وأنا مش موافق. رمشت بعينيها عدة مرات وهي لا تصدق، والدها رفض دون أن يراه؟ هذا هو وانتهى الأمر؟ نظر إلى ملامحها المصدومة وفمها الذي انفرج قليلاً ليهتف بابتسامة: أنا مش موافق حالياً، لما نرجع البيت يبقى لينا قاعدة. قاطعته حاسمة وقد ردت الروح إليها: لا يا بابا هو عارف. غمزت سارة بمرح مائل للخبث: يا بيبو العريس مستعجل ومستعجل جداً وخير البر عاجله. كزت ليان على أسنانها ضاغطة على كل حرف: بنت انتي خليكي في حالك.
عبست سارة ملامحها: تصدقي أنا غلطانة، ارفضي يا حج إحنا معندناش بنات للجواز. ضحك إبراهيم وهو يراقب مشاكساتهم: خلاص يا سارة سيبى البنت شوية. صمتت سارة وهي تتطلع ليان بخبث. هتف إبراهيم بهدوء وهو يوجه ببصره إلى زوجته التي لم تنبس ببنت شفة: إنت إيه رأيك يا سعاد؟ ردت سعاد وهي تمط شفتيها: رأيي من رأيك يا حج. تمتم إبراهيم: طيب يا بنتي على بركة الله...
خليه يجيب حد كبير معاه علشان نتفاهم ونعرف الدنيا ماشية إزاي ووقتها أنا هقرر نوافق يا نرفض. بلعت ريقها بتوتر وهي تستمع إلى نبرة والدها الحازمة. لن يكون هيناً معه إذا. عاد إلى منزله وهو عازم على أن يصرح بحبه لها، لكن يجب أن يجعلها تستمع له. ابتسامة عاشقة ارتسمت على ثغره وهو يدندن في خفوت ليتوجه إلى غرفته. خلع حذاءه والقميص ليلقيه على الأرض بإهمال واستلقى على الفراش وهو يشرد إلى الماضي.
لم يكن لديه أخ أو أخت، كان وحيداً. مشكلته أنه خجول نوعاً ما. سبب له ذلك الأمر الكثير من المشاكل عندما كان صغيراً. توفت والدته عندما كان في السابعة من العمر. والدته كانت بمثابة أم وأب وصديقته، على الرغم من وجود والداه إلا أنه لم يهتم به ولو للحظة، كان والده كل همه جني الأموال. كان دائماً يردد لأمه: لماذا جميع الأطفال في المدرسة لديهم أشقاء وهو بمفرده ليس له أخ أو أخت؟
لتخبره أنه لديه بالطبع، بنات عمك هم شقيقاتك في الدنيا فأحرص على أن تعتني بهم. كانت بمثابة وصية، وبالفعل اعتبرهم مثل شقيقاته حتى وصل إلى الخامسة عشر من العمر وكان مكتفياً بعلاقته مع عدد معين من الأشخاص لا يخرجون من نطاق عائلته.
ليان التي كانت المتذمرة من وجوده يومياً في منزلهم وتخبره بأن يصاحب من في عمره. والشقية سارة التي كانت تخبره بأن يأتي لها بالحلوى حينما يأتي، وجميلة العائلة ورد التي كانت تكون شبه مقيمة في منزل عمه حتى في المرحلة الثانوية.
وبالفعل حينما التحق بالمدرسة الثانوية قلل من مجيئه إلى منزل عمه وتغلب على تلك العقدة وبدأ يكون العديد من الصداقات مع من يجدهم متشابهين معه في أفكاره. حتى التحق بكلية الشرطة واجتهد حتى أصبح اسمه الآن يلمع في السماء "المقدم شهاب عز الدين". حينما علم بمرض عمه طلب من والده أن يساعد أخيه لكن والده رفض والسبب لا يعلمه حتى الآن، وعندما طلب من عمه الآخر الذي يقيم في الخليج رفض هو الآخر.
ظل واقفاً حائراً لا يعلم ماذا يجب أن يفعل. وقف مكتوف الأيدي. ليس معك المال الكافي يا شهاب لتساعد عمك! والسبب والده الذي قام بتجميد ماله في البنك ليعيش فقط على راتب وظيفته. ترك منزل والده وهو يشعر في المنزل بالاختناق يكسو صدره ليقرر الانتقال إلى منزل صغير مقارنة بمنزل والده وهو راضٍ. ردد في داخله سؤالاً: ما هو السبب الذي جعل الأشقاء يتخاصموا؟ مهما بلغت الأسباب فلا يمكن أن تكون الأشقاء بتلك القسوة.
زفر بحرارة وهو يعود مرة أخرى إلى الحاضر. ها هو قد أصبح ذا وظيفة مرموقة تجعل جميع العائلات تتهافت عليه، فهو بمثابة عريس لقطة. ولكن هو يريدها هي. يريد أن ينال قربها، أن ينال موافقتها هي. يريد تلك الأنثى التي تجعله يحلم كل يوم وهي زوجته. يريد أن يشعر بانتظام تنفسها على أوتار قلبه. يريد نــــدي! وجدت حمزة في الصباح التالي يتوجه إلى غرفته واستمرت عدة ساعات وهما بمفردهما وهي واقفة أمام باب الغرفة متوترة، حائرة.
ماذا يفعلون في الداخل كل ذلك الوقت؟ حبات من العرق تجمعت عند جبهتها وهي تبتلع ريقها بتوتر وتفرك يديها بنفاذ صبر. شعرت بملمس يد شقيقتها سارة تربت على ظهرها وهي تهتف بمكر: إهدي يا حبيبتي أنتِ مش هتتجوزي دلوقتي علشان تتوترى كده، أومال هتعملي إيه في المرحلة اللي بعدها. لكزتها بمرفقها بخفة وهي تصيح بحدة زائفة: بنت انتي متقربيش مني، أنا على أعصابي من الصبح وممكن أفقدها في أي لحظة وأتهور.
ضحكت سارة بشقاوة لتلتف إلى والدتها سعاد التي لم تنبس ببنت شفة منذ أن أتى حمزة. نظرات والدتها رافضة، ممتعضة. ستتحدث معها. ولكن يجب أولاً أن تطمئن ماذا سيحدث؟ هل سيوافق أبيها أم يرفض؟ قلبها يضطرب بعنفوان من القادم. تخشى من القادم بشدة. خفتت ضربات قلبها عندما وجدت حمزة خرج أخيراً وعلى وجهه ابتسامة ناعمة تراها في وجهه البشوش. لتكن سارة هي أول من نطقت بلهفة: طمنا يا عم حمزة، بابا قال إيه؟ اتسعت ابتسامته هو الآخر
وهو ينظر إلى ليان بجدية: ألف مبروك يا عروسة. ماذا؟ هل والدها وافق؟ كلا، إنها تحلم. سارعت سارة باحتضان شقيقتها التي لم تبدِ رأياً، فعلت هي الأخرى وظلت تنهال عليها بالمباركات. وكأن شقيقتها بعد أن علمت ذلك الأجنبي حتى انقشع العبوس وحلت محلها ابتسامة عريضة. نظرت إلى والدتها التي أشاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى لتغلق جفنيها بأسى، فهناك طرفاً لم يوافق بعد. أغلقت الهاتف بعنف بعد تلك المكالمة التي أشعلت جنونها. احتضنها آدم
برقة رغم انفعالات جسدها: إهدي حبيبتي، ما الأمر؟ ابتعدت عن ذراعيه بضيق وقالت: زياد. أغمض آدم جفنيه وهو يلعن ذلك الزياد الذي سبب في كدر صفو شهر العسل الخاص بهم: وماذا فعل تلك المرة سيد زياد؟ سيتزوج. اتسعت عيناه دهشة وهو يهتف بسخرية: حقاً؟ هل قرر أخيراً أن يتزوج ومن تلك تعيسة الحظ؟ أخذت تدور حول نفسها وهي تسب وتلعن: الذي كنت خائفة منه حدث. تباً لغبائي، تباً، ما كان علي أبداً أن أفعل ذلك.
ظل الآخر ينظر لتلك التي تتحدث بمفردها ليرتفع حاجبه الأيسر بتعجب. لقد جنت الفتاة، ولم يهنأ بذلك العسل. تباً لك يا زياد. ليلى. صوته كان جهورياً جعلها تتوقف عما تفعله وهي تنظر إليه بريبة وملامحه الغاضبة تتجلى في صفحات وجهه: ماذا؟ لماذا تنظر إلي هكذا؟ رد في غموض: هل تظنين أن ذلك الزياد سيجعلني أستسلم مما أريده؟ نظرت إلى عينيه التي أظلمت وحل وجه تعبير مبهم. اللعنة، بماذا يفكر الآن؟ إنها في كارثة وهو غير عابئ.
آدم، ليس هذا وقت لذلك الحديث. وفي ثانية فصل المسافة الفاصلة بينهما ليحملها بخفة متوجهاً نحو غرفتهما وهو يهتف مقاطعاً أدنى اعتراض: إنه وقت ذلك الحديث. وعندما نعود إلى لندن سأسألكم وجه ذلك الرجل. عباراتها المعترضة خفت قليلاً وسط عناقه الملتهب. جعل شفتيها تصمت بطريقته الخاصة، الخاصة جداً. وما عليها سوى أن تنساق وراء تلك المشاعر الجامحة لترتفع بيديها تحيط عنقه وتغرق معه في دوامة العشق. متناسية أو تناست ما حدث منذ قليل.
تم الزواج بسرعة البرق وأصبحت رسمياً زوجته، زوجة زين الحديدي. منذ عدة أشهر كانت تريد أن تعقد لقاء صحفياً معه لتصبح بين ليلة وضحاها زوجته. قشعريرة دبت في جميع أنحاء جسدها عندما تلاقت عيونهم. ليقترب منها في هدوء غير عابئ بجميع من في الغرفة.
دنا منها بخفة وطبع قبلة على وجنتيها. قبلة عميقة ذبذبتها. تشعر بالفراشات التي تتراقص في معدتها وجفنيها الذي انغلق منذ أن دنا منها وأنفها الذي التقط رائحة عطره التي حفظتها عن ظهر قلب. وقلبها الذي يدق دقا مخيفاً سمعته يهمس: مبارك لك زوجتي. فتحت جفنيها لتقابل عينيه البراقتين. نظراته مثبتة على شفتيها. شهقة خافتة خرجت منها. الوقح، ما الذي يفكر به الآن؟ هل يريد أن يُقبلها وسط أعين الجميع؟ كلا، لن يحدث أبداً.
اكتفت بإيماءة بسيطة لتسرع على الفور هاربة منه وسط نظراته الماكرة وهو يطالعها تبتعد عنهم بخطواتها المقاربة للركض. إذاً متى ستسافران؟ صوت حمزة الهادئ جعلها تشيح ببصرها عنها وتهتف بجدية: الليلة سنسافر. والطاقم الطبي مستعدون أيضاً، لا يوجد داعي للاستمرار هنا بدون فائدة. هز رأسه وهو لا يصدق حتى الآن أنه تزوج. هل سافرت عائلتك؟ رد ببساطة: صباح اليوم غادروا. ثم تابع متسائلاً: هل أخبرت جدتك؟ قال بصوت شبيه بالمكر:
نعم. رغم أن جدتي تعلم منذ بادئ الأمر يا حمزة. غمغم حمزة ببرود: بالطبع يجب أن تعلم ماذا يفعل حفيدها بمفرده. هز رأسه هو الآخر وتوقف عن الحديث. ليراها تقبل تهاني ذلك الزواج بابتسامة مغصوبة وعيناها تخونها لتسترق النظر إليه بين الحين والآخر وهو يتحدث بصوت خفيض مع حمزة. فزعت من صوت ندى وهي تهتف بخبث:
حاسب على عينك يا جميل، ده انتوا لسه متجوزين متقوليش إنه وحشك. تعرفي وأنا داخلة الشهر العقاري ولقيت أسود بره الباب قاعدين حسيت إني داخلة بقابل وزير الداخلية.
لا تعلم لماذا يحتمي بكل تلك الأعداد الغفيرة من الرجال الشبيهة بالأسود كما قالت ندى. ابتسمت بسخرية وهي تتذكر عندما كانت تسير نحو الغرفة مستمعة إلى همهمات الجميع عن ذلك الرجل الثري. كان يبدو وكأنه رئيساً يتفقد أحوال رعيته. جعل جميع من يعملون في الشهر العقاري فضوليين عن ذلك الشخص. وذلك الحدث من المؤكد سيبقى حدثاً لعدة أيام قادمة. انتشلتها سارة من شرودها:
ليان عملتها واتجوزت واحد أجنبي علشان تحسن السلالة اللي جاية، عقبالي يا ر... تأوهت بوجع عندما لكزتها ليان بقوة على معدتها، لتمتعض ملامحها: إيدك بقت تقيلة يا ليان. في حد لسه متجوز يضرب الخلق كده؟ ضحكت ندى بصوت رنان جعل قلب شهاب يطرب فرحاً. بعد تمام الزواج ليأخذ بأغراضه ويرحل في صمت عازماً على أمر واحد: سيجعلها تتزوجه. إنتهى كل شيء. طلقها يوسف وغادر إلى مكان لا تعلمه. باع المنزل وترك وظيفته، ولا أحد يعلم وجهته.
مازالت تتذكر بعد أن سافر إبراهيم وذلك الزواج المفاجئ الذي حدث في غمضة عين. ليطلقها في اليوم التالي بعد رحيل ليان وعائلتها إلى لندن. من المؤكد سمع الخبر ولم يستطع أن يتحمل كونها تزوجت رجل آخر غيره. ابتسمت بمرارة وهي تتطلع إلى المرآة وتتحدث: أنتِ أيضاً سترحلين يا ورد. سترحلين للأبد. لن تصبحي ذكرى لأحدهم.
ولكن قبل أن ترحل يجب أن تجمع بين شهاب وندى. لا تريد قصتهم أن تصبح مثلها. أن تنتهي بمأساة حتى وإن كان حبها مجرد من طرف واحد. هي شبه متأكدة من أن ندى لا تكره شهاب. يوجد سبب مبهم تمتنع منه. هي خائفة. تخشى الوقوع في الحب. لأن الحب ما إن أصابك بسهامه فإنه سيأخذ المقابل منك. ويجب عليك أن تدفع ذلك المقابل.
سحبت نفساً عميقاً لتزفره على مهل. وأعينها تلمعان ببريق التحدي والإصرار. ستنفذ تلك المهمة شبه المستحيلة ولن تتراجع أو تستسلم حتى تصل إلى خط النهاية. بدأ شهاب يطاردها كالشبح في كل يوم وكل مكان. يبعث برسائل نصية على هاتفها وكانت عبارة عن تحكمات فقط: لا ترتديه هذا، ضيق، قصير. لا تضعي أحمر شفاه. اللعنة عليه. منذ متى يتدخل أحد في شؤونها ومنذ متى هو يتدخل في شئونها بل يتحكم بها؟ حسناً، الإجابة هي بعد سفر ليان.
ولكن كلا، يكفي. ستضع حداً لذلك الأمر. ماذا يظن نفسه؟ والدها؟ أخيها؟ زوجها؟ تنهدت بضيق وهي تغلق باب منزلها بعنف، لتصيح بصوت مرتفع: سميـــرة! لتترك تلك سميرة ما في يديها وتتوجه نحو سيدتها وتهتف: أيوه يا ست ندي. رمت حقيبتها بلا مبالاة وجلست على الأريكة بارتياح: بابا جه؟ أيوه في أوضته. طيب اعمليلي كوباية شاي سادة لغاية لما أجلك على المطبخ.
وأومأت سميرة بإذعان وعادت مرة أخرى إلى المطبخ، لتقطع الخضروات وأيضاً لكي تستكمل دروس في فنون الطبخ. توجهت نحو غرفة والدها. طرقت عدة طرقات خفيفة لتستمع إلى صوت والدها يأذن لها بالدخول. يا سيادة اللواء مساء الخير. قالتها بمشاكسة وانتقلت عيناها إلى حقيبة السفر. عبست ملامحها: إيه يا بابا حضرتك هتسافر فين؟ أجاب في غموض: رايح على البلد في حاجات عايز أصلحها. رمشت بعينيها عدة مرات وهي تحاول فك شفرات كلماته الغامضة:
حضرتك هتسافر البلد؟ وحاجات تصلحها؟ هو في إيه يا بابا؟ أغلق أيمن سحاب الحقيبة متوجهاً نحوها طابعاً قبلته على وجنتيها: هفهمك كل حاجة يا حبيبتي لما آجي. هنزل أنا علشان ألحق القطر. سحب حقيبته معه وغادر الغرفة، لتعقد حاجبيها وهي تحلل حديثه. عائلة لوالدها. قرية. إصلاح مشكلة قديمة. يبدو أنه حدث كارثة. كارثة كبيرة منذ زمن بعيد.
أسبوعان مرا بعد نجاح عملية والداها وعاد والدها كما كان في سابق عهده. تنهدت بارتياح لقد انزاح عبئاً ثقيلاً. ولكن أين هو؟ لم تراه حينما خطت بقدميها إلى تلك البلد الأجنبية. لا تعلم شيئاً عن تلك البلد الغريبة. أسيتركها عندما ترحل عائلتها وتكون بين أربعة جدران؟ حمزة الذي جالس معها منذ الصباح الباكر إلى المساء طوال ذلك الأسبوع. وهو لم يكلف نفسه حتى بالمجيء ولو لنصف ساعة فقط.
لا تعلم عنه أي شيء. حياته. صفاته. ما الذي يحبه وما الذي يكرهه. صوت والدها جعلها تخرج من شرودها: مالك يا بنتي في إيه؟ قاعدة طول الوقت سرحانة؟ تهكمت والدتها سعاد من ذلك الوضع وخصوصاً زوجها الذي لم تراه سوى مرة واحدة عند المطار: فين جوزك يا بنتي؟ ده أنا يدوب شفته بالصدفة في المطار. والحجة كما هي لن تتغير ولن تغيرها حتى تراه: عنده شغل متراكم عليه يا ماما. مصمصت سعاد شفتيها بدون إحسان: الكلام ده لو أنتِ مقتنعة بيه أصلاً.
بالطبع ليست مقتنعة به. تريد سارة أن تأتي. لينتهي ذلك التحقيق. هتفت بهدوء مخالفة وهي تغير مجرى الموضوع: وبعدين يا ماما هو جه المستشفى قبل ما نتجوز وإنتي مرضيتيش تشوفيه. ردت سعاد بضيق: يعني وقت ما تتجوزي نجوزك بالطريقة دي؟ أنا مش عارفة يا حج إنت إزاي رضيت بالوضع ده. دي بنتك يا حج تتجوز كده من غير ما نعملها فرح. والدتها مصرة على أن تقحمها في ذلك الأمر ولن تخرج منه إلا إذا اقتنعت بالأمر:
يا ماما أنا راضية. مش مهم الفرح والناس وبعدين أنا عملت بيهم إيه في المرة اللي فاتت. نبرتها واهنة وحزينة. بدأت الدموع تتجمع نحو مقلتيها: صدقيني أنا حاسة المرة دي اخترت صح. تدخل إبراهيم منهياً ذلك الحديث الذي بدأ لا يتغير: خلاص يا سعاد، بنتك أدرى بمصلحتها. غمغمت برفض: بس يا حج. سيبي البنت تشوف نتيجة اختيارها. قامت سعاد من مقعدها وهي تتجه إلى الخارج: طيب، لما نشوف.
أغلقت الباب خلفها بعد أن أعطت الممرضة مخدر لوالدها، لتجد سارة تتحدث مع حمزة والذي يبدو عليه قد أتى منذ قليل. جلست بجوار والدتها وهي تهتف بنبرة خفيضة: ماما من فضلك قوليلى بس ليه مش موافقة على جوازي؟ ردت سعاد بنبرة مماثلة: أنا مش معترضة غير على جوزك بس. ردت في عجالة وهي تحاول إقناع والدتها: صدقيني يا ماما أنا بكامل قواي العقلية وافقت عليه. أنا حاسة إني هرتاح معاه. قالت سعاد بنبرة جادة:
يا بنتي أنتِ متعرفيش عنه حاجة وأبسطها هو ليه مجاش لحد دلوقتي. غمغمت وهي تعيد تلك الجملة للمرة الألف: عنده شغل يا م... قاطعتها سعاد بنبرة جامدة: شغل إيه ده اللي يخلي الراجل يسيب مراته وما يعرفش أخبارها إلا من السواق بتاعه؟ الراجل ما بيقدرش يبعد عن مراته حتى لو عنده هموم الدنيا كلها. تفاجأت من سؤال والدتها الصريح: إتجوزتيه ليه؟ علشان بتحبيه؟ صمتت لا تعلم ماذا تخبرها. وجهها تورّد باللون الأحمر وبدأ
يرتفع معدل نبضات قلبها: وانتِ شايفة إيه؟ اعتمدت أسلوب المراوغة لتتهرب من الجواب، لترد سعاد بنفاذ صبر: ما أنا شايفة كويس جداً يا بنت بطني. بتتجاهلي تنطقي اسمه وكأنه حد غريب مش جوزك. ووشك اللي بيتقلب سبع ألوان ده كفيل بأني عايزة أطمن عليكي يا حبيبتي. لما تكوني أنتِ وهو لوحدكم. أنا قلقانة عليكي في الغربة يا بنتي.
بترت عبارتها عندما وجدتـه. رأته يتقدم نحوهم بخطوات رشيقة. يرتدي بذلة سوداء بدون ربطة عنق تعطيه هالة من الجاذبية وخصلات شعره الكستنائية المنمقة جعلتها ترتعش وهي لا تصدق ذلك الوسيم زوجها. هتف بعبارات مقتضبة مع حمزة لتجده بعدها يتقدم نحوهم بخطوات هادئة: صباح الخير. هتف بها ببحته المميزة. لتشيح سعاد وجهها للناحية الأخرى وتهتف بتهكم: أهو وتاني سبب بيبرطم إنجليزي طول الوقت.
شقت ابتسامة واسعة، رافعة ببصرها نحوه نحوه لتتقابل أعينهم لثوانٍ لتهتف بمزاح لوالدتها: إيه يا معلمة الأجيال. أومال الجيران اللي كانوا بياخدوا دروس تقوية في الإنجليزي عندك كانوا بيعملوا إيه؟ سمعت صوته مرة أخرى وكأنه يقاطع حديثهم: أريدك ليان لبضع دقائق. روحي شوفي جوزك عايز إيه. صوت والدتها الحازم جعلها تقوم من مجلسها وتتبع خطواته بهدوء تحت نظرات سارة الماكرة وحمزة الباسمة.
أغلق الباب خلفه بعد أن دلفت. هو وهي الآن بمفردهما وزوجته أيضاً. جال ببصرها إلى الغرفة لتجدها غرفة تحتوي على فراش وأريكتين. تريد أن تعلم ما دورها؟ أين هي في حياته؟ هتفت بتساؤل: زواجنا. ما به؟ هتف بنبرة باردة وهو يتقدم نحوها بخطوات مدروسة ومخططة. ارتدت للخلف عدة خطوات وأصبح نبرتها مهزوزة: ما هو وضعي؟ طرف ذقنه وهو يهتف بسخرية: أظن أنك زوجتي يا ليان. تسمرت قدماها وهي ترى عيناه أصبحت لامعتين ماكرتين. ما الذي يفكر به الآن؟
لا تعلم مغزى حديثه. لديها أسئلة بما أنها أصبحت زوجته. لا داعي الآن لتفكر وتحلل جملته: أريد أن أعلم من أنت. إنك غريب عني. لا أعلم عنك شيئاً وعائلتك أيضاً. أشعر أنني تائهة. لقائنا غريب وزواجنا أغرب. لما تزوجت فتاة شرقية؟ ولما أنا بالتحديد؟ لا تخبرني بسبب الصحف الصفراء تستطيع أن تتزوج الفتاة هنا؟ لما استغليت ضعفي ووالدي لتجبرني على الموافقة؟ ظلت تتحدث وتتحدث تحت نظراته المبهمة ودموعها أخذت مجراها في الحديث:
أريد أن أطمئن والدتي. هل خياري صحيح أم خاطئ؟ أخبرني أرجوك. احتضن بكلتا كفيه وجهها وأنامله تمسح دموعها ليهتف: ستعلمين كل شيء في الوقت المناسب. وختم عبارته بقبلة خفيفة على وجنتيها. إحمر وجهها خجلاً وما زال عقلها يفكر في إجابته الغامضة. كان في طريقه للخروج. استدار وتوجه ناحية الباب. لن تتركه حتى تعلم وضعها.
همت بالحديث لتسمع صوت إغلاق الباب. لقد غادر مثل الزيبق ولم تحصل على أي إجابة منه. ولم تعلم لماذا جاء وماذا كان يريد منها. ظلت تسبه وتلعنه وتعلن نفسها. يوم الجمعة عادة كل صباح تذهب إلى النادي برفقة والدها. ولكن اليوم ستذهب بمفردها بسبب سفر والداها إلى عائلته. أين عائلته؟ إنها لا تتذكر منذ أن كانت صغيرة والدها يتحدث عن عائلته.
رمت حقيبتها الرياضية في المقعد الخلفي وهي تزفر بضيق. لقد رحلت صديقتها وتزوجت وهي ستقضي روتينها اليومي الممل بدون رفقة أحدهم. تأففت للمرة التي لا تعلم عددها وهي ترى هاتفها يدق. تطلعت لهاتفها لترى اسم المتصل. ولم يكن سوى شهـــاب. ذلك الشهاب الذي تكلمه في وجهه الرجولي الجذاب. آه يا ندى ما الذي تفكرين به الآن! وضعت هاتفها على وضع الصامت لتذهب للنادي. شهقت بفزع عندما وجدت يد فولاذية تمسك عضدها وتمنعها من فتح باب سيارتها:
مبتدريش على تلفوني ليه؟ أزاحت بيدها بعنف مزجرة بغضب وهي تلتف يميناً ويساراً ولا تجد أحد من المارة: انت اتجننت؟ أوعك تفكر تلمس إيدي تاني يا حيوان. ارتعدت بقوة وهي ترى معالم وجهه التي تغيرت وأصبحت ملامح شرسة. استندت بظهرها على سيارتها وهتفت بنبرة جاهدت أن تبدو قوية: لو قربت مني هصوت وهلم عليك الناس كلها. ظل يتفرس ملامحها ثم ألقى ببصره إلى ثيابها. آسف، هل قال ثياب؟
أي ثياب تلك التي ترتديه بداية من تنورتها البيضاء القصيرة ومن الأعلى قميص قطني بنصف أكمام يكاد يصبح كجلد ثان لها. إيه القرف اللي انتي لابساه ده! زعق بها غاضباً وهو يفصل الخطوات التي بينهما ويداه امتدت لعضدها ليتمسك بها بعنف. ظل بصره معلقاً على ثيابها ثم إلى عينيها المحدقة به بذهول. ارتبكت قليلاً من وضعهم المحرج. تشعر بأنفاسه الساخنة وكأنها حمم بركانية تلمس بشرتها. ثوانٍ قليلة لتستعيد شخصيتها وهي تصيح بانفعال:
انت ملكش دعوة بيا أصلاً. متتحكمش فيا. أنا مش أختك علشان تقولها تلبس إيه ومتلبسش إيه؟ نـــــــدى. ارتجفت أوصالها بسبب نبرته المخيفة لتجده يدنو نحو أذنيها وانفاسه الهادرة لا ترحمها: آخر مرة أشوفك باللبس ده، فهمتي؟ هزت برأسها نافية: ده لبس الرياضة بتاعي ولو مش عاجبك اضرب دماغك في أقرب حيط. نبرته لانت قليلاً وهو ما زال على وضعهم الفاضح بالنسبة للعامة. ذراعه تمسك بعضدها بشدة والأخرى اتخذت طريقها لخصرها
ورأسه مائلة إلى عنقها: لسانك ده هقصهولك يا ندى وأنا عارف كويس إيه الطريقة اللي هتخلي لسانك المتبري منك ده يسكت خالص. ارتفع أوتار قلبها وهي تفهم مغزى حديثه. ولسانها لا يخرج من جوفها. لو كان آخر لكانت صفعته ثم ركلته بقدميها وأخذته إلى أقرب مخفر للشرطة. لو كان آخر. ولكن ماذا عنه؟ تطلعي زي الشاطرة وغيري المسخرة دي. وعالله أشوفك باللبس ده تاني وياويلك يا ندى لو لقيتك رميتي كلامي بعرض الحائط.
لم يكن يوجد معها حلاً سوى الخضوع في الوقت الراهن. لكنها لن تصمد، ستأخذ حقها منه. تقابلت عيناها البندقية بعينيه العسليتين التي تتحول تدريجياً إلى أخرى داكنة. عيناه راغبة يتفرس معالم وجهها بارتياح وانفاسه الهادرة تلفح وجهها. ألصق جبينه بجبينها سارقاً أنفاسها الناعمة وعقله ما زال متيقظاً أنهم في مكان عام. همس بصوت أجش: متختبريش غضبي يا ندي.
حالة من اللاوعي تختبره لأول مرة. عيناه الراغبة تخيفها بل ترعبها ومع ذلك جسدها متيبس يرفض الإذعان لعقلها للهروب. يداه التي تتمسك إلى عضدها أخذت طريقها للأسفل لتكون بجانب يده الأخرى. ذراعيه تتمسكان بخصرها وكأنها طوق النجاة من الغرق. تأججت انفاسها وتلعثمت في حروفها وهي تحاول أن تفيق من تلك الحالة. ليقطع خلوتهم صوت أجش جعلها ترتبك و... يا نهار أبيض. يا فضحتنا يا خوانا يا فضيحة عمارة. إيه قلة الحيا على الصبح ده.
وما كان ذلك صوت سوى بواب العمارة حمدي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!