أريد قبلة دافئة تدغدغ مشاعري. أريدك بجواري، أريدك أن تضمني بقوة إلى صدرك. أريد أن أغفو على دقات قلبك، أريدك أن تهدهدني كالطفلة الصغيرة في أشد أوقات ضعفي. أريد نظرة حب، كلا بل نظرة عشق تشع من عيناك الأسرتين. ببساطة أريدك بجواري يا معذب فؤادي. هيا، أريد معرفة لما تريدني أن أصبح ملكك، رغم أنك تعلم شخصاً أخذه قبلك. أم تلك كانت خطة أيضاً منك؟
أعادت سؤالها للمرة الثانية، ترددت كثيراً وهي تسأله. سؤالها شق السكون حولهم. لم لا يجيب؟ صمته يقلقها. هل هذا هدوء قبل العاصفة؟ بما أنك ذكية للغاية، ما الداعي للانتحار؟ غمغم بها بسخرية وهو يريح ظهره على الأريكة واضعاً الساق فوق الأخرى. ابتسمت ببلاهة وداخلها شيء واحد فقط: تحطيم فكه العلوي وتدمير أسنانه البيضاء المستفزة. بهدوء أجابت:
أنا غبية، لست ذكية بما فيه الكفاية. أخبرتني أنه توجد دماء شرقية تسري في أوردتك، والشرقي يترك المرأة الخائنة يا سيد زين. لكن أنت فعلت عكس ذلك. ما زلت متحيرة، شرقي أنت أم غربي؟ كلاهما. رفعت حاجبيها بتعجب لإجابته الواثقة، ولم يتردد ولم ينتظر لثوانٍ ليجيبها. زادت ابتسامتها بلاهة وهي تهتف بمجاملة: جيد للغاية، لنقل أنني وافقت على عرضك. قاطعها وهو يغمز بخبث: ليس عرضاً، إنه من واجباتك.
رمشت بأهدابها، ذلك الرجل وقح، بل وقح للغاية. ألا يستطيع أن يزين كلماته أمامها؟ بغيض للغاية وفظ. ابتسم وصاح بمكر: وأنتِ تحتاجين لمن يقوم لسانك وسلوكك. حاولت إيجاد الرد السريع مثل الذي يتملكه. قامت من مقعدها وهي تجد لا جدوى الحديث معه. لن تقدر، سأظل كما أنا. على كلا، استمتعت بالخسارة. سأخلد للنوم. وواجبك. أجابها بكل عنجهية وغرور يليق به وهو ما زال مسترخياً في جلسته. لا أظن أنك تريدها يا سيد زين.
سارت بخطوات منظمة نحو الباب. فتحت الباب بهدوء، وقبل إغلاقه سمعته يهتف: ليان، لم يُصبك شيء. زين زياد الحديدي، أنت حقاً رجل يستحيل أن يتوقعك أحد. ارتسمت ابتسامة عاشقة تزين ثغرها لتطل برأسها نحو وقالت بثقة: أعلم يا حارسي. أغلقت الباب خلفها وانطلقت راكضة نحو غرفتها وقلبها منعش، تشعر أنها على وشك أن تطير مثل أوراق الشجر التي ترقص بصخب مع نسيم عليل في وقت الربيع.
أغلق جفنيه وهو لا يصدق لقبه الجديد الذي أخرجته من شفتيها، وتلك النظرة الناعسة وشفتيها المنفرجتين. ما الذي تفعله؟ تلعب وتستغل تلك النقط في صالحها جيداً. تمتم وإبتسامة تشق ثغره: ماكرة أنتِ يا زوجتي. *** رمت بالأوراق والكتب وكاميرتها بعنف شديد. سحقت شفتيها بغضب. ذلك الوغد الذي يدعي كريم، ستقتله حتماً. هل جن هو؟ كيف يخبرها أنه يريد أن تكون خليلتـه وشريكته في الفراش بدون أي عقد بينهما؟
مجرد أنها لم ترتدي حجاب وملابسها متحررة بعض الشيء، لكنها ليست فاضحة، يأخذ الشباب فكرة سيئة. توعدت للوغد بعقاب شديد، ستفعل له فضيحة تجعله يخفض رأسه للتراب. سارة. رفعت رأسها فور أن سمعت اسمها. أخفضت رأسها أرضاً وتمتمت بحنق: شهد، ابعدي من وشي دلوقتي. عفاريت الدنيا بتتنطط في وشي. جلست شهد بجوار سارة، ربتت على ظهرها وهي تعلم جيداً سارة ما إن تراها تغيرت مائة وثمانون درجة، لا يوجد سوى شخص واحد من فعلها. كريم لسه لازق. نفخت
وجنتيها بضيق وصاحت بغضب: لازق بإغراء يا أمير، أبو شكله ده هوريه. سحبتها شهد فور ما وجدتها تقوم من مجلسها. غمزت بشقاوة: أهدي كده، ده إحنا دوب خلصنا الامتحانات، عايزين نفرفش ونخربها السنة دي. ابتسمت بتكلف وهي توعد لذلك الحقير. ما أنا هخربها فعلاً بس على دماغه. زفرت شهد بيأس على عند ورأس سارة اليابس.
ابعدي عن كريم الهندي، إنتي مش عارفة ولا عارفة عيلته اللي الحكومة متقدرش تقرب منه. عيلته ماسكين البلد، يا سارة فوقي وبطلي هبل. رغم شعورها بالرعب الذي جري في أوصال جسدها، خرج صوتها ثلجي. تصديقي كده خوفت؟ طيب أنا هطفش من البلد الغم دي عشان نرتاح من أشكال كريم وعيلتهم اللي بتخاف منها الداخلية. هزت شهد كتفها بلا مبالاة. إيه، رايحة ماليزيا مثل؟ رفعت سارة حاجبها من نبرة السخرية لترد بلا مبالاة: إنتي طايلة أصلاً؟
يلا بقي هاتي شلة البنات عشان نتفسح ونروح أي كافيه وهعملكم فوتوشوت فور فري. قفزت شهد من مجلسها بسعادة. حبيبي يا أسو. ابتسمت سارة بخبث. أنا قلت إنتي جاية ورا كاميرتي. لكزتها شهد على ذراعها غير عابئة بمن ينظرون إليها وإلى طريقة الأطفال التي يتعاملان بها. سارة، مبتبقيش رخمة. تراقصت حاجبي سارة. هو أنا مقلتلكيش؟ ما أنا رخمة فعلاً. قامت من مجلسها بكل عنجهية وكبرياء وهي تلقي بأوامرها وكأن أمامها خادمة.
خلاص بقي اتفضحنا في الجامعة. اتفضلي شيلي أوراقي وكتبي وأنا أحصلك. خدامتك أنا؟ تصدقي أنا غلطانة، أنا راجعة البيت. استوقفتها شهد وهي تجدها تجمع أشياءها بالفعل. بيت مين يا ماما؟ لا خليكي هنا، البنات جاية وبيقولوا محضرين برنامج هايل. تفقدت الكاميرا بتوجس إن أصابها خدش. زفرت براحة عندما وجدتها كما هي. محسساني إننا خلصنا الكلية. وببساطة ردت شهد. سنة خلصت، هتجر اللي وراها.
سكون غلفهم لفترة ليست بقصيرة، لتشقه شهد بصخب وهي تشير بيدها نحو اتجاه معين. أهم البنات، يلا نتحرك. سبقتها شهد وهي تتحرك نحوهم، استوقفتها سارة وهي تزفر بيأس. والكتب؟ شيليها مع نفسك يا أسو. توعدت لها بل للفتيات، إضافة للحيوان كريم، ولكن كريم في كفه والفتيات في كفة أخرى. حاضر والله، ما هصوركم أصلاً، وديني حلفت وشوفوا بقي. *** عاملة إيه؟ نطقتها ندى وهي تتواصل مع صديقتها عبر الحاسوب. تمتمت ليان بابتسامة هادئة:
تمام، وإنتي إيه الأخبار؟ تنهدت ندى براحة وكأن حملاً ثقيلاً وضع على صدرها انزاح. حددنا معاد الفرح. مبروك، كان نفسي أبقى موجودة معاكي. كانت تقصد كل حرف منها فعلاً. أصبحت تكره وضع البيت الساكن، لا تتحدث مع أحد سواه عندما يأتي من العمل، ولا غرابة في الأمر، دائماً تجده عند الخامسة عصراً بدل من الوقت المتأخر، وبالطبع تجد الخادمة ملاصقة لظهرها أغلب الوقت. وحينما يعود، يدردشان في بعض المواضيع المملة كنوع من إضاعة الوقت.
تذكرت في يوم وجدته ينام بجوارها وأخبرها أنه من ذلك اليوم سينام بجوارها. وافقت على مضض وقلبها كاد يرقص من الفرح، لكن اختفت ابتسامتها عندما تجده في كل مرة يتحسس جسدها بخبث. تزجره في كل مرة ثم يسحبها كالمغيبة في أحضانه وهو يشدد من معانقتها نحوه. ما وصلت إليه نعمة ستحافظ عليها، تلك المرة لن تتهور مثل المرة السابقة. أفاقت من غيمة الشرود على صوت ندى. بس إيه؟ فترة الغياب دي كلها؟
دي سارة وطنط وعمو قلقوا عليكي، لولا إن جوزك طمنهم كنتي هتلاقي عيلتك قدام باب بيتك. بس قوليلي، جو باريس كان عامل إزاي؟ قضيتوا اليومين حلوين ولا نكدتي على وشوه؟ ابتسمت بهدوء. لازم يكون فيه نكد، مصرية بقى، بحب أنكد. ضحكت ندى بأستمتاع وهي تتخيل مشهد نكد يجري أمامها. البطل زين والبطلة ليان. حتى مع الأجنبي. إغتاظت منها، حتى هي تعامله كشخص غربي. ردت بعبوس: مصري على فكرة. فرقت يعني؟ نصه مصري، بس برده ليه نص أجنبي؟
بقولك إيه، مفيش حد من النوعية دي هناك بس يكون مش مرتبط. اتسعت عيناها دهشة، ثم ما لبثت أن انفجرت في الضحك. شهاب لو يسمعك. حمحمت ندى وهي تلتفت يميناً ويساراً. عيب، ده لسارة. سارة برضه؟ نبرة ليان جعلتها مفضوحة، لتستمر في الادعاء. احم احم، أه، هكذب عليكي. تنهدت ليان وهي لم تقتنع بأي كلمة قالتها. ماشي ياستي. حذرتها ندى وهي تشير بأصبعها نحو العدسة. أوعك متجيش فرحي.
ضحكت ليان وهي لا تصدق أنها تضحك، ظنت أن الحياة تحولت للون الرمادي أمامها، لكن الله لا يخيب حسن ظن عباده. قبلها بأسبوع هتلاقيني في وشك. وضعت ندى هاتفها على وضع الصامت عندما أعلن عن مكالمة لحبيبها، لتغمز بمكر. طب أنا بقي هقفل، سلام. وقبل أن ترد ليان، التقطت أذنيها إلى صوت زين الذي يناديها. صمتت لعدة لحظات، إنها المرة الأولى التي يناديها، كان دائماً يبعث بالخادمة. مهلاً، إنه في غرفة الملابس. حبيب القلب ده اللي بينادي.
سمعت صوت ندى الخبيث. توعدتها في سرها. شيلهالك يا ندي. وانطلقت متوجهة نحو غرفة الملابس كي تتفادى أي كوارث تحدث. *** ماذا؟ نطقتها بتعجب وهي ترى لا يوجد بشيء هام يستدعيها. إنه يرتدي ملابسه. هل تساعده في ارتدائها؟ نطقتها بسخرية. أشار لربطة العنق أمامها. قلبت بعينيها وهي لا تصدقه، ندائه من أجل أن تعقد ربطة عنق. لا تخبرني أنك لا تعلم كيفية عقد ربطة عنق. تمتم ببساطة. هل رأيتني من قبل أرتديها؟
رفعت حاجبها باستنكار، تعلم أنه في معظم الأوقات لا تجده يرتديها سوى... ومن يفعل ذلك وقت الحفلات؟ أجاب بصدر رحب لأسئلتها المستفزة. لما كل النساء تتحدثن أكثر من العمل؟ بمجرد أن يريدها فعل شيء، يجيب أن تأتيه بالتفاصيل الوافية. كان توجد بعض النساء الثرثارات مثلها، لكنها ليانه مختلفة عن النساء، يحب ثرثرتها، يحب مراقبة شفتيها التي تتصاعد وتهبط بسرعة. جدتي. زينة.
تفتت باسمه وهي لا تصدق أن جدته تساعده على عقد ربطة عنقه. تخشى أن تكون إحدى حيله مثلما يفعل حينما ينام بجوارها. لا أمزح، ليان، لا أعلم حقاً. تأفف بحنق وضيق صبي جعلها تبتسم بمرح، قالت بمشاكسة: لكن إن كذبت عليّ لن أرحم. توجهت جواره وهي تفعل له شيء عظيم ستفتخر به. رفعت أنامل قدميها حتى تصبح مقاربة لطوله. ابتسمت بتوتر والمشهد تكرر أمامها،
لكن يوجد شيئان: هي الآن معه في غرفته، وثانياً هي زوجته. انتهت وهي تحمد ربها أن لم يفعل شيئاً. ها قد انتهينا. عجيب، في المرة السابقة استغرقت أربع دقائق وخمس عشر ثانية، أما الآن في ثلاثين ثانية. تمتم بها بتعجب وحنق داخلي، كان يريدها أن تصبح قريبة منه أطول فترة ممكنة. أفكار منحرفة تراوده الآن، والوقت والمكان مناسب، لكن عليه أن يتريث قليلاً. هل كنت تعدها بالدقائق؟ صحح قائلاً: الثواني! ارتدي سترته وهتف بعملية:
سأذهب وبعدها سأعود وأراك جاهزة، سنذهب القرية. اتسعت عيناها فرحة، أخيراً ستتخلص من الجلوس بمفردها بين أربعة جدران. حقاً، سنذهب إلى الجدة؟ أومأ بالإيجاب. تصلب جسده فجأة حينما وجد جسدها الدافئ يلتصق به في الخلف، تحتضنه بحميمية شديدة. ازدرد ريقه بتوتر وهو يخرس عقله. رددت بدون وعي بحماس طفل: يعيش زين، أحلى خبر سمعته. تداركت ما قالته لتبتعد عن جسده، وحمرة تزين وجنتيها ما فعلته. معذرة، هل تضايقت؟
ابتسم وهو يربت على وجنتيها المتوردة. كلا، الأهم أنني أراك سعيدة. نبرة السعادة وعيناك البراقتين أهم شيء. آه، هل يوجد زوج بمثل هذا الحنان؟ هل هذا هو زين؟ انحرج، بالطبع لن يقول أنه تضايق، وتعلم أنه لن يقولها. لن أكررها. في وقت انفعالي أتناسى دائماً. ضحك وهو ما زال يربت على وجنتيها بحنو. جربت منه عزيزتي، هيا اجهزي، بعد ساعتين سأنتظرك أسفل البناية. خرج من غرفة الملابس ليتوجه نحو باب الغرفة. نادته باسمه المفضل. زياد.
توقف جسده عن الحركة ليلتفت خلفه وهو يراها تودعه وتهتف بامتنان. شكراً. اكتفى بهز رأسه ليتابع سيره ويخرج من غرفته. يوجد لديه اجتماع هام للغاية. *** اتفضل بقى اشرحلي بالتفاصيل مين ليان وورد. هتفت بها هند بنفاذ صبر. هزت رجليها بعصبية وهي تستمع إلى رده البارد. ماضي واتقفل. هدرت به ببعض العنف. متلفش وتدور يا يوسف، لأنه لو كان اتقفل مكنتش قعدت أسبوع حابس نفسك في أوضتك.
بنظرة واحدة أخرسها. أشاحت بوجهها للجهة الأخرى وهي تنفخ وجنتيها بضيق. جاهزة أنتِ. أشعل لفافة تبغ، صارت من ضمن أهم أشياءه لشخصية يوسف الجديدة. اتفضل. أطلق الدخان المخزن في صدره إلى الهواء الطلق. لا يعلم من أين يبدأ، لكن يعلم النهاية جيداً، وهذا ما يخشاه. الموضوع ببساطة، كنت بحب بنت جاري ليان، وقولت إن أنا هتجوزها. وفعلاً اتجوزنا وعملنا كتب كتاب. وقت استعدادي للفرح اتزنقت في فلوس. لجأت لرشيد والد ورد، الله يرحمها.
وكان معروف عنه أنه بيساعد أي شخص محتاج. مضيت على وصل أمانة وأخذت الفلوس، وفجأة ظهر وش رشيد الحقيقي وهددني بالوصلات يا إما أطلق ليان. كنت مجبر على إني أسيبها. القدر كان ضد إني أبقى أنا وليان مع بعض. مرجعش الأوراق بعد ما طلقتها ورجع ابتزني تاني عشان اتجوز بنته ورد. كنت مصدوم منه ورفضت، بس هو مسك من الحتة اللي بتوجع أوي. ورد إزاي؟
اللي كنت بعتبرها زي سارة أختي بتحبني. لمحت لي بحبها ليا في فترة خطوبتنا، بس أنا صدتها في كل مرة. قلت لها: أنا مقدرش أحبك، قلبي كان لسه متعلق بليان. واكتشفت وهي في وقت غضبها إن هي وأمها خططوا لكده، أو نقول الأم هي العقل المدبر. كنت عارف ورد وأخلاقها جداً، عقلي مكنتش متصور إن ورد البريئة يطلعلها قناع مليان شر وحقد من جوا.
وفجأة قررت تنفصل وقالت: طلقني، وطلبت مني إني أسامحها وكأنها لآخر مرة هتشوفني. وفعلاً كنت ناوي أقولها إني مسامحها، بس اللي عملوه فيا صعب. حاولت أسامحها بس معرفتش، لساني خذلني. سافرت وجيت إسكندرية وأبعد عن القاهرة. ببعد على قد ما أقدر عن الذكريات. وفجأة لقيتك إنتي شبه ليان، بس روحك هي هند. اتشديت فعلاً لشكلك اللي شبه قلبي اللي حبها، بس أنا برضه حبيتك يا هند. جه موضوع مرض ورد زي الصدمة. اترددت كتير أروحلها ولا لأ. رجلي
كل مرة كانت بتخذلني إني أشوفها. كان نفسي أشوفها للمرة الأخيرة بجد وأقولها إني مسامحك. ورد هي الوحيدة اللي اتأذت من الحدوتة كلها. أنا مش وحش يا هند، حطي نفسك مكاني لمرة واحدة. شهاب بيتهمني إني أنا الوحيد اللي غلطان، بس برضه هي غلطت.
أغلق جفنيه بألم ليسترسل بضعف. ليان واتجوزت شخص تاني وسافرت، وورد ماتت. وأديني أنا هنا. جففت هند عبارتها بكف يديها وسحبت حقيبتها دون أن تتفوه بحرف واحد وسارت مبتعدة عنه وهو يراقبها بألم. توقفت عن السير للحظة لتعود مرة أخرى لديه. عمرك ما حبتني يا يوسف، إنت محبتنيش، إنت حبيت إن شبه حبيبتك. آه، إنتوا الاتنين غلطتوا، بس أنا حاجة واحدة بس عايزة أعرفها. قولي كلام اللي كنت بتقوله ليا وقت فترة خطوبتنا، علشاني أنا ولا عشان هي؟
بتتخيلها هي، مش كده؟ إنتظرته أن يرد، لكن صمته جعلها تعلم الإجابة. استدارت مغادرة وهي تلعن حظها. كلما تظن أن الدنيا تفتح لها أبوابها، تجده أن كان مجرد باب موارب يجعلها فقط تنظر للنور خلفه، لكن حين الوصول للداخل، يد قوية تمنعها وتسحبها لتظل هي في الظلام. وحيدة... بائسة... مستسلمة لمصيرها المجهول. ***
خلع ربطة عنقه وسترته وألقاه على الأريكة بإهمال وتوجه نحو الغرفة المظلمة. فتح الحارس الباب الحديدي وابتعد جانباً. دخل زين إلى الغرفة الكئيبة بطلاء أسود ولا يوجد بها نافذة. فقط ضوء خافت يعلن فقط عن وجود جسد مكبل على الحائط بملامح غير واضحة أثر الدماء والكدمات، ليس فقط في وجه بل أيضاً جميع أنحاء جسده. أمال تيم برأسه نحو الذي يشرف عليه بقامته الطويلة بكل غرور وشموخ. ابتسم زين بتهكم. أخبرني ما رأيك في إقامتنا؟
فاخرة للغاية. سار عدة خطوات وهو يرى نظرة الرعب من أعين تيم. تفقد زين الإصابة من أثر طلقة على كتفه، برضى إلتئم جرحه. لا مشكلة، سيسبب جرحاً آخر له. بثقة ووعيد هتف: وانتظر عزيزي، كيف كانت جولة الضرب؟ أرجو أنها أعجبتك. خرج صوت تيم متحشرج وهو يرد بسخرية. وما بعدها؟ هل ستقومون بشنقي أو رمي في قاع المحيط؟
ضحك زين بقوة. ضحكته ساخرة بل شيطانية، وذلك الجانب لا يراه فقط إلا من اقترب أحد من إحدى خصوصياته. كأنثى الأسد التي تظهر مخالبها وهي تدافع عن أبنائها من الوحوش في الغابة. لا ذاك ولا ذاك. كل يوم ستتمنى الموت، لكنك لن تطيله. كل يوم سأبعث لك الطبيب في النهار، وفي الليل سنمارس أشياء شنيعة للغاية. صمت للحظات وهو يرى نظرته المرتعدة التي أرضته. ببساطة، لقد كسر أنف تيم الشامخ. صاح بصوت عالي ليجذب انتباه الحارس في الخارج.
ابعث مارتكس يا ستيوارت. غمغم الحارس بإيجاب ليسرع بجلب مارتكس كما أمر سيده. عدة ثوانٍ واستمع تيم إلى صوت نباح كلب. اقشعر جسده بخوف وصوت نباح الكلب يقترب منه رويداً رويداً. كلب. ابتسم زين ببرود. نعم، لقد علمت أنك تخشى من الكلاب، لذلك أوصيت بجلب كلب من ألمانيا خصيصاً لك.
أمسك زين بالطوق وجثى على ركبتيه وهو ينظر إلى الكلب الذي روضه. تحدث بهدوء وعيناه مثبتة على الكلب الشامخ الذي يتعدى طوله مائة سم. كلب بذلك الطول جعل تيم يتلوى بجسده. بتوجس استمع إلى ما قاله زين. مارتكس عزيزي، تعلم ما عليك فعله بالنسبة للعدو. هز الكلب رأسه وهو يومئ برأسه على أمر سيده. التفت إلى تيم وهتف بابتسامة زائفة. ليلة سعيدة تيم.
خرج من الغرفة وامسك بربطة عنقه وسترته وغادر بضمير مستريح ولم يلق بالاً للذي يصرخ كالنساء في الداخل. تعلم يا ستيوارت ما عليك فعله. أومأ الحارس بإذعان. نعم سيدي. *** شهاب، متهزرش، بابا بره. قالتها ندى وهي ترى أفعال شهاب غير اللائقة بالمرة وهو في منزلهم. يخبرها أنه يريد قبلة بريئة فقط حتى تطفئ نار شوقه. لكزته بخفة على صدره وهي تجلس مبتعدة عنه تأخذ احتياطها وحذرها منه. ولو برده مش هبعد.
غمز بها بوقاحة وهو يدنو منها. أشاحت ذراعيه عن خصرها وصاحت بشيء تعلم أنه سينقلب مائة وثمانون درجة. بعت الظرف ليوسف. وحدث كما توقعت. ابتعد عنها وقد تخشبت ملامح وجه. ارتمى بجسده على الأريكة المقابلة لها وامتنع عن الرد. شهاب، من فضلك. بتردد هامس اقتربت منه وهي تحضن كلتا كفيه وتبتسم بحنو. غمغم بضيق وهو يسبه بأفظع الألفاظ. متجبش سيرة الزفت ده.
ارتعدت قليلاً من كثرة السباب الذي يلقيه عليه. زادت من ضمها ليديه وهي تعتمد الأسلوب الناعم. شهاب، ورد أدتلك أمانة وهي عارفة إنت الوحيد اللي هتوصلها الأمانة دي. تأفف بضيق من إلحاحها على فتح ذلك الموضوع. بعتله الظرف إمبارح يا ندى. قفزت نحو حضنه وهتفت وهي توزع بقبلات هادئة على وجنتيه. حبيبي، كنت حاسة. اللعنة، ما الذي تفعله الآن؟
رغم أنه يعلم أنها تصدر عفوية منها، ورغم محاولاته العديدة أن تتوقف عن فعلها لأنه لن يضمن ما الذي سيفعله معها، تضرب كلامه بعرض الحائط. تثاقلت أنفاسه عندما دفنت بوجهها عند عنقه. همس بصوت متحشرج. نــــدي. همهمت بنعم وهي تضع كفها على موضع قلبه تشعر بثورانه الداخلي. كان على وشك أن يزيحها وهما في وضع فاضح ليجد صوت أيمن يصيح بغضب زائف. سيادة المقدم.
ابتعدت ندي على الفور وهربت منه وهي تطأطأ برأسها للأسفل. نظر إليها شهاب بسخرية ثم استقام في جلسته وهو يتحدث ببراءة. سيادة اللواء، بنتك هي اللي لزقت فيا. ونبرة ندى كانت نبرة مستنكرة قائلة بغضب. شهاب. نظر أيمن إلى ندى بوعيد وهتف نحو الآخر الواقف بلا مبالاة. تعالى يا سيادة المقدم، وحسابنا بعدين يا ندي.
خرج من الباب ليتبعه شهاب، وقبل أن يخرج من غرفته استدار نحو ندى ليجذبها من خصرها وهو يسحقها بقبلة عنيفة بعض الشيء. ابتعد لاهثاً ليطبع قبلة بجانب شفتيها وتركها ورحل متوجهاً خارج غرفة الصالون. كانت مصدومة مما حدث منذ ثوانٍ قليلة. لثاني مرة يقبلها في عقر بيتها ولسانها يصيبه الخرس عند حضوره وجسدها يصاب بالشلل عند اقترابه. لا هي قادرة على أن تزيحه ولا هي قادرة على أن تضمه. زفرت بحنق وهي تدب على الأرض متمتمة بسخط.
ماشي يا شهاب. *** هبطت على الفور عندما أخبرتها الخادمة أنه ينتظرها بالأسفل. وضع الحارس الحقائب في الحقيبة الخلفية للسيارة. رغم برودة الجو في ذلك الوقت من العام، إلا أنها وجدته خالع سترته وربطة عنقه ويتكئ بجذعه العلوي على السيارة. ما إن رآها تتقدم نحوه اعتدل في جلسته وهتف وهو يفتح باب السيارة لها بلباقة. ابتسمت بمرح ونظرت إلى الساعة في هاتفها وغمزت بأعجاب. في موعدك بالثانية.
تطلعت إلى السيارة الذي لا يوجد بها سائق. تمتمت بتعجب. هل سنذهب بمفردنا؟ دنا نحوها وهمس بنبرة ذات مغزى جعل وجنتيها تشتعلان من الحمرة. نعم، قررت أخذ عطلة ليس لها وقت محدد. ازدرت ريقها بتوتر من نبرته. ماذا يقصد بحديثه معها؟ صعدت السيارة وهي لا تفكر سوى في شيء واحد فقط: أنها ستجلس أطول فترة ممكنة مع الجدة وتتجنب نظراته الوقحة. ولكن ماذا عند وقت النوم؟
رأسه يابسة وربما يخجلها أمام الجدة برغبته أن ينام بجوارها. تمتمت بصوت خفيض يكاد يسمع. حسناً. توجه نحو المقود وانطلق بسيارته تشق زحام لندن في ساعة الذروة متوجه نحو قرية جدته. أغلقت النافذة التي بجوارها وهي تشعر بالبرد الشديد رغم ارتداء سترة صوفية. وجهت ببصرها نحوه لتجده يرتدي قميصاً خفيفاً ومن الواضح أنه لم يتأثر بالبرد. دفنت بيديها داخل جيب سترتها وهي تقطع السكون. ما هي هواياتك؟
أجاب وبصره لم يشح عن الطريق وحمد ربه أنهم وصلا إلى الطريق الزراعي. لا شيء محدد سوى أنني هزمتك في الشطرنج. نفخت وجنتيها بضيق وهو دائماً يتعمد مشاكستها بعد هزيمتها في لعبة الشطرنج. بغيض حقاً. صاح بجمود ولهجة آمرة. ليان، توقفي عن سبي، ولا سأقوم أنا بقصك.
أشاحت بوجهها للطريق وهي تراقب المنظر الطبيعي. زاد الجو برودة عندما غابت الشمس. وفجأة توقفت السيارة وركنت على إحدى جوانب الطرق. نبهت حاستها الأنثوية من خطر قادم. هل سيعاقبها حقاً أي عقاب وهما في طريق خالي من المارة ولا توجد سيارة تمر في نفس الطريق؟ استدارت إليه عندما وجدته يسب بعنف وهو يضرب على المقود بغضب. تمتمت بتساؤل. ماذا حدث؟ أجاب ببساطة وهو يريح رأسه على المقعد. نفذ الوقود.
اتسعت عيناها صدمة. ستموت من البرد بالتأكيد. وجهت نظرها إلى الطريق ثم تمتمت بتوجس. ماذا؟ ... ونحن في هذا الطريق؟ أخرج الهاتف من جيب بنطاله وغمغم ببساطة. سأتصل بالسائق. أخذت وضع التذمر بدلاً من الهدوء، والغضب والانفعال بدلاً من التفكير في وضعهم. ليس ذلك فقط، بل وضعته في دائرة الاتهام في تقصير عمله. كيف لم تتأكد من وجود وقود كافٍ؟ وضع الهاتف على أذنه منتظراً رد السائق. نجح بصعوبة بالغة وهو لا يخرج غضبه أمام وجهها.
أخبرت السائق أن يجهز لي سيارة. كيف لي أن أعلم أنه لم يملأ السيارة بالوقود الكافي؟ ارتعد جسدها فور أن سمعته يتوعد للسائق ويلقي عليه بالسباب اللاذع. نفث عن غضبه أمام السائق، ولكن ماذا ذنبه أن يلتقي كل ذلك؟ يكفي فقط أن يحذره ويخصم راتبه، لا أن يطرده بسبب فعلته. تمتمت بتساؤل عندما رمى الهاتف على التابلوه بضيق. ماذا سنفعل حينما يأتي؟ سؤالها خرج سخيفاً، لكن ماذا تفعل؟ لا تحب ذلك الهدوء الذي يبعث بالرعب. ننتظر.
أجاب باقتضاب لتعلم أنه يرفض الحديث معها. احتضنت جسده بواسطة ذراعيها تجلب بعض الدفء. إن كانت تشعر بالبرد حينما تسير السيارة الآن، تكاد تموت بسبب لفحات الهواء الباردة. يبدو هذا هو الحل الوحيد. رفعت بساقيها التي شعرت كأنها لوح من الثلج وجلست متربعة على المقعد. ولسانها يردد أن كل شيء سيصبح بخير.
فكرت أن تفتح حقيبة السيارة، لكن قدميها لن تساعدها أبداً وهي بغبائها تعلم أنها لن تجد شيئاً يدفئها. لم تتوقع أن يخونها الطقس، كل ما جلبته كان مناسباً للصيف، سوي سترتها الصوفية التي ارتدتها عندما شعرت أن الجو انقلب في الصباح. شعرت بشيء يوضع على ظهرها. استدارت له لتجده يضع سترته على جسدها. ابتسمت بهدوء عندما أردف. ستشعرك بالدفء. شكرته بامتنان وهي توجه ببصرها نحو الطريق. شكراً.
عدة دقائق مرت كالجحيم. لا توجد أي سيارة مرت في الطريق. نظر إليها وهو يشعر بالعجز عندما يراها تنتفض في كل مرة رغم أنه أحكم غلق النوافذ. الجو ليس بارداً لتلك الدرجة، لكنها يبدو أنها لم تعتد على الجو بعد. بعد فترة ستصبح معتادة على الطقس المتقلب. سحبها من ذراعها وهو يهتف بحزم. تعالي. إلى أين؟
ما كان عليها أن تسأل وهي تجد نفسها جالسة على ساقيه وذراعيه مثبتة على خصرها. كتم ابتسامته حتى لا تثور في وجهه وهو يرى ارتعاشة جسدها بسبب البرد. أصابه القلق إن كانت تشعر بوادر المرض. حضني. ابتسمت بتوتر وقبل أن يسحبها لحضنه، وجدته يحل أزرار قميصه ليصبح جزعه العلوي عارياً. كتمت شهقتها وهي تضع كفيها على ثغرها بصدمة. زين، ماذا تفعل؟ صاح بسخط من سؤالها. سأبعث بالحرارة لجسدك، هيا توقفي عن الحديث الذي لا فائدة له.
ترددت كثيراً من فعلها. لكنه أسرع وهو يجذب بعنقها ويضعها على صدره. تورّدت وجنتاها من الخجل، لا يصح فعل ذلك. زجرت نفسها، إنه زوجها، لا تستطيع أن تمنعه من الاقتراب. تخشى عليه أن يصيبه برد وهو عارٍ. دفنت وجهها عند عنقه وأراحت بكفها على صدره العاري بتردد. ألا تشعر بالبرد؟ غمغم بصوت متحشرج وهو يعلم أن لن يصبر أكثر. إنها بين ذراعيه، تراوده الكثير من الأفكار المنحرفة. سابقاً.
عضت شفتيها السفلى بإحراج وهي تعلم قصده. بعتاب أنثوي هتفت وهي تشعر بحرارة جسده التي تنتقل إليها. زين. غمغم بسخط على حالته الميؤس منها. اصمتي. تلك المرأة التي بجواره يريد أن يلتهمها. صوتها المبحوح وهي تهتف باسمه بإغراء. وأناملها التي تخونها وهي تتحسس صدره، كل ذلك بمثابة نار لن تخمد. أمسكها من عنقها لتقابل وجهه لفح بأنفاسه الحارة وبنبرة راغبة هتف. هل تسمحي لي أن أقبلك؟
تصاعدت دقات قلبها. وتيرة أنفاسها تعلو وتهبط بسرعة. احتقن وجهها من الخجل وهي تحاول أن تبتعد عن رائحة عطره التي أصابتها بالأسترخاء والخدر. إن كنتي لا تريدين فقولي لا. أما إن لم ترفضي سأعلم أنك موافقة. إنتظرها أن ترفض، لكن وجدها ساكنة. أزاح حجابها ورماه جانباً لتنفرد خصلاتها الفحمية. أحس بأنفاسها الساخنة وبعض الكلمات غير المرتبطة التي تخرج من شفتيها.
أمسك بذقنها ودنا يلتقط شفتيها بكل حميمة. يبث لها كل أشواقه. كان يؤجل فترة قربه منها حتى يطمئن عليها، لكنه اقترب منها كالمغيب، مفتون بها. أقل شيء يرضيه، يكفي فقط أن يرى بسمتها.
حررها من حصاره لعدة ثوانٍ كي تلتقط أنفاسها المسروقة، ليتبعها حصار آخر جعلها تحيط بعنقه وتبادله شغفه بشغف أكبر. لا تعلم كيف تنساق وراء عناقه الملتهب، ما زالت جاهلة في تلك الأشياء. وكيف بدون أن تخبره أنها ترغب به أيضاً. ولكن أين البرد الذي كانت تشعر به منذ قليل؟ اختفى أثر البرد وحل محلها مشاعر ملتهبة. سيدي.
تكسرت السيمفونية الهادئة عندما سمع طرقاً على نافذته. وقبل أن تهرب منه ضم جسدها نحوه. دفنت بوجها عن عنقه وهي بالكاد تلتقط أنفاسها. أما هو فلم يكن في أفضل حال عنها. صاح بغضب للواقف في الخارج. اللعنة عليك، انتظرني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!