وها هي مفاجأة أخرى تلقتها منه، وما زالت أطرافها جامدة. ولسانها ذبل، انصدمت من رده. "أي صفقة رابحة؟ " إنها لا تمتلك له شيئًا لكي تعطيها له. لا مال ولا جمال أيضًا. ما زالت تعبيراته غامضة مبهمة. واقفًا في مواجهتها وكفاه في جيبي بنطاله، يتفرس معالم وجهها الصادمة ونظرات أعينيها الزائغة. نظفت حلقها، وهي أخيرًا استعادت لسانها الذي ظنته لفترة قد فقد النطق. "كيف؟ ما زلت لم أفهم، كيف أكون أنا صفقة رابحة؟
تغيرت ملامحها الصادمة بملامح أخرى شرسة وهي تبتعد عن الحائط. "ثم كيف تجرأت على فعلها؟ هل تقضي حياتك بأكملها في عقد صفقات، ولا تكتفي أيضًا بالعمل بل أيضًا في حياة البشر؟ تباً، من أين ظهرت لي؟ "كونك زوجتي المستقبلية هذا لن يجعلك تنطقين بألفاظ نابية أمام زوجك." هتف بها وهو يجلس على إحدى الأرائك الموضوعة في أحد جوانب الغرفة.
يبدو أن اليوم سيكون حافلًا بالمفاجآت. اتسعت عيناها ذهولًا وهو يخبرها أنها زوجته المستقبلية. يضعها للمرة التي لا تعلم كم عددها أمام الأمر الواقع. ويكتفي فقط بإعلانها. يخبرها أنها ستصبح زوجته المستقبلية. كيف؟ ومتى؟ وأين؟ ولماذا؟ كل تلك الأسئلة تتضارب في عقلها بسرعة مهولة. "كلا.... أنا أرفض." رجع رأسه للخلف، غالقًا جفنيه وهو يتسمع إلى رفضها المتوقع وملامحها كقطة برية شرسة.
هتفت بغضب وهو ما زال على وضعه، مستمتعًا لحديثها السريع العنيف. "واللعنة، إنني أتحدث معك يا رجل." فتح جفنيه، ناظرًا إليها بنظرة ألجمت لسانها عن الحديث مرة أخرى. نظرة قوية، نارية جعلت قلبها ينتفض من الذعر. غامضة جعلتها تصمت. هتف بجمود ونظراته انتقلت من وجهها إلى جسدها يتفحصه بتمعن وبوقاحة وكأنه يراها للمرة الأولى. تصاعدت حمرة وجنتيها، وأشاحت بوجهها بعيدًا عن نظراته الوقحة.
"لا أعتقد أنه توجد فتاة على وجه الأرض ترفض الزواج من زين الحديدي... إلا إذا كانت غبية! الوقح، المغرور، البارد. ماذا يظن نفسه؟ ونعتها بالغبية! "وأنا تلك الغبية التي رفضت، آسفة ولكن والدي في المشفى. أشكرك على عرضك السخي." ألقت نظرة أخيرة عليه لتجده ما زال مسترخيًا بأريحية في جلسته، ونظراته لم تشح أبدًا عن جسدها.
نفضت رأسها وهي تتجه نحو الباب لتغادر. وما إن همت بوضع يديها على المقبض ليتصلب جسدها وهي تشعر بأنفاس ساخنة تضرب مؤخرة عنقها. لا تعلم كيف أتى خلفها بتلك السرعة. ولم تسمع أيضًا أي صوت لخطوات أقدامه. زادت معدل ضربات قلبها، وبدأ جسدها يرتعش بقوة. حاولت أن تتماسك وتضع يديها التي أصبحت رخوة على المقبض مرة أخرى لتغادر من ذلك المكان الذي أصبح يبعث بقلبها رهبة وشعورًا آخر لا تعلم ما وصفه. "وماذا عن والدك؟
همس بها ووجه أصبح ملاصقًا لوجهها، ورائحة عطره الجذابة تتغلغل إلى روحها بنعومة. "ماذا تقصد؟ ابتعد عنها عدة خطوات وهو يطالع وجهها الذي تورّد من الخجل، وعيناها تطالعه بترقب. "والدك يحتاج إلى عملية جراحية خارج مصر... أستطيع التكفل بالأموال اللازمة لعمليته." إنه يفاجئها كل يوم. قالت بتوجس وهي تحاول أن تنزع ما طرأ على عقلها فجأة. "لا أفهم لماذا تريد مساعدة أبي وأنت تعلم أنني لن أقدر على سداد ذلك المبلغ الضخم إلا إذا...
لتتسع عيناها بصدمة. "لا تخبرني أن ذلك مقابل الزواج." هز برأسه إيجابًا لتتابع وهي تحاول إيجاد تلك الحلقة المفقودة. "ولكن لما؟ لماذا تريد أن تتزوجني؟ لم أفهم بعد كيف سأصبح صفقة رابحة لك؟ بسخرية واستهزاء أعادت جملته التي تفوه بها. "دعني أخبرك. الموضوع عبارة عن الصحف الصفراء." "ماذا؟ لم أفهم بعد." صاح بسخرية. "ماذا؟ ألم تقرأي عن الشائعات الخاصة بي؟
والأخبار التي تقول إنني على علاقات عابرة مع الكثير من النساء، وأنني دائمًا كل شهرين تكون معي فتاة جديدة وكأنني أغير طلاء المنزل. ومع ذلك لا أكتفي، بل أيضًا أقيم علاقات مع المتزوجات." شهقت بقوة على آخر جملته، وهمست بغير تصديق. "كلا، لم أسمع عن تلك الشائعات." ابتسم بسخرية. "لأنني أقوم بقص لسان من يتفوه بتلك الشائعات. وإن كانت النصف الأول من الخبر صحيح والآخر خاطئ."
أغلقت جفنيها وهي تحاول ألا تفتك به. يخبرها بكل وقاحة أنه يقيم علاقات عابرة مع النساء أمامها. "لكنني، وللمرة الثانية، أفرض عرضك السخي. سيساعدني عم حمزة على التدبر في مصاريف علاج أبي." "أشعر بالأسف أن أبلغك أن السيد حمزة لن يقدر على إعطائك المال لأنني طلبت منه ذلك. حسنًا، لم يكن طلبًا بل أمرًا. فلن يوجد أحد سواي قادر على مساعدتك، وأنا أعلم أن أقاربك رفضوا إعطائك المال."
إن كانت كل تلك مفاجآت، فتلك هي الصدمة الكبرى. إنه يعلم عنها كل شيء. فهي لم تخبر أحدًا سوى والدتها وشقيقتها وندى، تلك التي انقطعت عن إخبارها بعد أن بدأت تعمل معه. ثلاثة فقط يعلمون عن رفض أعمامها إعطائها المال. وأيضًا ليلى، حلقة الوصل بينهم. إنها لا تعلم أن والدها مريض؟ فكيف علم ذلك؟ ليفيقها من شرودها وهو يهتف بجمود. "إذا ما رأيك؟ هل ستتركين والدك طريح الفراش وأنتِ قادرة على مساعدته؟ ***
احتضنته بقوة وهي تجده أخيرًا أمامها، بل يبتسم ويتحدث بمكر. "مكنتش أعرف إني غالي عندكم كده." نظرة من عينيها الزيتونيتين اللامعتين المعاتبتين جعلت ابتسامته تتسع. "متتقولش كده يا عم إبراهيم، ربنا يديك الصحة وطول العمر يا رب." ابتسم في هدوء وهو ينقل بصره إلى الغرفة التي أصبحت خالية وهتف بتعجب. "الله، أومال فين يا حبيبتي خطيبك يوسف؟ اسمه جعل قلبها يضخ بعنفوان، لتهتف بتلعثم. "أنا وهو سبنا بعض." هتف بجدية هذه المرة.
"اتصلي بيه وقولي له يجي لي بكرة." هزت رأسها بالإيجاب وهي لا تعلم ماذا سوف تخبره. قلبها يخبرها أنه اشتاق إلى ملامحه، إلى صوته، وعقلها يأبى الخضوع لذلك القلب الذي سيسبب لها الكوارث. صوت ندى التي اقتحمت الغرفة حاملة بيديها باقة من الزهور انتشلها من شرودها. "يا مساء الفل على أحلى وأجمل إبراهيم في الدنيا." تقدمت نحوه بخطوات سريعة لتضع باقة الزهور على المنضدة المجاورة للفراش وتهتف بحنية.
"كده تخضنا عليك يا عم إبراهيم. لولا البت سارة مكنتش عرفت ساعتها إن حضرتك في المستشفى." ثم أخذت توزع بنظراتها إلى الغرفة لتجد ورد صامتة وملامحها حزينة. هزت رأسها بلا مبالاة لتلتفت إلى إبراهيم. "أومال الوزيرة فين؟ رد إبراهيم بتعجب. "وزيرة مين يا بنتي؟
"ليان يا عم إبراهيم. أول ما بدأت تشتغل حسستني إنها بقت وزيرة. لما بأصل بيها مش بترد، يا بلاقيها مقفولة. لولا سارة اللي قالت لي إنها بتطلع الصبح بدري وبترجع البيت مش شايفة نفسها، مكنتش عدّيتها بسهولة. وبعدين أنا أصلًا مش جاية عشانها، أنا جاية للعندليب الأسمر بتاعي. بس أوعى سيادة اللواء يسمعنا، هيخليني أبات التخشيبة." ابتسم إبراهيم باتساع. "كلي بعقلي حلاوة يا بنت أيمن. ليان كانت هنا من شوية، مش عارفة راحت فين. إن...
قاطعت ورد حديث إبراهيم وهي تقوم من مجلسها. "طب أنا هستأذن وأسيبكم براحتكم." غادرت الغرفة في هدوء. هتف إبراهيم بعتاب وهو يعلق ببصره إلى ندى. "إيه يا ندى، ينفع كده؟ تطلعت إليه ببراءة شديدة وهتفت باستنكار. "أنا يا عم إبراهيم؟ عملت إيه؟ "يعني إنتي مش عارفة عملتي إيه! من أول ما دخلتي لا سلمتي على ورد ولا حتى قلتي لها مساء الخير." هتفت بلا مبالاة وهي تسحب مقعدًا في أحد أركان الغرفة لتضعه بجوار فراشه وتجلس عليه.
"أنا معملتش حاجة. وبعدين حضرتك عارف من وقت ما لفت على خطيب ليان وأنا حاسة إنها السبب في فركشة موضوع جوازهم." صوت طرقات على الباب منع إبراهيم من الرد على ندى، ليدلف أيمن وتقوم ندى من مقعدها هاتفة بمرح. "طب أسيبكم أنا وأدور على الوزيرة." *** خرجت من المشفى بخطوات شبه سريعة. أخذت تجول ببصرها إلى سيارة أجرة لتستقلها للعودة إلى المنزل.
توقفت عيناها عن البحث عندما وجدت شخصًا لم تتوقعه وجوده. لتجد قدميها هي التي تتحرك قبل أن يستوعب عقلها. لماذا هو هنا؟ ولماذا لم يصعد ليقابله؟ ولما هو في ركن بعيد وكأنه يراقب أحدًا؟ "سيادة المقدم." هتفت بها بصوتها الرقيق، جعله يفيق من شروده ليتطلع إلى ملامحها الشاحبة وهتف بخشونة يغلف صوته بعض الارتباك. "ورد! عاملة إيه؟ آه، صح. أنا نسيت أبارك لك بمناسبة كتب كتابك، اعذريني."
لا تعلم متى بدأت الدموع تتجمع نحو مقلتيها. قالت بصوت جاهدت أن يبدو بنبرة هادئة. "لا، ما إحنا سبنا بعض." ظهرت الصدمة على قسمات وجهه. مسحت دموعها بكف يديها ورسمت ابتسامة مرحة. "وأنا الحمد لله. بس إنت ليه قاعد بعيد؟ مروحتش تشوف عم إبراهيم ليه؟ صدقني، أنا عارفة المشاكل بين عم إبراهيم ووالدك، بس عمو إبراهيم طيب جدًا ومش شايل منك. صدقني يا شهاب، روح له. هو محتاج يحس إن الناس اللي بتحبه تكون حواليه."
مرر أنامله على خصلات شعره الكثيفة وهتف بتردد. "بس أنا يعن... لتهز رأسها نافية. "متترددش، روح له." ثم نظرت إلى الساعة التي تزين رسغها. همست بأسف. "الوقت اتأخر. آسفة يا شهاب، بس أنا هضطر أمشي. وزي ما قلت لك، متترددش." هز رأسه بتفهم وهتف بجدية. "تمام. أنا كده كده هزوره بكرة. اتفضلي اركبي، إنتي كده أصلًا في سكّتي." همت بالاعتراض ليقاطعها بحزم. هزت رأسها باستسلام وهي تستقل سيارته وتجلس على المقعد المجاور له.
همت بالحديث معه لكنها بترت عبارتها وهي تجد عيناه مصوبة في جهة معينة قبل أن تتحرك السيارة. عيناه أصبحت لامعة، تعلم تلك النظرة جيدًا. نظرة عاشق إلى حد النخاع. ولكن لمن؟ ومن تلك الفتاة؟ هل تلك الفتاة علاقة لجعله يصبح كالمراهق ويذهب ورائها كما رأيته منذ قليل؟ علقت ببصرها في اتجاه مرمى عيناه الهائمتين. ملامح غير واضحة. ثانية، ثانيتان، حتى اتسعت صدمة. كتمت شهقتها بأعجوبة. كيف ومتى وأين ولما هي؟
يعلم جيدًا أنها لا تحب رؤية وجهه. كيف وقع في حبها؟ زفرت بحرارة. يوجد بهم صفة مشتركة الآن. إنهم عاشقون، ولكن عشق من طرف واحد. ابتسمت بسخرية. ندى يعشق ندى. كيف ذلك؟ يبدو أن الطريق ما زال طويلًا يا صديقي للوصول إلى حصن قلبها. وأتمنى ألا تصبح مثلي فيكفي خسارتي. يجب عليك أن تتحرك قبل فوات الأوان. *** كل هذا جنون. كل ما تعيشه في الوقت الحالي أصبح جنونًا.
لا تعلم لم عقلها أصبح يستوعب ببطء كل ما يحدث لها في تلك الفترة القصيرة المليئة بالأحداث. عبارة عن جنون، بالتأكيد جنون. لا يوجد تعبير آخر تستطيع أن توصف به ما تعيشه الآن. تنهيدة حارة خرجت منها وهي تنظر إلى النافذة بشرود، تتجنب نظرة حمزة الفضولية والندامة. أطلق حمزة صوتًا غاضبًا وهو يضرب بكفه على عجلة المقود بشراسة. "غبي." ولا تعلم هل قالها حقًا أم عقلها بدأ يصوّر أشياء لم تحدث في الواقع.
أغلقت جفنيها بإرهاق ولا تعلم لم أصبحت تشعر بعبق رائحته الجذابة تغزو كيانها وتحطمه، معلنة راية الاستسلام. *** لا يعلم ماذا فعل لتلك الفتاة المسكينة ليلة أمس. ظل ينهر نفسه بسبب إذعانه لطلب الآخر. وجهها أصبح شاحبًا كالموتى عندما أتت إليه ونظرات عينيها زائغة. تجنبت الحديث معه وعيناها مثبتة على النافذة. توجه بخطوات شبه راكضة إلى غرفته. غرفة المكتب عادة كل صباح. يجب أن يعلم ماذا حدث ليلة أمس.
فتح الباب بعنف ليجده جالسًا بأريحية على مقعده يرتشف قهوته بتلذذ ويتفحص الحاسوب بتمعن. رفع الآخر ببصره لتتقابل عيناه البراقة بأخرى دبّت في قلبه الذعر. يعلم جيدًا تلك النظرات. "اللعنة! " لفظ بها في صوت خفيض. "ماذا فعلت بالفتاة يا زين؟ تمتم ببساطة وهو يضع القدح على طاولة مكتبه. "لم أفعل شيئًا." جلس على المقعد وهو يحاول جاهدًا أن تبدو نبرته هادئة. "هل عرضت عليها الزواج كما أخبرتني؟ رد ببساطة. "نعم."
بادر بسؤال فضولي اعترى على معالم وجهه ونظرات عينيه الثاقبة والفضولية تركزان على بؤبؤ عينيه. "أخبرني ماذا قالت؟ هل وافقت أم رفضت؟ هز رأسه بالإيجاب واضعًا القدح على طاولة المكتب. "لا توجد فتاة ترفض عرضي." كانت نبرته يشوبها بعض الثقة والغرور في آن واحد. ضيق حمزة عينيه متسائلًا. "أرى أنك ما زلت مغرورًا كعادتك يا بني." "لا يعتبر غرورًا، بل ثقة." لم يشعر حمزة سوى أن عبوسه زال وبدأت ملامحه ترتخي بعض الشيء.
"إذًا، أريدك أن تخبرني. كونك ترفض الزواج طوال الخمس أعوام السابقة، ما الذي جعلك تغير تلك المبادئ؟ إلحاح جدتك يبدو أنه أفاد بعض الشيء لتلين تلك الرأس اليابسة." يعلم حمزة جيدًا، رغم عدم حديثه المباشر، إنه يريد أن يطمئن على الفتاة. ليهتف بمكر شديد. "أعلم أنك ما زلت متخوفًا وقلقًا عليها. لا تقلق، لن آلتهم الفتاة، على الرغم إنني متشوق لفعلها." شهق الآخر بصدمة من وقاحته. هل يظهر وقاحته مع تلك الفتاة أيضًا؟ هتف بعتاب أبوي.
"تأدب يا ولد." اتسعت ابتسامة زين وما زالت عيناه تلمعان ببريق غريب وكأن الصياد قد ظفر أخيرًا بفريسته. "لا تقلق يا حمزة، الفتاة ستصبح زوجتي." اكتفى الآخر برسم ابتسامة باهتة. لا ينكر أنه يشعر بالقلق. كلا، بالخوف. كونها أول فتاة شرقية تقابله، يخشى أن يكون تمسكه بها افتتانًا، والافتتان سيزول بمرور الوقت، ووقتها سيتركها محطمة. ستصبح بقايا أنثى.
عندما أخبره ليلة أمس أنه يريد الزواج بها، لقد كانت بمثابة الصدمة تعتري على ملامح وجهه. حاول جاهدًا أن يعلم أي شيء آخر منه، إلا أنه امتنع عن الحديث، وجعله يذهب لجلبها. ها هي محاولة أخرى قد فشلت، ولكن لن يستسلم بسهولة، وخصوصًا هي. يجب عليها أن تظل صامدة، فهي أمامها جولات كثيرة لذلك المتكتم أمامه. قلق بشدة إن كان ما فعله يجعله يندم، ولكن لا بكاء على اللبن المسكوب. ***
تفاجأ في الصباح برنين هاتفه ويجد ورد تخبره أن عم إبراهيم في المشفى ويريد رؤيته. مكالمة استغرقت لخمس ثوان فقط وأغلقت هاتفها على الفور. سفر والدته إلى أحد أقاربها جعله لا يعلم ما يحدث لجيرانه الذين يقطنون في نفس العقار. انتفض من مجلسه وبداخله تساؤلات كثيرة. ابتسم بسخرية. لما هو متعجل لتلك الإجابات؟
بعد اعترافها بالخطأ وهي تنزع الخاتم وتخبره أن ينهي كل شيء بينهم، لم يخرج من منزله منذ ذلك اليوم وكأنه قرر أن ينعزل بعيدًا عن أعين الجميع. لماذا حتى الآن لم يتركها؟ لم يعطها حريتها؟ أيريد الانتقام منها بعد ما فعلته؟ ما زال يتذكر صوتها. صوتها المؤلم الخفيض يؤرق مضجعه، يجعله يتأفف بين الثانية والأخرى. أي لعنة وضعتيها يا ورد مرة أخرى تجعلني لا أفكر إلا بكِ؟
لا أستطيع يا ورد، لا أستطيع أن أسامحك. يوجد شيء في عقلي ينهُرني بقوة على الوقوع في الخطأ مرة أخرى. يكفي حقًا، لقد سئمت. *** الجميع مجتمع، ملتف حوله. سعادته أصبحت كاملة، وإن كان يوجد فردان غائبان، ولكن بوجود شهاب فالشق المفقود اختفى. لم يغب عيناه عن تلك النظرات العاشقة المرتسمة على ملامح شهاب. هو الآخر يحب، بل يعشق إلى حد الجنون، والأخرى غبية لا تعلم أن تلك النظرات المتيمة لها فقط.
جال ببصره إلى ورد ونظرات عينيها المكسورتين الذليلتين وهي تشيح ببصرها عن مرمى عينيه. تجلس بجوار شهاب مبتعدين عن الآخرين وكأنهما منبوذين. عيناها قد فقد بريقه وانطفأ شعلته. ليس الحب الذي جعلها تنكسر، يوجد شيء آخر وهي تتهرب من إجابته في كل مرة. ابتسم في عذوبة وهو يرى المشاكسات من طفلته الصغيرة سارة مع شقيقتها وندى، ونظرات سعاد المطمئنة والحنونة جعلت ابتسامته تزداد اتساعًا.
انتفضت ورد من مجلسها عندما رأته. لقد جاء، لم يخيب ظنها. نهرت عقلها وبقوة وهي تزجر نفسها. غبية، لم يأتِ إليكِ بل جاء إلى والد محبوبته. استأذنت على الفور بكلمات خافتة بالكاد تسمع لتخرج بخطوات شبه راكضة خارج الغرفة، بل المشفى بأكمله، وهي تهتف لا تريد رؤيته مرة أخرى، جرحها لم يلتئم بعد. نظرة من إبراهيم جعل شهاب الآخر يذهب خلفها وسط نظرات الجميع المتعجبة ويوسف المقطب الوجه.
ابتسم بسخرية. يبدو شهاب الآخر لا يفوت فرصة في اقتناص كل فتاة يرتبط بها، حتى وإن كانت تلك الفتاة لا يريدها. سحب إحدى المقاعد ليجلس عليه بالقرب من الفراش، وبدأت سارة مرة أخرى بمرحها المعهود تعيد الأجواء التي تكهربت منذ قليل إلى أخرى صافية. عدة دقائق ليست بالقليلة مرت ليجدها عادت مرة أخرى بصحبته بملامحها الشاحبة وأعينها ذابلة، ورغم ذلك رسمت ابتسامة مغصوبة وكأنها تخبرهم أنها بخير.
مستندة على كتف شهاب ويحيط خصرها بذراعه عبارة عن دعامة تجعلها تظل ثابتة رغم قدميها الهلاميتين لتجلس على مقعدها مرة أخرى وهو بجوارها يهتف بهمس بعبارات هادئة، والأخرى تستمع له وتهز رأسها بالإيجاب واكتفت بعبارات مقتضبة. ذلك المشهد لم يغب عنه بالطبع وهو يتفرس في ملامح يوسف الذي يراه منذ أن دلفت معه. اتسعت عيناه صدمة لم تلبث عدة ثوانٍ، لكنه لم يجفل عنها لتتحول قسمات وجهه إلى أخرى لا مبالية ساخرة. ***
ابتسمت بارتباك وبدأ تتصاعد وجنتيها من الخجل والحرج ومن كل ما يفعله معها. اصطحبها إلى مطعم قريب من المشفى. وسط تناول الطعام قررت شق ذلك الصمت وهي تبتسم. "مقولتليش إمتى بقى حبيتها؟ وجدت معالم وجهه المعترضة لتهتف بابتسامة واسعة. "على فكرة، إنت مكشوف جدًا. ده الكل لاحظ، حتى هي، بس مع ذلك حساها طنشت ومبتعبرش." حمحم بجدية وهو يتناول كوبًا من الماء وقد شعر بأن حلقه قد جف. "للدرجة دي؟
وما كان الرد سوى ابتسامة تتسع تدريجيًا رغم ذبول وجهها. "جدًا." "أومال هي ليه بتصدني كل ما بحاول أقرب منها؟ الكلام ده أنا هقوله لأول مرة لحد، لأني بجد تعبت وعايز أخرج اللي جوايا."
هزت رأسها وهي تتابع بأعين منتبهة، متيقظة، فضولية. زفر بحرارة وهو يستعيد بذاكرته إلى أول يوم رآها مع ليان. كانت بملامح أنثى شرسة شامخة. وجد قلبه يدق بعنفوان بمجرد رؤيتها. ظل يتخذ إيصال ليان لمنزلها وسيلة لرؤية تلك التي خطفت عقله وقلبه منذ أن رآها. زيارات متكررة وحجج مبتذلة، وهو أصبح كمراهق عاشق رغم تخطيه الخامسة والثلاثين وهيبته في عمله.
ولم يحظَ سوى بالرفض أو بالنفور منها ومن ليان التي بدأت تشعر هي الأخرى بالاختناق من كثرة وجوده. "مش هقولك غير نصيحة واحدة بس: إلحقها قبل ما تخسرها. حاصرها، هاجمها، لازم تسمعك. متلفش حوالين ليان، يمكن هي فاكرة إنك معجب بليان. إلحقها يا شهاب، بجد إنت إنسان تستاهل كل خير." عباراتها كانت صادقة، ليهمس بامتنان. "بجد مش عارف أقول لك إيه يا ورد."
"يا سيدي، أنا مقلتش حاجة. كل اللي قلته إنك بس تروح وتواجهها. حطها قدام الأمر الواقع علشان تكلمها. معندكش حل تاني علشان تقف وتسمعك." ظلت تتحدث وتتحدث وهي غافلة عن ذلك الذي يراقبها على بعد مسافة ليست بالبعيدة، وهو يهتف بسخرية. "لا، واضح مش بتضيع أي فرصة بتجيلها." *** هدأت أجواء الغرفة. أخذت نفسًا عميقًا وزفرته على مهل وهي تستعد لتخبر عائلتها بالذي يريد أن يتزوجها.
بالله كيف ستخبر عائلتها أن رجلًا غريبًا رغم أصوله العربية يريد أن يتزوجها والسبب مجرد شائعات غبية؟ لما هي بالتحديد؟ يستطيع أن يتزوج بفتاة أخرى؟ سؤال لن تجد إجابته مطلقًا إلا إن قرر يخبر فعلاً إجابتها؟ رغم ضيقها وهي تشعر أنها أداة لحل بعض مشكلاته. ومع ذلك لم تجد حلًا آخر سوى ذلك. ستتزوجه لمساعدة أبيها. حمحمت بصوت عالٍ جاذبة انتباههم لتهتف بصوت جاد. "بابا، أنا جالي عريس."
وما كان سوى انتفاضة سارة وهي تهتف بتوجس تاركة سعاد وإبراهيم يستوعبان ما قالته. "مين؟ "زين... زين الحديدي." اتسعت أعين الجميع بصدمة، وسارة التي ما زالت لا تصدق ما تفوهت به أختها. كيف حدث ذلك؟ هل تهذي أختها؟ أم تمزح معهم؟ إلا أن نظراتها الجادة لا تشي بذلك. انتقلت بعينيها إلى والدها وهو الآخر ينظر إلى شقيقتها بغموض وتعبيرات وجهه هادئة. لقد فاتها شيء بالتأكيد، قد فاتها ولن تتزحزح حتى تعلم ما الذي حدث في غيابها.
انتشلها أبيها من أفكارها التي تتلاطم ليهتف إبراهيم بهدوء. "وأنا مش موافق." رمشت بعينها عدة مرات وهي لا تصدق. والدها رفض دون أن يراه؟ هكذا وانتهى الأمر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!