اختفت تسنيم وحل سكون عجيب داخل الغرفة. تلفت حولي بلا انتباه، أبحث عنها. عيوني حتى اللحظة هذه وأنا متخيل أن اللي بعيشه مجرد حلم هفوق منه في أي لحظة. همس صوت عقلي: "زعلان ليه؟ مش هو ده اللي أنت كنت عايزه من البداية؟ إنه يختفي كل شيء وتعود حياتك مثل الماضي؟ أنت أخذت التركة خلاص وتسنيم اختفت. عيش حياتك وانسى كل اللي حصل."
أشعلت سيجارة وراء سيجارة، وفي كل لحظة متوقع أن تسنيم هترجع. بس تسنيم مظهرتش. الإنسان بيكون محتاج حاجات كتير تحصل ولما بتحصل ميحسش بالسعادة تجاهها. غادرت الفندق وبحثت عن شقة جديدة عن طريق سمسار، وصلني لشقة في عمارة تحت التشطيب. كانت شقة حلوة وواسعة. بحثت عن شغل وربنا اكرمني بشغل في شركة.
في أول يوم ليا في الشغل وأنا ماشي في الشارع لقيتني بفتش عن وجه تسنيم بين المارة، معتقد بظهورها في أي لحظة. كان قلبي لم يفقد الأمل في حضورها رغم معرفتي باستحالة حدوث ذلك. مضى يومين، وفي كل ساعة أنظر إلى خاتمي بلا وعي. تسنيم قالت: "أنت هتكون معايا، لو حصلت حاجة الخاتم هيقولك." وأنا قاعد على المقهى قعدت أفكر: "الخاتم هيقولي إزاي؟ ده مجرد خاتم لعنة، هينطق يعني؟ وجدتني أردد: "قمري أبداً لن يشرق بدونك."
وجدتني أندفع خلف أفكار متهورة. في صمت الشقة وبين جدرانها الصماء همست: "اللي مشيت دي مش تسنيم، أكيد الجان تلاعبوا بي. تسنيم هتظهر مرة تانية." نزعت الخاتم ولبسته أكتر من مرة. أنظر لنصف الوردة المنقوش على الخاتم وأرجوه أن يلمع. "هناك فترات من حياتك لا يمكن أن تنساها أبداً." هكذا كان حال تسنيم في ذاكرتي وقلبي، ومهما حاولت نسيانها فشلت.
بعد ظهر اليوم الثالث كنت بجهز أكل في المطبخ، لمع خاتمي بلون أحمر مثل بقعة صغيرة تشكلت على بلاط المطبخ. همست بخوف: "تسنيم؟ وقع مني طبق على الأرض وتهشم وأنا عمال أصرخ: "تسنيم انتي فين؟ اختفى اللون الأحمر وواصلت فرك الخاتم دون توقف. مِت بجسمي على الكنبة بإعياء وعقلي يكاد ينفجر. "تسنيم في خطر! رن الصوت داخل الشقة ووصل أذني. قلت: "ده تأثير عقلي، أنا بخترع الأصوات دي." "تسنيم في خطر! " رج الصوت مرة ثانية جدران الشقة.
مسحت الشقة كلها وصرخت: "انت مين؟ رد الصوت: "أنا خادم الخاتم." "أظهر من فضلك؟ " همس الصوت. "مش هتقدر تتحمل رؤية مظهري. الأميرة فانتيرا حذرتني أن أظهر لك." صرخت: "تسنيم في خطر، أظهر فهمني." رد الصوت: "الخادم يطيع سيده. أنا، أنا أملك الخاتم، أنا سيدك، أظهر." "سمعاً وطاعة لصاحب الخاتم."
ظهر مارد ضخم، كان له قدم واحدة أضخم من القدم البشرية مرتين، لكنها حسنة التكوين بأظافر مربعة وخمسة أصابع غليظة وقوية. كان بقامة ولد لم يتجاوز العشرين من عمره. رأسه شعره أصفر قصير واقف، عينين مستديرتين مثل عيني ثور، فم عريض يتجاوز الأذنين. نظر تجاه الشرفة حتى رآني ثم وضع يده فوق رأسه وحرك ذيله. حاولت أن أتمالك نفسي. اديت المارد ظهري. "تسنيم في خطر إزاي؟
"ستخضع تسنيم للمحاكمة مع والدتها الأميرة فانتيرا. أمر الملك فالكون بشنقهم قبل غياب القمر." "مستحيل! " صرخت برعب. "ده مش ممكن يحصل." "لا فائدة من الصراخ." رد المارد. "أنا ممكن أعمل إيه؟ قول لي." همس المارد: "الأمر صعب جداً." صرخت وكل ده وأنا باصص بعيد عنه. "قولي أنقذها إزاي؟ "لازم تلجأ إلى عالم الجان، ولأنك بشري لازم توصل لنقطة اتصال." "فين نقطة الاتصال دي؟
"هناك أكثر من نقطة اتصال، لكن بالنسبة لحالتك الصحراء الغربية أنسب مكان. خادمك بلانك سيقودك إلى هناك." "خدني هناك بسرعة! " صرخت وأنا أكاد أبكي. صمت المارد. فصرخت: "ساكت ليه؟ "لازم تعرف أنك لو رحت بلاد الجان مش هترجع غير بطريقتهم، وممكن مترجعش تاني." كنت محبط، أقبل أي شيء. قلت: "مضيعش وقتي، خدني هناك." وجدتني في عمق الصحراء، لا علامات لا عمران، فقط تلال رملية وصخور متحجرة. "فين نقطة الاتصال؟
"عليك أن تجدها بنفسك. بلانك لا يستطيع مساعدتك. سأحرق إذا تعديت حدودي ونقضت عهود الجان." كان هناك درب ممهد سرت على أثره مسافة بعيدة حتى صعد بي جبل. داخل الجبل كانت هناك مغارة ضيقة لابد أن تدخلها بجانب جسدك. على باب المغارة كتبت طلاسم لم أفلح في قراءتها، ورسم مركب وقمر وشمس وبحر هائج مظلم.
تسللت داخل المغارة اللي كانت متسعة في الداخل. وجدت بقايا طعام بشري، حقائب سفر مليئة بالملابس. كان هنا بشر منذ مدة قليلة جداً، بقايا الطعام لازالت طازجة. مجرد التفكير أن هناك بشر يذهبون لأرض الجان غيري جعلني أهدأ. طفت داخل المغارة متخيل أنني سأجد باب أو بقعة مضيئة أختفي داخلها. جلست على الأرض. "لازم فيه حاجة بتحصل هنا." أخرجت الخادم وسألته: "أنا في نقطة الاتصال؟ رفض المارد أن يرد علي.
قلت: "أعرف أنك لا تستطيع الكلام، لكن يمكنك أن تهز رأسك مرتين بذلك لا تكون نقضت عهدك." هز المارد رأسه مرتين. قلت: "جيد، يبقى أنا هنتظر هنا حتى يحدث ما سوف يحدث." غابت الشمس وأظلمت الدنيا ولم أسمع سوى صوت الريح التي تكنس رمال الصحراء. مضى نصف الليل ودون أن أدري أغمضت عيني. "أنت المسافر؟ سمعت صوت شخص لكزني في قدمي.
نهضت في رعب. كان جان يرتدي معطف بحارة خشن الملامح. لديه ذيل طويل ولحية بطول ذراع، وكانت عينيه بوسع طبق طعام وأذنين قصيرتين ملتصقتين في وجهه. قلت بتلعثم: "أيوه أنا المسافر." "أرني تذكرتك؟ ارتبك جسدي، وسألت: "تذكرة إيه؟ صرخ الجان: "أرني تذكرتك! قلعت التميمة والخاتم ووضعتهم أمام عينيه. "خد اللي انت عايزه وانقلني عالم الجان." "هذا سيكون كافٍ." ووضع التميمة داخل جيبه. "اتبعني يا آنسة، لا تحضر متاع أو طعام، ستعبر بمفردك."
مشيت وراء الجان وكانت هناك مركبة يتوسطها شراع ترسو على الشاطيء. تحولت الصحراء والرمال لبحر شاسع هائج. داخل المركب كان هناك بحارة من الجان أقل حجماً، عفاريت وبارستيون. وكان هناك رجل وفتاة بشرين غيري. انطلقت المركبة داخل البحر تطوحها الأمواج العاتية. على جزيرة في منتصف البحر نزل الرجل البشري والفتاة، ثم واصلت السفينة إبحارها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!