كيفما أراد. انفجرت باكية عند نقطة معينة. "كم مرة أخبرها وقال إنه يحبها؟ " ليست مشكلتها، رغم أنه اعترف أنها خائنة، لكنها أنثى، تغير على رجلها.

مسح دموعها بأنامله تحت نظراتها المستفهمة. أشاحت بكفيه عنها وبترت عبارته وهي تسترسل، مصححة كل شيء. "علاقتي مع الصحفي كانت سطحية جدًا، لم أقترب منه ولم أتوغل معه في الأحاديث الشخصية. دائمًا يخبرني عن أحوال الاقتصاد والرياضة وتلك الأشياء الغبية، لكن لم أجلس معه بمفردي سوى مرة واحدة، ومشينا في الطريق مرة واحدة. هو الوحيد الذي خرج أمامي فجأة. لكن لحظة! لم تتحدث عن كمال، رغم أنه رجل ثاني معنا."

غامت عيناه أثر ذلك الحقير. حمد ربه أنها لم تنطق باسمه. شفتيها لم تنطق باسم ذلك ... رغمًا عنها خرج صوتها متحشرج وهي تتذكر ما حدث تحت براثن ذلك الثعلب. "لكن عندما وجدتك تكره بشدة، ابتعدت عنه. ابتعدت دون أن أسألك سؤالًا واحدًا. لكن وقت الحادثة، أقسم لك... ثانية، وكانت ستدخل في نوبة بكاء. جسدها يرتعش بشدة. أقر ما حدث. نظراتها أصبحت زائغة، ضائعة. توترت شفتاها وهي تريد أن تستأنف عبارتها العالقة في جوفها.

وضع إصبعه على شفتيها المنفرجتين وهمس. "هششش، اهدأي." للمرة الثالثة تزيحه عنه. رغم رغبته الملحة الآن في عقابها، لكن استيقظ. هي على وشك الانهيار أمامه. لا يريدها أن تتذكر، ولا يريد أن يعطي لها الطبيب منومًا لتظل عدة أيام نائمة على الفراش، لا حول لها ولا قوة. ارتعشت شفتيها وضمت بجسدها وهي تحصن ذاتها من اللاشيء.

"جاسمين أخبرتني أنها تريد مساعدة وأنه لن يكون في متجره. جاء حينما كدنا أن ننتهي. رحلت جاسمين وشربت العصير الذي قدمه لي، وفجأة تتحول الشاشة إلى السواد. لا أعلم كيف باب المتجر الرئيسي أوصد. كل ما أتذكره جاسمين أغلقت الباب خلفها فقط، بدون قصد، وهي تغادر لتلحق وظيفتها، لكنها لم توصد."

سحبها نحو حضنه. وتلك المرة سيعاقبها فعلاً. إن تملصت بين ذراعيه. وبالفعل، لم يكمل جملته حتى وجدها تحاول الفكاك منه. تنهد بضيق وهو يكبل جسدها بقوة بين ذراعيه. خرجت آه مؤلمة بين شفتيها ليخفف ضغطه من على جسدها. أنامله امتدت نحو حجابها، حررنه بهدوء ومرمغ بعنقه بين خصلات شعرها. "ثقتك الزائدة هي المشكلة." اشتعل جسدها من الحرارة أثر زفراته التي يخرجها من أنفه وشفتيه. اتسعت بشرتها عندما لفح بأنفاسه على عنقها.

"أنت محق. فتاة ساذجة، غبية، مغفلة، ليس لديها ثقة لنفسها. وأيضًا يائسة ومتشائمة طوال الوقت." قاطعها وهو يلقي بقنبلة موقوتة أمام وجهها. "تيم يكون شقيق بيث." سكنت للحظات عن الحركة. تريد أن ترى عيناه وتقول إنها تلك مزحة. عضت شفتيها بألم على سذاجة عقلها. يبدو عائلة حبيبته الخائنة ما زالت تطارده. رددت بألم وهي تردد مواصفات زوجته في عقلها.

"ترغب بامرأة تكون هي النور لطريقك المظلم، لكنك أخطأت. لست أنا، زياد. لست أنا من ترغب بها، تحافظ عليك في وجودك قبل غيابك، وليس أن تتسكع مع رجال غريبين وتحاول أن تقلدهم." "ليان." زجر اسمه بعنف. لتمسك بكفيه متابعة في إصرار. "أنا لا أصلح لك، زين. أنت تحتاج لفتاة واثقة وترشدك للطريق المستقيم. ماذا ستفعل بي؟ وأول شيء فعلته هو الانتحار دون أن تواجه." ضمت قبضتها وضربته على صدره في وهن وهي تردد ببكاء أشبه إلى الهيستريا.

"أكرهك بشدة يا زين." تفادى ضرباتها بسهولة ليرجع بذراعها للخلف. تأوهت بألم. "أكرهك، أكرهك، لكن قلبي الغبي لا يعلم لماذا دائمًا يخطئ، لماذا وقعت في حبك. أنا حتى لا أعلم كيف ومتى حدث ذلك. لكن الشيء الوحيد الذي أخبرك به هو أنني لم أحبك كشيء واقع علي فعله، بل كل نبضة تصرخ باسمك." "ليان، اهدأي." ردد اسمها بهدوء وقلبه يهلع إن كانت على وشك الدخول إلى انهيار عصبي. تملصت بين ذراعيه التي احتضنت جسدها وزمجرت بعنف.

"أخبرني متى تطلقني لكي تتزوج امرأة أكثر نضجًا عني." "توقفي عن الهراء." صاح بعنف وهو يهزها من كتفيها ليفيق تلك المجنونة. التقطت أنفاسها المتأججة بصعوبة قائلة بضعف. "أنا لن أنسى ما سيحدث لي، وأنت أيضًا صدقني. إن تابعنا ذلك سيكون جدارًا بيننا لن نستطيع اختراقه. أنت لا تثق بي بمجرد جلوسي مع الرجال." بنبرة مستنكرة صاح. "ماذا؟

"لا تنكر نظراتك للرجال في الحفلات واتهامك لي عندما عدت إلى المنزل في ساعة متأخرة وحارس غبي يحرسني. كل ذلك لما؟! زفر بحرارة على تلك الفتاة. غمغم بهدوء. "لن أتحدث وأنتم في تلك الحالة." "أنت لم تتحدث معي سوى مرة واحدة." بعناد أجابت مجبرة إياه على الرد وهي تعقد ذراعيها على صدرها. أحاط وجهها بين راحتي يديه وبنبرة صادقة أجاب إن كانت تلك الإجابة ستريح عقلها وقلبها.

"أخشى عليك من نظرات الرجال التي تلتهمك. ظننت أنني رجل غربي بارد الطباع، لكنني ما زلت مصريًا، أحمل عرقًا شرقيًا في أوردتي. ليان، وأنت الوحيدة التي أخرجتيه." كل خلية في جسدها صدقته. لكن بعض التمرد ليس بسيء. حان وقتها لتأخذ بثأرها وترد الصاع صاعين أو عشرة. "أخرجت ماذا؟ غيرة! رائع. هل كنت تظنني حديثي مع الرجال لكي تشعل غيرتك؟ "هل أنا قلت شيئًا من ذلك؟

رفع حاجبه مستنكرًا على طريقة تفكيرها، رغم رؤية ابتسامتها العاشقة التي كانت في طريقها إلى شفتيها، لكنها وأدتها بعنف لكي تستفزه. تغيظه. "كلا، لا تحتاج لقولها. ابتعد عن فراشي، أريد النوم." وبدلاً من رؤية الغضب، كان هادئًا. بدلاً من الابتعاد، اقترب بخطورة نحوها. "ماذا تفعل؟ سؤالها الساذج خرج من شفتيها قبل أن تستشير عقلها، ليرد بجواب أشبه بصدمة أثرت على خلايا عقلها. "سأصبح أباكِ."

عدل جسدها لوضع النوم. سحب الغطاء ودثرها جيدًا ليصلق بجسده نحو جسدها الدافئ. توردت وجنتاها وهي تشعر بأنفاسه المنتظمة التي تلفح عنقها من الخلف. رددت بألم. "يوجد طرق شائكة، زين." "سنجتازها معًا." "ولكن أنا لن أستطيع تجاوز ما حدث. إن كنت ستفعل، فأنا لا. أنا لن أصبح تلك المرأة التي تريدها في حياتك. لن أعود كما أنا بتلك السهولة." أغلقت جفنيها بأسى ودمعة حارة أخذت طريقها لتنحدر نحو وجنتيها. "كل شيء سيصبح بخير."

نبرته الهادئة مقلقة. استدارت لتصبح في مواجهته وتساءلت بتعجب. "كيف تغيرت بتلك السهولة؟ من كان يحدثني بكل تلك الجفاء والقسوة منذ عدة أيام، لا يمكن أن تكون أنت." "ليان، اهدأي. سنتجاوز الصعاب معًا." "لا تخدع نفسك، زين." وبنبرة إصرار كان يخرج عن طور قناع الهدوء وينفلت ذلك القناع الهادئ الزائف، لكنه أمسك بزمام الأمور في آخر لحظة.

لاحظت انفعالات جسده ووتيرة أنفاسه التي تعلو وتهبط بسرعة. عادت لوضعها الأصلي وألقت بآخر شيء توقعه منها. "أريد العودة إلى موطني وننفصل بهدوء، ذلك أفضل حل." هل يقتلها الآن؟ أظن أنها لن تكون بمشكلة زوجته ويحق له أن يفعل بها ما يشاء. ابتسم على التفكير الذي راوده. تشنج جسده وهو يسمع همسها. "سنتفصل وسأعود لدياري."

ظلت تتردد كلماتها به. وبدلاً ما أن يخنقها من عنقها، ضمها بذراعيه نحو جسدها بقوة. فالطبيب أخبره أنه إن تعرضت للانتحار مرة، فستفكر في الانتحار مرة أخرى. عدة نصائح أخبرها الطبيب، وأولها أن يصبح ملازمًا لها، كظلها، كدرع حامي لها. تنهد بحرارة وهو يقبل عنقها ليعود بذاكرته نحو أسبوع مضى من تلك الحادثة المؤلمة. ... "سيدي."

ردد بها الحارس بأسف وندم شديد وهو يطأطأ برأسه للأسفل من نظرات سيده المرعبة. صاح زين بجمود وهو يتكئ بجذعه العلوي على مكتبه وأخرج كل حرف ببطء شديد كعلامة تحذير إن ترك أي معلومة خلفه، فإنه لن يرحمه. "ماذا حدث؟ أخبرني بالتفاصيل."

"متجر ذلك الصحفي يقع على بعد ثلاث شوارع من المقهى الذي دائمًا ترتاده سيدة ليان. أخبرت السائق أنها ستذهب لمتجر وستتأخر. مشيت ورائها حتى دلفا إلى متجر ومكثتا فيه إلى وقت طويل للغاية. وأثناء مراقبتي اصطدمت بي فتاة وانزلق القهوة على قميصي. قالت إنها تملك مغسلة وأشارت إليه، كان قريبًا من المتجر. دخلت وحين كانت تنظف القميص لم أستطع المراقبة بسبب الزجاج الداكن. دفعت لها بقشيشًا وخرجت على الفور لأرى فجأة أن المتجر أُغلق والمصابيح انطفأت. عدت لصاحبة المتجر وسألتها هل يوجد للمتجر باب خلفي؟

أخبرتني أنه يوجد لكل متجر باب خلفي. توقعت أن السيدة اضطرت للجوء إلى الهرب مثلما فعلت ذلك مثل يوم الحفلة، لكنها صدمتني عندما أخبرتني أن مالك المتجر هو تيم ليونارد. هاتفتك سيدي لأتفقد الأمر، وحينما ذهبت سمعت صوتًا مكتومًا في الداخل. هرعت بسرعة لأكسر باب المتجر وقد وجدت الصحفي و... تعلم ماذا حدث بعد ذلك سيدي." "اخرج الآن." أغلق جفنيه وهو يشدد من احتضانها له، كالغريق الذي يتشبث بذرة أمل. ... "شهاب."

نطقها عز الدين بتعجب حينما دلف إلى غرفته ووجد شهاب جالسًا على الأريكة بأريحية شديدة وكأنه جالس في منزله، ينقصه فقط بيجامة بيتية وشبشب ذو إصبع. "أهلاً يا سيادة الوالد، اتفضل." منذ متى الوضع تغير؟ ومنذ متى يخبره "والد"؟ تلك الكلمة التي حُرم منها من شهاب. تباطأت حركة سيره حتى أصبح أمامه. جلس على الكرسي المقابل وحديث الأعين هي التي بدأت. "هنفضل لحد إمتى كده يا عز بيه." غمغم بها شهاب برسمية ليرد عز وهو يجعله يقرر الأمر.

"قول أنت يا سيادة المقدم." "أنت اللي بعدت." هتف بها شهاب بحدة وهو يلومه على ما فعله. "غصب عني." اتسعت أعين دهشة من جواب أبيه وجمود تام. قال. "إزاي غصب عنك يا عز بيه؟ أمي ماتت وهي صغيرة ومكنش ليا حد في الدنيا دي غيرك، بس أنت بعدت عني وحسستني إني مش ابنك أو منبوذ. دورت على حضن دافي وملقتش غير بيت عمي هو الحضن الدافي." تنهد عز كأن هموم الدنيا تحمل فوق عاتقه. "سبب مقاطعتي بعمك علشان كانت غيرة من أخويا الصغير."

لاحظ نظرة الشك والدهشة على معالم شهاب. ضحك عز بسخرية مؤكدًا. "أيوه، متستغربش كده. أبويا فضل إبراهيم عني أنا وعمك رشدي والموضوع بدأ بغيرة أطفال وكبر لحد ما وصلت لـ جدك قرر يدي نص الأرض بتاعته لعمك." وكعادته، لن يصدق بالسهولة، أو أن يحدث هذا بدون سبب. هتف شهاب وهو يضيق عينيه مفكرًا. "أكيد كان وراه سبب." "طبعًا كان وراه سبب." هل سيخرج كل كلمة بصعوبة من فم الآخر؟

لقد تناسى أو يأس من عدم معرفة السبب، وبطبيعته كرجل شرطي هم أن يبدأ بعمله لكي يخرج أشياء دفنت من سنين، لكنه رمى بكل تلك الأشياء في عرض الحائط عندما استمع أخيرًا إلى اعترافه.

"أنا وعمك رشدي كنا في وقتها بنشتغل والوضع المادي بتاعنا كويس ومرتاح عكس عمك إبراهيم. حاول جدك وقالنا نشوف له وظيفة في أماكن عملنا، لكن زي ما قولتلك غيرة وحقد منا إننا نوافق. جدك كان في أواخر أيامه كتب نص الأرض ليه علشان يساعده في جوازه وعلشان يقدر يعمل مشروع ليه. إحنا طبعًا سبنا السبب ورا ده وركزنا هو ليه ياخد نصيب أكتر منا. الغضب بقى والشيطان دخل دماغنا وحصلت بينا مشاكل كتير مبقتش أفتكرها من كترها، وأدينا أهو زي ما أنت شايف."

الجو يسوده جو من الكآبة وأشياء رمادية تحيط الفراغ. جو مشحون يشعرك بالاختناق. هب شهاب من مجلسه. "عمومًا، أنا جيت علشان حددت معاد الفرح وعايزك معايا." "وإيه اللي غيرك فجأة؟ سؤال عز كان مستنكرًا وجواب شهاب مليء بالغموض. "تقدر تقول إعادة حسابات يا عز بيه." ... "هيا." صاح بها زين بنفاذ صبر عندما وجدها ما زالت في السيارة. ترجلت من السيارة بتؤكؤ. غمغمت بحنق وهي تتطلع إلى بناية مسكنهم. "لماذا عدنا للمنزل؟

وليس المطار. أخبرتك بعودتي إلى مصر." مشى عدة خطوات تاركها تتذمر بسخط عليه. أوقفته بيديها وهي تضغط على كفه بقوة. "هل أنا شفافة لعدم ملاحظتي؟ شفتيها تتصاعد وتهبط بسرعة كبيرة أثارته. أغمض جفنيه من تلك التفكيرات المنحرفة وهما ما زالا أمام المارة. وضع إصبعه على شفتيها مزمجرًا. "تلك الشفتين المغريتين إن لم تصمتا الآن سأصمتهما بطريقة أعلم أنها ستعجبك. هيا لنصعد." تراجعت للوراء عدة خطوات، وهمست بصدمة. "وقح." "لقد سمعتك."

أغلق باب المنزل خلفه لتتابع بطريقها نحو غرفتها. صعدت الدرج بهدوء يتبعها حتى وصلت إلى الغرفة المنشودة. فتحت الباب بهدوء وهو معها، بل كظلها. هل سيدخل إلى الغرفة برغم أنها غرفته، لكنه لم يبيت بها؟ أبداً. توجهت نحو مقدمة الباب وغطت بجسدها، عقدت ذراعيها على صدرها. "معذرة، إلى أين ستذهب؟ "غرفتي." جوابه البريء أغاظها. زفر بقوة وهو يبعدها عن طريقه. "هيا ابتعدي."

لم تعلم لم مُصر على الدخول. هل يظن أنها من الممكن أن تنتحر ثانية؟ يحق له. متهورة نعم، لكنها لن تفعلها. مجرد لحظة ضعف منها. "زين، ما الذي حدث؟ تمتم ببرود وهو يدفع بجسدها للداخل ويغلق الباب خلفه. "لم يحدث شيء." "لا تظنني أنني غبية لتلك الدرجة. ماذا تريد، أو لنقول ماذا تخشى؟ "لا أخشى شيئًا." مصر على أنه لا يوجد شيء. بل يوجد بالطبع، الكثير، أو هي التي تظن.

"تخشى إن فعلت حركة متهورة مرة أخرى، أنتحر للمرة الثانية، لكن لا تقلق، لن أفعلها. يوجد لديك أشياء أهم مني لفعلها وليس أن تجلس معي." وضع بأصبع السبابة والابهام على أنفه ويده الأخرى تتوسط خصره. أطلق لفظًا بذيئًا بين شفتيه. "لما تقللي من شأنك دائمًا؟! هل بعد ما حدث يضعها هي تحت المجهر الشائك؟ يلومها هي فقط ولا يلوم نفسه. "لم أفعل، زين، بل أنت. عملك أهم مني، تغيب منذ الصباح حتى وقت متأخر من الليل."

"إلى متى سنظل إلى ذلك الوضع؟ بنفاذ صبر قالها وهو يضم قبضته حتى لا يفتك بها. "أنت من ستخبرني وليس أنا." وكما توقع، أعادت تلك الكلمة التي تثير أعصابه بل تشعله. لا يعلم كيف ما زال واقفًا في مكانه ولم يتحرك نحو تلك الغبية حتى يقطع لسانها التي تتفوه بحماقات. "الطلاق." بتوجس وترقب تساءل. "هل هي كلمة سهلة لك؟ هزت كتفيها بلا مبالاة. "في الواقع، اعتدت عليها." "بدلي ملابسك وخلال خمس دقائق أجدك عند غرفة المكتب، هل هذا واضح؟

حاولت أن تجادله، لكن عندما شدد على آخر كلمة، بلعت عباراتها مرة أخرى وهمست بضيق. "نعم." ... أطرقت باب غرفة المكتب وحينما سمعت رده فتحت الباب بضيق. جالت ببصرها نحو مكتبه لتجده فارغًا. انتقلت ببصرها نحو الأريكة، وجدته جالسًا بأريحية شديدة، واضعًا ساقًا فوق الأخرى وعلى المنضدة، آخر شيء توقعته أن يفعله معها. "ما هذا؟ تقدمت نحوه ببطء ليرد بلا مبالاة. "سمعت من الجدة وليلي أنك محترفة في الشطرنج."

شقت ابتسامة سخرية بسبب نبرته الهازئة. "نعم، كثيرًا." كسر تلك النغمة المتصاعدة في داخلها وغمغم ببرود وهو يعدل ساقه. "لا تكوني مغرورة." جلست على المقعد المقابل للأريكة وقررت رد له الصاع صاعين. "بل ثقة، عزيزي." "وإن غلبتك؟ رغم نبرته الواثقة من فوزه وسحقها. بللت شفتيها وردت بثقة زائفة. "لا يوجد لدي شيء لك لأعطيه. وإن هزمتك أنا؟ بهدوء أجابها. "سأنفذ رغبتك إلا الطلاق، ليان، ومغادرة المنزل والبلدة."

هل سيستغل أيضًا لعبة في تحقيق مصالحه؟ ألن يترك أي شيء إلا وأن يستغله في صالحه؟ "هل تضع شروطًا؟ "اعتبريه ما أردتي." رده استفزها. كانت ستقوم من مجلسها لتصفعه أو ترحل بهدوء. لكن جزء أخبرها أن تجلس وترى كيف ستسير اللعبة، أو بمعنى أدق، كيف ستسير لعبته. "أنت مستفز." انحنى بجسده وهو يركز على البيادق باهتمام. "هيا لنرى." وقبل أن يبدأ اللعب، هتفت مقاطعة ببسمة ساذجة. "سأختار الأبيض، أفضل الهجوم."

وبدأ اللعب. وبعد فترة ثوانٍ، ارتفع الأدرينالين في داخلها. حركاته مختلفة. كلما اهتدت إلى شيء وفسرت حركاته، يغلبها دائمًا بعكس توقعاتها. رمى البيدق خارجًا وملكتها محاصرة. أعادت بنظرتها مرة أخرى تحاول في لجوء إلى حركة تنقذها من أن تخسر. لكن ذلك المحتال حاصرها. جيشه حاصرها بقوة، مثلما حاصر قلبها وهزم جيوشها.

تنهدت بيأس وهي ترى عينيه اللامعة بخبث ويخبرها "لقد فزت." هي المخطئة، هي من بدأت وتحركت حتى كشفت أمامه خطتها بذكائه وحنكته. استغل ذلك لصالحه وآتى دوره في الانقضاض. "كش ملك." مطت شفتيها بحنق وضيق شديد وهي تراه يخرج الملكة الخاصة بها خارجًا. "لقد غششت." ضحك باستمتاع وهو يراها مثل الطفلة الصغيرة. "حجة الخاسر في كل مرة. اعترفي مرة بخسارتك." عقدت ذراعيها على صدرها وصاحت بضيق. "تفضل قل ما تريد." "أريدك أن تصبحي زوجتي."

رفعت حاجبها بدهشة. هل هو يتحدث بجدية الآن رغم وضعهم؟ أنسي أنها زوجته؟ "إنني بالفعل زوجتك. قل شيئًا جديدًا." حك طرف ذقنه وهو يعلم جيدًا أنها تتهرب منه. رأى تصاعد حمرة وجنتيها منذ ثانيتين. لقد فهمت، لكنها اصطنعت عدم الفهم. ليجاريها إذاً! "أريد أن أمتلكك." عضت شفتيها السفلى بحرج شديد. وقح، لما دائمًا يستخدم كلمات محرجة؟ اصطبغ وجهها بالحمرة لتخفض رأسها للأسفل وهمست قائلة. "وإن قلت لا." "لا يوجد شيء اسمه 'لا'."

صاح بها بغضب هادر. ابتلعت غصة في حلقها ورفعت وجهها نحوه وهي تغمغم. "هل ستقدر على أن تلمس امرأة لمسها رجل غيرك؟ فركت يدها بتوتر وأغلقت جفنيها لعدة ثوانٍ قبل أن تصطدم عيناه الباردة بعينيها الواثقتين. وكأن تلك الفتاة الخجولة تغيرت وأصبحت فتاة أكثر ثقة. "أم لأنك فعلت كل ذلك لأنه لم يصيبني شيء؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...