تسللت داخل الغابة بطريقة طبيعية. وما إن اختفتني الأشجار حتى وصل رجال بطران وقلبوا خيمة الفتاة وفتشوا عن دخيل من البشر لم يوشم بعد. ثم قيدوا المرأة العجوز والفتاة نحو قلعة أبيداس من أجل التحقيق في جريمة التستر على بشرى هارب.
شعرت بالأسى لما سيحدث لهم. سيخضعهم بطران للتعذيب بطريقة الجان. سيجعلهم يبتلعون حشرات وسحالي مسحورة تنطق بالأسرار المخباة بداخلهم. سينزع أظافرهم ويجعل الدودة السوداء تأكل أعضاءهم، ثم يلقون أجسادهم للوحوش أو يرمونهم في زنزانات التيه. فلا أحد يخرج من سجون بطران أبداً.
داخل الغابة قابلتني أشجار بعيون وجنيات صغيرة تجمع الفاكهة، عفاريت تحمل الحطب وتقطع الأشجار، وبعض البشر يعملون معهم. واصلت سيري بعد أن لمحت طائر البشريق يحلق فوق الأشجار. عندما هبط الليل شعرت بالطمأنينة وجلست أستريح. أنارت النجوم السماء بألوان زاهية وتدلت مصابيح تحملها الأشباح فوق الأشجار. نهضت وواصلت سيري نحو الغابة المظلمة. تشابكت الأشجار وحلت ظُلمة حالكة، وكنت أسمع همسات الجنيات وأشباح الظلال.
ضللت طريقي أكثر من مرة. كنت أسير في متاهة وأعود لنفس المكان. كان خنجري في يدي والرعب يدق في قلبي مثل طبلة. الهمسات التي كنت أسمعها كانت مرعبة. ثم بزغت أضواء البحيرة المسحورة، دليلي الذي أبحث عنه. سرت نحو الأضواء حتى انتهت الغابة المظلمة وانفرجت على وادٍ من أزهار العنبر. قادني لشاطئ البحيرة.
على شاطئ البحيرة رصت الأرائك الخشبية الملونة بالأحمر والأزرق والأصفر واللبني، المصنوعة من خشب السنديان والسرور الصنوبر. أرائك بديعة الصنع مغلفة بالمخمل يجلس عليها الجان خلال النهار للاستمتاع بالنظر لمياه البحيرة ورؤية صورهم المنعكسة داخل مياهها.
وجدت عفريت وعفريته يتغازلان. جفلا عندما لمحوني. أمر ورمقوني بنظرة غاضبة. ابتعدت عنهم وجلست قرب الماء أنظر لمياه البحيرة التي لم تعكس وجهي، بل وجه تسنيم الذي ظهر لي على سطح الماء. كانت محبوسة داخل غرفة جدرانها من الأحجار. شرفاتها الواسعة بقضبان من الحديد. كان هناك سرير مرقط مفروش بوسائد من ريش النعام. وكانت هناك جنية صغيرة بوجه قطة تجلس معها. رأيتها تنظر من الشرفة نحو باحة القلعة والدموع تتساقط من عيونها.
نزلت دموعي على مياه البحيرة وأحدثت تموجاً هائلاً كأن مياه البحيرة تتفاعل مع أحزاني. ثم سمعت همساً خافتاً: "أنت؟ أيها البشري، تعال هنا." استدرت من بين الأشجار. كان يقف الجني الذي رأيته عند هروبنا من قلعة أبيداس.
نهضت بسرعة واقتربت منه. في أضواء البحيرة المشعة تأملت هيئته. جني ممشوق القوام، طويل، صلب. حفرت عضلاته فوق جسده. يرتدي معطفاً لبنياً. وجهه مستدير وسيف لامع يندلق من خصره. عيونه خضراء وشعره أصفر لامع طويل. أعجبتني أناقته غير المتكلفة.
قادني بين الأشجار وأنا أتبعه حتى وصلنا لدرب من الزهور تحلق فوقه عصافير صغيرة. الدرب الذي صعد بنا صخوراً مكسوة بالعشب الأحمر. ثم وقف فجأة وأخرج وشاحاً أسود ربطه فوق عيوني. انفتح باب من الصخر وجذبني خلفه. هبطنا عدة درجات من الصخور ثم استوى الطريق قبل أن يهبط مرة أخرى لعمق سحيق. ثم
انفتح باب آخر وسمعت كلمات: "إلياس تاهو ألفين". كانت كلمة سر على ما يبدو. ثم صعد بنا الطريق وكنا نسير بين صخور حادة جرحت ذراعي قبل أن ينزع وشاحي. وجدتني في بقعة واطئة من العشب فوق قمة جبل يكسوه الجليد، تحيط بها تماثيل من رؤوس حيوانات تفتح فمها. جلس الجني على حجر محفور على شكل رأس أسد وأمرني أن أحمل صخرة. على ضوء الطحالب توجهت لأقرب صخرة وحاولت أن أرفعه، لكنني لم أزحزحها من مكانها عن الأرض رغم صغرها.
قال الجني: "إذا كنت ترغب في إنقاذ زوجتك، عليك أن تبذل جهداً أقوى." غمرني الحماس وقبضت على الصخرة التي امتنعت علي. سمعت صوت من بين الصخور يهمس: "لا فائدة." نظر الجني تجاه الصخور وابتسم: "ليس بعد. قال: البشر ليسوا مثل الجان." ثم أشار إلى مجموعة من الأحجار وقال وهو ينهض: "لن تخرج من هنا حتى تنقل كل تلك الأحجار إلى الجهة الأخرى." واختفى في لمح البصر.
-وقفت الفتاة ووالدتها متخشبتين أمام بطران بتعويذة أطلقها وهي يبتسم بسخرية. من على الجدار زحفت سحلية بحراشف خشنة. زحفت على الأرض وتسلقت جسد الفتاة ثم غطست في فمها المفتوح. ثم نظر بطران نحو سقف الغرفة. نزلت دودة سوداء في فم المرأة المفتوح. شاهد بطران تألم والتواء جسد الفتاة ووالدتها. ورغم أنهما ينطقان الحقيقة، غادر بطران الغرفة وأغلق الباب خلفه.
-على حدود البحر المفتوح الذي تحكمه الملكة لاتيكا، ارتفعت الأمواج دون وجود رياح في الحد الفاصل بين البحر الأحمر والبحر الأزج. كان الشوامل يقودون حرباً ضد الحوريات والغرانيق بعدما تكررت هجماتهم على قراهم وبيوتهم. وصل الخبر إلى الملكة لاتيكا التي قللت من أهمية الخطر. كانت تعرف أن حورياتها والغرانيق قادرون على صد هجوم الشوامل الذي لم يكن أول هجوم على حدودها الآمنة.
-حاولت أن أنقل الصخور التي بدت لي ملتصقة بالأرض. وفي كل مرة أفشل فيها أسمع كلمة "لا فائدة" تنبعث من بين الصخور. إلا أنني لم أتوقف عن المحاولة رغم أن يدي تقشرت وامتلأت بالقروح. قال لي الصوت: "إنني حتى لو ظللت عمري كله أحاول، لن أتمكن من رفع حجر واحد." ثم اختفى ولم يظهر مرة أخرى. جلست على الأرض مهدوداً وقليل الحيلة وشردت أتذكر ما حدث معي حتى الآن وكيف قادتني خطواتي لأرض الجان.
شعرت بالغيظ وركلت حجراً بقدمي فسمعته يتألم. قلت بهمس: "تشعر بالوجع؟ صرخ صوت رفيع: "أنت تفهم لغتنا؟ قلت: "لا أعرف، لكن لغتك مفهومة بالنسبة لي." قال: "أمر غريب، هذا لم يحدث من قبل. إلا إذا كان جني درس لغة الأحجار!! قلت: "لم أدرس شيئاً." ثم وضعت يدي على تميمتي التي كنت نسيتها والتي كان يتوسطها حجر صغير مثقوب أبيض. همس صوت الحجر: "أنت تملك أثراً من عشيرتنا. كيف وصل إليك؟
قلت: "لا أعرف. أهدتني إياها زوجتي وهي محبوسة الآن في قصر فالكون." قال الصوت: "إذًا أنت لك صلة بنا على أي حال." قلت: "وما الفائدة؟ قال الصوت: "انهض، سنساعدك على نقلنا. مهما كانت الطريقة التي وصل بها أخونا لك، فأنت تستحق طاعتنا." نهضت ووجدت الأحجار التي كانت عصية على يدي سهلت النقل. لم تمضِ ساعة وكنت نقلت كل الأحجار إلى الجهة الأخرى. "هناك شيء فاتني...
" همس الصوت من بين الصخور عندما لاحظ أنني نقلت كل الأحجار. "في صدرك طلسم أو تعويذة جعلت صخور باتيك تطيعك؟ قلت: "المهم أن الأحجار نقلت. أين الجني؟ ظهر طيف ضخم قبل أن يتشكل أمامي. كان يحمل بلطة وعلى رأسه شعر طويل مفتول وله عين واحدة. "هذا تمكنت من خداع أحجار باتيك، فلن تستطيع خداعي." ثم همس بصوت مرعب: "عليك أن تتسلق الصخور نحو قمة الجبل." ورأيته يقفز بكل سرعة. ولم تمضِ لحظات حتى كان فوق قمة الجبل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!