توقف لحظة واسترجع قليلاً للأحداث الماضية. ماذا فعلت؟ كيف أمضيت عمرك؟ ماذا استفدت؟ هل تشعر بالفخر بأفعالك المجنونة؟ هل أنجزت نجاحاً تفتخر به؟ زفر بحرارة وهو يستند بظهره على جدار غرفته، يفكر قليلاً لإجابة أسئلة والده. والده محق، ما فعله كان عبثاً لا يليق أبداً بمركزه المرموق. لم يتأثر بالنساء بل هن من أردن أن يصبحن عشيقاته، وهو ليس بقديس حتى يمتنع. في النهاية هو رجل وأشياء داخلية تدفعه.
توجه نحو الفراش بيأس. لا يريد أن يقضي إجازته في حالة بائسة وكئيبة. لقد جاء لكي يجدد نشاطه وأن يحتفظ بأكبر قدر من الطاقة الإيجابية. كل ما يريده هو هدوء، سكون، راحة تغلغل قلبه. كالقارب الذي يبحر لمسافات طويلة أيام وليالي يقضيها بعيداً عن موطنه حتى يعثر على مرسى تكون خط نهايته. خانته جفونه من النوم، يتقلب يميناً ويساراً ولا يعلم لماذا يشعر بالاختناق. شيء يجثم قلبه. لم يكن هو منذ ثلاثة أشهر، شيء غيره ولا يعلم سببه. ***
يوم هادئ. كان كل شيء يسير بسرعة حتى حل الظلام. الجدة تتبع قواعد صارمة لوقت الطعام، بل أيضاً تخصص ساعة كل يوم اجتماع عائلي. وبقدوم الغائب كانت الأجواء مشحونة. قررت الخروج إلى حديقة منزل الجدة. لفحات هواء باردة قشعرّت جسدها، ضمت الشال جيداً وجلست على إحدى المقاعد وعيناها محدقتان نحو النجوم المتلألئة.
شرودت في حياتها التي سارت باستقامة. شيء لم تتوقعه حدوثه أبداً، أن تصبح زوجته. توقعت بعد ما حدث أن كل شخص سيسلك طريقه. لكن زين مختلف. لمعت عيناها بخجل وهي تتذكر الأسبوع الذي مضى. كان مختلفاً معها، شخصية زين جديدة اكتشفتها وهي بين ذراعيه. ويكفي أنه جلب شقيقتها اليوم، مفاجأة لم تتوقعها أبداً. احتضنته وقبلت وجنتيه أمام أعين الجميع. لم تخجل من احتضانه، ربما هو السبب الذي ساعدها على كسر خجلها.
جلست سارة بجوارها وحمحمت بجدية لتنتشلها من شرودها. "مكنتش متوقعة المفاجأة دي." قالتها ليان وهي ما زالت محدقة نحو النجوم، لم ترمش بعينيها. النجوم كانت في وضع غريب الليلة أم هي التي تتخيل؟ ابتسمت سارة باتساع وهي تتأقلم على وضعها الجديد. المكان والأشخاص والجو لم تألفه من قبل. "ولا أنا اطلاقًا. فجأة لقيت جوز اختي حجزلي تذكرة أقعد أسبوعين هنا. أقول لأ؟
بس بجد المكان هنا تحفة ونينا طلعت حلوة خالص، حتى رجالة العيلة وستاتها." استدارت بوجهها نحو الهائمة، قطبت حاجبها بتعجب. "بتلمحي لأيه يا سوسة؟ عقدت ذراعيها على صدرها ورفعت ساقيها ووضعتهما على الطاولة المستديرة. تريثت قليلاً قبل أن تجيب. "ولا حاجة. كون إني أعجبت بواحد بشكله ده معناه إني حبيته مثلاً؟ لاطلاقاً، أنا مش بمشي بالمبدأ ده. اللي يهمني الجوهر."
سألتها بشك. نظراتها المتهكمة نحو صاحب الأعين الزمردية لم تغب عنها. وعلى علياء التي كانت تبتسم بين الثانية والأخرى حينما تلقي سارة بعبارات مقتضبة موجهة نحو الآخر غير مكترثة. "بتدوري على جوهر زي مين؟ "جوهر زمردي." انتفضت ليان من مجلسها وصاحت بحدة. يوجد شيء فاتها. نظرات ابن عم زوجها لم تريحها. كانت تدور حرب العيون قبل موعد الغذاء. وما أدراك بحرب العيون؟ "نعم؟ "يا بنت بهزر والله."
زجرته بعنف نحو الجالسة على مقعدها وبدأت تدندن بأغانٍ رائجة. "سارة فوقي، شغل عالم الوردي ده مش بيحصل." زفرت سارة بيأس وهتفت بجدية. "مفيش حاجة." ونبرة ليان كان سؤال للاطمئنان. رغم أنها أحست بنبرة الصدق والجدية في كلامها، لكن تشعر أن وضعها ليس على ما يرام. وإن حاولت سارة أن تصنع قناع السعادة واللامبالاة تظل أختها. "مفيش أي حاجة؟
هزت سارة رأسها إيجاباً وهي ترسم ابتسامة واسعة ترغمها على أن تصدقها. تنهدت ليان بقلة حيلة وسألت بتوجس. "واللي بيغلس عليكي؟ قطبت سارة حاجبيها. استغرقت ثوانٍ حتى تعلم عمّن تتحدث. ردت بنبرة هادئة. "تقصدي كريم؟ فكك منه. عيل لزج ورزل بس عيونه يخرب بيته." غمزتها الوقحة جعلتها تهز رأسها يائسة ووجهت بخطواتها صوب المنزل. "أنا طالعة أنام." ضحكت سارة وهي تراقب خطوات ليان المتعجلة والغاضبة. "خدي هنا يا بنت، استني."
ولكن الأخرى لم تعيرها اهتماماً وتابعت بطريقها حتى اختفت عن مرمى بصر سارة. هزت كتفها بلا مبالاة وعيناها محدقتان نحو الفراغ. "وانتي بقي يا ست سارة آخرتك إيه؟ عبارة كريم ما زالت تتردد في أذنها. لطالما قرأت تلك الكلمات في سطور الروايات. لكن في الحقيقة لم تكن تتخيلها. كيف يعني ستكون له؟ من أي جهة يريدها؟
قشعريرة سرت كامل جسدها. توتر أرق أصابها بعد كلماته المسمومة. الواقع والخيال مختلف. عندما كانت قارئة لتلك الكلمات تسعدها، ولكن عندما أصبحت في موضع البطلة بدأت تتصرف مثلها. تبتعد عن الجميع، لا تخبر أحد بما يؤرقها. تمثل السعادة أمام أعين الجميع. وداخلها يصرخ يستنجد أحد ينتشلها من دوامة هواجسها اللعينة.
تعلم معلومات قليلة عنه. طالب في الفرقة الرابعة. دائماً ما سمعت عن أفعاله المجنونة. كانت بشتى الطرق تبتعد عن طريقه. لكن يبدو حظها سيء أم قدرها الذي جعلها تقع في طريقه. ***
لقطات من الماضي أصبحت كابوسه. ماضٍ ظن أنه دفن أو احترق لكنه أخطأ. طفل وحيد منزوي عن الجميع، ظن أن البعد هو الحل الوحيد الذي أمامه لكنه كان مخطئاً. يد قوية سحبته نحو الظلام. ظل يتملص ويلتوي بجسده للتحرر من صاحب القبضة الحديدية. لكنه أخطأ. صرخ مستغيثاً للنجاة. شخص ينجيه من الذي يوجهه نحو ظلام يعبث الرعب والرهبة في القلوب. رأى ظل شخص يتقدم نحوه. تهللت أساريره وهو يعلو بصوته أكثر حتى يجعل صاحب الظل يلاحقه. استمر في صراخه لكن ما من منقذ.
انتفض فجأة من مضجعه وجسده يتصبب عرقاً. لهث بقوة وهو يمسح حبات العرق الملتصق بجبهته. عرق غزير جعله يشعر كأنه منذ قليل في سباق للماراثون. يخشى أن لا يكون صراخه شق أذان سكون المنزل أو يجعل النائمة بجواره تستيقظ. لكن خاب رجاؤه عندما انتفضت فجأة على صوت صريخ شخص. اتسعت عيناها ذعراً عندما قامت بإضاءة المصباح بجوارها وتنصدم بهيئته المزرية! لمست ذراعيه بأنامل مرتجفة خشية أن يمنعها أو يصدها. تمتمت بصوت قلق. "زين، هل أنت بخير؟
أغمض جفنيه وهو يهدأ وتيرة أنفاسه الحادة. أناملها وهي تربت على ظهره جعل جسده المتشنج يرتخي. أصابعها يوجد بها سحر خاص. ألقت تعويذتها عليه. طال رده عليها ليتمتم بصوت جاهد أن يخرج. "نعم، بخير." احتضنته بين ذراعيها ليدفن بوجهه عند تجويف عنقها. لف بذراعيه على خصرها اعتصرها بقوة وهو يردد ببعض العبارات المطمئنة. لا يعلم هل هي له أم لها؟ يطمئنها أم يطمئن القلقة عليه؟
ابتسم بألم عندما داعبت على خصلات شعره بهدوء. شرد نحو الماضي. كانت والدته تفعل ذلك عندما يستيقظ من كابوس. كانت تطبع بقبلات دافئة على رأسه مثلما تفعل هي. كل شيء عفوي تفعله يذكره بوالدته الراحلة. "ماذا حدث؟ تريد الاطمئنان. حاستها السادسة الأنثوية تخبرها أن هناك شيء خاطئ. شيء يتعلق بماضيه. رغم أنه أخبرها بكل شيء، لكن هناك شيء ناقص. قطعة ناقصة لم تكتمل بعد. والدليل صراخه. صراخ مؤلم مس قلبها. "كابوس."
كانت تهدهده كالطفل الصغير. طبعت قبلات حانية على رأسه. "اهدأ حبيبي، كل شيء سيكون على ما يرام." "أرجو ذلك." تمتم بها بصوت خفيض. التقطتها أذنيها لتسحق شفتيها بألم. ابتلعت غصة في حلقها. ظنت أن الحياة بدأت تعطيها ألوانها المبهجة، ولكن هل يجب للسعادة أن تظل دائماً معها؟ *** "صباحو على الحلوين." هتفت بها سارة بلهجتها المصرية وهي ترحب بالجميع وتلقي ابتسامتها الهادئة. لا تحب الهدوء الذي يجلب الرعب ولا تحب الوجوه الجامدة.
جلست على المقعد المجاور لعلياء التي كانت تضحك على مزاح سارة. شرع الجميع في تناول الطعام بصمت وهدوء يغلفهم. ولكن كيف يوجد سكون في صحبة سارة؟ كانت تلقي دعابات سخيفة تحدث لها في حياتها ومواقف مضحكة لم تنساها، لتبتسم بظفر وهي ترى وجوه مبتسمة. عبست ملامحها عندما سمعت صوت صاحب اللكنة البريطانية وهو يتوجه نحو مقعده يتمتم بأسف. "معذرة على التأخير."
تكهرب الجو بمجيئه. نظرات الجدة المعاتبة ونظرات والده الحارقة. أما هو كان يستقبل كل ذلك ببرود بل يتناول طعامه بتلذذ. رفعت حاجبها باستنكار على تصرفه غير اللائق. نفضت أفكارها الخبيثة التي اقتحمت عقلها لتوجه بحديثها لـ ليان قائلة. "ليان حبيبة قلبي، ممكن أستلف نينا شوية." ابتسمت ليان نحو أداء سارة وكأنها تمثل على خشبة المسرح أمام الجماهير. عادت سارة بسياقها للإنجليزية لأعين علياء الفضولية والجدة المتسائلة.
ضربت الجدة بكفوفها ضاحكة وهي تتمتم بعدم تصديق. "لا تصدق تلك الفتاة." تساءلت علياء وهي تعبث بشوكتها على طبقها النصف فارغ. "ماذا ستفعلي في إجازتك؟ هزت كتفيها بلا مبالاة وردت. "لا شيء. سأسير في القرية والتقط الصور وأذهب إلى الحقول." لمعت عيناها ببريق جعل عسليتها تبرقان وهي تفكر في رحلتها وكيف سيكون المرح. تبدو شخصية سارة الاجتماعية والمرحة سيجعل الإجازة أكثر إثارة.
"سنذهب أنا وخالد في الأسبوع القادم لندن. ما رأيك أن تنضمي إلينا؟ همت بالرفض ليقطعها صاحب الأعين الزمردية وهو يوجه ببصره نحوها لبضع لحظات جعلتها ترفع حاجبها بتحدي. ابتسم بسخرية لينتقل ببصره إلى علياء. "ماذا؟ هل ستذهب الطفلة معنا؟ طفلة؟ ذلك الغبي! هل تقتله الآن؟ ما زال مصراً على أنها طفلة. تريثت قليلاً قبل أن تقوم بقذف صحنها في وجه الوسيم الذي يعبث في قلبها الاشمئزاز من وسامته المفرطة. "ماذا يا سيد خالد؟
إنني لا أتذمر كثيراً كالأطفال. ولكن شكراً لك عزيزتي علياء، سأقضي الإجازة مع الجدة وليان." ارتفع وتيرة الحدة والأجواء صارت مضطربة وكأنها في حلبة مصارعة تنتظر فقط إشارة الحكم لتنقض عليه. وأول شيء ستفعله ستخدش ذلك الوجه وتلكمه بكل ما أوتيت من قوة لتقلع ذلك الغرور والعنجهية الملتصقة به. هتفت الجدة وهي تتناول قطعة الخبز. "جيد. اذهبي إلى محمد في اسطبل الجياد." اتسع بؤبؤ عينيها وهبت من مقعدها وهي تصفق بيديها كالأطفال.
"جياد!! حقاً؟ هل يوجد جياد؟ سأطير إلى هناك، وداعاً." انطلقت سارة كالصاروخ غير عابئة بالأساسيات الصارمة التي وضعتها الجدة وهي أن لا يقوم شخص من مجلسه عليه انتظار الجميع كي يقوم من مجلسه. نظرت نحو الجدة لتجدها غير مبالية بما حدث سوى فقط أنها قطبت حاجبها. تتمتم ببساطة. "أختي."
وما تعنيه "إنها هكذا يجب عليكم أن تعلموا تصرفاتها". كانت تبلع ما في جوفها بصعوبة. نظرت نحوه لتجده صامتاً لم يتفوه بشيء حينما استيقظ. مجرد عبارات مقتضبة. حينما كانت تريد أن تعلم ما الذي حدث له ليلة أمس يخبرها "كابوس مزعج. لا تقلقي، كل شيء سيصبح بخير". كيف سيصبح كل شيء بخير ووجه جامد خالٍ من التعابير؟ لاحظ نظراتها المصوبة نحوه. أغلق جفنيه وهو يتنهد بحرارة. ماذا سيخبرها؟ أنه أيضاً لا يعلم سبب ذلك الكابوس المزعج؟
ربما لن تصدقه وتخبره أن شيئاً يخفيه؟ كابوس مزعج يستعرض شريط حياة طفولته المأساوية. ظن أن الباب الماضي أغلق ولكن يبدو أنه عاد من جديد يفتح بابه المظلم ويدعوك بالمجيء. شعر بأناملها الدافئة وهي تعتصر ذراعه. لا يعلم هذا حافز للدعم أم لا؟ أمسك كفها وطبع قبلة دافئة على راحة يديها ليعود النظر إلى طعامه ويعبث به هو الآخر. كل ذلك حدث تحت أنظار الجدة. لم يغب عنها أي شيء. شيء خاطئ يحدث!
منذ يوم كان كل شيء يسير بطبيعية وسلاسة. ما الذي حدث الآن؟ "زين عزيزي، هل أنت بخير؟ هتفت الجدة بتساؤل ولم تخفِ القلق في نبرتها. جعل الجميع يلتفون نحوه. قام من مجلسه وهو يغمغم بحنق. "نعم جدتي، سأذهب إلى المكتب. سأنتظرك عمي." ذهب وتركها. لم يكن يود فعلها لكن هناك شيء داخلي يمنعه. يجب أن يكون قوياً صلباً لمواجهتها. لا يريدها أن تراه وهو متحير متذبذب في أفكاره. "هل يصح ما فعلته؟ هتفت بها علياء بحدة وهي تعترض طريقه للخروج.
لا يتحمل عتاباً أو نظرة حانقة أو أي شيء. يكفي ما به عواصف وبراكين وأشياء يقسم أنها لو صممت للتحدث معه سينفجر في وجهها وسيتحدث بأشياء ستجعله يندم عليها لاحقاً. ضم قبضته وهو يصيح بحدة وأشاح بجسدها عن طريقه. "آليا توقفي، مزاجي متعكر." ضربت بحذائها على الأرضية وصاحت بحنق. "بغيض." ***
نظرت إلى الخاتم بانبهار. دمعت عيناها بفرح وسرور. أشياء داخلية متضاربة تجمع ما بين السعادة والحزن. سعادة لأنها اكتشفت أنها هائمة في زوجها المستقبلي. لم تكن تتوقع مقدار كل هذا الحب الذي تكنه له. هو فقط صدق الذي قال "ما حب إلا ما بعد عداوة". كانت معجبة به عندما رأته للمرة الأولى، لكن كان هو ملتصقاً بالأخرى أو هكذا ظنت. لتبدأ بالتدريج يتحول ذلك الإعجاب إلى شيء آخر. كره، غضب. كانت تود أن تقتله.
عبست ملامحها بحزن ظاهر جعل شهاب يتساءل بتوجس وترقب. "الخاتم لو معجبكيش ممكن أغيره وتختاري واحد على ذوقك." هزت رأسها نافية وهي تلتقط الخاتم وتضعه في بنصرها الأيمن. مدت يديها قليلاً ليتلاقى أشعة الشمس على الخاتم. انعكس بريق خلاب أسرها وهي تتمتم بابتسامة واسعة. "لا، حلو جداً. كفاية إنها من ذوقك." "طب ليه مش حاسة إنك مبسوطة؟ تنهدت بحرارة وهي تتمتم بحزن ظاهر في نبرتها.
"لأول مرة أحس إن ماما ماتت. بابا حسسني إن ماما ماتتش، عوضني بحنان الأم والأب. تعب معايا جداً ليه يفضل عليا. بس دلوقتي بتمنى إنها تكون جنبي في وقت زي ده." مسك كفها وقبل راحة يديها بعشق جعل جسدها يتخدر وقال بمشاكسة. "أنا معاكي. وبعدين سيادة اللواء بيبصلي كتير، شكله كده قلقان من المرة اللي فاتت. طب ما تيجي نعمل كده زي المرة اللي فاتت." ضمت قبضة يدها وضربته على صدره وصاحت بنبرة مهددة. "شهاب اتلم."
غمز بوقاحة وهو يقترب منها بخطورة. "عيونه." ابتسمت بخجل سرعان ما تحول إلى غضب زائف عندما وجدت أنه لم يعبأ بتهديدها. لما هو متعمد أن يفعل تلك الأشياء الوقحة في منزلها وبحضور والدها؟ أشارت بسبابتها محذرة. "المرة الجاية هتلاقيني طردتك من البيت." زفر بحرارة متنهداً وهو يحيط بكلتا كفيه يديها. "أنا قلتله ننزل كافيه، قالي لأ عايزكم تحت عيني. بس ده برده ميمنعش إني آخد تصبيرة."
قطبت حاجبها وهزت رأسها يائسة من أفعاله. صاحت بصوت مرتفع لتجذب انتباه والدها. "بابا، سيادة المقدم عايزك." سمعت صوت والدها وهو يخبرها أنه سيأتي. قامت من مجلسها وهي تراقص بحاجبيها للعابس. وبنبرة حانقة متوعدة قال. "ماشي يا ندي." أرسلت بقبلة في الهواء قبل خروجها من غرفة الصالون وردت بمشاكسة. "تعيش وتأكل غيرها يا قلبي." ***
لم تكن تعلم أنه يوجد مسافة ليست بالهينة للذهاب إلى اسطبل الجياد. لكن روحها الشغوفة جعلتها لم تشعر بالوقت وهي في صحبة الكاميرا المفضلة لديها. خلال اليوم الذي قضته في القرية جعلها تعلم مكان الحقل الذي ذهبت إليه الجدة في صباح اليوم. تنهدت براحة عندما وصلت للمكان المنشود لتتفاجأ بوجود جياد تعدو بشكل لم يصدقه عقلها. هل الجياد أصبحت جميلة لذلك الحد أم أنها لم تكن تنظر بوضوح كعدسة المصور؟
اتسعت عيناها بانبهار وهي تراقب حركاتهم الرشيقة. انطلقت الجياد في حرية وقد تخلصت من السجن والعزلة لتسبح نحو البقع الخضراء التي ليست لها نهاية. طريق اتخذته للعودة. أفاقت من تأملها للمنظر البديع وهي تلتقط الصور بحرفية شديدة لا يجب أن تفوت شيء كهذا وخصوصاً عدستها. لا تعلم كم عدد الصور التي التقطتها لكن يكفي وجود الشمس اليوم وهي توزع بأشعتها الذهبية على كل بقع الخضراء. "خلي بالك."
صوت مصري في البلدة الأجنبية جعلها تنتبه لوضعها. كانت على وشك أن تغرق في المياه وهي تنتبه لأول مرة إلى بركة من الماء. تنحنحت بحرج وهي تعتدل في وقفتها. "آه، آسفة." صمت الرجل والذي تبدو من هيئته أنه طبيب ليتمتم بتساؤل. "أنتي سارة صح؟ "أيوه، وأنت دكتور محمد؟ "أيوه." قالها وهو يصافح يديها برسمية. التفت وهي تنظر إلى الخيول بشرود تام وهو الآخر صمت عندما علم بهويتها. اقتحمت خلوة السكون وهي تحاول جذبه للحديث.
"عمو حمزة كان بيحكي عنكم كتير." هز رأسه بعلامة لم تفهمها. هل هو أيضاً قليل الكلام؟ هل يوجد عيب للجميع أم بها؟ ربما هي التي تتحدث كثيراً. بادرته بسؤال آخر. "على كده في سور للمزرعة دي؟ أجاب بنبرة عملية. "آه أكيد طبعاً في سور بس على بعد مسافة كبيرة. أستاذ زيدان مهتم جداً بموضوع الخيول وكبر المزرعة وحاول إنه يخلي الخيول عايشة في بيئتها أكتر ما هي تكون محبوسة في اسطبل وجزء صغير من الخضرة تحيط بالمزرعة."
يبدو أن الطبيب من النوع الممل. كانت ستأخذ بكاميرتها وتعود أدراجها نحو المنزل لتجده يهتف بحماس بشخصية مختلفة عن التي كانت منذ ثوانٍ قليلة. "طب تعالي."
دافعها لرؤية الاسطبل وفضولها جعلها تسير خلفه. نظرت إلى من يقوم بتنظيف الجياد ومن يعتني بغذائهم. كل شخص يعمل ولم يتلفت إليها أحد بسبب عملهم. تفحصت جميع الجياد بترقب وهي تنظر إلى أعينهم الواسعة الجذابة. توقفت فجأة وارتدت للخلف عندما نظر إليها فرس جامح بنظرة دبت في أوصالها الرعب. التفت الطبيب وتحدث بخفة. "ده فرس عربي أصيل." انحنى الطبيب وهو يلتقط فرشاة خشنة ومسد بها ببطء وبرقة على الفرس.
أصدر الفرس صوت يعبر به عن استمتاعه لما يفعله الطبيب له. تساءلت بغباء. "إيه ده اللي في إيدك؟ التفت إليها وهو يرفع حاجبه باستنكار كأنه يخبرها ألا تعلمين ماذا أفعل؟ لكنه أجاب ببساطة وعاد يفرك جسد الفرس. اقتربت بحرص نحو الفرس المرعب وهمست. "طب ممكن أجرب؟ "أكيد."
أعطاها الفرشاة التي بيده. ابتلعت ريقها بتوتر وهي لا تأمن لنظرات الفرس المبهمة. ثار الفرس بغضب عندما حاولت أن تمد يدها على ظهره. ارتجفت أوصالها من نظرته الحادة لتنظر إلى الطبيب الذي طمأنها ويخبرها أن تعيد الكرة مرة أخرى. استعادت رباطة جأشها ونظرت إلى الفرس بنظرات ثابتة مطمئنة له. مسحت على ظهره بحنان وهي تنقل رسالة أنها ليست عدوته بل مجرد صديقة لطيفة. ربما ستكون مزعجة معه قليلاً. ضحكت على حالتها الميؤوسة.
كان الطبيب يراقب ما يحدث باطمئنان لوضعها ووضع الفرس. صوت أحد يناديه لأمر طارئ جعله يستأذن منها. "دقايق وهرجع، مش هطول." هزت برأسها وهي تعود تنظر للفرس. لونه أسود. سواد فحمي يعبث بالرعب لكن نظراته الحادة تكسرت. كان يصدر صهيلاً يعبر عن سعادته كلما تلمس ظهره بحنان. ضحكت على حالة ذلك الفرس العجيب. منذ قليل يرفض أن يلمسها والآن يصدر أصواتاً مرتفعة تعبر عن حالته المزاجية الرائعة.
وفجأة بدأت تتحدث معه تعبر عن قلقها وخوفها من المستقبل. تعلم أنها لن تجد الرد منه لكنه كائن لديه مشاعر سيفهمها بالتأكيد. شريط حياتها مر أمام عينيها ومزاجها يتغير في كل دقيقتين أو ثلاثة. تارة تضحك وتارة تبكي وتارة تبتسم وتارة تعبس. "لم أكذب حينما قلت طفلة." صوت أيقظها من دفاترها القديمة. نظرت نحو صاحب اللكنة البريطانية وهو يستند على الحائط عاقداً ذراعيه على صدره. يبدو من هيئته أنه كان هنا منذ فترة طويلة.
كشرت أنيابها وشتمته في سرها. ردت ببرود ظاهري. "معذرة سيدي، هل توجه الحديث معي؟ تقدم نحوها بخطوات بطيئة وما إن رآه الفرس حتى صهل مرحباً بعودة الغائب. نقلت أنظارها نحوهما وصاحب اللكنة البريطانية يمسد على ظهره بترحيب حار. رفع حاجبه باستهزاء وغمغم بنبرة ذات مغزى. "أظن ذلك لأنه لا يوجد أحد غيرنا."
كان يريد أن يعلم أثر كلماته عليها. لم يحيد ببصره عن عينيها يختبر قوتها. سرت بجسدها رعشة خفيفة جعلتها ترشف بعينيها وجعلها تشيح بوجهها عنه. ذلك الرجل يجب عليها أن تبتعد عنه. لاحت ابتسامة ظفر على شفتيه ليدنو نحوها بقرب تحت نظرات الفرس المبهمة. "في أي صف أنتِ؟ العاشر أم التاسع؟ ظلت تعد من واحد لعشرة حتى لا تفتك به. سحقت شفتيها بغيظ مدفون قبل أن تتمتم بحنق. "اللهم طولك يا روح."
نظر إليها بتسلية. لم يكذب حينما قال إنها طفلة. كل شيء يصدر منها. قرر اللعب على أعصابها ليعلم كيف ستتصرف. هل ستفقد أعصابها أم تكون باردة؟ فضولي ليعلم ردة فعلها، والسبب الذي دفعه لذلك مجهول. "أما زلتي تحملين معلب للطعام أم زجاجة للماء أم كلاهما للمدرسة؟ صمت لعدة لحظات وهو يلاحظ اتساع حدقتي عينيها ليسترسل بتساؤل. "أخبريني هل أ... قاطعته صائحة بغضب وعيناها تنطلقان منهما الشرر. "اسمع، صدقني كلمة أخرى ستجد ما لا يسرك."
دنا نحوها وهو ينظر إليها بتحدي. "وماذا ستفعلين بي أيتها المتوحشة الصغيرة؟ ستقومين بعضي مثلاً؟ للحظة تلعثمت وهي ترى عيناه الزمردية اللامعة كالأحجار النفيسة. حبست أنفاسها داخلها حتى لا تمر رائحة عطره الممزوج بعبقه الرجولي إلى أنفها. تنهدت بحسرة. "يخربيت حلاوتك يا خي." رفع عينيه بدهشة على حديثها بلغة مختلفة. عبست ملامحه يكره أن يتحدث معه شخص بلغة مختلفة. هتف بحنق. "معذرة يا طفلة، لكن يجب عليكِ أن... "سيد خالد."
بدلت حرف الخاء بالكاف مثلما تقول الجدة. نظرت إليه بتسلية وهي تقول في سرها "سارة 1 -خالد 1". اكفهرت ملامحه من اسمه ليصيح غاضباً. "واللعنة! أنتِ عربية لما تقوليها مثل الغرب." عقدت ذراعيها على صدرها وهزت كتفها بلا اكتراث، وقد نسيت أين هي والفرس الذي كان يتابع الحديث الدائر بينهم بصمت وترقب وكأنه يود أن يعلم من الفائز في تلك الجولة.
"إنها مشكلتك. كان يجب أن تغير اسمك بدلاً من أن تقضي بقية عمرك تكره اسمك وتسمع شخص يقول اسمك بالهاء أو وربما الكاف." "سارة." صاح بها الطبيب وهو يراقب الوضع المشحون. جسد خالد المتحفز على انقضاضها ونظرات سارة اللامبالية. "دكتور محمد." لم تكن تقصد أن تنطقها بتلك الرقة والنعومة أبداً. سارت باتجاهه وسأل باهتمام. "في حاجة حصلت؟ هزت رأسها نافية وهي تبتسم باتساع. "لا، أنا همشي."
ودعته وسارت بأقصى سرعة تهرب من نظرات محمد غير المطمئنة. يبدو غريب بعض الشيء وتصرفاته لا تتوقعها أبداً. نظر إليه خالد بلا مبالاة واستدار هو الآخر يخرج من الأسطبل تحت نظرات محمد المتعجبة. *** "أخبريني كيف تبدو الحظيرة." سألتها الجدة باهتمام لترد ليان بإنبهار. "رائعة يا جدتي، لم أتخيل أنها كبيرة لذلك الحد." يبدو أن منزل الجدة يوجد أشياء كثيرة لم تراها من قبل بسبب ما حدث في الماضي. ويبدو أنه سيتكرر مرة أخرى!!
نفضت رأسها من تلك الأفكار السوداوية. لن تصبح متشائمة ولن تكون سلبية مرة أخرى. "هيا، سنجمع البيض لنرحل سريعاً." ضغطت الجدة على كفها وهي تنتشلها من شرودها لترد ليان بابتسامة هادئة. "انتظريني هنا، سأذهب وآتي." هزت الجدة كتفيها وهتفت ببساطة. "كما تريدين. سأعود للمنزل وسأنتظرك في المطبخ. لا تتأخري." "حسناً."
جمعت البيض بعد معركة بينها وبين الدجاج انتهت بفوزها في النهاية. عادت بأدراجها متوجهة صوب المطبخ لتضع السلة التي جمعت بها البيض على الطاولة وصاحت بصوت مرتفع نوعاً ما. "جدتي، أين أنتِ؟ لم تكن تنتظر تلك الإجابة منه أو تجده يقف خلفها بل ملاصقاً لجسدها وأنفاسه تلفح عنقها. "هل يوجد مانع لو أنا هنا؟ ازدرقت ريقها بتوتر وهي تبتعد عنه عدة خطوات واسعة جعل الآخر ينظر إليها بشك مقطباً حاجبيه. "لا، لا."
رفع حاجبه بإندهاش وهي تمتنع أي تواصل جسدي بينهما. تمتم بتساؤل. "ما بك؟ لما تعامليني كالغريب؟ للحظة زجرت نفسها بعنف عن تلك الأشياء الغبية التي تفعلها. ردت ببساطة وهي تشيح بعينيها عن نظرات أعينه الثاقبة. "لا شيء." شهقت عندما وجدت أنه يسحب خصرها نحوه بعنف. أمسك بذقنها ليثبت رأسها التي تتهرب كلما حاول أن ينظر إلى عينيها. نظرات عينيه معاتبة ومكسورة جعلتها تبتلع غصة في حلقها بصعوبة. "كاذبة، عيناك تفضحانك."
نبرته يوجد بها شرخ. شعور بالذنب يقتله وهو يرى ملامحها الذابلة والأرق الذي يبدو جلياً على صفحات وجهها. كانت مستيقظة منذ الأمس وهي تضمه إلى ذراعيها. لم يغلق لها جفن حتى وجدته ساكناً بين ذراعيها. كانت الساعة تجاوزت السادسة لتهز رأسها يائسة وهي تتوجه نحو المرحاض تستعد بيوم جديد.
كان يعلم أنها لم تنم. شعر بجسدها وهي تبتعد عنه ببطء خشية استيقاظه. ابتسم بامتنان ليطبع قبلة دافئة عميقة على وجنتيها. تذبذبت من قبلته وهي تجد عينيه التي اشتعلت بوميض تعلمه جيداً. "زين، ابتعد. نحن في المطبخ." همست بها بصوت خافت لتجده يطبع قبلة أخرى على خدها الأيسر بنعومة وعمق أكبر. صاح بحدة وجدية زائفة. "ولو، أنتِ زوجتي." تهدمت حصونها العنيدة وهي تجد أنامله تتحرك من عنقها إلى أسفل خصرها بهدوء.
"زين، لا يصح ما تفعله. ماذا سيحدث إن رآنا أحد بهذا المنظر المخزي؟ ملس على وجنتيها التي أصبحت كـ ثمرة طماطم طازجة وغمغم ببساطة. "سيقولون رجل وامرأته." تريث قليلاً قبل أن يلقي بشيء جعلها تتسع عيناها بذعر. "أريد قبلة." رمشت بأهدابها الكثيفة وهي تريد أن تعلم أن ما سمعته صحيح؟ حقيقة وليس خيال أو هاجس؟ حدقت به بدهشة وهي ترفع حاجبها الأيسر. "ماذا؟ وهنا؟ هز رأسه ببساطة لتقطب حاجبيها باستياء. "تمزح صحيح؟
رغم محاولاتها البائسة لمنعه لكنه ما زال مصراً وبعناد صاح. "ماذا؟ لا أطلب شيئاً صعباً." استسلمت يائسة لتطبع قبلة على وجنتيه. نظرت إلى ملامحه المنصعقة لتبتسم بتشفي. كتمت ابتسامتها عندما مرر بإبهامه على ملامح وجهها الناعم. زفر بحرارة وباستياء واضح. "هل تُقبلين ابن خالتك؟ أريد قبلة الأزواج."
حاولت أن تشيح بعينيها عن عينيه الأسيرة، لكن عينيه مثل المغناطيس الذي يجذبها وهي مسلوبة الإرادة. همست بخجل ووجنتيها اصطبغت بلون أحمر قاني محبب له. "لا أستطيع فعلها هنا." همس بصوت مماثل لها وهو يغمز عينيه بمكر. "الأمر لن يستغرق سوى ثوانٍ قليلة." "زيـ" التقط شفتيها بين خاصته وهو يسحبها إلى عالم آخر تجعلها لا تشعر بوجود أحد سوى نبضات قلبهم الثائرة.
يُقبلها وكأنها القبلة الأولى لهم. وما الذي جعله يعمق قبلته إنها أحاطت بعنقه لتبادله شغفه بشغف أكبر. لم يفق من دوامة المشاعر سوى صياح الجدة التي ضربت بعصاها على أرضية المطبخ مزمجرة بعنف. "زيـاد!! أخرج لفظ بذيء بين شفتيه وهو يلصق بجبهته على جبهتها وكلاهما يحاولان التقاط أنفاسهم المسروقة. صاح بخشونة من وضعه الميؤوس منه، في كل مرة يخرجه شخص وقد بلغت عواصفه للذروة. "اللعنة! لا يصح ذلك في كل مرة!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!