قبل أن أفتح الباب سألت تسنيم: "انت مستني حد؟ قلت بنبرة متوترة. تغيرت ملامح تسنيم وعادت إليها ابتسامتها الرائعة التي تشبه مياه نهر راق. فتحت الباب. من المؤكد أنني لم ألمح أي شيء ولم أرَ إنسانًا يقف على باب الشقة. صَفَقت الباب بغضب واستدرت. كان هناك هرة غريبة تقف على قدميها. همست تسنيم: "أعرفك بسانتيرا." تقدمت الهرة نحوي ومدت يدها. برعب لمست اليد الباردة. ولمحت في عينيها عمق سحيق من الخضرة. "انت محمود؟
قلت بارتباك: "نعم." همست تسنيم: "سانتيرا رسول والدتي إلينا. والدتي تقول إنها بخير في جزيرتها، تقول أيضًا إنه لا مزيد من الرسائل ستصل إلينا، وأنها تتمنى لنا حياة سعيدة بعيدًا عن أرض الجان. فمخلوقات الأبرص منتشرة من أجل المراقبة والولوج لعالم البشر شديد الخطورة. وفالكون وضع جائزة على رأسي ورأس والدتي." قلت: "من يكون فالكون؟ همست تسنيم بنبرة مرتعشة: "عمي الذي رفضت والدتي الزواج به."
تركت تسنيم مع سانتيرا. حضرت فنجان قهوة، أخذته للشرفة، احتسيته مع سيجارة. نزعت الخاتم بطريقة لا إرادية ولبسته مرة أخرى. ورغم أن سانتيرا أكدت أنه لا خطر من زيارتها، إلا أنني كنت قلقًا. وعيني على الشارع بشرود وشك. احتسيت آخر رشفة من فنجان القهوة وألقيت عقب السيجارة على الأرض. كدت أن أتحرك من مكاني، لكن حدثًا داخليًا جعلني أنظر لمكان السيجارة على الأرض. كان هناك نعال أسود ينقر عقب لفافة التبغ وينظر لأعلى تجاه الشقة.
أغلقت الشرفة بسرعة وأنا أصرخ: "هناك جاسوس! بوجه مضمحل جعلني أصرخ فيه غراب أسود تحت العمارة. تغيرت هيئة سانتيرا، تحولت لطيف آخر لا أستطيع وصف شكله. وقبل أن تختفي، ارتجفت صورة تسنيم في عيني. مثلما يرتعش إرسال التلفاز عبر صورة شخص على الشاشة. كانت لحظة واحدة، بعدها اختفت سانتيرا. جرتني تسنيم إلى قربها. مسكت يدي ووضعت الخاتمين جوار بعضهما. لمعت الوردة وأشعت ببريق أزرق. لكن البريق الذي أذكره، كآخر مرة، كان أخضر.
بعدها جرى كل شيء بسرعة. ركضنا تجاه الطريق واختفينا بين المارة. عرفت من تسنيم بعد مائة متر من السير أن هناك خمسة من حراس محكمة الجان صعدوا شقتنا. كانت تتحدث إلي بهمس دون أن تنظر للخلف. ووقع في بالي هاجس مرعب وحزين: سنظل طول عمرنا ننتقل من مكان لمكان. لن نهنأ بالعيش الهادئ أبدًا طوال حياتنا. قالت تسنيم: "في كل مرة يقتربون أكثر من قبل. كان الأمر وشيكًا جدًا." همست: "غيرتي الخاتم؟
قالت تسنيم: "نعم. نزعته ولبسته بعد وصول سانتيرا." قلت بشك: "هل تتوقعين أنهم قبضوا على سانتيرا؟ قالت: "لا أعرف. إذا كان ممر الولوج مراقبًا، فمؤكد عليه حراس لن يسمحوا لسانتيرا بالعبور لعالم الجان." وكان لدي إحساس أننا مراقبون. لا أعرف كيف، ولكنه كان شعورًا امتلك كل جسدي. "غيري الخاتم مرة ثانية يا تسنيم." وفعلت مثلها. تقول تسنيم أن كل نسخة نتركها خلفنا من الممكن أن تعيش حياة كاملة.
وكلما لمحت هرًا أو كلبًا ارتفع نبض قلبي. قلت: "تسنيم." همست: "نعم." "من فضلك أخبريني بكلمة السر؟ همست تسنيم: "ما تهزرش يا محمود. أنا لسه مغيره الخاتم قدامك وكنت معاك في الشقة." وقفت في منتصف الشارع. "قولي كلمة السر يا تسنيم." "كلمة السر؟ وصمتت لحظة تفكر، قبل أن تتلعثم وأشعر بدوار غريب يلعب برأسي. كانت هناك هرة تجري مندفعة على جانب الطريق. "كلمة السر." وبدأ الجسد الذي يسير معي يتغير ويبتسم بطريقة ساخرة مرعبة.
بصوت بشع همست: "هو فيه كلمة سر؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!