دفنت وجهها بين ثنايا عنقه. رائحة عطره الموشومة برائحته الرجولية تُسكرها. عدة لحظات فقط وهي تحاول استعادة تنفسها إلى الحالة الطبيعية. وجهها الذي اصطبغ باللون الأحمر لا يجب أن تراه الجدة. وضعت راحة يديها على مصدر مضخته. تذبذبت دقات قلبها وهي تعض شفتيها السفلى بإحراج من كلمته. دائمًا يضعها في مواقف محرجة وهي غبية. جسدها يذوب بسرعة من مجرد لمسة. لمسة واحدة فقط تذوب متلهفة لتلك الدوامة التي تقتلع كل حصونها الثابتة.
ابتسمت الجدة وهي تلاحظ ارتباك جسد ليان وجسد الآخر المتحفز للانقضاض على فريسته. عضلات فكه السفلي المتشنجة وذراعيه الملتفين حول خصر زوجته كالكماشة. زادت عينيها ببريق خافت وهي ترى محاولات زوجته الفاشلة للتخلص من حصاره. ويبدو أن الآخر لم يكتفِ، بل هبط إلى وجنتيها ويوشم باسمه في كلتا وجنتيها.
حمحمت الجدة وهي لا تعلم لما أصبحت نبرتها هادئة. جاهدت أن تخرجها حازمة، لكن حنجرتها خانتها لتخرج بصوت ناعم وابتسامتها من الأذن للأذن. "أراك أصبحت كلصٍ يختلس قبلات من زوجته. غرفتكما خالية. اذهبا تفعلان بها ما تريدان."
نظره مثبت على زوجته. ليانه. تلك الجميلة الخجولة وعيناها تحاربان النظر إليه. تستفزه تلك الحركة. مد يده وهو يمسك بذقنها ليرفعها إليه. بندقية عيناها العميقة ظهرت لمعته المحببة إليه ليشي بتأثرها من قُبلته. زادت احمرار وجنتيها على ما قالته جدته. عيناها معاتبتين على ما فعله. أما شفتيها فكانت ترتجف بشدة. سحب هواء عميقًا ليرد لجدته وعيناه مثبتتان نحوها. عيناه توجد بها لمعة المكر والتحدي.
"أتعلمين يا جدتي أنتِ محقة. يوجد لدينا غرفة فارغة. لا تنادينا وقت العشاء جدتي. يوجد لدي اجتماع طارئ مع زوجتي." شهقة خافتة خرجت منها. وقبل أن تنطق معترضة، وجدته يحملها بين ذراعيه في ثوانٍ قليلة معدودة وانطلق خارجًا قائلًا بعجالة تحت تذمراتها الطفولية. "أراكِ جدتي في الصباح التالي."
ضحكة خافتة صدرت من الجدة وهي تتبع آثارهم. لتهز كتفيها بلا مبالاة وهي تجاهد معرفة لماذا توجهت للمطبخ. حينما يأست من التذكر، خرجت من المطبخ متوجهة نحو غرفتها. تنهدت براحة وقد أنهت مهمتها على أكمل وجه. كل ما أرادته أن يحب فتاة ويذوب بها عشقًا. كادت أن تفقد الأمل من حياته ونهجه. كيف لم تلاحظ نظراته العاشقة من قبل؟ كيف استطاع بتلك البراعة أن يخفي كل ذلك؟ ذلك الزياد حقًا لن تستطيع.
لذلك ستنتقل الآن وتركز نحو الذي يشبه زين. لن تدعه ولن تتركه حتى يقع في حب أحد من فتيات القرية أو هو الذي يحدد تلك التي ستسلب قلبه. ***
ظلت تتلوي وهي تحاول الفكاك من حصاره. أغلق الباب خلفه متجهًا نحو فراشهم. احمرت وجنتيها خجلًا وهي تجده يزيح حجابها ويلقيه بإهمال على الأرض. لتتبعها حركات يديه الرشيقتين وهو يحل أزرار قميصها. مال بوجهه نحو صدغها وهو يلثم بعده قبلات عميقة. ليخلع قميصها ويرميه هو الآخر مع صديقه. تأوهت بضعف وهمست بين قبلاته المحمومة. "زين."
أغمض جفنيه وهو يستمع إلى اسمه. لا يعلم هل اسمه أصبح كمعزوفة عاطفية أم هو الذي يتخيل. التقط أنفاسه المسلوبة وبخشونة أجاب. "يوجد لدينا أمر هام حبيبتي." كان يجذبها بكل قوة إلى عالمه. ذلك العالم الذي لا يوجد سواه. براكين من العشق وطوفان من المشاعر المتدفقة. لا تعلم النار أم الماء هو الذي سيفوز. كلاهما يتحديان بقوة لتتكون طبقة عازلة وهي تفيق من ثورة مشاعرهم.
"هل تعلم ماذا ستقول الجدة بل الجميع حينما يعلمون أننا لن نحضر في وقت العشاء؟ ربت على وجنتيها الناضجتين. يود أن يلتهمهما بل يلتهمها هي كلها. "لا وقت الآن. أريدك نبضات قلبك هي التي تتحدث." همهمت باعتراض في محاولة فاشلة يائسة وهي تحاول أن تشرح له. لكن أصمت شفتيها ولم يكن هناك حديث آخر. أرقدها على الفراش واعتلاها وهو يرتشف كل قطرة من نهر عسلها. كما أخبرها كان يريد حديث القلب هو الذي يتولى دفة الحديث. وحدث ما أراد. ***
أغمض جفنيه بأسى. شيء ثقيل يجثم قلبه وهو يتطلع إلى قبرها واسمها يعيد أشياء قديمة لم ينساها. جثا على ركبتيه بانهيار تام. فقد كل شيء. حياته جديدة أو هكذا ظن. نبذته هند وتركته في منتصف الطريق. مرت ثلاث نساء في حياته وكل وجع يكون أعمق من السابق. هل حياته ستستمر في الشقاء والوجع فقط؟ حياته رمادية كئيبة لا يوجد نسمة هواء ناعمة تشق تلك الكآبة في حياته. علق بصره مرة أخرى إلى قبرها. ابتسم ساخرًا. لا يعلم لماذا جاء إلى هنا؟
وكيف؟ وما النتيجة؟ كل تلك الأسئلة تتضارب عقله بسرعة لم يتخيلها. أغمض جفنيه بأسى. ربما ما كان عليه أن يظل حيًا هو الآخر. هل يفكر في الانتحار هو الآخر؟ لن تكون مشكلة. لا يوجد شخص يهتم به سوى والدته. ولكن ما ذنب والدته؟ كيف يتركها وحدها في ذلك العالم؟ نفض تلك النقطة السوداوية وهو تعب وسأم من وضعه. ومع ذلك تمتم باختناق. "مسامحك يا ورد."
استقام في جلسته وهو ينفض الأتربة العالقة على ملابسه. ربما تلك نقطة بداية. ربما قسوة قلبه هي كانت المشكلة من البداية؟ عقله يحلل ويفكر. وفي النهاية إلى أين توصل؟ لا شيء مثل كل مرة. *** "تسلمي يا سعاد." هتف بها إبراهيم بامتنان وهو يريح جسده المتشنج على الفراش. شهقت سعاد مستنكرة وهي تعدل الوسادة على رأسه وقالت. "الله هو أنت بتطلب من الغريب يا حاج."
يشعر بالاختناق من مكثه في البيت. كانت أعصار المنزل تهون عليه رحيل ابنته الأخرى. كل يوم تقوم بسحبه خلسة للتنزه قليلًا ثم يعودان قبل مجيء سعاد. كان ذلك السر يحتفظان به خوفًا من علم سعاد. ولكنها غادرت هي الأخرى. حتى برغم مرور وقت قصير. لكن بمغادرته الفتاتان يشعر أن حياته أصبحت بلا معنى. لاذعة كئيبة ليست لها ألوان ناعمة كـ ليان ولا صارخة كـ سارة. "تعرفي مش متعود على البيت الهادئ. شعنونة البيت وحشتني هي والمسكرة."
لفظ "المسكرة" الاسم الحركي لـ ليان. توقف عن نداء ذلك الاسم بسبب تعليقات السخيفة لأولاد الحي وهم يستهزئون باسمها. وأيضًا سارة كانت تشاكسها بذلك اللقب وتقول "يا مسكر يا اللي مدوخ البقرة". لاحت ابتسامة راضية على شفتي سعاد وهي تستجمع ذكري قديمة لهم. تنهدت وهي تستفيق من شرودها العميق.
"رغم إن سارة بتتعبني وتخليني ساعات أشد في شعري بس بجد كانت عاملة حس للبيت. أما المسكرة البيت أنت عارف إن كنت رافضة الموضوع في الأول يا إبراهيم." لن تنتهي أبدًا من حديث في ذلك الموضوع. رغم رفضها وضيقها. لكن في كل مرة هي تطمئنهم أنها بخير تصمت لعدة لحظات ثم تعود مرة أخرى إلى أسطوانتها القديمة. صاح برزانة وهو يعقد ذراعيه على صدره. "ليان عايشة مستقرة مع جوزها عايزة إيه تاني." أجابت وبدأت تتجمع الدموع عند مقلتيها.
"بنتي بعيدة عني يا إبراهيم. جزء من قلبي متعلق هناك. وأنت عارف وقت ما غابت فجأة كان قلبي واقع بين رجليا إزاي." هو أيضًا كان يشعر أن هناك شيئًا خاطئًا بسبب فترة انقطاع اتصال ليان لهم. لكنه أخفى ذلك. يعلم زوجته حق المعرفة أن أخبرها هو أيضًا أنه يشعر بالقلق ستقوم بحجز تذاكر السفر وتتوجه إلى منزلهم. لكنه بدا صامتًا هادئًا حتى أتت مكالمة زين التي أثلجت صدره. هتف بجمود. "زين اتصل وقال إنهم في شهر عسل."
هزت سعاد رأسها نافية وشيء داخلي يخبرها أن هناك شيء سيء حدث لها. "برضه مش هصدقه ولا هصدق. أنا قمت مفزوعة من النوم. البنت حصلها حاجة وإحساسي عمره ما هيخيب." زفر بيأس وهو يعلم أنه سيتجادل معها حتى بزوغ الشمس. قرر تغيير دفة الحديث وهو يتعمد وسيلة الإلهاء ليجدها أصبحت تتحدث بدرامية. "وسارة برضه سافرت. أنا مش عارفة لما تتجوز وتستقر هعمل إيه؟
رفع حاجبيه بدهشة واستنكار. أليست منذ عدة أيام كانت تخبر سارة بالنص "ابقي قابليني مين ده اللي هيتجوزك". غمز بمكر وهو يقول بنبرة ذات مغزى. "هيفضلنا يا جميل أنت." شهقت مستنكرة وهي تضرب براحة يدها على صدغها وهي تقول بجدية. "يالهووي عليك يا حاج. إحنا كبرنا خلاص." مال شفتيه وهو يغير مجرى الحديث كليًا. "المسلسل فاضله قد إيه ويبدأ." قطبت حاجبيها بعبوس وهتفت بحدة كأم تزجر طفلًا وتعاقبه.
"مسلسل إيه بس يا إبراهيم. أنت هتاخد الدوا وهتنام. وقت النوم جه." تمتم بنبرة خفيضة كي لا تسمعه زوجته. "أنا مش عارفة استحملتوها إزاي ديه." *** رمى لفافة التبغ على الأرض وسحقها بقدمه وهو يزفر بحنق. لا يعلم كم عدد السجائر التي شربها حتى ذلك الوقت. شيء في داخله يضايقه بل يجعله ينفجر. يقف على حافة البركان.
سحب أكبر كمية من الهواء لتملأ رئتيه ثم زفر بتمهل. نظر إلى الماسورة الحديدية المقتربة من شرفة شقيقته. لاحت عليه ذكرى قديمة عندما كان يتسلق الماسورة كلص ويذهب إلى غرفة شقيقته لإرعابها ليلاً. لاحت عليه عقله بأن يعيد ويجدد تلك الذكريات القديمة. نظر إلى الساعة المعلقة على رسغه وهتف بحماس رائع. الساعة الآن الثانية عشر منتصف الليل. ثانية فقط وهو يعدل عن قراره. لكن شيء داخلي طغى على ذلك الرفض وبدأ بالفعل يتسلق برشاقة حتى وصل إلى شرفتها. زفر بنجاح وهو لا يصدق كيف فعلها. ماذا إن رآه أحد؟!
يبدو وكأنه عاشق يتسلل إلى غرفة حبيبته. هز رأسه يائسًا. حاسة الأذن كانت قد قطعت أحاديث أفكاره المجنونة. موسيقى؟ هل أخته مستيقظة؟ وما تلك النغمات؟ اقترب ببطء من نافذة شرفتها الداكنة. ما ذلك الصوت؟ لأول مرة يستمع إلى تلك الألحان الغريبة. النافذة غير محكمة الغلق. وجد أن هناك شقًا صغيرًا. تسلل على أطراف أصابعه ليرى تلك المجنونة المسمى بأخته. "اللعنة."
همس بها بصوت خفيض وسقط فكه السفلي من آخر شيء ممكن أن يتوقعه أو يجول بخاطره. طفلة؟ تلك الطفلة؟ كلا كلا ليست طفلة. أنثى ناضجة مكتملة لا يشوبها شيء. تلك الانحناءات اللعنة كيف؟ كيف؟
تلك الشرقية المغوية. عض شفتيه السفلي وهو يراقب خصرها الذي يتمايل بكل رقة ونعومة مع تلك الأغنية التي تليق برقصها. ثانية اثنان اثنا عشر حتى تذكر اسم تلك الرقصة التي بعثرته. رقص شرقي نعم هو ذلك الرقص الذي يثير الرجل. لكن لم يكن يهتم به. لم يكن يتأثر. ولكن تلك الطفلة. تباً لها.
أشياء تدفقت في داخله. سخونة تسري في أوردة جسده لأول مرة تحدث له. عيناه كانت كالفهد التي تراقب فريستها. حبس أنفاسه عندما وجدها تنحني وخصلات شعرها الغجرية تلامس الأرض لتعتدل وهي تعيد تتمايل بخصرها المنحوت. دقق ببصره إلى ما ترتديه. أغمض جفنيه لعدة لحظات وهو يستوعب تلك الكارثة التي فعلها. ثوب أسود ملتصق كجلد ثانٍ لها. وذو شقين جانبيين يظهر ساقيها المهلكتين. وخصلات شعرها الغجرية التي تلامس مؤخرتها. اللعنة اللعنة اللعنة.
فتح جفنيه وهو يتحكم في وتيرة أنفاسه المرتفعة بسبب تلك الشرقية المغوية. ما زالت ترقص بافتتان واغواء غافلة عن عيناه التي لمعت بوهج غريب يلمع لأول مرة. لكن أين أخته؟ لا يعلم. بل ظن أنه لم يراها. كل تركيزه منصب على الشرقية. "تلك الطفلة الفاتنة اللعنة عليها."
زفر بحنق وهو يشد خصلات شعره بقوة حتى كاد أن يقتلعها من جذورها. عاد مرة أخرى إلى الماسورة ليهبط منها بسرعة. وصورة ذلك الثوب يقسم أنه لن يغادر مخيلته ولو طالت الليالي. توجه نحو غرفته بخطوات رشيقة. وفجأة نسي ذلك الضيق والعبوس الذي يكتم جسده. تبقى فقط صاحبة الثوب الأسود وخصلاتها الغجرية المهلكة له. استلقى على الفراش وظل يتقلب فيه كمرجل. نار اشتعلت في داخله. كيف لتلك الطفلة يوجد لديها انحناءات مهلكة؟
ماذا إن أصبحت أنثى يافعة؟ عض شفتيه السفلي وأفكار دنيئة اقتحمت مخيلته. "لم أكذب حينما قلت إنها تمتلك جسدًا أنثويًا صارخًا." *** كان يداعبها ثم يعود يقبل ما طالت شفتيه. ذراعها. وجنتيها. عنقها. شفتيها. كانت تتملل وهي تشيح بيديه ثم تلتفت بجسدها الناحية الأخرى لتنكشف ظهرها العاري. اتسعت عيناه ببريق خافت ليسحبها نحو خصره وهو يشدد من خصرها إليه. ابتسم وهو يلمس جسدها الدافئ بين ذراعيه يستشعر نعومة جسدها. "ليان."
همهمت وهي تحاول إزاحة ذلك الذي الجسد الملح على استيقاظها. "زين توقف أريد النوم." "لقد حظيتِ به منذ ساعتان ونصف." رغم محاولتها الفاشلة للنوم، استيقظت أثر أنامله التي تداعب ذراعها. رمشت بعينيها عدة مرات حتى تنظر إلى الساعة التي تجاوزت الواحدة صباحًا. عبست ملامحها بسبب مواعيد نومها التي تغيرت بفضله. ابتسمت بضعف وردت. "يا لكرمك حقًا."
أداعب خصلات شعرها السوداء بافتتان. كان طوال فترة نومها يراقب بها أدق التفاصيل التي لم يكتشفها بعد. شفتيها تكون منفرجة قليلًا وتتخذ وضع الجنين أثناء نومها. أما خصلات شعرها المهلكة كانت تثيره كل مرة كان يزيح خصلاتها عن وجهها. همس بنعومة. "هيا حبيبتي استيقظي." نظرت إليه بعبوس شديد وقالت بنعاس وهي تفرك عينيها حتى تستطيع إزاحة الخمول من جسدها. "أريد النوم زين." تنهيدة عميقة خرجت منه. سحب جسدها نحو صدره وقال.
"هل تعلمين حينما رأيتك لأول مرة أمامي ماذا حدث لي؟ يا إلهي ذلك اللقاء. وعيناه التي كانت تحرجها." فلاشات سريعة حدثت أمام عينيها. وردت بضيق. "كنت بغيض للغاية وبارد وجلف وكنت أريد أن أحطم فك أسنانك البيضاء المستفزة." اتسعت عيناه دهشة مذهولًا من كل تلك الصفات المتعددة. هل كانت تسبه بكل تلك الأشياء؟ غمغم ونبرة صوته كان يوجد بها الصدمة. "يا إلهي هل كنت سيئًا لتلك الدرجة؟!
لعنت لسانها الذي يخرج دائمًا دون أن تعود لاستشارة عقلها مرة أخرى. كان سيلقي كلمات معسولة لتأتي هي مثل "الدبش" تصده بقوة. "اعذرني حقًا لكنك كنت لا تطاق." ابتسم وهو يرى عينيها اللامعتين ونبرة صوتها المعتذرة. "لم أصدق حينما رأيتك. كنت أراك مرتبكة وخافضة برأسك طوال الوقت."
تشعر بأن تلك الأحداث حدثت منذ يومين. تتذكر كل شيء أدق التفاصيل. ابتسمت بنعومة وهي لا تصدق كيف كان اللقاء الأول. انحسرت ابتسامتها عندما تذكرت طيف المرأة الأنثوية التي بجانبه. "وماذا عن تلك المتشبثة بك والتي أسرعت باحتضانك يوم المطعم؟ لاحظ غيرتها بوضوح. لم تخفِ ذلك في نبرتها المندفعة والحانقة. أمسك بذقنها لتتقابل أعينهم وهمس بصدق.
"نتالي إنها مجرد صديقة. والتي في المطعم كانت صديقة أيضًا. لم يكن بيننا أي شيء يا ليان. لقد أخبرتك منذ أن رأيتك أول مرة توقفت عن فعل أي شيء. كنت أريد أن أكون لائقًا بك." برقت عيناها بوميض محبب له. لم يكذب عليها منذ أن رآها حتى اعتزل نساء العالم بأكمله لتكون هي الوحيدة من يرغب بها أن تكون نصفه الآخر. هتف وابتسامة عاشقة لم تفارقه.
"عيناكَ كانت مرتبكتان ووجنتيك توردت. لا أعلم. كنت أريد في تلك اللحظة أن أعصرك بين ذراعي. وأول مرة حينما رأيتك في القصر والأوراق التي سقطت على الأرض." غمغمت بضيق زائف وهي تحاول أن تقلد نبرة صوته. "لقاء تافه." ضحك ضحكات رجولية رنانة جعلت قلبها يشعر بالاضطراب وأشياء تداعب معدتها. قرص وجنتيها بخفة وبعبث قال. "لا تنسين حبيبتي." نفخت وجنتيها وهي تتعبث بيدها عشوائية. "بالطبع. كنت بالكاد تحكمت في أعصابي."
شهقت بخفوت عندما اعتلاها وأصبحت هي أسيرته. غمز بعبث. "أعلم ذلك. لكن لا أعلم لماذا كنت أحب أن أطالع حنقك وشفتيك التي تصبح مضمومتين تحثني على تقبيلك." ارتفعت وتيرة أنفاسها وتحول وجهها وجسدها الظاهر أمام عيناه على لون وردي. أغمضت جفنيها وهي تعض شفتيها السفلى بخجل تحت نظراته المثبتة نحوها وهمست بتوسل. "زين أرجوك توقف. أخجل من حديثك." برقت عيناه ببريق لامع وما زال يسترسل في لقاءاتهم الغريبة.
"عندما تلامست أيدينا بالخطأ رأيت تصلب جسدك. في الحقيقة كنت بارعًا في إخفاء تعابير وجهي. لكن كانت تلك بمثابة شعلة لي. ثم رؤيتك لذلك الشاب في الشركة كنت أريد أن أطرده. لكنني غيرت ما طرأ في عقلي. لذلك قررت أن أخطفك قبل أن يقوم أحد باختطافك قبلي." عبست بملامح طفولية وصاحت. "لكنك كنت تحدثني بكل تعنت وغرور وتخبرني أنك ستتحكم بي." قاطعها بنبرة رجولية عميقة جعلتها تتخشب للحظة. "سأتوغل بين أنفاسك يا ليان. أعدك بذلك."
ازدادت تورد وجنتيها حتى شعرت أنها على وشك الاختناق من حديثه ومن سطوته عليها. رفعت عيناها لتقابل زرقاوته التي أدمنت النظر إليهما. همس بخشونة وهو يقبل وجنتيها. "ليان هل تريدين حفل زفاف؟ أعلم أنني قمت باختطافك من موطنك دون حتى أن نقوم بعمل حفل للعائلتين." هزت رأسها نافية وتعُلقت بعنقه وهمست بخجل. "لا أريد سواك زين." "هل أنتِ متأكدة؟
عاد سؤاله بشك. لتعيد وهي تهز رأسها نافية دون تردد ودون أن تفكر للحظة. هل هو أناني في تلك اللحظة؟ نعم. رغم رفضها. لكن هو يعلم كيف يكون يوم الزفاف هو يوم العمر. لطالما كره من حديث ليلى عن ما ستفعله في زفافها. واستعدادات وتخطيطات لا تبدأ حينما يأتي الخاطب بل عندما تكون صغيرة طفلة. لكن سيعوض تلك الأيام السابقة. سيعوضها بالتأكيد. "هل أخبرتك من قبل أنني أحبك؟ ردت وهي تغمز بمكر. "الآن كلا. لكن إن كنت تقصد منذ فترة فنعم."
ابتسم قبل أن يسبحها معه إلى دوامته وهي ترفع راية استسلامها في كل مرة. *** "توقفي توقفي لقد تعبت."
تنهدت سارة بتعب وهي تلتقط أنفاسها المتأججة من فرط مجهودها الجبار الذي بذلته. لطالما كان الرقص والرسم والتصوير شغفها في الحياة. منذ أن كانت طفلة كانت تحب أن تقلد الراقصات الشرقيات. لكن مع رفض والدتها ووالدها دفنت تلك الرغبة بداخلها. لكن حينما تشعر بالضيق أو الكبت تغلق باب غرفتها بالقفل ثم تقوم بتشغيل الألحان الشرقية وترقص بتناغم على ألحانها. هتفت وهي ترجع خصلة شاردة للخلف. "إن علم شخص سيكون بها ذبح الرقابة."
هزت علياء رأسها بالنفي وهي تخبرها بإشارتها سيظل ذلك سرًا بينهما. لا تعلم كيف سألت سارة إن كانت تعلم الرقص الشرقي أم لا لتتفاجئ برد الأخرى وهي تخبرها أنها تعلم. انتظرت قليلًا في غرفتها عندما أخبرتها أنها ستأتي بـ "عدتها" لكي يبدأوا حفلتهم المسائية. لم تستغرق سوى دقائق بالكاد تعد لتجد أنها بدلت ملابسها بشيء آخر يناسب لرقصها الشرقي. ردت بثقة. "لا تقلقي لا يعلم أحد. لكن رقصك رائع بالمناسبة. أريد أن أتعلم."
"الوقت تأخر الآن. سأعود إلى غرفتي ونتحدث في الصباح." ترددت علياء قليلًا. "لكن... قاطعتها سارة وهي تفتح الباب بتعجل خشية أن يراها أحد بهيئتها الفاضحة. "هيا سأراك في الصباح." في أقل من ثوانٍ معدودة عادت إلى غرفتها لتخلع ثوبها وترتدي شيئًا أكثر راحة. جمعت خصلات شعرها على هيئة كعكة فوضوية واستلقت على الفراش وجسدها يئن طلبًا للراحة.
رنين هاتفها جعلها تتوجس خيفة لتمسك هاتفها وهي ترى رقمًا دوليًا من مصر يهاتفها. ألَح المتصل مرة واثنين وثلاثة حتى ردت بتوجس. "الـو." صوته بعثرها وجعل قلبها ينقبض فجأة من حديثه وذلك اللقب البذيء. "إيه يا مزة لسه صاحية لحد دلوقتي؟ معقول بتفكري فيا وإنتي مسافرة برة مصر؟ لم يخرج من شفتيها سوى اسمه وهي تشهق بصدمة. كيف علم هاتفها بل كيف علم أنها خارج مصر؟ "كريم." ونبرة الآخر كانت واثقة جليدية. "أيوه أنا."
أغلقت هاتفها على الفور وهي تلقيه بإهمال. رفعت ساقيها إلى صدرها ودفنت برأسها وهي تسبه بكل الألفاظ التي تعلمها. "وقح حقير زبالة." *** في الصباح التالي.
لم تنعم بالنوم. جفاها وهي تتقلب على الفراش كمن يجلس على جمر مشتعلة. توجهت نحو إصطبل الخيل خلسة دون أن يراها أحد وما زال الوقت باكرًا. تنفست الصعداء حينما رأته يصهل مرحبًا بها بقوة من رؤيتها. وضعت سبابتها على شفتيها وهي تحاول أن تخفض صوته. والغريب في الأمر أن صهيل الفرس بدأ في الخفوت. اقتربت منه وهي تربت على ظهره بنعومة وهمست ببريق طفولي. "إيه رأيك ناخد جولة؟ لاحظت حركة الفرس كتعبير على موافقته. كيف علم ما تريده؟
هل شعر بها؟ ما ذلك الغباء. إنها حتى لم تركب الفرس من قبل. روح من المغامرة دفعتها لتعتلي صهوة الفرس بدون أي تردد. وكزته بقدميها لينطلق بسرعة فاجأتها خارج الإسطبل متجهًا نحو المزرعة الشاسعة. ابتسمت بمرح وهي تراقب منظر الطبيعة الجمالي والهواء النقي يلفح وجهها. تمسكت اللجام بقوة وتطايرت خصلاتها تشعر وكأنها مثل الطائر الذي يحلق في الأفق البعيد. لا يوجد لديه أي حدود تردعه في التحليق في الأفق.
أرادت أن تبطئ من حركة الفرس لتجد عصيان الفرس منها وهو يصهل مزمجرًا بغضب. ولم يكتفِ بذلك بل زادت من قوة سرعته متجهًا نحو حدود المزرعة. لم تمنع من خروج صرخة مستغيثة وهي تغمض عينيها أن الهلاك قادم لا محالة. لاحظ خالد حالة من الهرج والمرج عند الإسطبل ليتوجه بسرعة وهو يهتف للسائس بحدة. "ماذا حدث؟ ازدر ريق السائس بتوتر. آخر ما يتوقعه هو وجود سيدة في ذلك الوقت المبكر.
"لقد أخذت السيدة الصغيرة الفرس. وأنت تعلم أن هناك مشكلة في ذلك الفرس منذ المرة السابقة." "اللعنة." وبدون أي تردد اعتلى صهوة فرس وهو يلحق تلك الطفلة الغبية وينقذها من براثن غضب الفرس. أشياء سوداوية اقتحمت عقلها. لتنتبه فجأة لوجود صهيل فرس آخر. طرفت بعينيها نحو الآخر الذي أصبح في محاذاتها وهو يصيح بحدة. "اقفزي هيا." هزت رأسها نافية. فكلا الخيارين أنها ستموت. ستختار الطريقة الأسهون. كيف يطلب منها أن تقفز؟
ليست بارعة في ركوب الفرس. استطاعت بصعوبة أن تعتلي صهوة الفرس. كيف يريدها أن تقفز للفرس الآخر؟ لاحظ خالد اقتراب نهاية المزرعة. نهاية حدود المزرعة تعني وجود ما يشبه بطريق مسدود. أي أن الفرس والغبية سيموتان وهما يسقطان من التل المرتفع إلى بحيرة القرية. نظر نحوها ليجدها تغمض عينيها وهي مستعدة للهلاك القادم. قبضتها ارتخت من اللجام ودموعها تتساقط بحرية. انطلقت صرخة آمرة وهو يراقب المسافة المنعدمة.
"اللعنة أيتها الغبية اقفزي." انتفضت تحت صيحته الآمرة. أفلتت اللجام لتلقي بنفسها فوق صهوة فرسه. التقطتها ذراعيه يضمها بقوة بينما دفنت هي بوجهها عند عنقه تبكي وتنتفض بين تارة والأخرى بصمت. شد لجام فرسه ليبطئ الفرس من حركته المتسارعة حتى توقف. ألقى ببصره نحو الفرس الآخر الذي توقف عند حافة التل ليعود مرة أخرى يسير ببطء وغرور متوجهًا نحو الإسطبل غير مكترث لما حدث منذ قليل.
زفر براحة وهو يمسك بخصرها بدون تردد لينزلها من الفرس. ارتمت على الأرض بوهن وقدميها ويديها خارت وأعصابها انفلتت. سمعت صوته العميق وهو يربت على ذراعها. "اهدئي اهدئي." انفجرت في البكاء وهي تخفي وجهها بين كفيها وهي تهذي بكلمات غير مرتبطة حتى أجهشت في البكاء وهي تحاول أن تتنفس. "كنت.. كنت.. على وشك."
كانت رقيقة ضعيفة أمامه. ودد أن يجذبها لحضنه وهو يربت على ظهرها. لكنه يخشى أن تنفعل. راقبها وهو تمسح وجهها بقوة ثم ما تلبث أن تنفجر في نوبة بكاء أخرى. يود أن يرحل. لقد أنقذها. لقد انتهت مهمة الفارس المنقذ. لكنه جثا بجوارها ليتصنم جسده عندما وجدها تحتضنه بقوة وأصابعها تغرس قميصه بشدة. اللعنة. تلك الطفلة ماذا تفعل به؟ حاول أن يبعدها ويزيحها برفق وهو يهتف برقة. "اهدئي لم يحدث لك شيء."
حرقة توغلت صدره وأشياء تضاربت بقوة في داخله وتداعب أنفه بعطرها الشرقي. ازدرد ريقه بتوتر وهو يحاول تناسي ما حدث ليلة أمس. ما زال يتذكر جسدها الفتاك وثوبها الذي لم يبارح عقله. "شكرًا." همست بها وهي تبدأ في استعادة وعيها تدريجيًا. هل تحتضن الوسيم؟ رغم أنه لم يبادر هو الآخر ويحتضنها سوى عندما قفزت من الفرس. ابتعدت بخجل وقد تصاعدت حمرة وجنتيها وهي تتطرق برأسها للأسفل.
شعرت بيده التي لمست ذقنها ليرفعها نحوه. اقترب منها بخطورة حتى كاد أنفه يلامس طرف أنفها. اتسعت عيناها صدمة وقد شلت يداها وجسدها عن الحركة. ماذا يفعل؟ هل سيُقبلها؟ *** كان تركيزه منصب نحو الأوراق غير المنتهية. لم يغلق له جفن منذ الليلة السابقة. يخشى أن يأتيه الكابوس ويخشى أن تسأله ليان مرة أخرى؟ تعمد استيقاظها حتى الرابعة صباحًا ليتركها تنعم بالنوم بينما هو التقط ملابسه وتوجه نحو المطبخ لكي يرتشف القهوة.
ساعات طويلة استغرقها في مكتبه وهو يحاول بقدر الإمكان أن ينجز أعماله المتراكمة. رنين هاتفه جعله ينظر إلى الساعة التي أصبحت السابعة والنصف صباحًا. رد على الهاتف بضيق. هتف الحارس بقلق واضح وهو يستمع إلى زفرات حانقة من سيده. "سيدي هناك من تريد مقابلتك." صاح بجمود وهو يريد أن يقتل ذلك المتطفل الذي جاء في وقت مبكر. "من؟
تخشب جسده عندما علم الهوية. صمت دون رد. إجابته طالت عن الوقت المحدد المسموح بالإجابة. وقبل أن يبادر الحارس بشيء قاطعه صوت زين البارد. "أدخلها." دقائق مرت عليه كالدهر. ماذا تريد تلك اللعينة؟ اعتصر قبضته وهو يحاول أن يتحكم في أعصابه وألا يتهور ويقوم بصفعها أو ترافق شقيقه في المخزن.
صوت حذاء كعب عالٍ الذي يطرق بقوة على أرضية مكتبه انتشله من شروده. رائحة عطر أنثوي صارخ جعله على وشك التقيؤ. طرقه اثنان ثلاثة حتى أصبحت في مواجهته. همست ببحتها المميزة. "مرحباً عزيزي زين." قطب حاجبه وهو يرفع بصره لتصطدم عيناه الباردتان بأخرى خضراء ماكرة. "ماذا تريدين؟ سؤاله كان مجرد هدوء قبل العاصفة. لترد بكلمة واحدة وهي تستند بكلتا ذراعيها على حافة المكتب وتنحني بجسدها نحوه. "شقيقي."
ظهرت عليه علامات التعجب والاستنكار وقال. "معذرة!! اقتربت بجسدها نحو وجهه وهمست بصوت يشبه فحيح الأفعى. "أنت الوحيد الذي تعلم أين هو. لا تتلاعب معي أبدًا." علت نبرتها بحدة جعلت زرقاوته تصبحان حالكتين مظلمتين. وعلى الرغم من رغبته في تحطيم رأسها رد ببرود يحسد عليه. كلا بل كان بارعًا فيه. "لقد أخطأتِ يا آنسة في العنوان." تصاعد بركان غضبها وهي تطرق بحدة على سطح مكتبه وقالت بحنق.
"لقد علمت من سيدة تعمل في المتجر المقابل لمتجر تيم أن هناك عربة سوداء اختطفته." كان على وشك الانقضاض عليها ويزهق روحها. لكن صوت طرقات خفيفة التي علم صاحبتها جعلته يتراجع عن رأيه. دلفت ليان بابتسامة تزين وجهها المشرق وقالت. "زين وقت الفطور." لاحظت وجود شحنة سيئة في الغرفة. لتنظر إلى المرأة صاحبة الرداء الأحمر. واللعنة انحنائها نحو المكتب. ماذا تفعل تلك في مكتب زوجها!! "زين من تلك المرأة؟
هتفت بها ليان ونظرها مثبت نحو المتفجرة أنوثة. رفعت الشقراء حاجبها الأيسر بمكر وهي تقيمها من رأسها إلى أخمص قدميها باشمئزاز طغى على ملامحها الفاتنة. لفت خصلة شقراء حول إصبعها وردت بنبرة تحمل الخبث والكثير الكثير من الكره والحقد. "أدعى بيث عزيزتي. من سرقت قلب زوجك للمرة الأولى." صدمة. بل صعقة شلت جميع أطرافها. مرت ببصرها نحو زوجها المتهجم الوجه. وبابتسامة باردة هزت رأسها مرحبة بالثعلبة الشقراء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!