تحميل رواية «زوجتي من الجن» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ادخل يا محمود سلم على مراتك؟ متستغربش، انا أسمى محمود ودى اول مرة اشوف مراتى فعلا، مراتى من الصعيد وانا ابن عمها وكان شرط عمى قبل وفاته اجوز بنته اول ما ارجع من بلاد برة علشان ثروتة تتكتب بأسمى، الصراحه العرض كان مغرى ومكنش مهم بالنسبه ليه شكلها عامل ازاى؟ حلوة لو وحشه هقدر اتعايش معاها. خرجوا كلهم من الشقه وفضلنا وحدنا، قلتلها عايز اشوف وشك. رفعت الطرحه باستسلام، انبهرت من جمالها، وقفت مصدوم من التحفه إلى واقفه قدامى وكان السؤال إلى بيلح فى عقلى، طالما بنت عمى جميله بالشكل الرهيب ده ليه عمى أصر...
رواية زوجتي من الجن الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
تسللت داخل الغابة بطريقة طبيعية. وما إن اختفتني الأشجار حتى وصل رجال بطران وقلبوا خيمة الفتاة وفتشوا عن دخيل من البشر لم يوشم بعد. ثم قيدوا المرأة العجوز والفتاة نحو قلعة أبيداس من أجل التحقيق في جريمة التستر على بشرى هارب.
شعرت بالأسى لما سيحدث لهم. سيخضعهم بطران للتعذيب بطريقة الجان. سيجعلهم يبتلعون حشرات وسحالي مسحورة تنطق بالأسرار المخباة بداخلهم. سينزع أظافرهم ويجعل الدودة السوداء تأكل أعضاءهم، ثم يلقون أجسادهم للوحوش أو يرمونهم في زنزانات التيه. فلا أحد يخرج من سجون بطران أبداً.
داخل الغابة قابلتني أشجار بعيون وجنيات صغيرة تجمع الفاكهة، عفاريت تحمل الحطب وتقطع الأشجار، وبعض البشر يعملون معهم. واصلت سيري بعد أن لمحت طائر البشريق يحلق فوق الأشجار.
عندما هبط الليل شعرت بالطمأنينة وجلست أستريح. أنارت النجوم السماء بألوان زاهية وتدلت مصابيح تحملها الأشباح فوق الأشجار. نهضت وواصلت سيري نحو الغابة المظلمة. تشابكت الأشجار وحلت ظُلمة حالكة، وكنت أسمع همسات الجنيات وأشباح الظلال.
ضللت طريقي أكثر من مرة. كنت أسير في متاهة وأعود لنفس المكان. كان خنجري في يدي والرعب يدق في قلبي مثل طبلة. الهمسات التي كنت أسمعها كانت مرعبة. ثم بزغت أضواء البحيرة المسحورة، دليلي الذي أبحث عنه. سرت نحو الأضواء حتى انتهت الغابة المظلمة وانفرجت على وادٍ من أزهار العنبر. قادني لشاطئ البحيرة.
على شاطئ البحيرة رصت الأرائك الخشبية الملونة بالأحمر والأزرق والأصفر واللبني، المصنوعة من خشب السنديان والسرور الصنوبر. أرائك بديعة الصنع مغلفة بالمخمل يجلس عليها الجان خلال النهار للاستمتاع بالنظر لمياه البحيرة ورؤية صورهم المنعكسة داخل مياهها.
وجدت عفريت وعفريته يتغازلان. جفلا عندما لمحوني. أمر ورمقوني بنظرة غاضبة. ابتعدت عنهم وجلست قرب الماء أنظر لمياه البحيرة التي لم تعكس وجهي، بل وجه تسنيم الذي ظهر لي على سطح الماء.
كانت محبوسة داخل غرفة جدرانها من الأحجار. شرفاتها الواسعة بقضبان من الحديد. كان هناك سرير مرقط مفروش بوسائد من ريش النعام. وكانت هناك جنية صغيرة بوجه قطة تجلس معها. رأيتها تنظر من الشرفة نحو باحة القلعة والدموع تتساقط من عيونها.
نزلت دموعي على مياه البحيرة وأحدثت تموجاً هائلاً كأن مياه البحيرة تتفاعل مع أحزاني.
ثم سمعت همساً خافتاً: "أنت؟ أيها البشري، تعال هنا."
استدرت من بين الأشجار. كان يقف الجني الذي رأيته عند هروبنا من قلعة أبيداس.
نهضت بسرعة واقتربت منه. في أضواء البحيرة المشعة تأملت هيئته. جني ممشوق القوام، طويل، صلب. حفرت عضلاته فوق جسده. يرتدي معطفاً لبنياً. وجهه مستدير وسيف لامع يندلق من خصره. عيونه خضراء وشعره أصفر لامع طويل. أعجبتني أناقته غير المتكلفة.
قادني بين الأشجار وأنا أتبعه حتى وصلنا لدرب من الزهور تحلق فوقه عصافير صغيرة. الدرب الذي صعد بنا صخوراً مكسوة بالعشب الأحمر. ثم وقف فجأة وأخرج وشاحاً أسود ربطه فوق عيوني. انفتح باب من الصخر وجذبني خلفه. هبطنا عدة درجات من الصخور ثم استوى الطريق قبل أن يهبط مرة أخرى لعمق سحيق. ثم انفتح باب آخر وسمعت كلمات: "إلياس تاهو ألفين". كانت كلمة سر على ما يبدو. ثم صعد بنا الطريق وكنا نسير بين صخور حادة جرحت ذراعي قبل أن ينزع وشاحي.
وجدتني في بقعة واطئة من العشب فوق قمة جبل يكسوه الجليد، تحيط بها تماثيل من رؤوس حيوانات تفتح فمها.
جلس الجني على حجر محفور على شكل رأس أسد وأمرني أن أحمل صخرة.
على ضوء الطحالب توجهت لأقرب صخرة وحاولت أن أرفعه، لكنني لم أزحزحها من مكانها عن الأرض رغم صغرها.
قال الجني: "إذا كنت ترغب في إنقاذ زوجتك، عليك أن تبذل جهداً أقوى."
غمرني الحماس وقبضت على الصخرة التي امتنعت علي.
سمعت صوت من بين الصخور يهمس: "لا فائدة."
نظر الجني تجاه الصخور وابتسم: "ليس بعد. قال: البشر ليسوا مثل الجان."
ثم أشار إلى مجموعة من الأحجار وقال وهو ينهض: "لن تخرج من هنا حتى تنقل كل تلك الأحجار إلى الجهة الأخرى." واختفى في لمح البصر.
---
وقفت الفتاة ووالدتها متخشبتين أمام بطران بتعويذة أطلقها وهي يبتسم بسخرية.
من على الجدار زحفت سحلية بحراشف خشنة. زحفت على الأرض وتسلقت جسد الفتاة ثم غطست في فمها المفتوح.
ثم نظر بطران نحو سقف الغرفة. نزلت دودة سوداء في فم المرأة المفتوح.
شاهد بطران تألم والتواء جسد الفتاة ووالدتها. ورغم أنهما ينطقان الحقيقة، غادر بطران الغرفة وأغلق الباب خلفه.
---
على حدود البحر المفتوح الذي تحكمه الملكة لاتيكا، ارتفعت الأمواج دون وجود رياح في الحد الفاصل بين البحر الأحمر والبحر الأزج. كان الشوامل يقودون حرباً ضد الحوريات والغرانيق بعدما تكررت هجماتهم على قراهم وبيوتهم.
وصل الخبر إلى الملكة لاتيكا التي قللت من أهمية الخطر. كانت تعرف أن حورياتها والغرانيق قادرون على صد هجوم الشوامل الذي لم يكن أول هجوم على حدودها الآمنة.
---
حاولت أن أنقل الصخور التي بدت لي ملتصقة بالأرض. وفي كل مرة أفشل فيها أسمع كلمة "لا فائدة" تنبعث من بين الصخور. إلا أنني لم أتوقف عن المحاولة رغم أن يدي تقشرت وامتلأت بالقروح.
قال لي الصوت: "إنني حتى لو ظللت عمري كله أحاول، لن أتمكن من رفع حجر واحد." ثم اختفى ولم يظهر مرة أخرى.
جلست على الأرض مهدوداً وقليل الحيلة وشردت أتذكر ما حدث معي حتى الآن وكيف قادتني خطواتي لأرض الجان.
شعرت بالغيظ وركلت حجراً بقدمي فسمعته يتألم.
قلت بهمس: "تشعر بالوجع؟"
صرخ صوت رفيع: "أنت تفهم لغتنا؟"
قلت: "لا أعرف، لكن لغتك مفهومة بالنسبة لي."
قال: "أمر غريب، هذا لم يحدث من قبل. إلا إذا كان جني درس لغة الأحجار!!"
قلت: "لم أدرس شيئاً."
ثم وضعت يدي على تميمتي التي كنت نسيتها والتي كان يتوسطها حجر صغير مثقوب أبيض.
همس صوت الحجر: "أنت تملك أثراً من عشيرتنا. كيف وصل إليك؟"
قلت: "لا أعرف. أهدتني إياها زوجتي وهي محبوسة الآن في قصر فالكون."
قال الصوت: "إذًا أنت لك صلة بنا على أي حال."
قلت: "وما الفائدة؟"
قال الصوت: "انهض، سنساعدك على نقلنا. مهما كانت الطريقة التي وصل بها أخونا لك، فأنت تستحق طاعتنا."
نهضت ووجدت الأحجار التي كانت عصية على يدي سهلت النقل. لم تمضِ ساعة وكنت نقلت كل الأحجار إلى الجهة الأخرى.
"هناك شيء فاتني..." همس الصوت من بين الصخور عندما لاحظ أنني نقلت كل الأحجار. "في صدرك طلسم أو تعويذة جعلت صخور باتيك تطيعك؟"
قلت: "المهم أن الأحجار نقلت. أين الجني؟"
ظهر طيف ضخم قبل أن يتشكل أمامي. كان يحمل بلطة وعلى رأسه شعر طويل مفتول وله عين واحدة.
"هذا تمكنت من خداع أحجار باتيك، فلن تستطيع خداعي."
ثم همس بصوت مرعب: "عليك أن تتسلق الصخور نحو قمة الجبل." ورأيته يقفز بكل سرعة. ولم تمضِ لحظات حتى كان فوق قمة الجبل.
رواية زوجتي من الجن الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
شعرت بغصة في حلقي من هذا الجني الذي يستحقرني ويسخر مني. وضعت قدمي على الصخر وقبضت على حواف الصخور ودفعت جسدي. بعد ارتفاع مترين عن الأرض، سقطت وكادت قدمي أن تنكسر.
سمعت ضحكة الجني الذي أخرج ثمر التوت البري وراح يلتهمه وهو جالس على حجر أخضر من الياميش.
نهضت بغضب وتسلقت، ثم سقطت. واصلت المحاولات وأنا أسقط.
قال الجني: "لا تحاول التسلق وأنت غاضب. ادفع غضبك بعيداً. كل القرارات التي نتخذها في حالات الغضب خاسرة."
رغم كل شيء، كان صادقًا. ركزت أكثر، أغمضت عيني وتنشقت الهواء، وتسلقت. قبل أن أصل القمة، همس الجني في وجهي بسحر الجان، ثم ركلني بقدمه. طرت في الهواء وسقطت على الأرض، لكن جسدي لم يصب بسوء.
"أريدك أن تتسلق بسرعة مثل القرد، هل تفهم؟"
أطلقت سبه وتسلقت مرة أخرى في وقت أقل. لكن الجني ركلني مرة أخرى وهو يبتسم. أدركت أن جسدي محمي من الإصابات بعد أن أطلق الجني تعويذته.
تسلقت مرة أخرى ومرة أخرى، وجسدي لا يشعر بالتعب. قبل شروق الشمس، كنت أتسلق مثل الهر.
سمح لي الجني بالصعود وهو يقول: "لا بأس."
ألقيت بجسدي على الأرض من التعب.
أخرج الجني ثمر التوت وألقاه على الأرض أمامي. رمقني بسخرية وقال: "كل."
جمعت التوت البري وأكلته.
ثم أمرني أن أهبط وأصعد عشر مرات دون أن أسقط. وفي كل مرة، كانت قوتي تزداد أكثر. أشرقت الشمس بأشعتها الذهبية. كنت مستيقظًا طوال الليل والنعاس يهاجمني.
"يمكنك أن تنام."
أخذني الجني نحو خيمة صغيرة فوق الجبل. نمت بسرعة فائقة ولم أفتح عيني إلا مع غروب الشمس.
كان الجني الذي أعرفه يجلس مع الجني الآخر يتناقشان في أمري ويشربان القهوة على صينية مذهبة.
عندما لمحني الجني، همس: "اذهب وانقل الحطب للخيمة يا أنس."
رمقته بغيظ وسرت نحو كومة الخشب الكبيرة. نقلت كل الأخشاب نحو الخيمة.
استل الجني الذي أعرفه، وكان يدعى "افتري"، سيفًا خشبيًا وقال: "حان وقت التدريب."
خلال التدريب، تعرضت للضرب والركل والإذلال. كانت أول مرة أمسك فيها سيفًا.
قال افتري بعد أن فرغ صبره: "احمل سيفك واضرب جذع الشجرة ولا تتوقف حتى آمرك."
كنت أعرف أنهم يسخرون مني، وكنت أعرف أنه لا طريق آخر أمامي سوى طاعتهم.
جعلت أضرب جذع الشجرة بغضب وأتخيل الجني الذي يسخر مني. ضربت بقوة وبسرعة حتى تعبت.
"استمر!" أمرني افتري.
واصلت ضرب جذع الشجرة بيد مرتعشة من الألم والإرهاق.
ثم اختفى الجنيان فجأة، وعرفت أن عليّ أن أضرب جذع الشجرة حتى ظهورهم مرة أخرى.
عندما تعبت، جلست أستريح وأكلت ثمر الغان الذي تركوه خلفهم. شربت قهوة من إبريق ساخن ووضعت يدي تحت رأسي أرمق النجوم الساطعة. رأيت الجنيات الصغيرات والعفاريت تحلق فوق الغابة وسمعت صوت ارتطام الأمواج في صخور الشاطئ.
ظللت أسبوعًا كاملاً أضرب جذع الشجرة حتى أدميته قبل أن يظهر افتري. كان يحمل سيفًا من المعدن ومنحنى واحد، ألقاه أمامي.
تناولت السيف وتدربت مع افتري، الذي كان أكثر رقة معي. علمني كيف أمسك السيف وكيف أدافع وأهاجم، وكان صبورًا معي. كنت أتقدم بسرعة، شعرت بذلك من ابتسامة افتري.
ثم حدث الشيء الذي غير حياتي.
اختفى افتري، وكنت أتمشى جوار الخيمة أفكر في تسنيم بشرود.
ظهرت عفريتة غريبة وجدتها تنظر نحوي، كان سيفي في يدي.
همست بصوت مشروخ: "أنت بشرى؟"
تأملت مظهرها المضحك: رفيعة الوجه، وعيون واسعة، تتوزع الماسات المشابك المذهبة على أذنيها، وشعرها ضفيرة طويلة جدًا. كانت ترتدي زي محارب: بنطال من الجلد بلون الحلبة، وقميص مزركش بالزهور البرية، وحذاء بطول ساق أزرق اللون.
قلت: "ارحلي، ابتعدي عني، لا رغبة لدي في الكلام."
قالت: "أنا أيضًا وحيدة." كانت صوتها مضحكًا. "تتدربين على السيف؟"
قلت: "لا شأن لك."
قالت بتحدٍ: "يمكنني أن أعلمك، فأنا أراقب والدي وهو يتدرب مع الحراس."
قلت بغضب: "أستطيع أن أسقطك بضربة واحدة."
أخرجت العفريتة سيفًا قصيرًا وباعدت بين قدميها، وهمست: "هاجميني؟"
هاجمت بتهور، ولم أقترب من جسدها. كانت تتحرك بسرعة فائقة. ظللت أحاول حتى أنهك جسدي وأنا أشعر باليأس.
"ليس هكذا،" قالت العفريتة الصغيرة. "امسك السيف بيدك اليمنى وباعد بين قدميك. احفظ المسافة بينك وبين عدوك قبل أن تهاجم. لا تهاجم إلا وأنت مستعد للدفاع. ضربة للأمام وخطوة للخلف. عاين عدوك واعرف قوته، ثم اختر الطريقة التي تحارب بها."
فعلت مثلما قالت، ولاحظت خفة السيف في يدي. ضربة للأمام وارتداد للخلف.
همست العفريتة، وكان اسمها كافردين: "بعض المحاربين يتميزون بالسرعة، وآخرون بالقوة، والأدهى الذي يتمتع بالاثنين. الدهاء والسرعة والقوة."
في كل مرة نازلت فيها كافردين، هزمتني. قلت وأنا متعب: "علميني من فضلك؟"
قالت: "بشرى مطيع. حسنًا، انتظريني هنا كل ليلة بعد منتصف الليل."
ودعتني بابتسامة وهي تقول: "والدي سيلاحظ غيابي."
بعد رحيلها، جلست أتذكر كلماتها. اقتربت من جذع الشجرة وأصلت التدريب حتى أشرقت الشمس.
عندما نهضت، وجدت طعامًا بجواري: جبن وقشدة وقطع الكعك ومربة العنب وفاكهة. افتري مع رسالة مرسوم عليها زهرة.
"مع تحياتي، كافردين."
عندما انتصف الليل، حضرت كافردين وتدربت معها. علمتني كيف أضرب بخفة وأتراجع، كيف أتقي الضربات وكيف أدافع.
قالت: "الدفاع أهم من الهجوم. إذا دافعت بطريقة جيدة، كل ما عليك أن تنتهز الفرصة السانحة وتهاجم."
وأنا أنازل كافردين، سألتها: "لماذا تفعلين ذلك؟"
قالت: "قلت لك، أشعر بالوحدة."
قلت: "لكنك أميرة من العفاريت، كيف تشعرين بالوحدة؟"
قالت: "كيف عرفت؟"
قلت: "هذا أمر سهل، مشبك الأميرات المذهب يزين شعرك. لا يمكنك إخفاء حقيقتك بسهولة. ثم هناك شعار على درعك: رأس ذئب مشقوق نصفين."
ابتسمت كافردين: "لا بأس بك، لديك ذكاء. استخدمه في قراءة عدوك."
قلت: "سأحاول."
كانت كافردين سريعة جدًا، وكان عليّ أن أجد حلاً. لست بمثل سرعتها أبدًا حتى لو حاولت. اخترت الدفاع ولم أهاجم. جعلت أصد هجماتها حتى تعبت.
"قلت حركتها."
جعلت أهاجمها حينها، وسمعتها تهمس: "غريب، لماذا لا يصاب جسدك بالتعب؟"
قلت: "لا أعرف." وهجمت عليها حتى أجبرتها على الدفاع.
أغمضت كافردين عينيها ووقفت في مكانها، وراحت تبارزني بعيون مغلقة.
قلت: "رهيب، كيف تفعلين ذلك؟ كيف تتوقعين ضرباتي؟"
قالت: "من صوت الريح. لا يزال أمامك الكثير لتتعلمه."
كانت الشمس على وشك الإشراق ورحلت كافردين.
رواية زوجتي من الجن الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
عندما انطلق بوق قلعة أبيداس، أخذت بعضي ومشيت تجاه القلعة.
قابلت جان وعفاريت وأشباح وحوريات بحر، لكن لم ألمح أحداً من الشوام.
كان باب القلعة مفتوحاً للجميع، ولم أتعرض لمضايقات.
دخلت وسط الجموع وجلست على مقاعد من الأحجار مثل بقية البشر، بينما كان الجان يجلسون على الأرائك والمقاعد المذهبة.
انطلقت النزالات، وأدركت لماذا يسخر مني الجني الغامض.
تأكدت أنني سأُهزم من أول جولة.
رغم ذلك، عملت على دراسة أساليب الحرب والعراك، ولاحظت أن من ينتصر ليس الأقوى بل الأكثر دهاء وسرعة.
قبل انتصاف الحفل، ظهرت كافردين في زيها الجلدي تحمل سيفها الرفيع.
كانت خصمتها حورية قوية من مملكة البحار، ولاحظت أنها لا تملك ذيلاً أو حراشف، بل بنية متينة قوية مثل الجان.
انتهى نزال كافردين بانتصارها، لكنها تعرضت للعديد من الإصابات.
الغريب بالنسبة لي كان ظهور أفترين، الجني الذي يعلمني الحرب.
وقف أفترين أمام الملك وانحنى له، وكان خصمه مارداً من الجان لم أرَ مثله من قبل، ضخم جداً يحمل بلطة قادرة على شق ثور أو فيل.
شعرت بالحماسة وأنا أرى أفترين يهاجم ويدافع برشاقة، والمارد الضخم يهجم بتهور مستغلاً قوته.
لم يستمر النزال طويلاً، أسقط أفترين خصمه ووضع السيف على رقبته وانتظر أمر الملك، الذي منحه الأمر بقطع رقبة المارد.
من حولي كانت الولائم منتشرة لسادة الجان، أفراح الحمام المشوي المدهونة بالعسل، البطاطا المقلية، طيور الفهروك الشهية، والفاكهة الكثيرة التي لا أعرف اسمها.
وكان الجان يشربون خمر العنب والتوت والتفاح، تخدمهم جنيات وأقزام وبشريون.
ثم ارتفع غبار كثيف، وسمعنا صرخات عند البوابة، ثم ظهرت أعداد كثيفة من محاربات الشوام.
وقبل أن أعرف ما يحدث، ارتفع الصراخ وأخذ الملك فالكون لملجأ آمن.
بينما توزعت الاشتباكات في كل ناحية، وهرب البشر وأنا معهم.
ثم رأيت الفتاة التي جذبت قطعة الخشب نحو الشاطئ من الشوام تقود الهجوم.
تجمع الجان بإعداد كثيفة بعد أن حضر الجيش وقاموا بصد هجوم الشوام قبل أن يصلوا القصر.
رأيت المردة والغيلان وعفاريت يدافعون عن مملكتهم.
تقهقر الشوام تجاه البحر، وكنت أتابع المعركة من مكان قريب.
قفز معظم محاربات الشوام في البحر، واحتجزت الفتاة التي ساعدتني مع مجموعة من محاربات الشوام، وسرعان ما قضوا عليهن.
دون أن أشعر، ركضت تجاه الفتاة التي كانت تحارب اثنين من المردة.
سحبت سيفاً من يد جني قتيل، ووقفت جوارها.
ساعدني الحظ وقتلت المارد، وتكفلت الفتاة بالمارد الآخر.
ثم رأيت الجان يركضون نحونا، أعداد كبيرة جداً.
أدركت أمي ميت، لكن الفتاة جذبتني معها نحو البحر، وقفزنا معاً وأنا أصرخ لا أعرف العوم.
قبلتني الفتاة في فمي وهمست بكلمات مبهمة، وشعرت بخدر يسري في جسدي، ثم همست: "حرك قدميك ويديك".
استغربت أنني أسمعها تحت الماء.
ركلت الماء بقدمي ويدي، وغصت معها نحو الأعماق.
شعرت أن ضغط الماء يسحق جسدي كلما غصنا نحو القاع.
همست الفتاة: "تحمل بعض الوقت"، وكانت تبحث بعيونها وسط الأعشاب البحرية الحمراء والزرقاء.
قلت: "لا أستطيع".
الحقيقة كنت غير قادر على التنفس وأشعر أن صخرة قابعة فوق صدري.
ارتخت أعضائي فجأة، تمدد جسدي وغصت نحو العمق وأنا فاقد للحركة.
استقريت على القاع، واختفت فتاة الشوامل.
كنت مبصراً لكن غير قادر على الحركة، ورأيت قرشاً ضخماً يقترب مني.
حاولت أن أزحف بعيداً عنه، لم تتحرك أطرافي.
قبل أن يلتهمني القرش، حدث ارتطام ضخم رفع غبار القاع.
انحرف القرش بعيداً عني، ثم هرب.
ظهرت الفتاة تحمل عشبة ووضعتها داخل فمي، ثم جرتني نحو كهف داخل البحر.
رواية زوجتي من الجن الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
سحبتني سلانديرا داخل الكهف البحري. سمعت همسها: "هتبقى كويس بعد وقت قليل." كان في صوتها تهدج وخوف، كأنها تتوقع حدوث أمر سيء، وعينيها تنظر للخارج نحو البحر المفتوح.
شعرت ببعض التحسن، اختفى ثقل النفس وحركة يدي.
رمت سلانديرا نظرة تجاهي، وأستطعت أن أتفحص عيونها الجميلة ووجهها المرقط بنقط النمش.
"تقدر تسبح؟"
قلت: "مش عارف." وحاولت أن أنهض.
قالت سلانديرا: "نحن لا نمتلك الوقت، الوقت ضدنا دومًا."
سرى مفعول العشبة داخل جسدي، وشعرت أنني سمكة أستطيع التنفس تحت الماء.
قلت: "أنت جاهز؟"
قالت سلانديرا: "للأسف، أزف الوقت."
نظرت إلى الخارج ورأيت الحوريات المتسلحات بالحراب يفتشون الكهوف البحرية.
"مجموعة كبيرة منها."
همست سلانديرا: "الآن لا أطلب منك الغوص والسباحة، بل القتال حتى آخر نفس."
سحبت خنجرًا، شقت به ذراعها، وجذبتني بقوة، وألصقت فمي بدمها وهي تهمس: "امتص دمى، عل بركات أجدادنا الأوائل تشملك بقوتها."
تجرعت الدم الأزع، وكان مزاقه بطعم الحنضل. شعرت بسخونة داخل جسدي. ورغم أنني داخل المياه، جسمي تعرق.
"سنهرب الآن."
خرجت سلانديرا من المغارة، وتبعتها. سبحت بسرعة على قاع البحر وأحدثت غيمة من الغبار.
ثم همست: "الآن اتبعني، اسبح بكل قوتك."
سبحت سلانديرا وسبحت خلفها. رأى الحوريات غيمة التراب وصرخوا: "هناك!"
كنت بسبح بكل قوتي خلف سلانديرا وأرى الحوريات تقترب مني.
"انعبر من بين حشائش البحر الكثيفة وأسماكه الغريبة التي تفزع منا."
وصراخ الحوريات خلفنا: "لا تجعلوهم يهربون!"
"لازالت المسافة بعيدة." همست سلانديرا بيأس.
قلت: "لا تستسلمي يا سلانديرا." وضربت الماء بقدمي فأنطلقت مثل السهم.
تعجبت سلانديرا من سرعتي، فقد كانت بالكاد تلمحني، واضطررت أن أنتظر وصولها.
"كيف تفعل ذلك؟" صرخت سلانديرا بدهشة.
قلت: "لا أعرف."
صمتت سلانديرا. "أنا أعطلك، يمكنك الهرب بمفردك."
قلت: "أن أتخلى عنك يا سلانديرا؟"
"خطأ، على واحد منا أن ينجو، أنت تستحق الحياة."
قلت بصراخ: "لا!"
وقفت على قاع البحر، وأمسكت الصخور، وروحت أقذفها تجاه الحوريات بكل قوتي. انطلقت الأحجار مثل الطلقات وأجبرت الحوريات على التوقف.
"اسبحي أنت، سألحق بك."
توقفت سلانديرا لحظة تفكر، لكن صراخي دفعها إلى الهرب.
ظللت أقذف الأحجار ولم أنتبه أن الحوريات التفوا حولى. أصبحت محاصرًا من كل جهة، وكان جان البحر معهم. يحملون الحراب والسيوف.
هجمت على حورية متهورة بحربتها. تفاديت الحربة وأمسكتها، ثم طوحت جسم الحورية فطارت لبعيد جدًا.
أصبح معي سلاح أدافع به عن نفسي. كنت أحتاج ثغرة كي أستخدم سرعتي وأهرب، لكنني ارتطمت بكتل من الأجساد.
غرزت الحربة في أجساد الحوريات والجان، مزقت بعضهم. لكن قوتي خارت واقتربوا مني. أصبت ببعض الجراح وكنت على وشك الموت.
ثم سمعت صوتًا غريبًا ورأيت أجسادًا ضخمة تسبح نحونا. فرقت تجمعات الحوريات.
مجموعة كبيرة من حيتان البحر الأزل تسبح بينهم.
"سلانديرا!"
صرخت: "اسبح بسرعة نحوي."
كان في صوتها النجاة، فسبحت نحوها وانطلقنا نحو البحر الأزل.
"همست سلانديرا: 'لبى باكيتش أمير الحيتان ندائي ووافق على مساعدتي'."
بعدها سبحنا في سلام حتى وصلنا مدينة الشوامل. كانت مدينة ضخمة من القلاع والجبال المحفزرة، كهوف ومغارات وأبنية ضخمة.
حضرت خادمة من الشوامل رخويات بحرية على صينية من النحاس، كان فتاة صغيرة بحراشف حمراء ووجه مبتسم.
وأنا آكل، سألت سلانديرا: "لماذا هاجمتم أرض الجان؟"
قالت سلانديرا بغضب: "لن نتوقف عن فعل ذلك، فالكون وجنوده يتخذون الشوامل عبيدًا عندهم. والأسوأ أنهم يذبحون الإناث الحوامل ويصنعون منهم الزيت الذي يضيء مدينتهم."
ظهرت حورية مسلحة، انحنت أمام سلانديرا وقالت: "الملك يطلب حضورك."
همست سلانديرا: "أبي؟" وكانت أول مرة أعرف أنها ابنة ملك الشوامل.
قالت سلانديرا: "انتظر هنا، سأعود بعد قليل بعدما أستمع لتوبيخ والدي."
رأيت أطفال الشوامل يلعبون بين الحشائش، واند هشت أن هناك جان يعيشون بينهم.
كان ملك الشوامل، ربعه قصير الشعر يملأ كل جسده. رجل مسن وعجوز يتحرك بصعوبة. عندما ألقى نظرة علي، شعرت بصداع في رأسي.
"أنت البشري؟" سألني الملك وهو يمضغ قشرية من السمك.
قلت: "نعم."
"ابنتي تقول إنك أنقذتها من الموت؟"
قلت: "هي التي أنقذتني."
تحرك الملك بسرعة غريبة على عمره، اختفى وظهر مثل الجان.
"ابنتي غبية، لأن فالكون سيعلن علينا الحرب والحوريات في صفه. منحت ابنتي الملكة لاتيكا الفرصة التي كانت تنتظرها."
ثم شرد لوقت طويل كأنني غير موجود.
سحبتني الحارسة للخارج. قالت: "دخل الملك في حالة نومه اليومي."
بالخارج وجدت سلانديرا، التي رفضت أن تتحدث عن لاتيكا، وكانت تكرهها بطريقة غريبة.
"سنستعد للحرب ونجعل أرضنا مقبرة لهم." تجمع الشوامل وكان الرعب ظاهر عليهم. كانوا ينقلون متاعهم وأطفالهم للأقبية والأنفاق البحرية.
سمعت واحدة من الشوامل تقول: "لا أعتقد أن لاتيكا ستسمح بقتل ابنتها سلانديرا. نحن الذين سننال العقاب."
رواية زوجتي من الجن الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
في كل مكان في أرض الجان حرب، الحروب لا تتوقف عندهم، ومن الممكن أن تشهد حرب كل يوم.
يميل الجان إلى تصفية حساباتهم عن طريق القوة، لذلك فالصلح الذي تم بين لاتيكا، أميرة مملكة البحر المفتوح، وفالكون، الذي يحكم معظم أرض الجان، صلح غامض لحد بعيد.
تركت سلانديرا الغاضبة وشردت في حالي.
ليس من المفترض أن أكون هنا، إنها ليست حربي، تسنيم تنتظرني وأنا هنا في أعماق البحار أندفع بتهور خلف حماقاتي.
وددت أن أقول لسلانديرا إني راحل، لكن بوق الحرب انطلق.
ظهرت أولى كتائب جيش لاتيكا على حدود البحر الأزرق.
ثم إن الملك استدعاني مرة أخرى، فذهبت للمثول أمامه.
عندما رآني الملك، فتح عينًا واحدة كأنه استيقظ من النوم للتو، وقال:
ابنتي سلانديرا تثق بك، ولا أعرف الأسباب التي دفعتها للوثوق في مخلوق بشري.
روحت أفتح فمي، لكن الملك رفع يده بالصمت.
ثم مرر أصابعه خلال شعره، لحيته الأحمر الطويل، وبدا أنه متردد ويفكر بعمق.
ثم همس:
الحرب على الأبواب.
الملك فالكون لن يدع ما حدث يمر دون عقاب، ولاتيكا منذ قرون تنتظر الفرصة.
ثم تحرك بسرعة، التهم قشرية ومضغها.
سلانديرا لم تخطئ، لكنها عجلت المحتوم.
ثم شرد عندما ذكر اسم ابنته وابتسم.
منذ يومها وهي صغيرة متهورة، أتذكر يوم حملتها في حضني، كانت صغيرة جدًا حتى أنني ظننت أنها لن تستطيع السباحة.
انطلق البوق مرة أخرى يخبر الملك أن لا وقت للمسرحيات والتراجيديا.
رفع الملك أصبعه، ونظر تجاه خاتم ضخم مزركش بألوان مختلفة قبل أن ينزعه من يده.
لابد أن أكون في مقدمة الجيش، هذه حربي وليست حرب سلانديرا.
ثم ألقى بالخاتم تجاهي.
الخاتم لم يسقط في القاع، بل ظل في مكانه واقفًا ضد الجاذبية.
هذا خاتمي، احتفظ به، ولا تسمح أن يقع في يد الأعداء.
إنه إرث أجدادي، إرث مملكتنا العظيمة.
وقبل أن أرفض، فتح صندوقًا وأخرج منه عشبة قرمزية.
ضع هذه في فمك.
وانطلق الملك بسرعة دفعها داخل فمي وهو يتمتم:
أحملك إرث أجدادي وعائلتنا الملكية، فلتسرِ دماء الأقدمين في عروقك وتمنحك القوة.
أنا ألزمك ثلاث مرات، إذا لم تأخذ بثأري أن تظل يديك ملطخة بالدماء.
أن لا تخرج من هذه الأرض.
إذا لم تقم مملكتي مرة أخرى.
ثم أخرج سيفًا بارقًا يتغير لونه بين الأحمر والأزرق، بديع من صنع الجان، ووضعه في يدي.
عندما تثق بنفسك يا بشري، ستصبح أقوى محارب في أرض الجان كلها.
ثم همس بحزن:
السلام يا بشرى.
كنت منذهلًا ولا أفهم معظم كلامه، لكن الملك اختفى وكان علي أن أخرج خلفه.
كانت هناك أعداد غفيرة من جان البحر، الحوريات، وحرس فالكون الشخصيين.
جيش جرار لا يمكن صده.
كانت سلانديرا أمام جيشها، لكن عندما رأت والدها تنحت جانبًا.
وقف الملك الكهل يحمل صولجانه أمام رعيته وأسكت الأصوات التي تطالبه بالهرب.
قال الملك:
إنها حربى الأخيرة، دافعوا عن نسائكم وأطفالكم وعجائزكم، لا تسمحوا لهم أن يدخلوا أرضنا إلا على جثثنا.
ثم أطلق شعاعًا من صولجانه وصرح:
إلى الحرب.
تبعته سلانديرا وسرعان ما حدثت الاشتباكات.
رأيت اصطدامات ضخمة، سيوف وحراب، وغبار القاع يرتفع كالغيوم.
لا أعرف ما علي فعله.
اشتدت الحرب بسرعة، كانت أعداد الجان ضخمة جدًا.
استطاعت أن تفرق جيش الشوامل وتنتشر بينهم.
رأيت ملك الشوامل يحارب بضراوة وإلى جواره كومة من جثث الحوريات والجان.
كان الملك يقاتل بمفرده، اللهم من مجموعة قليلة ثبتت إلى جواره.
وكانت سلانديرا محشورة بين كتيبة من الجان.
تقدم مارد من الجان كانت له هيئة مهيبة جعلت جنوده ينحون أمامه.
سل سيفًا أسود وقاتل ملك الشوامل، قاتل الملك ببسالة حتى آخر نفس.
وعندما شق السيف صدره، ظل واقفًا في مكانه ولم يسقط على الأرض.
صرخت سلانديرا، حاولت أن تصل لوالدها، لكن الجان منعوها.
سحبت سيفي وحاولت أن أساعدها بلا فائدة.
رأيت الجان يضربون سلانديرا وهي تزود عن نفسها وتصرخ، قافزة تسدد الضربات.
ثم اختفت وسط طوفان الجنود.
لكن الأسوأ كان قادمًا.
اختفيت خلف صخرة ضخمة ورأيت كتائب الجان تقتل الأطفال والنساء ويفجرون الأنفاق والملاجيء بقنابل تشتعل داخل الماء.
سمعت صراخ الأطفال ورأيت جثثهم تحترق.
أحدث الجان مذبحة هائلة ولم يتركوا واحدًا من الشوامل حي.
هربت تجاه الشمال حيث البحر المتجمد.
طاردني الجان والحوريات، لكن سرعتي كانت أكبر وسرعان ما تخلوا عن فكرة مطاردتي.
تعديت حدود البحر الأزرق ووصلت البحر المتجمد الذي كانت مياهه باردة جدًا.
كان علي أن أصل الشاطئ بأي طريقة.
ربما أستطيع التنفس تحت الماء، لكن قصتي هنا انتهت.
خرجت نحو سطح الماء ورأيت الشاطئ.
تنشقت الهواء وشعرت بالراحة.
وقبل أن أسبح تجاه الشاطئ، جذبني شيء بقوة نحو القاع.
كان أخطبوط هائل طويل الأذرع يحاول أن يعصرني.
أخرجت سيفي وقطعت الذراع التي تقبض علي، لكني تعرضت لضربة من ذراع الأخطبوط قذفتني لمسافة بعيدة جدًا وفقدت وعيي.
عندما فتحت عيني، كنت داخل خندق بحري مظلم جدًا وبارد جدًا وصامت جدًا ومرعب جدًا.
حاولت أن أسبح، لكن دفعت بيدي وقدمي، لكن لم أتحرك.
لم أصدق ما يحدث.
حاولت مرة أخرى ولم أتحرك.
سمعت صوتًا يقول:
أنت في مكان خارج العالم ولا تنجح هنا خطط المخلوقات.
قلت برعب:
أريد أن أخرج من هنا.
همس الصوت الرفيع المرعب:
قوتك لا فائدة منها هنا، كل المخلوقات التي تصل هنا تموت هنا.
قلت:
لن أموت هنا، لا يمكن أن أموت.
قال:
ما المانع أن تموت هنا؟
قلت:
هناك من ينتظرني لأنقذه.
سخر مني الصوت، قال:
أنقذ نفسك أولًا.
قلت:
أرجوك ساعدني.
اختفى الصوت، وقت طويل وأنا عالق في مكاني.
ثم همس:
أنقذ نفسك.
قلت:
كيف؟
عليك أن تتخلى عن شيء مهم، أهم شيء في حياتك.
قلت:
لم أفهم.
ضحك الصوت، إذا كنت ترغب في العيش عليك أن تتخلى عن الحياة.
قلت:
وكيف أنقذ زوجتي؟
قال الصوت:
لا شأن لي بذلك، اتخذ قرارك بسرعة لا تضيع وقتي.
سقط خاتم الملك من يدي فأحدث رجة داخل الأخدود.
همس الصوت:
ماذا فعلت؟ كيف فعلت ذلك؟
قلت:
سقط خاتم الملك من يدي.
قال:
أي ملك؟
قلت:
ملك الشوامل.
صرخ الصوت:
بشرى كاذب، كاذب، كاذب، لا يمكن أن يكون خاتم الملك اهشمير.
قلت برعب:
لماذا؟
قال الصوت:
لأن ذلك يعني أن الملك اهشمير مات.
قلت بحزن:
الملك مات فعلًا.
صرخ الصوت:
إياك والكذب.
واقتربت مني قرون استشعار طويلة مرعبة مقززة.
أنت سرقت خاتم الملك.
وأحاطت بوجهي قرون الاستشعار ودخلت في فمي، أنفي وأذني.
وهمس:
أخضعك لاختبار الحقيقة يا إنسان، انطق الحقيقة.
وجدت لساني ينطق دون إرادتي.
اختفت قرون الاستشعار وسمعت صوت تنهيدة طويلة.
مات الملك اهشمير.
لماذا وضع الملك اهشمير ثقته في بشرى ضعيف خائن؟
صرخت أنا:
لست خائنًا.
حل صمت مرة أخرى ثم تحدث الصوت ورأيت وجهًا ضخمًا جلده متدلٍ وعيونه غائرة داخل وجهه.
قال:
ما حدث لابنته سلانديرا؟
قلت:
قتلت.
ثم قلت:
لا أعرف بالتأكيد، لكن آخر مرة رأيتها فيها كانت محاطة بجنود فالكون.
همس المخلوق:
انتهت ذرية اهشمير، كان ملكًا عظيمًا.
ثم قربني منه وتمكنت من رؤية جسده المتقرح.
وأجلسني على الأرض إلى جواره، فشـممت رائحة عفونة.
أرى أن تحمل سيف الملك؟
قلت:
نعم.
قال:
تعرف كيف تحارب به؟
قلت:
لا.
ألقى المخلوق كبشة طين في وجهي وشعرت أنني تغيرت ولست في وعيي.
سأعلمك أساليب مبارزة أرض الظلام.
الأرض التي خارج أرض العالم، أحكم عليك أن لا تخرج من هنا حتى تتقن أساليب أرض الظلام.
وأحكم عليك أنك مهما بقيت هنا لا يكبر عمرك.
وأحكم عليك طالما أنت هنا أن لا تسرق دقيقة من حياتك وأن لا يتغير العالم من حولك.
كنت في حالة خدر كأني روح بلا جسد، لا أعرف كم مضى في أرض التيه.
كنت أقاتل المخلوق كل يوم وليلة، كل لحظة، بالسيف والحراب والسهام والصخور والسحر.
قاتلت في أرض الظلام إلى جوار المخلوق كائنات مرعبة متوحشة أيام وشهور طويلة.
سطونا على ممالك وقصور ومدن بلا إرادة مني.
اشرب هذا.
مددت يدي على الكأس التي أمامي كان بها منقوع لزج أحمر عطن، شربته حتى آخره.
همس المخلوق وهو ينفث في وجهي:
لقد انتهت مدة سجنك هنا، أنا أمنحك حريتك يا بشرى، فلتخرج لأرض الجان إنسانًا جديدًا.
ولتتذكر أن لديك صديقًا هنا.
استعدت وعيي، تذكرت كل شيء حدث معي.
قلت:
اسمح لي بمساعدتك.
وكان وجه المخلوق يختفي.
قال:
لا تستطيع إلا إذا أوفيت بالوعد.
واختفى تمامًا.
وجدتني على البر بين الأشجار عاري الجسد.
رأتني عفريتة من الجان وابتسمت.
اضطررت للركض، سرقت ملابس ارتديتها وتسولت طعامًا من عفريت قذر.
سمعت العفاريت تتحدث عن حرب الشوامل والجان التي حدثت أمس، وعرفت أنني لم أختفِ سوى يوم واحد.
كان المخلوق صادقًا في وعده.
سألت عن قلعة أبيداس وكانت هناك قافلة متوجهة للتجارة هناك.
وافق زعيمها على اصطحابي نظير عملي في القافلة، أحمل الخشب وأقود الخيل والنوق.
وصلنا قلعة أبيداس بعد يومين من الارتحال.
كانت هناك احتفالات هائلة في أرض أبيداس.
بعد أن أحضر الجان جثة الملك اهشمير وعلقوها على باب القلعة.
توجهت للمخبأ وبحثت عن الأمير افتِرين ولم أجد هناك سوى الجني البغيض الذي يكرهني.
همس:
أخيرًا ظهر البشري الذي لا فائدة منه.
قلت:
أين افتِرين؟
قال بسخرية:
يحتفل مع الملك في قاعة الحكم.
قلت:
يجب أن أتحدث معه.
قال الجني:
لما العجلة؟ وجودك من عدمه لا يشكل أي فارق.
أنت إنسان بلا فائدة.
تحملت إهاناته، كنت أشعر أنني بلا فائدة فعلًا.
رمى إلي الجني سيفًا وصرخ:
انهض واضرب جذع الشجر.
أجعل من وجودك فائدة.
ألـقيت سيف الجني على الأرض بغضب وقلت:
أنا لا أحتاج سيفك، لدي سيف الملك اهشمير، أستطيع قطع جذع الشجرة بضربة واحدة.
يبدو أن كلماتي أثارت انتباهه لذلك نهض واقترب مني.
سللت سيف اهشمير وأغمضت عيني وضربت جذع الشجرة.
لكن لم يحدث شيء.
ضحك الجني، وهمس:
بشري كاذب وحقير.
قلت:
لست كاذبًا، أنا لا أكذب.
لكنه اختفى من أمام عيوني.
شعرت بالغضب وركبت جذع الشجرة بقدمي، طوحته لمسافة بعيدة حتى أنه سقط في البحر.
رواية زوجتي من الجن الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
حضر افترين آخر النهار، يرتدى درعه المزين بالزهور البرية ورأس طائر البطريق.
سألني افترين: "أين كنت مختفياً؟"
حكيت له عن دعوة الأميرة كافردين لحضور النزالات، ثم الهرج الذي حصل بعد هجوم الشوامل مما اضطرني للهرب.
همس افترين: "يبحثون عن البشرى الذي ساعد سلانديرا. يقولون إنه يحمل سيف الملك اهشرمير وخاتمه."
قلت: "وما فائدة خاتم وسيف بعد زوال مملكة؟"
قال افترين: "الملك فولكان يرغب في الحصول عليه لوضعه بجوار كنوزه من الممالك التي انتصر عليها. يفخر الجان بعدد الحروب التي كسبوها والملوك الذين قاموا بقتلهم. والأمير كيلان أقسم أن لا تغمض عينيه إلا بعد أن يرجع السيف للملك."
ثم تنهد افترين كأنه لا يعرف لماذا يخبرني بذلك.
قال افترين: "أنت متأخر جداً في التدريب، دعني أرى ما لم تره عيني بك ورأته عين كافردين."
وقفنا وسط الساحة، وسلمني سيفاً حاداً وبرز لمواجهتي.
كنت قد أخفيت سيف الملك اهشرمير وخاتمه بعيداً عن المخبأ.
وضعت السيف في يدي واتخذت وضعية المبارزة، واضعاً السيف خلف ظهري.
همس افترين: "أين تعلمت ذلك؟ يمكنني أن أقتلك بسهولة؟"
ابتسمت وقلت: "هاجم."
رفع افترين سيفه وهاجمني، بسرعة الريح تلقيت ضربته.
كنت أستخدم السيف بيسر وليونة، حتى أنني كنت قادراً على صد هجوم افترين دون أن أتحرك من مكاني.
همس الجني الآخر: "أمر ملفت جداً. أكفاك لعب يا افترين واقضِ عليه."
تنفس افترين بغضب وهجم علي بقوة.
الجان لم أتحرك من مكاني، تلقيت ضرباته، ثم بحركة سريعة طوحت سيفه في الهواء، وقفزت واضعاً إياه في يدي ومصوباً على عمق افترين.
همس افترين: "مدهش."
بينما نزع الجني الآخر معطفه ونزل لمبارزتي، رأيت كافردين بين الأشجار تشاهد النزال، كانت مختفية خلف شجرة متحركة.
أغمضت عيني وهمست: "قتال أرض الظلام."
هجم علي الجني، وقبل أن يصل سيفه جسدي ضربته بقوة، دحرجته على الأرض.
نفس الجني التراب من فمه وهمس: "بشرى ملعون، سأقضي عليك."
غرقنا في نزال صعب، أكثر من عشرة دقائق بين ضرب وقفز وكر وفر وسرعة، ثم سمحت له أن يقترب مني للحد الذي كاد نصل السيف أن يخترق صدري.
في اللحظة التي أدرك فيها النصر، تنحيت وأسقطت سيفه على الأرض، ووضعت عنقه تحت قبضتي، ثم رفعته في الهواء وأسقطته على الأرض بكل قوتي.
أحدث ارتطامه غيمة تراب، وبدا غير مصدق لما حدث.
همس افترين: "أعرف كافردين، لكن تلك القوة لم تأتك منها. أخبرني يا بشرى كيف تحصلت على قوتك ومهارتك."
قلت: "تدريبك يا أمير افترين، أنفذ تعليماتك."
صمت افترين ونظر إلى الجني الآخر، وحدث بينهم حديث بالعين لم أفهمه.
ثم قال: "سأضمك للفرسان الذين يحاربون تحت رايتي. من الآن عليك أن تعتني بجوادي وبي شخصياً."
قلت: "أنا لا أفهم كيف سيساعدني هذا في إنقاذ زوجتي؟"
قال افترين: "علي أن أضمك لفرسان الأمير كيلان، وهذا لن يحدث دون أن يراك تحارب. عليك أن تلتزم بالخطة، لا يوجد بشرى في جيش الجان، ولا يمكنني أن أضمك لفرساني حتى لا أثير الشكال. الفرصة ستأتي يا محمود، لا تقلق. وزوجتك في القصر، لم يحن بعد وقت شنقها... لقد أجل الملك الموعد حتى وقت الاحتفال بعد تتويجه."
انضممت لفرسان افترين، الذي كانت وظيفته مهاجمة الممالك التي تشق عصا الطاعة.
ثم حدث أمر غير متوقع.
أعلن الملك البرين ملك جن البراري عدم موافقته على تولى كيلان عرش الجان.
لم يقل ذلك صراحة، لكن الهمس وصل الملك فالكون، وكان عليه أن يتثبت من ولاء رعيته.
فقام بإرسال رسالة إلى الملك البرين يطلب منه الحضور لقلعة ابيداس وأقسام يمين الولاء لوريثه كيلان.
رد البرين ملك البرارى برسالة طويلة، تقول إنه معترض على الطريقة التي يتحدث بها الملك، وأنه لا يقبل أن يحضر بمفرده لتأدية قسم الولاء دون دعوة كل ملوك الجان، وأنه يعتبر تلك إهانة كبيرة في عرف الجان.
وكان البرين محقاً، فلا يمكن للملك فالكون أن يجبره على القسم دون أن يدعو كل ملوك الجان.
الأخبار تنتشر في أرض الجان بسرعة كبيرة جداً، لم تشرق شمس حتى أصبح حديث رسالة البرين على كل لسان، وسخر النبلاء من تهور فالكون وقلة حزمه.
ثم إن الملكة لاتيكا أعلنت نفسها بعد القضاء على مملكة الشوامل، ملكة البحار والمحيطات، والاصقاع العظمى.
وكان هذا اللقب في حد ذاته لا يليق إلا بملك الجان، ويمثل تحدياً له.
وفجأة وجد فالكون التحديات تحيط به من كل مكان.
لقد كان قضائه على مملكة الشوامل غلطة كبيرة في تخطيطه الحربي.
بوجود الشوامل كانت مملكة فالكون في مأمن من لاتيكا.
لكن الآن بعد أن نزع شوكة الشوامل من جسدها، أصبحت حرة، وتطمح في المزيد من الأراضي والحكم.
شعر فالكون بالورطة التي أوقع نفسه فيها، وكان عليه أن يجد حلاً بسرعة قبل أن ينفلت العقد من يده.
بناءً على مشورة قواده، أرسل يطلب يد ابنة الملكة لاتيكا لابنه كيلان، زواج وقران يضمن اتحاد المملكتين.
ربما كان يحتقر لاتيكا وقوم البحر في الماضي، لكنه الآن مضطر أن يقبل بذلك.
وكانت الصدمة عندما رفضت لاتيكا الزواج، تحججت أن ابنتها قرانها معقود على ابن عمها سارديان، ولا يمكن نقض القرآن أو فضه.
انتفض الملك فالكون من الغضب، رفع يده بغضب وضرب الجدار الذي شق نصفين، ثم عاد كما كان.
جمع قواده للتشاور، وكان كيلان معهم.
أعلمهم برد لاتيكا وتحديها لسلطته وقوته.
قال افترين: "ربما علينا أن نعرفها مكانها بالضبط."
صرخ فالكون: "لن أخوض حرباً أخرى خلال يومين."
قال افترين: "لا حرب."
"أمر بحضور لاتيكا لمجلسك لتجدد الولاء لك، اكسر شوكة غروورها."
صرخ الملك: "وإذا رفضت؟"
"حينها سأضطر لشن حرب في البحر والبر. لاتيكا تتحكم في سفن التجارة، وأي عداء معها سيمنع تجاراتنا من وجود ممر آمن للسفن."
قال الأمير فترين بتحدي: "علينا أن نكشف نيتها أيها الملك فالكون. إن كانت عدوة، فأخر ما ينقصنا أن تشن علينا هجوماً أثناء حربنا مع الملك البرين."
صرخ فالكون: "ولماذا تعتقد أننا سنشن حرب مع البرين؟"
"البرين جن وغد متكبر، ويمكن إرضاؤه بسهولة. لكنه تحداك يا سمو الملك، والهمسات تنتشر بين الجان عن ضعف ملكهم السامي."
قال فالكون: "انسوا أمر البرين، لاتيكا هي الأهم. ابعثوا رسولاً ملكياً واطلبوا حضورها قصري لتجدد ولاءها."
انصرف القواد والمستشارين، فصرخ فالكون: "انتظر، أنت يا افترين."
"ماذا فعلتم مع سيف اهشرمير وخاتمه؟"
"لم نعثر على البشرى بعد يا مولاي!"
صرخ فالكون: "البشر الملاعين، فتحت لهم أرضي، عاملتهم مثل رعيتي، ثم يسرقون جوائزي؟ اقبض على كل بشرى غير موسوم وابعثه إلى بطران. بطران يعرف كيف يتعامل معهم."
جرت موجة من الاعتقالات في صفوف البشر الذين يعيشون في أرض الجان.
كان الجنود يهاجمون قراهم ويقبضون على كل إنسان تعدى عمره الثامنية عشر.
امتلأت السجون بالبشر، وخضعوا لتعذيب بطران الذي لا يرحم.
كان محمود جالس فوق قمة الجبل الذي تسلقه للتو، ينظر تجاه البحر القريب ويراقب الحوريات التي تتقافز بسعادة.
كلمات الملك اهشرمير ترن في عقله: "أنا العنك ثلاثة مرات وتسأل ماذا علي أن أفعل؟ انتهت مملكة الشوامل، كيف أعيد بناء المملكة؟ كيف أحفظ إرثه وأعيد مجده؟"
ثم أخرج الخاتم ووضعه في أصبعه، وشعر بقوة كبيرة تتحرك بداخله، وحمل السيف في يده.
"ربما على افترين أن ينتظر بعض الوقت."
قفز محمود فوق الصخور تجاه الوادي، ثم ركض تجاه البحر وغاص بداخله.
سبح بسرعة كبيرة لم تمكن الحوريات من رؤيته، حتى وصل مدينة الشوامل المهدمة.
كانت آثار الحريق لا تزال قائمة.
سبح بين البيوت المحترقة والجثث المتعفنة على قاع البحر الأزج، وهو يشعر بالأسى والحزن.
ثم سمع صراخ طفل، فسبح تجاهه.
كان هناك طفل داخل كهف بحري متهدم يحتضن جثة والدته الميتة ويبكي، وكان يسمع نواحاً بعيداً لا يعرف مصدره، نواح كئيب ومفجع.
حمل محمود الطفل وأطعمه بعض الأسماك الصغيرة، ثم استخدم قوته لإعداد كهف بحري يسكن فيه، وترك معه طعاماً يكفيه، ثم رحل.
وعلى مدار أيام كان محمود يحضر للبحر الأزج ويجمع الطعام، بعد أن تجمع عدد من الأطفال الناجين من المذبحة داخل الكهف البحري.
واستمر يسمع ذلك النواح الذي لا يعرف مصدره، لكنه أخبر نفسه أنه في بلاد الجان وكل شيء وارد.
ثم سبح تجاه الشاطئ، وقبل أن يصعد لمح مخلوقاً ضخماً يندفع نحوه بغضب وتوحش.
وقف محمود وأشهر سيف الملك اهشرمير.
كان حوتاً ضخماً، تعرف عليه محمود: "باكيتش أمير الحيتان."
اقترب الحوت من محمود وتحول غضبه لنوع من الطاعة عندما لمح خاتم الملك اهشرمير في أصبعه وسيفه في يده.
همس باكيتش: "أعلن ولائي لحامل السيف والخاتم، أنا وكل قطيعي."
قال محمود: "تمهل، أنا لست ملكاً ولا حتى أميراً، أنا بشرى."
صرخ باكيتش، ونفس الماء من منخاره مثل النافورة: "أي إن كان من يحمل خاتم الملك وسيفه يستحق طاعتي."
ثم هز ذيله العملاق وصرخ: "امنحني أوامرك."
لم يفكر محمود سوى في الأطفال، فطلب من باكيتش أن يعتني بهم في أثناء غيابه، وأن يعرف مصدر النواح الذي يسمعه في كل مرة.
ثم ودعه ورحل.
عندما قابل محمود افترين، أخبره أن بطران يشك في أمره ويراقبه، وأي إن كان ما يفعله عليه أن يتخذ حذره، وعليه أن يتقرب من كيلان في أقرب فرصة.
كان فيتران في عجالة من أمره، حتى أنه قال آخر كلامه وهو يختفي.
تذكر محمود كل البشر القابعين تحت رحمة بطران وتعذيبه، وشعر بالحزن.
جلس يفكر على قمة الجبل بين أشجار الزيلخان والبرانس والاخدول متدرجة الألوان بين الأزرق والأخضر واللبني بأفرعها الطويلة التي تحتضن بعضها بعض، وبعض جنيات الفراشات تلعب بثمرة قفاز الذئب.
حتى رأى كتيبة مقنعة من منطلقه تحمل رايات سوداء تحيط بأحد أمراء الجان ومعهم كلاب الصيد.
اختفى محمود خلف شجرة كازن ضخمة.
قذفته جنية بتفاحة سقطت فوق رأسه مما جعله يجفل، لكنه محمود ضحك وواصل مراقبته الكتيبه.
من فوق الجبل لمح كتيبة أخرى تركض تجاه كتيبة الجان يتقدمها وحش ضخم.
وقبل أن يفكر محمود، انطلقت سهام من بعيد أسقطت حراس الكتيبه السوداء، ولم يتبق سوى حارس واحد.
نزل أمير الجان يصرخ في الحارس: "كانت الفرقة الأخرى وصلت يتقدمها الوحش الذي ابتلع حارس الأمير."
ثم بسرعة قيدوا الأمير وحملوه على أحد الأحصنة.
ركز محمود في وجه الأمير.
ثم صرخ: "الأمير كيلان؟ وريث العرش؟"
قفز محمود من مكانه يركض حاملاً سيفه، منحدر من فوق الجبل مثل السهم، واعترض طريق الكتيبه المقنعة.
صرخ القائد: "ابتعد عن الطريق يا بشرى."
لكن محمود تسمر في مكانه.
ضحك أحد الحراس: "الوحش لم يتناول طعامه بعد."
ركض الوحش تجاه محمود.
هجم الوحش على محمود بفم يكفي لابتلاعه.
قفز محمود بعيداً عن الوحش الذي كان يركض نحوه باندفاع.
ركضت الأحصنة تجاه الشمال، وكان الوحش يقف أمام محمود، الذي قفز إلى أعلى وغرز السيف في رأس الوحش فأنفذه منه.
ثم ركض خلف الجان وأسقط واحد منهم كان متأخراً عن المجموعة.
ارتقى جواده وركض خلف الجان.
تركض خيل الجان مثل الريح، عندما وصلهم محمود كانوا على مشارف أرض جان البرارى في وادٍ يسمى وادي الهياكل الميتة.
رواية زوجتي من الجن الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
اعترضت طريق الجان على مشارف وادي الهياكل الميتة، الذي تنمو فيه أشجار من عظام بشرية مختلفة الألوان ولديها أذرع متحركة.
"قتل البشر الوحش!" صرخ حارس بصدمة.
أطلق قائد المجموعة عينيه نحوي، ورغم القناع شعرت بحرارتها.
"جني محنك برأس ماعز طويل ومقوس الساقين" ثم همس وهو يعاينني.
"ثم قال: ليس هو من قتل الوحش، بل السيف."
اختل توازني للحظة، نسيت أني أحمل سيف الملك اهشرمير.
"ابتعد عن الطريق يا إنسي، وسأحرص أن يمنحك الملك البرين جائزة من الذهب والياقوت والمرجان."
عاينت الحراس، كان عددهم كبير وكان واضح أنهم أقوياء، خاصة جني الجوبلن الضخام.
ثم تذكرت كلام مخلوق أرض الظلام: "أنت تحتاج لاختبار حقيقي."
رفعت السيف ومشيت تجاههم، هاجمني جني الجوبلن بقوتهم الجامحة. أصابوا حصاني واضطررت للترجل.
كنت أحارب ثلاثة في وقت واحد، قتلت منهم واحد، فركض نحوي سبعة. استخدمت أسلوب دفاعي لامنع تقدمهم وشققت جني جوبلن نصفين.
أحاطوا بي كدائرة، وحينها برق سيف الملك اهشرمير في يدي.
وكانت كل ضربة منه بقوة صخرة. ارتفع الغبار، وبكل سرعة تمكنت من إصابة عدد منهم.
ثم سقط واحد منهم بعيدًا عني على الأرض، أصابه سهم من حديد الفيري.
استدار الحراس نحو الخطر الجديد الذي لم يتوقف، فسقط واحد آخر.
ودون توقف أو تفكير، أسقطت بقية الحراس على الأرض ووصلت الأمير كيلان ثم وضعته خلفي.
"بصيت على أقرب صخرة أو شجرة احتمي من السهام وجريت."
"كيلان ورايا."
لكن سهمًا سقط أمامي حذائي جعلني أتوقف.
ثم ظهرت جنيه مقنعة تحمل السهام فوق كتفها. كانت طويلة ورشيقة وجسدها أخضر بلون الطحلب. وضعت سهمًا وصوبته نحوي.
رفعت السيف الذي برق مرة أخرى.
"قلت: الأمير أسيري ولن أتخلى عنه."
اقتربت مني أكثر وهمست: "أنا غير مهتمة بأسيرك." ورأيت أقراط الكريستال تزين أذنها الطويلة.
"أنا أحارب جنود البرين وكل من يعبر وادي الهياكل الميتة."
"قلت بنبرة حاسمة: سأرحل إذا."
همست وسهمها مصوب نحوي: "من أنت؟ وكيف تحمل سيف الملك؟"
"قلت: إنها قصة طويلة وليس الوقت مناسب لها، سوف يحضر حراس آخرون من جيش البرين، يجب أن أتحرك."
أمسكت الجنية فرع شجرة ونفخت فيه وهي تهمس: "ظهر حصان أحمر أمامها."
ارتقى الحصان السحري وقالت: "أمامنا طريق طويل يسمح لك بإخباري بقصتك."
"أنا ملاديسيا."
"قلت وأنا محمود."
وضعت الأمير كيلان الصامت خلف ظهري على الحصان وانطلقنا بعيدًا عن وادي الهياكل الميتة.
حكت لي ملاديسيا قصتها وكيف ماتت والدتها على يد الملك البرين. واستمعت لقصتي بتركيز.
همس كيلان بعد أن استرد وعيه من خمر الجان الفاسد: "أرجعني إلى القصر، سأمنحك كل ما ترغب به، سأمنحك حريتك وأحقق كل أمنياتك."
"كل أمنياتي؟"
"قال: نعم."
"قلت: زوجتي تسنيم محبوسة في قصر والدك فالكون، هل تستطيع إخراجها؟"
"قال: هذا أمر صعب جداً، لكن دعني أحاول."
"قلت: أقسم على ذلك!!"
كنت أعرف أن الجان لا يكذبون، فأقسم مضطرًا على مساعدتي.
لأول مرة أشعر بالسعادة.
عندما وصلنا الغابة، غمزت لي ملاديسيا بعينها. تركت الأمير كيلان ومشيت معها على جانب البحيرة المسحورة وأنا أرى انعكاسي داخل مياه البحيرة.
"لا تفرج عن الأمير كيلان."
خاطبتني ملاديسيا: "لا أقول إنه كاذب، لكن كيلان ضعيف ولن يستطيع فعل أي شيء."
"دع كيلان معي محتجز واذهب إلى القصر، أجرِ مقايضة."
"حياة كيلان مقابل حياة زوجتك."
"ولا تقلقي من العبور من أرض البشر، سأحملك إلى هناك."
تذكرت أفترين وكلامه عن خدمة كيلان والتقرب منه وأن أصبح فارسًا تحت رايته. لكن ما فائدة كل ذلك إذا كنت أستطيع الوصول إلى هدفي بطريقة مختصرة؟
تنهدت بارتياح وقضمت ثمرة أجاخان كانت تحملها جنية قزمة بعد أن خطفتها منها.
"سأذهب إلى قصر الملك وأجبره على المقايضة."
"أن يخسر ابنه ووريثه مقابل فتاة نصف جنية."
وكان علي أن أتأكد من مخبأ الأمير كيلان قبل مغادرتي.
"فقلت لملاديسيا: أعرف مكانًا آمنًا يمكنك احتجاز كيلان به حتى موعد عودتي."
"قالت ملاديسيا: أفضل الاحتفاظ به في الهواء الطلق حتى إذا حدثت خيانة أقطع عنقه بسهولة."
"قلت: لا، هناك مكان آمن كل من فيه أتباعي."
في طريقي نحو المخبأ، سألت ملاديسيا: "ما الثمن؟"
"ثمن مساعدتك لي؟ فالجان لا يساعدون بلا ثمن."
ابتسمت ملاديسيا وهمست: "أصبحت خبيرًا بأرض الجان وحياتهم."
"قلت: نعم."
"قالت: سيف الملك اهشرمير."
"قلت: موافق، فلا حاجة لي بسيوف أو خواتم بعد أن أهرب مع تسنيم لأرض البشر."
وصلنا المخبأ وذكرت كلمة السر، فسمح لي الجني بالعبور.
"قلت: ابقي هنا لن أتأخر."
بدت ملاديسيا متوجسة من المكان، سألتني: "أنت متأكد؟"
"قلت: نعم، أضمن لك المكان."
رغم ذلك عاينت ملاديسيا المخارج والمداخل وصعدت القمة، اختارت مكانًا يمكنها أن تضرب به بسهامها متعددة الأجزاء.
وصلت قصر الملك فالكون وعملت الحارس الذي سخر مني برغبتي في مقابلة الملك لأمر هام.
"ضحك الحارس: بشري غير موسوم يرغب في مقابلة الملك."
وقبض على من يدي وصرخ على حارس آخر: "خذه إلى بطران!"
"قلت: لن يسامحك الملك إذا تعرض وريثه كيلان للموت بسببك."
تردد الحارس وتفحصني بتركيز، ثم اختفى داخل القصر.
وعاد ومعه جني بكرش ضخم ونظارة طبية وكان في فمه سيجارة.
قال الحارس: "هذا البشري يدعي أن الأمير كيلان في خطر ويرغب في مقابلة الملك."
بصق الجني على الأرض وهمس: "اتبعني."
مشيت وراء الجني حتى وصلنا قاعة الحكم، واند هشت أن ما في ولا أي حارس اعترضنا حتى وصلنا الملك.
انحنى الجني أمام الملك: "هذا البشري يعرف شيئًا من أمر الأمير كيلان."
صرخ الملك ويبدو أن أخبار خطف وريثه وصلت له: "أين الأمير؟"
"قلت: في مكان آمن."
صرخ الملك فالكون مرة أخرى: "ماذا تريد؟"
"قلت: زوجتي محتجزة داخل قصرك، أفرج عنها أمنحك ابنك."
ابتسم الجني وارتج كرشه: "ما اسم زوجتك؟"
"قلت: تسنيم."
حينها رمقني الجني ونزع نظارته وهمس: "أهاب."
"بينما قال الملك بطران: امنحه ما يريد وأرجع إلي ابني."
رواية زوجتي من الجن الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسى
أرسل الحوت باكيتش وقطيعه مراسلات مع حيتان البحار العليا، أطلق باكيتش زبزبات في التيارات البحرية حملتها طحالب جنية إلى زعماء قطعان الحيتان في كل البحار.
بعد أن استوليت على القلعة، عينت عليها شابًا من الشوامل شديد البأس، متهور، متعطش للدماء.
قلت: وظيفتك أن تقتل كل حورية تقترب من القلعة.
ثم تحركت أنا وميلاديسيا نحو أرض الشوامل.
قلت لميلاديسيا: أريدك أن تحرصي على سلامة الجيش حتى وقت رجوعي.
سألتني ميلاديسيا: إلى أين ستذهب؟
قلت: لاحقًا سأخبرك.
وحركت شعرها الأبيض الناعم الطويل السابح في مياه البحر الأزج، وسبحت بكل سرعتي نحو الشاطئ.
عن طريق السحر الذي تعلمته، عثرت على عيدان شجرة رخاف بيضاء وهمست عليها، فظهر جواد سحري.
ارتقيته وانطلقت نحو أرض الملك أربين.
وصلت قبل انتصاف النهار.
تعرف على واحد من الحراس وصرخ: قاتل!
الجنود هنا!
كان ماردًا ضخمًا بقدمين مقوسين تنتهي بمخالب وله قرن وحيد.
قلت: لدي رسالة للملك.
صرخ: سيقتلك!
قلت: دع الملك يقرر.
كانت مجموعة من الجنود قد تجمعت حولي.
برز منها قزم بدرع من الفضة يحمل بلطة.
وهمس: قل لي ما السبب الذي يدفعني لعدم قتلك؟
قلت: السبب أنا، أنت لا تستطيع قتلي أو حتى لمسي.
قال: سأقتلك قبل أن تتحرك.
ضحك الجند وضحك القزم ورفع بلطته.
أخرجت سيف الملك أرشمهير وقذفته نحوه، استقر في قلبه وسقط على الأرض.
كانت هناك عفريته طويلة تتابع من بعيد وتضع سيفها في الغمد.
اقتربت بين الجنود وصوبت بصرها نحوي.
ساد صمت بين الحراس، ثم لوحت بيدها وهمست: اتبعني.
سرت خلفها نحو خيمة حمراء تتلألأ فوقها مصابيح تحملها الأشباح.
يقف أمامها حارسان مقنعان سمحا لها بالدخول.
اختفت دقيقة ثم خرجت وهمست: ادخل.
كان الملك أربين جالسًا على المائدة حوله جنيات زرق جميلات ترفرف أجنحة فوق ظهورهم بلا توقف.
على الطاولة رصت أنواع الطعام: أوز مشوي مدهون بالعسل، قلوب عصافير، تفاح أخضر وعنب، حساء ساخن يسبح فيه زيول طائر البرستان.
قال الملك: اجلس معي يا بشري.
لم أتوقع هذا الاستقبال، فجلست وكان جواره فتاة بشرية تطعمه في فمه.
قال الملك: كل!
وضعت في فمي قطعة أوز.
ومضغتها ورفع الملك كأسًا من الخمر الأحمر.
أنت سارق الأمير كيلان؟
قلت: نعم.
قال: ما الذي أحضرك لمملكتي؟
قلت: أريد أن أجرى معك اتفاقًا.
وقضمت ورك أوزة.
ابتلع الملك كأس الخمر وبرقت عيناه بقوة الجان، فتحركت جدران الخيمة وظهرت منها مجموعة من العفريتات تحمل آلات موسيقية فعزفت بها.
قال الملك أربين: أفصح يا بشري؟
قلت: سأستولي على مملكة البحر وأقتل الملكة لاتيكا.
قال الملك: وما شأني بكل ذلك؟
قلت: عدو عدوي صديقي.
ارتفع ضحك الملك أربين وقال: أحب أمثال البشر.
قلت: مهمتك أن تشغل فالكون عن محاربتي حتى أستولي على ملك لاتيكا.
همس الملك: ها... لا يبرم الجان اتفاقيات دون مقابل.
قلت: سأساعدك على حكم ممالك الجان.
ضحك عفريت قزم حتى وقع على الأرض وانسكب فوقه خمر الميري.
قال الملك بصرامة: كيف ستفعل ذلك؟ والأهم، لماذا؟
قلت وأنا أصوب بصري نحوه: سأعلن الحرب على فالكون من أجل زوجتي، سأقتل فالكون وأستولي على قلعة أبيداس وأمنحك التاج.
قال الملك أربين: الكلام سهل.
قلت: الوعد وعد، وناقض العهد يموت.
رفع حارس مقنع سيفه، وصرخ: أنت تجرؤ على تهديد الملك؟
صمت.
انتظر كلمات أربين الذي نظر إلى الحارس فخفض سيفه وبصره.
عندما أعلن الحرب على الملكة لاتيكا، ستشن هجمات متفرقة على أطراف مملكة فالكون، تجعله يجهز الجيش لحربك.
كل ما عليك أن تفعله أن تصمد لمدة ليلتين قمريتين فقط.
بعدها سأخرج مع جيشي لمهاجمة القلعة والاستيلاء عليها.
ثقتك تعجبني يا بشري، لكن الملك أربين لا يبرم اتفاقيات دون إثباتات.
قلت: اختر أقوى مقاتليك، خمسة منهم سأقوم بهزيمتهم.
هذا إثباتي ودليلي.
قال القزم الساقط على الأرض: ستهزم خمسة من أقوى مقاتلينا في نزال فردي؟
ابتلعت ما تبقى من الأوزة وقلت: أنت لا تفهم، سأقاتلهم معًا.
ارتفع حاجب الملك أربين وظهر الاهتمام على وجهه وقال: قضى الأمر.
ورفع يده فانطلق بوق، تجمع على أثره الجيش وخرج الملك أربين من الخيمة وأنا أتبعه.
جلس على مقعد من عظم الفيل مغلف بجلد إيل أبيض.
وصرخ: فاسير، فاغنر، أنوبستس، بلاكتون، سيريناس.
خرج خمسة محاربين من الجان، ثلاثة مردة وجنيتين.
صرخ الملك: هذا البشري يدعي إمكانيته هزيمتكم في نزال جماعي وقد منحته كلمتي، إذا قام بهزيمتكم سأقبل عرضه.
انبرى المبارزان أمامي.
حملت سيف الملك أرشمهير ودعكت خاتمه واستدعيت قوة مخلوق أرض التيه الذي منحني إياه لاستخدامه ثلاث مرات.
وصرخت: أنا البشري الفاني أتحدى محاربي الجان حتى الموت.
وخططت على الأرض اسمي بلغة الجان.
كان الجان منهم من يحمل نبال ومنهم من يحمل حرب ومنهم من يحمل بلطة ومنهم من يحمل سيف.
وجنية واحدة تحارب باليد، كانت أكثر ما أرعبني.
رفعت يدي وهبت ريح جعلت جيش أربين يجفل، فملوك الجان وحدهم يتحكمون في قوة الريح.
تلقيت سهام الجنية، عشرة سهام دفعة واحدة، صدتهم بسيفي نحو المحاربين فانغرس ثلاثة أسهم في جسد مارد.
رفع المارد بلطته وكسر السهام وهو يبتسم.
ثم هجموا علي.
تلقيت الضربات ببراعة، لم أتخيل يومًا أن أكون بمثل تلك القوة.
حتى أنني اخترت أن لا أظهر كل قوتي وأن أحتفظ بها لحرب الملك أربين التي ستحل حتمًا لاحقًا.
أما ما جعل النزال يطول بعض الوقت، كان سيف الملك أرشمهير وخاتمه يهمسان لي بحركات الجان وأوقات الضرب وطريقة تحاشيه، من الخلف، من الأمام، من الجانب، ضربة بعيدة.
أسقطت جنيين وقطعت رؤوسهم بكل وحشية.
بينما ترنح مارد وسقط على الأرض بعد أن قطعت عروق قدمه فلم يتمكن من النهوض مرة أخرى.
وزحف نحو الملك أربين فأوقفته بقدمي ونحرته تحت مقعد الملك.
طالت حربي مع بلاكتون وسيريناس حتى غافلت بلاكتون بضربة خلفية شقت ظهره نصفين.
هتف جيش الملك أربين: سيريناس، سيريناس، سيريناس.
توقف سيف الملك أرشمهير وخاتمه عن إصدار التعليمات ونازلت سيريناس نزال باليد دون مساعدة السيف.
تعرضت لضرب مبرح وضربت سيريناس أكثر من مرة.
نسيت أن أخبركم، المخلوق علمني نزال العمالقة بقبضة اليد وأمرني أن لا أستخدمها أبدًا إلا حينما أكون على وشك الموت.
كانت سيريناس جنيه بارعة، قوية، ماهرة، وشعرت أنني استفزيتها بضرباتي التي وصلت معدتها، فأنطلقت سيريناس نحوي وأمسكت يدي، ثم بحركة خفيفة التفت حولي وعصرتني من الخلف.
شعرت أن عظام جسدي تهرس داخلي.
حاولت أن أتملص منها وأنا أشعر أن الدماء تهرب من عروقي.
ركلتها ركلة خلفية بين ساقيها، تحملتها دون أن تصرخ وهمست: استسلم يا بشري، حيلك لن تنفع معي.
أغمضت عيني وتركت جسدي يرتخي، ثم سمحت للدماء أن تتدفق في عروقي وسيريناس تعصرني وتحركني.
ثم قفزت.
انطلق جسدي بين يديها مثل طلقة تندفع نحو السماء.
وبكل قوتي أمسكت شعرها الطويل الذي ساعدني على الالتفاف في الهواء.
ثم أحنيت ذراعي وبكوعي أنويت أن أضربها ضربة عمالقة.
ثم أوقفت يدي في آخر لحظة، ووقفت أمامها والغضب بادٍ على وجهي.
همست سيريناس: كنت، كنت تستطيع قتلي.
اشتبكنا عن قرب وسمحت لي سيريناس أنا أحتضنها بين ذراعي.
لماذا لم تقتلني؟
قلت: تعرفين ضربة عمالقة؟
قالت: نعم، كنت سأكون ميتة الآن!!
قلت: لأنني أحتاجك معي.
همست سيريناس: لك عهدي ووعدي أن أكون ملكك ما دمت حية.
تركتني سيريناس أسقطها على الأرض وانتظرت أمر الملك الذي رفع يده بالعفو.
صرخت في الملك أربين: أمنحني كلمتك؟
قال الملك بغضب: لك عهدي.
ثم ترك المقعد واختفى داخل الخيمة.
الجان لا يستطيعون الكذب مثل البشر، ربما كان ذلك أفضل شيء في عالمهم.
غادرت أرض الملك أربين نحو البحر الأزج.
جمعت الجيش وركبت صخرة ضخمة.
رفعت سيف الملك أرشمهير، وقلت: عاهدت الملك أن أعيد بناء مملكته.
وكانت آخر كلمات الملك أنه يلعنني في حال نكست بوعدي.
وأنا أمنحكم فرصة من أجل الانتقام، ستكون حربكم الأخيرة، حرب من أجل الشرف.
ظهرت سلانديرا خلف الجيش وكانت ترتدي درعها المذهب وفي يدها حربها.
وصرخت: كيف تخوض حربًا من دوني؟
أمسكت بيدها وساعدتها على الوقوف جواري.
نظرت نحوي وانحنت بعد أن وضعت حربتها فوق قدمي.
لك خدمتي وقوتي وعهدي.
حضر باكيتش مع قطيعه ووقف خلف الجيش وكان معه حيتان البحار المفتوحة.
رواية زوجتي من الجن الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسى
إذا كنت ستضرب، فعليك أن تضرب بقسوة. ما تم لا يمكن تغييره، ففي الصراعات لا يوجد حل وسط إلا للجبناء.
أعلن محمود وهو يرفع سيفه: "سنشن حربًا شاملة".
تفتحت بعض الأفواه، كان الشوامل يتوقعون هجومًا فجائيًا خاطفًا سريعًا يأخذ مملكة الحوريات على حين غرة.
أخرج محمود بوق مملكة الشوامل، بوق قديم مصنوع من عظم الفيل الأزرق، ونفخ داخله لينطلق صوت النفير.
تقول جدتي: "السر لا يصبح سرًا إذا غادر فمك، لم أخبر أحد بخطتي".
تقدمت الفرقة الموسيقية الحربية من العفاريت والجان تحمل الناي والمزمار والدف والطبلة.
تحركنا ببطء، وكان الخبر قد وصل الملكة لاتيكا التي أمرت بتحضير الجيش والخروج لقتالنا، وطلبت مساعدة الملك فالكون.
تجمع جيش الحوريات، وكان هذا ما أرغب فيه، أن لا أخوض حربًا واسعة بعدد قليل من الجيش.
وفرت على الملكة لاتيكا الجهد وبعثرت الجيش المتقزم وجمعت كل جيشها في مكان واحد، مستفيدة من فرق العدد.
تقدمت أنا محمود البشري، والأميرة سلانديرا، والمحاربة الملكية ميلاديسيا، وشابان من الشوامل اخترتهم بنفسي.
سرنا بجوار بعضنا ووقفنا أمام جيش الملكة لاتيكا، صرخت في قائد جيش الحوريات مطالبًا بنزال فردي.
رفضت الملكة لاتيكا عرضي وأمرت بهجوم شامل.
انطلقنا أنا ومحارباي في خطوط طولية، يشق كل منا طريقه في جيش لاتيكا بقوة أرض التيه والظلام. بين قتيل وجريح، سقطت الحوريات على الأرض، كنا مثل الطوفان الذي يكنس ورق الشجر. وعندما وصلنا مؤخرة جيش الحوريات، بدلنا أماكننا وشققنا طريقًا آخر بعد أن غطت الدماء مياه البحر.
تسرب الشك إلى جيش لاتيكا، إذا كان هذا ما يفعله خمسة محاربين، فما بالك ببقية الجيش؟
حاربنا جيش لاتيكا بمفردنا ربع نهار دون أن يتحرك جندي من جيش الشوامل في الحرب، ثم نفخ في البوق مرتين، تحرك الأمير باكيتش أمير الحيتان مع قطيعه ليشتت صفوف جيش لاتيكا، ثم نفخ فيه ثلاثة مرات، التحم الشوامل في حرب شاملة.
ألقت الأميرة سلانديرا حربتها وصرخت: "اذهب لها وأنهِ الحرب".
غرست الحربة في الأرض وقفزت من فوق جنود جيش لاتيكا.
ثم بسرعتي المتفردة، كنت أغرس الحربة في قاع البحر وأقفز.
قفزات طويلة حتى وصلت خيمة الملكة المحمية بحراسها الشخصيين.
حركت نصل السيف نحو قلوب الحارسات الملكيات بكل دقة، فسقط العشرات. محاربات وأصبحت وجهًا لوجه مع لاتيكا.
رغم عمرها الذي تعدى ألف عام، كانت تتمتع بقوام رشيق وبنية محاربة صلبة، ترتدي درعها المعدني من الحديد الصلب.
تزينه أشرطة حمراء ترفرف داخل المياه، كان شعرها على شكل جديلة طويلة تضيئها جنيات صغيرات مربوطات بسلك فاتيكس، وفي يدها سيفها تلوح به.
نزلت لاتيكا وجهًا لوجه، قوة بقوة، عزم بعزم، والشرر يتصاعد من احتكاك المعدن. صوبت لاتيكا نصل سيفها نحو قلبي، أبعدته بسيفي وضربتها في يدها اليسرى التي تقاتل بها.
نزل الدم الملكي على قاع البحر، أنبت أعشابًا حمراء نمت بسرعة. كنت أعلم أن لدي وقتًا قليلًا جدًا، فاخترت أن أهاجم وأدفع لاتيكا للدفاع والتقهقر نحو الصخور. عندما التصق ظهرها بالصخر، قذفتها بسيف الملك الذي أخطأ عنقها وانغرس في الصخر. وقبل أن تبتسم لاتيكا، صوبت الحربة مثل الطلقة، اخترقت معدتها وفجرت الصخر خلفها. وأنبت دم الملكة لاتيكا المقتولة شجرة سوداء بأشواك طويلة.
"كان لابد أن تموت بحربة سلانديرا ابنة الملك"، همست في عقلي.
انطلق صراخ الشوامل: "قاتل ملوك الجان، قاتل ملوك الجان!"
ألقيت رأس لاتيكا على أرض البحر أمام ما تبقى من جيشها الذي أعلن استسلامه.
انتهت الحرب وامتلأت سجون الشوامل بالحوريات، لم تتلق مملكة الحوريات مساعدة من جيش فالكون، الملك أوفى بوعده.
تحلقت الجنيات الصغيرات فوقنا مشكلات دوائر مضيئة تشبه البقع الكثيفة متعددة الألوان.
بينما صرخ قزم يحمل بلطة لم ألمحه إلا الآن، وهو يرفع كأس نبيذ فوق فمه.
انحنى الشوامل أمامي يهتفون. بحثت بعيني عن الأميرة سلانديرا التي كانت تستند على سيف ملطخ بالدماء، وعلى رأسها عصابة من خيوط نبات الغال ترفرف خلفها.
تقدمت سلانديرا ووقفت بجواري. "اليوم تحقق النصر يا محمود".
قلت: "ليس بعد يا أميرة، قد تكون حربك انتهت، لكن حربي لم تبدأ بعد". انحنت سلانديرا أمامي وحملت تاج والدها المزين بالكريستال المضيء ووضعته فوق رأسي.
لم أمنعها، سأكون ملك البحار قبل أن أصعد للبر. شكرت الأمير باكيتش، والذي تقرر أن يكون ملك الحيتان في كل البحار والمحيطات.
أمرت سلانديرا أن تتولى شؤون الحكم وأن تبني مملكة قوية وتعد الجيش، وأن تبني القلاع في ربوع البحر، قلاع قوية يمكنها صد أي هجوم مباغت لجان البر والجان الطيار.
كنت أعرف أن حرب الملك البرين والملك فالكون لم تستمر للأبد، وأن فالكون سيصوب بصره تجاه البحر.
في هذه الأثناء، أمرت الشوامل أن يغرقوا أي سفينة تحمل بضائع لأرض أبيداس.
"لن تخرج سفينة من أرض أبيداس ولن تدخل لها سفينة".
أخذت ميلاديسيا تحت ذراعي وهمست في أذنها: "لدينا رحلة".
"أقدمك تعبت من السير؟"
قالت ميلاديسيا: "أنت لا تتوقف عن إبهاري يا محمود، لكنني أحتاج حمامًا دافئًا من العطور وعشب البحر، وأن تقوم الوصيفات بتسريح شعري وإغراقه بزيوت العنبر والمسك. لقد كرهت رائحتي".
قلت: "لا بأس من وقت مستقطع، أنا أيضًا أحتاج للراحة".
منذ أيام لم يغمض لي جفن. كانت الخدمات أعدت لي فراشًا من ريش الطيور ووسائد ناعمة من الفرو. ألقيت بنفسي على الفراش وهمست للجنيه التي تضيء الغرفة بشعلة ذات لهب أخضر أن تخفض الأضواء أو تطفئها.
قلت: "يمكنك أخذ استراحة".
قالت الجنية: "سأكون هنا داخل الخيمة ولن أغادرها. نم بسلام يا ملكي".
قضيت يومًا كاملاً من النوم. وعندما فتحت عيني، كانت مائدة الطعام معدة، قشريات ورخويات وفاكهة البحر المغموسة في الكريمة والعسل. تناولت طعامي وشربت القهوة وخرجت إلى حدود البحر الأزج حيث التقيت بجواسيسي.
كانت الحرب لا تزال مستمرة بين الملك البرين والملك فالكون، الذي استدعى كل جيوش الممالك الأرضية التي تخضع له.
دَلفت إلى الكهف جنيه من الشوامل ذات جلد أزرق وعيون تشبه الماعز ورموش سوداء طويلة تصل خديها، وكان شعرها الأحمر مشعث يغطي معظم وجهها البيضاوي.
قالت الجنية: "أنا هنا من أجل متعتك يا مولاي".
تأملت جمال الحورية وهمست: "أنا لا أقصد الإهانة، لكن قلبي وعقلي مع زوجتي".
قالت الجنية: "أحترم ذلك، فكل ملوك الجان لديهم زوجات وعشيقات ووصيفات، وهذا لا يمنع شيئًا".
قلت: "أنا بشري، البشر مختلفون، عندنا إذا خان رجل زوجته، تقتله".
صرخت الجنية بفزع: "إنهم مجنونات!!"
قلت: "قولي ذلك لزوجتي وسترد عليك".
قالت: "على كل حال، في عالم الجان أو عالم البشر، أنا مرتبطة بك ولن أتركك. لقد منحت نفسي لك، وعهود الجان لا يمكن نقضها".
***
كان ظهور حراس الشوامل أمام ميناء قلعة أبيداس مثار كلام جان المملكة.
بعد استيلائي على مملكة لاتيكا، لم يكن هناك ما يمنع وجود حراس جيشي في أي مكان. ثم أنني شعرت أن البرين سيقدر أي مساعدة تأتيه من ناحيتي.
بعد أن وصل الخبر إلى ديوان الملك فالكون، خفف ضغطه على البرين، وكان مضطرًا لتوزيع جيشه على جهتين.
انتظرت رسول الملك فالكون، كان على الملك أن يحدد موقفه. لم يتأخر الملك، أرسل حارسه الذي أطلق سهمًا بادنيخ يحمل رسالة وصلت إلي.
كان الملك يطالب ملك الشوامل دون ذكر اسمي أن يحضر إلى ديوانه ويقدم الطاعة ويعلن الولاء للملك الأوحد لأرض الجان فالكون.
قالت سلانديرا: "اتركني أتقدم الجيش وأنحر عنقه!!"
قلت: "لا تهور بعد الآن، كل خطوة ستكون محسوبة".
"جيش أبيداس قوي ومحاربونا لم يعتادوا حرب البر ولا يستطيعون البقاء مدة طويلة خارج البحر".
ثم صمت وشردت لبعيد، كيف نسيت ذلك؟ قال المخلوق: "أملك البحر" ولم يذكر شيئًا عن حرب البر...
مزقت الرسالة بسيفي وذهبت لخيمة ميلاديسيا التي كانت نائمة شبه عارية في فراشها، ولم يبدو عليها الفزع عندما رأتني. للجان عادات مختلفة عن البشر، دائمًا أنسى ذلك.
قلت: "هيا، قلت لك لدينا رحلة".
تأوهت ميلاديسيا ودفعت جنيه كانت تعقص شعرها، وأخرى تشذب أظافر قدمها الملكية.
"إلى أين؟"
قلت: "بحر الظلام".
قالت ميلاديسيا: "صديقنا القديم؟"
قلت: "نعم".
مركبنا حوت من خدم الملك باكيتش، حوت أسود علقت بفمه جنيات صغيرات. مرق بنا البحر مثل الغواصة وتركنا على حدود البحر الأزج.
قصدت الخندق البحري وصرخت: "صديقي أنا هنا!"
لم يبدو المخلوق مسرورًا من رؤيتي. قال: "أنت لا تعرف أنني لا أنام إلا كل شهر مرة؟ ويتصادف حضورك كل مرة في موعد نومتي؟"
قعدت أضحك. "في أول مرة كنت ستقتلني على تهوري".
قال المخلوق: "حضرت من أجل أمر ما؟"
قلت: "نعم".
قال المخلوق: "من أجل جيش الشوامل وحرب البر؟"
قلت: "نعم".
قال المخلوق: "هذا ما كنت أخشاه يا محمود".
قلت: "لماذا؟"
قال: "لأن الترياق ليس عندي. الترياق في أرض بندهيار، ثعبان البحر الميت. وبندهيار لا ترحم وليس لديها صديق. حافظت على قوتها على مدار آلاف الأعوام بعدم الثقة في أي كائن".
رواية زوجتي من الجن الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسماعيل موسى
كلام المخلوق مقلق، فقد كان دائمًا يقلل من شأن خصومه إلا تلك المرة.
"كن واثقًا أن بندهيار لا يمكنها أن تعاملك مثلي، لا تتوقع رحمتها ولا تثق بها، حتى إذا قالت لك إنها ستمنحك الترياق عن طيب خاطر فاعرف أنها كاذبة، وعندما تقترب منها ستُلهَم، ولن يفلح طبّي ولا كل طب الجان في شفائك."
"تعرف،" وحرك المخلوق قرن استشعاره الطويل الذي قيد به أسماكًا صغيرة تلعقه باستمرار، "أرجح أن تخوض حربًا مع فالكون وجيشه على أن تذهب في تلك الرحلة."
وصلني مقصد المخلوق تمامًا، أراد أن يخبرني أن أرجع من حيث أتيت. كان جزء منه خائفًا مني.
"قلت، لكنك قلت إنني أقوى مخلوق في أرض الجان؟"
همس المخلوق، "لأن بندهيار ليس لها جنس معروف. خذ بنصيحتي يا محمود، وعليك أن تعرف أنك من تلك اللحظة لن تكتسب أصدقاء آخرين. ضع هذا حلقًا في أذنك، كل من يقابلك بعدي هو عدو."
ثم داعب شعر ميلاديسيا الأبيض بقرون استشعاره وهمس، "هل تغير رأيك بعد؟"
ضحكت ميلاديسيا، "أفضل أن أظل راهبة عن الزواج منك."
قال المخلوق، "لست سيئًا لهذا الحد." ونصب طوله الرخوي فتمدد ليغطي بقعة واسعة من القاع.
"سمح لي الوقت بالتفكير. قلت، ما نصائحك يا صديقي؟"
فكر المخلوق دقيقة، استند على أحد أذرعه وقال، "لا تقتلها وهي نائمة، وصوّب على المكان الذي تعتقد أنه مستحيل أن يميتها."
كان علينا أن نبحر لأيام واحتجت مساعدة الأمير باكيتش مرة أخرى. حملنا الحوت الأسود الملكي، نمنا فوق ظهره وتناولنا طعامنا. بين ليل حالك السواد ونهار لا نرى شمسه، كُتبت قصتي.
قال الحوت، "هذه آخر حدودي." كان مضى خمسة أيام من الترحال، وكان علينا أن نكمل الطريق سباحة.
كان البحر يزداد برودة كلما تعمقنا داخله، ثم تغير للحرارة، ثم عادت مياهه باردة مرة أخرى، ثم أصبحت مظلمة عندما وصلنا البحر الميت. صادفتنا حيوانات ميتة، هياكل عظمية على قاع البحر، ولم نقابل ولا سمكة كبيرة الحجم. كانت أسماك صغيرة تلعب وسط الأعشاب الزرقاء والحمراء والخضراء، وعندما شعرت هربت بسرعة واختفت بين الصخور المتحولة التي تتحرك كل دقيقة من مكانها. "صخور مسحورة سمعت هنا، تتحرك لتكشف من يختبئ خلفها."
ثم هبت ريح تحت الماء، ريح قوية أحدثت تيارات بحرية قوية جعلت سباحتنا صعبة جدًا. ثم ظهر مخلوق غريب أمامنا، كان بدون عينين وله صوت حاد واضح، ويداه جذع شجرة مقطوعة. كان يغني بأغنية حزينة عن الموت والفناء وغابة النسيان.
سألته عن بندهيار. تأملني برعب ثم قال، "نحن لا نذكر اسمها."
"قلت، لا مشكلة. أين هي؟"
قال، "نحن لا نتحدث عنها."
"في أي طريق نسبح إذا؟"
قال، "كل الطرق تؤدي إليها." ثم نخر وضرب ذراعه داخل قاع البحر وأصبح شجرة.
قالت ميلاديسيا، "كل شيء هنا غريب،" وكانت مياه باردة تصفعنا بلا توقف وتثلج أطرافنا.
قلت لميلاديسيا، "إذا كنت تبحث عن شيء، فمن الأفضل أن تبتعد عنه."
قالت، "ما خطتك؟"
قلت، "الهرب."
سبحت بكل سرعتي في الاتجاه المعاكس. تبعتني ميلاديسيا بسرعة أبطأ. نسبح إلى خارج البحر الميت.
ثم لمحت ذيلًا يتحرك نحونا ويكاد يرتطم بميلاديسيا.
صرخت ميلاديسيا، "احذري!"
انحنت ميلاديسيا وعبر الذيل فوق رأسها، ثم ارتطم بالصخور وفجرها.
"إنها هنا." انطوى الذيل الطويل على نفسه وظهر وجه بندهيار. ثعبانة ضخمة بعيون واسعة وأسنان بارزة.
نظرت إلى ميلاديسيا تسألني ماذا نفعل؟
قلت، "سنهاجم من جهتين." سحبت ميلاديسيا حربتها واستللت سيفي. قابلتنا بندهيار برأسين متحركين، وظل رأس آخر واقف يراقبنا. ضربت الرأس التي تحاربني بسيف الملك، وبالكاد جرحتها، بينما غرست ميلاديسيا الحربة في رأس الثعبانة. تراجعت الرؤوس للخلف وظننتها ميتة، لكنها عادت مرة أخرى أكثر تضخمًا.
قلت لميلاديسيا، "اهربي نحو الصخور." سبحنا نحو الكهوف البحرية واختفينا داخل كهف بفتحة ضيقة واسعة من الداخل. وقبل أن نسترد أنفاسنا، وجدنا أنفسنا بين هياكل عظمية لجثث أسماك ضخمة.
قالت ميلاديسيا برعب، "نحن في عرينها."
قلت وأنا أحطم عظمة كبيرة بغضب، "مستحيل! هذه تكون نهايتنا."
همست ميلاديسيا بنبرة واثقة، "محمود؟ عاهدني إذا حانت لحظتي ستكون أنت من يقتلني!"
قلت، "بلاش الكلام ده يا ميلاديسيا."
قالت ميلاديسيا بعيون مستكينة، "أرجوك عاهدني؟"
قلت وأنا أنفخ غضبي، "أعاهدك أن أقتل بندهيار وأصنع لك درعًا من جلدها السحري. فليقتل أحدنا الآخر قبل أن تبتلعه بندهيار."
استندت ميلاديسيا على حربتها، "لم أتخيل أبدًا أن تكون نهايتي على يد مخلوق تافه."
قلت، "معذرة، لكن هل يحدث ذلك فرقًا؟"
قالت ميلاديسيا، "نعم، لطالما تمنيت أن أموت بيد من أحب."
ظهر جسد ميلاديسيا أمام الكهف البحري. جسد ضخم مستدير. غرزت السيف في جسدها لكنه لم يخترق القشرة الصلبة التي تحميه.
قلت لميلاديسيا، "لدي فكرة."
صرخت، "انطق!"
قلت، "ساعديني على سد فتحة الكهف."
قالت، "سنحتجز بالداخل."
قلت، "هذا ما أريده تحديدًا."
استخدمت ميلاديسيا حربتها في إسقاط الصخور وأنا أضرب بسيفي حتى سددنا الفتحة.
حل ظلام كثيف داخل الكهف، لم أتمكن من رؤية شيء، فعيني ليست بقوة عيون الجان.
قلت لميلاديسيا، "ماذا ترين؟"
قالت، "لا شيء. عظام وجماجم، وختام وقلائد مجموعة في كومة في جانب الكهف."
"وماذا أيضًا؟"
صرخت، "ضوء بسيط يتسرب من قمة الكهف."
سبحنا نحو القمة، كانت هناك فتحة صغيرة جدًا تشبه حجم البيضة.
صرخت، "احفري يا ميلاديسيا، سيكون طريق هربنا."
روحنا نوسع الثغرة، وبندهيار تركل الكهف لتزيح الصخور وتصرخ بصوت مرعب. كانت الصخور صلبة مثل الحديد ولم نفلح في فتحها.
تمكنت بندهيار من إزاحة الصخور ورأتنا بعيونها الحمراء الواسعة، ثم ضحكت وهمست بصوت مرعب، "وليمت هنا!؟"
رفعت سيفي مستعدًا للموت، ووضعت ميلاديسيا حربتها في يدها، واستقرينا على قاع الكهف. "لن نموت جبناء."
همست ميلاديسيا، "لترى تلك القنينات والمرطمانات؟"
قلت، "نعم."
قالت، "ما تكون؟"
قلت، "لا أعلم."
ثم مشيت تجاه المرطمانات وفتحتها. صرخت بندهيار، "اتركي أشياءي يا بشرية!"
قلت، "طالما تصرخ، لابد أنه شيء هام." فتحت حقيبتي التي أحملها فوق كتفي وعبأت القنينات والمرطمانات داخل الحقيبة، وصوت بندهيار المرعب يتوحش بقوة.
دخل رأس بندهيار، لكن بقية جسدها كان محشورًا فلم تدخل كلها. ضربت رأسها بالسيف واستعملت ميلاديسيا الحربة. كانت ضرباتنا غير مؤثرة في رأس حديدي صلب.
فجأة سمعنا صوت، "اسبحوا إلى هنا!" من فوقنا كانت الفتحة اكتملت، وتقف محاربة بشعر أحمر وعيون بنية تمد يدها لنا. خرجت ميلاديسيا أولًا، ثم خرجت أنا في اللحظة التي دخلت فيها بندهيار الكهف.
قلت للمحاربة، "من أنت؟"
قالت، "كل من هو عدو بندهيار عدوي. اتبعوني." وسبحت بسرعة نحو جبل من الصخور المتحولة.
تأملت المحاربة ذات الشعر الأحمر، والتي تغطي يدها أوشمة مرسومة على هيئة زهور، وكان بينها زهرة مشعة بلون أشعة الشمس. "اسمي الأميرة ميريت،" قالت المحاربة وهي تعلق القوس فوق كتفها، وكانت ترتدي درعًا حديديًا مفصلًا على جسمها.
وصلنا جبل الصخور المتحركة. أمرتني ميريت أن نقف في مكاننا، وكانت تهمس بكلام أو عدد، ثم قالت، "الآن انطلقوا." تحركنا في اللحظة التي تحركت فيها الصخور التي تسد الطريق، وارتطمت بندهيار التي كانت تطاردنا بالصخر.
صرخت ميريت، "نحن نسبقها بخطوة ولا مجال للخطاء."
قلت، "على كل حال، لم تسنح لي الوقت لأشكرك يا أميرة ميريت." استدارت ميريت ورمقتني بنظرة قاسية، ثم قالت، "توقف عن قول الحماقات يا بشرية، انتبه لموضع قدمك، توجد هنا سبخات تبتلع الكائنات."
ثم صرخت، "الآن اقفزوا لأعلى!" قفزنا لأعلى وانفتحت أمامنا ثغرة، درب ضيق طويل يصعد لأعلى.
تحركنا في الدرب الذي يسمح بسباحة شخص واحد فقط كل مرة، مسافة طويلة قبل أن ينفتح على ما شبه حجرة داخلية مغلقة تضيئها مشاعل خضراء في أيدي بشرية.
قالت الأميرة ميريت، "سننتظر هنا."
قلت، "لكنها غرفة مغلقة؟"
قالت ميريت بنبرة غير مبالية، "ستنفتح هذه الغرفة بعد مرور ليلة قمرية لمدة نصف دقيقة. يمكنكم أن تناموا، سأتولى الحراسة. على واحد منا أن يكون مستيقظًا دائمًا، علينا أن نحارب النوم."
قلت، "لا مشكلة، أنا أظل مستيقظًا أغلب الأيام."
قالت الأميرة ميريت، "إنك لا تفهم شيئًا وتثير حنقي، فبعد نصف ساعة ستكون نائمًا مثل الوعل."
قلت، "مستحيل! أنت تهزئين؟"
بنظرة ساخرة همست ميريت، "تظن أنك تعرف كل شيء؟ هذا البحر كله ملك بندهيار، وكل الغاز من صنعها، حتى هذه الغرفة. بندهيار مهندسة البحر الميت."
قلت بفارغ الصبر، "إنها غرفة مغلقة، ما الشيء المرعب بها؟"
"هذه الغرفة ملك جنية النوم، جدران الغرفة تصدر زبذبات وأشعة منومة. يستخدم الجان هذه الطريقة لإجراء العمليات الجراحية الخطرة. وهنديسا لن تتركنا في حالنا."
قلت، "هنديسا من؟"
قالت، "جنية النوم. لا تزعجني وخذ لك قسطًا من الراحة، ستحتاجه لاحقًا لأن بندهيار عندما نخرج ستكون في انتظارنا."