حضر افترين آخر النهار، يرتدى درعه المزين بالزهور البرية ورأس طائر البطريق. سألني افترين: "أين كنت مختفياً؟ حكيت له عن دعوة الأميرة كافردين لحضور النزالات، ثم الهرج الذي حصل بعد هجوم الشوامل مما اضطرني للهرب. همس افترين: "يبحثون عن البشرى الذي ساعد سلانديرا. يقولون إنه يحمل سيف الملك اهشرمير وخاتمه." قلت: "وما فائدة خاتم وسيف بعد زوال مملكة؟
قال افترين: "الملك فولكان يرغب في الحصول عليه لوضعه بجوار كنوزه من الممالك التي انتصر عليها. يفخر الجان بعدد الحروب التي كسبوها والملوك الذين قاموا بقتلهم. والأمير كيلان أقسم أن لا تغمض عينيه إلا بعد أن يرجع السيف للملك." ثم تنهد افترين كأنه لا يعرف لماذا يخبرني بذلك. قال افترين: "أنت متأخر جداً في التدريب، دعني أرى ما لم تره عيني بك ورأته عين كافردين." وقفنا وسط الساحة، وسلمني سيفاً حاداً وبرز لمواجهتي.
كنت قد أخفيت سيف الملك اهشرمير وخاتمه بعيداً عن المخبأ. وضعت السيف في يدي واتخذت وضعية المبارزة، واضعاً السيف خلف ظهري. همس افترين: "أين تعلمت ذلك؟ يمكنني أن أقتلك بسهولة؟ ابتسمت وقلت: "هاجم." رفع افترين سيفه وهاجمني، بسرعة الريح تلقيت ضربته. كنت أستخدم السيف بيسر وليونة، حتى أنني كنت قادراً على صد هجوم افترين دون أن أتحرك من مكاني. همس الجني الآخر: "أمر ملفت جداً. أكفاك لعب يا افترين واقضِ عليه."
تنفس افترين بغضب وهجم علي بقوة. الجان لم أتحرك من مكاني، تلقيت ضرباته، ثم بحركة سريعة طوحت سيفه في الهواء، وقفزت واضعاً إياه في يدي ومصوباً على عمق افترين. همس افترين: "مدهش." بينما نزع الجني الآخر معطفه ونزل لمبارزتي، رأيت كافردين بين الأشجار تشاهد النزال، كانت مختفية خلف شجرة متحركة. أغمضت عيني وهمست: "قتال أرض الظلام." هجم علي الجني، وقبل أن يصل سيفه جسدي ضربته بقوة، دحرجته على الأرض. نفس
الجني التراب من فمه وهمس: "بشرى ملعون، سأقضي عليك." غرقنا في نزال صعب، أكثر من عشرة دقائق بين ضرب وقفز وكر وفر وسرعة، ثم سمحت له أن يقترب مني للحد الذي كاد نصل السيف أن يخترق صدري. في اللحظة التي أدرك فيها النصر، تنحيت وأسقطت سيفه على الأرض، ووضعت عنقه تحت قبضتي، ثم رفعته في الهواء وأسقطته على الأرض بكل قوتي. أحدث ارتطامه غيمة تراب، وبدا غير مصدق لما حدث.
همس افترين: "أعرف كافردين، لكن تلك القوة لم تأتك منها. أخبرني يا بشرى كيف تحصلت على قوتك ومهارتك." قلت: "تدريبك يا أمير افترين، أنفذ تعليماتك." صمت افترين ونظر إلى الجني الآخر، وحدث بينهم حديث بالعين لم أفهمه. ثم قال: "سأضمك للفرسان الذين يحاربون تحت رايتي. من الآن عليك أن تعتني بجوادي وبي شخصياً." قلت: "أنا لا أفهم كيف سيساعدني هذا في إنقاذ زوجتي؟
قال افترين: "علي أن أضمك لفرسان الأمير كيلان، وهذا لن يحدث دون أن يراك تحارب. عليك أن تلتزم بالخطة، لا يوجد بشرى في جيش الجان، ولا يمكنني أن أضمك لفرساني حتى لا أثير الشكال. الفرصة ستأتي يا محمود، لا تقلق. وزوجتك في القصر، لم يحن بعد وقت شنقها... لقد أجل الملك الموعد حتى وقت الاحتفال بعد تتويجه." انضممت لفرسان افترين، الذي كانت وظيفته مهاجمة الممالك التي تشق عصا الطاعة. ثم حدث أمر غير متوقع.
أعلن الملك البرين ملك جن البراري عدم موافقته على تولى كيلان عرش الجان. لم يقل ذلك صراحة، لكن الهمس وصل الملك فالكون، وكان عليه أن يتثبت من ولاء رعيته. فقام بإرسال رسالة إلى الملك البرين يطلب منه الحضور لقلعة ابيداس وأقسام يمين الولاء لوريثه كيلان.
رد البرين ملك البرارى برسالة طويلة، تقول إنه معترض على الطريقة التي يتحدث بها الملك، وأنه لا يقبل أن يحضر بمفرده لتأدية قسم الولاء دون دعوة كل ملوك الجان، وأنه يعتبر تلك إهانة كبيرة في عرف الجان. وكان البرين محقاً، فلا يمكن للملك فالكون أن يجبره على القسم دون أن يدعو كل ملوك الجان. الأخبار تنتشر في أرض الجان بسرعة كبيرة جداً، لم تشرق شمس حتى أصبح حديث رسالة البرين على كل لسان، وسخر النبلاء من تهور فالكون وقلة حزمه.
ثم إن الملكة لاتيكا أعلنت نفسها بعد القضاء على مملكة الشوامل، ملكة البحار والمحيطات، والاصقاع العظمى. وكان هذا اللقب في حد ذاته لا يليق إلا بملك الجان، ويمثل تحدياً له. وفجأة وجد فالكون التحديات تحيط به من كل مكان. لقد كان قضائه على مملكة الشوامل غلطة كبيرة في تخطيطه الحربي. بوجود الشوامل كانت مملكة فالكون في مأمن من لاتيكا. لكن الآن بعد أن نزع شوكة الشوامل من جسدها، أصبحت حرة، وتطمح في المزيد من الأراضي والحكم.
شعر فالكون بالورطة التي أوقع نفسه فيها، وكان عليه أن يجد حلاً بسرعة قبل أن ينفلت العقد من يده. بناءً على مشورة قواده، أرسل يطلب يد ابنة الملكة لاتيكا لابنه كيلان، زواج وقران يضمن اتحاد المملكتين. ربما كان يحتقر لاتيكا وقوم البحر في الماضي، لكنه الآن مضطر أن يقبل بذلك. وكانت الصدمة عندما رفضت لاتيكا الزواج، تحججت أن ابنتها قرانها معقود على ابن عمها سارديان، ولا يمكن نقض القرآن أو فضه.
انتفض الملك فالكون من الغضب، رفع يده بغضب وضرب الجدار الذي شق نصفين، ثم عاد كما كان. جمع قواده للتشاور، وكان كيلان معهم. أعلمهم برد لاتيكا وتحديها لسلطته وقوته. قال افترين: "ربما علينا أن نعرفها مكانها بالضبط." صرخ فالكون: "لن أخوض حرباً أخرى خلال يومين." قال افترين: "لا حرب." "أمر بحضور لاتيكا لمجلسك لتجدد الولاء لك، اكسر شوكة غروورها." صرخ الملك: "وإذا رفضت؟
"حينها سأضطر لشن حرب في البحر والبر. لاتيكا تتحكم في سفن التجارة، وأي عداء معها سيمنع تجاراتنا من وجود ممر آمن للسفن." قال الأمير فترين بتحدي: "علينا أن نكشف نيتها أيها الملك فالكون. إن كانت عدوة، فأخر ما ينقصنا أن تشن علينا هجوماً أثناء حربنا مع الملك البرين." صرخ فالكون: "ولماذا تعتقد أننا سنشن حرب مع البرين؟
"البرين جن وغد متكبر، ويمكن إرضاؤه بسهولة. لكنه تحداك يا سمو الملك، والهمسات تنتشر بين الجان عن ضعف ملكهم السامي." قال فالكون: "انسوا أمر البرين، لاتيكا هي الأهم. ابعثوا رسولاً ملكياً واطلبوا حضورها قصري لتجدد ولاءها." انصرف القواد والمستشارين، فصرخ فالكون: "انتظر، أنت يا افترين." "ماذا فعلتم مع سيف اهشرمير وخاتمه؟ "لم نعثر على البشرى بعد يا مولاي!
صرخ فالكون: "البشر الملاعين، فتحت لهم أرضي، عاملتهم مثل رعيتي، ثم يسرقون جوائزي؟ اقبض على كل بشرى غير موسوم وابعثه إلى بطران. بطران يعرف كيف يتعامل معهم." جرت موجة من الاعتقالات في صفوف البشر الذين يعيشون في أرض الجان. كان الجنود يهاجمون قراهم ويقبضون على كل إنسان تعدى عمره الثامنية عشر. امتلأت السجون بالبشر، وخضعوا لتعذيب بطران الذي لا يرحم.
كان محمود جالس فوق قمة الجبل الذي تسلقه للتو، ينظر تجاه البحر القريب ويراقب الحوريات التي تتقافز بسعادة. كلمات الملك اهشرمير ترن في عقله: "أنا العنك ثلاثة مرات وتسأل ماذا علي أن أفعل؟ انتهت مملكة الشوامل، كيف أعيد بناء المملكة؟ كيف أحفظ إرثه وأعيد مجده؟ ثم أخرج الخاتم ووضعه في أصبعه، وشعر بقوة كبيرة تتحرك بداخله، وحمل السيف في يده. "ربما على افترين أن ينتظر بعض الوقت."
قفز محمود فوق الصخور تجاه الوادي، ثم ركض تجاه البحر وغاص بداخله. سبح بسرعة كبيرة لم تمكن الحوريات من رؤيته، حتى وصل مدينة الشوامل المهدمة. كانت آثار الحريق لا تزال قائمة. سبح بين البيوت المحترقة والجثث المتعفنة على قاع البحر الأزج، وهو يشعر بالأسى والحزن. ثم سمع صراخ طفل، فسبح تجاهه. كان هناك طفل داخل كهف بحري متهدم يحتضن جثة والدته الميتة ويبكي، وكان يسمع نواحاً بعيداً لا يعرف مصدره، نواح كئيب ومفجع.
حمل محمود الطفل وأطعمه بعض الأسماك الصغيرة، ثم استخدم قوته لإعداد كهف بحري يسكن فيه، وترك معه طعاماً يكفيه، ثم رحل. وعلى مدار أيام كان محمود يحضر للبحر الأزج ويجمع الطعام، بعد أن تجمع عدد من الأطفال الناجين من المذبحة داخل الكهف البحري. واستمر يسمع ذلك النواح الذي لا يعرف مصدره، لكنه أخبر نفسه أنه في بلاد الجان وكل شيء وارد. ثم سبح تجاه الشاطئ، وقبل أن يصعد لمح مخلوقاً ضخماً يندفع نحوه بغضب وتوحش.
وقف محمود وأشهر سيف الملك اهشرمير. كان حوتاً ضخماً، تعرف عليه محمود: "باكيتش أمير الحيتان." اقترب الحوت من محمود وتحول غضبه لنوع من الطاعة عندما لمح خاتم الملك اهشرمير في أصبعه وسيفه في يده. همس باكيتش: "أعلن ولائي لحامل السيف والخاتم، أنا وكل قطيعي." قال محمود: "تمهل، أنا لست ملكاً ولا حتى أميراً، أنا بشرى." صرخ باكيتش، ونفس الماء من منخاره مثل النافورة: "أي إن كان من يحمل خاتم الملك وسيفه يستحق طاعتي."
ثم هز ذيله العملاق وصرخ: "امنحني أوامرك." لم يفكر محمود سوى في الأطفال، فطلب من باكيتش أن يعتني بهم في أثناء غيابه، وأن يعرف مصدر النواح الذي يسمعه في كل مرة. ثم ودعه ورحل. عندما قابل محمود افترين، أخبره أن بطران يشك في أمره ويراقبه، وأي إن كان ما يفعله عليه أن يتخذ حذره، وعليه أن يتقرب من كيلان في أقرب فرصة. كان فيتران في عجالة من أمره، حتى أنه قال آخر كلامه وهو يختفي.
تذكر محمود كل البشر القابعين تحت رحمة بطران وتعذيبه، وشعر بالحزن. جلس يفكر على قمة الجبل بين أشجار الزيلخان والبرانس والاخدول متدرجة الألوان بين الأزرق والأخضر واللبني بأفرعها الطويلة التي تحتضن بعضها بعض، وبعض جنيات الفراشات تلعب بثمرة قفاز الذئب. حتى رأى كتيبة مقنعة من منطلقه تحمل رايات سوداء تحيط بأحد أمراء الجان ومعهم كلاب الصيد. اختفى محمود خلف شجرة كازن ضخمة.
قذفته جنية بتفاحة سقطت فوق رأسه مما جعله يجفل، لكنه محمود ضحك وواصل مراقبته الكتيبه. من فوق الجبل لمح كتيبة أخرى تركض تجاه كتيبة الجان يتقدمها وحش ضخم. وقبل أن يفكر محمود، انطلقت سهام من بعيد أسقطت حراس الكتيبه السوداء، ولم يتبق سوى حارس واحد. نزل أمير الجان يصرخ في الحارس: "كانت الفرقة الأخرى وصلت يتقدمها الوحش الذي ابتلع حارس الأمير." ثم بسرعة قيدوا الأمير وحملوه على أحد الأحصنة. ركز محمود في وجه الأمير.
ثم صرخ: "الأمير كيلان؟ وريث العرش؟ قفز محمود من مكانه يركض حاملاً سيفه، منحدر من فوق الجبل مثل السهم، واعترض طريق الكتيبه المقنعة. صرخ القائد: "ابتعد عن الطريق يا بشرى." لكن محمود تسمر في مكانه. ضحك أحد الحراس: "الوحش لم يتناول طعامه بعد." ركض الوحش تجاه محمود. هجم الوحش على محمود بفم يكفي لابتلاعه. قفز محمود بعيداً عن الوحش الذي كان يركض نحوه باندفاع.
ركضت الأحصنة تجاه الشمال، وكان الوحش يقف أمام محمود، الذي قفز إلى أعلى وغرز السيف في رأس الوحش فأنفذه منه. ثم ركض خلف الجان وأسقط واحد منهم كان متأخراً عن المجموعة. ارتقى جواده وركض خلف الجان. تركض خيل الجان مثل الريح، عندما وصلهم محمود كانوا على مشارف أرض جان البرارى في وادٍ يسمى وادي الهياكل الميتة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!