في كل مكان في أرض الجان حرب، الحروب لا تتوقف عندهم، ومن الممكن أن تشهد حرب كل يوم. يميل الجان إلى تصفية حساباتهم عن طريق القوة، لذلك فالصلح الذي تم بين لاتيكا، أميرة مملكة البحر المفتوح، وفالكون، الذي يحكم معظم أرض الجان، صلح غامض لحد بعيد. تركت سلانديرا الغاضبة وشردت في حالي. ليس من المفترض أن أكون هنا، إنها ليست حربي، تسنيم تنتظرني وأنا هنا في أعماق البحار أندفع بتهور خلف حماقاتي.
وددت أن أقول لسلانديرا إني راحل، لكن بوق الحرب انطلق. ظهرت أولى كتائب جيش لاتيكا على حدود البحر الأزرق. ثم إن الملك استدعاني مرة أخرى، فذهبت للمثول أمامه. عندما رآني الملك، فتح عينًا واحدة كأنه استيقظ من النوم للتو، وقال: ابنتي سلانديرا تثق بك، ولا أعرف الأسباب التي دفعتها للوثوق في مخلوق بشري. روحت أفتح فمي، لكن الملك رفع يده بالصمت. ثم مرر أصابعه خلال شعره، لحيته الأحمر الطويل، وبدا أنه متردد ويفكر بعمق. ثم همس:
الحرب على الأبواب. الملك فالكون لن يدع ما حدث يمر دون عقاب، ولاتيكا منذ قرون تنتظر الفرصة. ثم تحرك بسرعة، التهم قشرية ومضغها. سلانديرا لم تخطئ، لكنها عجلت المحتوم. ثم شرد عندما ذكر اسم ابنته وابتسم. منذ يومها وهي صغيرة متهورة، أتذكر يوم حملتها في حضني، كانت صغيرة جدًا حتى أنني ظننت أنها لن تستطيع السباحة. انطلق البوق مرة أخرى يخبر الملك أن لا وقت للمسرحيات والتراجيديا.
رفع الملك أصبعه، ونظر تجاه خاتم ضخم مزركش بألوان مختلفة قبل أن ينزعه من يده. لابد أن أكون في مقدمة الجيش، هذه حربي وليست حرب سلانديرا. ثم ألقى بالخاتم تجاهي. الخاتم لم يسقط في القاع، بل ظل في مكانه واقفًا ضد الجاذبية. هذا خاتمي، احتفظ به، ولا تسمح أن يقع في يد الأعداء. إنه إرث أجدادي، إرث مملكتنا العظيمة. وقبل أن أرفض، فتح صندوقًا وأخرج منه عشبة قرمزية. ضع هذه في فمك. وانطلق الملك بسرعة دفعها داخل فمي وهو يتمتم:
أحملك إرث أجدادي وعائلتنا الملكية، فلتسرِ دماء الأقدمين في عروقك وتمنحك القوة. أنا ألزمك ثلاث مرات، إذا لم تأخذ بثأري أن تظل يديك ملطخة بالدماء. أن لا تخرج من هذه الأرض. إذا لم تقم مملكتي مرة أخرى. ثم أخرج سيفًا بارقًا يتغير لونه بين الأحمر والأزرق، بديع من صنع الجان، ووضعه في يدي. عندما تثق بنفسك يا بشري، ستصبح أقوى محارب في أرض الجان كلها. ثم همس بحزن: السلام يا بشرى.
كنت منذهلًا ولا أفهم معظم كلامه، لكن الملك اختفى وكان علي أن أخرج خلفه. كانت هناك أعداد غفيرة من جان البحر، الحوريات، وحرس فالكون الشخصيين. جيش جرار لا يمكن صده. كانت سلانديرا أمام جيشها، لكن عندما رأت والدها تنحت جانبًا. وقف الملك الكهل يحمل صولجانه أمام رعيته وأسكت الأصوات التي تطالبه بالهرب. قال الملك: إنها حربى الأخيرة، دافعوا عن نسائكم وأطفالكم وعجائزكم، لا تسمحوا لهم أن يدخلوا أرضنا إلا على جثثنا.
ثم أطلق شعاعًا من صولجانه وصرح: إلى الحرب. تبعته سلانديرا وسرعان ما حدثت الاشتباكات. رأيت اصطدامات ضخمة، سيوف وحراب، وغبار القاع يرتفع كالغيوم. لا أعرف ما علي فعله. اشتدت الحرب بسرعة، كانت أعداد الجان ضخمة جدًا. استطاعت أن تفرق جيش الشوامل وتنتشر بينهم. رأيت ملك الشوامل يحارب بضراوة وإلى جواره كومة من جثث الحوريات والجان. كان الملك يقاتل بمفرده، اللهم من مجموعة قليلة ثبتت إلى جواره.
وكانت سلانديرا محشورة بين كتيبة من الجان. تقدم مارد من الجان كانت له هيئة مهيبة جعلت جنوده ينحون أمامه. سل سيفًا أسود وقاتل ملك الشوامل، قاتل الملك ببسالة حتى آخر نفس. وعندما شق السيف صدره، ظل واقفًا في مكانه ولم يسقط على الأرض. صرخت سلانديرا، حاولت أن تصل لوالدها، لكن الجان منعوها. سحبت سيفي وحاولت أن أساعدها بلا فائدة. رأيت الجان يضربون سلانديرا وهي تزود عن نفسها وتصرخ، قافزة تسدد الضربات.
ثم اختفت وسط طوفان الجنود. لكن الأسوأ كان قادمًا. اختفيت خلف صخرة ضخمة ورأيت كتائب الجان تقتل الأطفال والنساء ويفجرون الأنفاق والملاجيء بقنابل تشتعل داخل الماء. سمعت صراخ الأطفال ورأيت جثثهم تحترق. أحدث الجان مذبحة هائلة ولم يتركوا واحدًا من الشوامل حي. هربت تجاه الشمال حيث البحر المتجمد. طاردني الجان والحوريات، لكن سرعتي كانت أكبر وسرعان ما تخلوا عن فكرة مطاردتي.
تعديت حدود البحر الأزرق ووصلت البحر المتجمد الذي كانت مياهه باردة جدًا. كان علي أن أصل الشاطئ بأي طريقة. ربما أستطيع التنفس تحت الماء، لكن قصتي هنا انتهت. خرجت نحو سطح الماء ورأيت الشاطئ. تنشقت الهواء وشعرت بالراحة. وقبل أن أسبح تجاه الشاطئ، جذبني شيء بقوة نحو القاع. كان أخطبوط هائل طويل الأذرع يحاول أن يعصرني.
أخرجت سيفي وقطعت الذراع التي تقبض علي، لكني تعرضت لضربة من ذراع الأخطبوط قذفتني لمسافة بعيدة جدًا وفقدت وعيي. عندما فتحت عيني، كنت داخل خندق بحري مظلم جدًا وبارد جدًا وصامت جدًا ومرعب جدًا. حاولت أن أسبح، لكن دفعت بيدي وقدمي، لكن لم أتحرك. لم أصدق ما يحدث. حاولت مرة أخرى ولم أتحرك. سمعت صوتًا يقول: أنت في مكان خارج العالم ولا تنجح هنا خطط المخلوقات. قلت برعب: أريد أن أخرج من هنا. همس الصوت الرفيع المرعب:
قوتك لا فائدة منها هنا، كل المخلوقات التي تصل هنا تموت هنا. قلت: لن أموت هنا، لا يمكن أن أموت. قال: ما المانع أن تموت هنا؟ قلت: هناك من ينتظرني لأنقذه. سخر مني الصوت، قال: أنقذ نفسك أولًا. قلت: أرجوك ساعدني. اختفى الصوت، وقت طويل وأنا عالق في مكاني. ثم همس: أنقذ نفسك. قلت: كيف؟ عليك أن تتخلى عن شيء مهم، أهم شيء في حياتك. قلت: لم أفهم. ضحك الصوت، إذا كنت ترغب في العيش عليك أن تتخلى عن الحياة. قلت: وكيف أنقذ زوجتي؟
قال الصوت: لا شأن لي بذلك، اتخذ قرارك بسرعة لا تضيع وقتي. سقط خاتم الملك من يدي فأحدث رجة داخل الأخدود. همس الصوت: ماذا فعلت؟ كيف فعلت ذلك؟ قلت: سقط خاتم الملك من يدي. قال: أي ملك؟ قلت: ملك الشوامل. صرخ الصوت: بشرى كاذب، كاذب، كاذب، لا يمكن أن يكون خاتم الملك اهشمير. قلت برعب: لماذا؟ قال الصوت: لأن ذلك يعني أن الملك اهشمير مات. قلت بحزن: الملك مات فعلًا. صرخ الصوت: إياك والكذب.
واقتربت مني قرون استشعار طويلة مرعبة مقززة. أنت سرقت خاتم الملك. وأحاطت بوجهي قرون الاستشعار ودخلت في فمي، أنفي وأذني. وهمس: أخضعك لاختبار الحقيقة يا إنسان، انطق الحقيقة. وجدت لساني ينطق دون إرادتي. اختفت قرون الاستشعار وسمعت صوت تنهيدة طويلة. مات الملك اهشمير. لماذا وضع الملك اهشمير ثقته في بشرى ضعيف خائن؟ صرخت أنا: لست خائنًا. حل صمت مرة أخرى ثم تحدث الصوت ورأيت وجهًا ضخمًا جلده متدلٍ وعيونه غائرة داخل وجهه. قال:
ما حدث لابنته سلانديرا؟ قلت: قتلت. ثم قلت: لا أعرف بالتأكيد، لكن آخر مرة رأيتها فيها كانت محاطة بجنود فالكون. همس المخلوق: انتهت ذرية اهشمير، كان ملكًا عظيمًا. ثم قربني منه وتمكنت من رؤية جسده المتقرح. وأجلسني على الأرض إلى جواره، فشـممت رائحة عفونة. أرى أن تحمل سيف الملك؟ قلت: نعم. قال: تعرف كيف تحارب به؟ قلت: لا. ألقى المخلوق كبشة طين في وجهي وشعرت أنني تغيرت ولست في وعيي. سأعلمك أساليب مبارزة أرض الظلام.
الأرض التي خارج أرض العالم، أحكم عليك أن لا تخرج من هنا حتى تتقن أساليب أرض الظلام. وأحكم عليك أنك مهما بقيت هنا لا يكبر عمرك. وأحكم عليك طالما أنت هنا أن لا تسرق دقيقة من حياتك وأن لا يتغير العالم من حولك. كنت في حالة خدر كأني روح بلا جسد، لا أعرف كم مضى في أرض التيه. كنت أقاتل المخلوق كل يوم وليلة، كل لحظة، بالسيف والحراب والسهام والصخور والسحر.
قاتلت في أرض الظلام إلى جوار المخلوق كائنات مرعبة متوحشة أيام وشهور طويلة. سطونا على ممالك وقصور ومدن بلا إرادة مني. اشرب هذا. مددت يدي على الكأس التي أمامي كان بها منقوع لزج أحمر عطن، شربته حتى آخره. همس المخلوق وهو ينفث في وجهي: لقد انتهت مدة سجنك هنا، أنا أمنحك حريتك يا بشرى، فلتخرج لأرض الجان إنسانًا جديدًا. ولتتذكر أن لديك صديقًا هنا. استعدت وعيي، تذكرت كل شيء حدث معي. قلت: اسمح لي بمساعدتك.
وكان وجه المخلوق يختفي. قال: لا تستطيع إلا إذا أوفيت بالوعد. واختفى تمامًا. وجدتني على البر بين الأشجار عاري الجسد. رأتني عفريتة من الجان وابتسمت. اضطررت للركض، سرقت ملابس ارتديتها وتسولت طعامًا من عفريت قذر. سمعت العفاريت تتحدث عن حرب الشوامل والجان التي حدثت أمس، وعرفت أنني لم أختفِ سوى يوم واحد. كان المخلوق صادقًا في وعده. سألت عن قلعة أبيداس وكانت هناك قافلة متوجهة للتجارة هناك.
وافق زعيمها على اصطحابي نظير عملي في القافلة، أحمل الخشب وأقود الخيل والنوق. وصلنا قلعة أبيداس بعد يومين من الارتحال. كانت هناك احتفالات هائلة في أرض أبيداس. بعد أن أحضر الجان جثة الملك اهشمير وعلقوها على باب القلعة. توجهت للمخبأ وبحثت عن الأمير افتِرين ولم أجد هناك سوى الجني البغيض الذي يكرهني. همس: أخيرًا ظهر البشري الذي لا فائدة منه. قلت: أين افتِرين؟ قال بسخرية: يحتفل مع الملك في قاعة الحكم. قلت:
يجب أن أتحدث معه. قال الجني: لما العجلة؟ وجودك من عدمه لا يشكل أي فارق. أنت إنسان بلا فائدة. تحملت إهاناته، كنت أشعر أنني بلا فائدة فعلًا. رمى إلي الجني سيفًا وصرخ: انهض واضرب جذع الشجر. أجعل من وجودك فائدة. ألـقيت سيف الجني على الأرض بغضب وقلت: أنا لا أحتاج سيفك، لدي سيف الملك اهشمير، أستطيع قطع جذع الشجرة بضربة واحدة. يبدو أن كلماتي أثارت انتباهه لذلك نهض واقترب مني. سللت سيف اهشمير وأغمضت عيني وضربت جذع الشجرة.
لكن لم يحدث شيء. ضحك الجني، وهمس: بشري كاذب وحقير. قلت: لست كاذبًا، أنا لا أكذب. لكنه اختفى من أمام عيوني. شعرت بالغضب وركبت جذع الشجرة بقدمي، طوحته لمسافة بعيدة حتى أنه سقط في البحر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!