تحميل رواية «زوجتي من الجن» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ادخل يا محمود سلم على مراتك؟ متستغربش، انا أسمى محمود ودى اول مرة اشوف مراتى فعلا، مراتى من الصعيد وانا ابن عمها وكان شرط عمى قبل وفاته اجوز بنته اول ما ارجع من بلاد برة علشان ثروتة تتكتب بأسمى، الصراحه العرض كان مغرى ومكنش مهم بالنسبه ليه شكلها عامل ازاى؟ حلوة لو وحشه هقدر اتعايش معاها. خرجوا كلهم من الشقه وفضلنا وحدنا، قلتلها عايز اشوف وشك. رفعت الطرحه باستسلام، انبهرت من جمالها، وقفت مصدوم من التحفه إلى واقفه قدامى وكان السؤال إلى بيلح فى عقلى، طالما بنت عمى جميله بالشكل الرهيب ده ليه عمى أصر...
رواية زوجتي من الجن الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم اسماعيل موسى
كان الممر المتلوى بين الزنازين يهبط درجات من الحجر الأخضر المزخرف بالزهور والطيور والفراشات.
كانت المسافة تختلف بين كل هبوط أو صعود، أشعرني شيء ما أن هذه المستويات المتدرجة لم تُصنع هباءً أو من أجل إضفاء لمحة جمالية في ظلام لا يسمح لك بالرؤية.
جعلت أمر على الزنازين المحفورة في الصخور وأسأل صاحبها: "أتود الخروج؟"
رافقني طفل بشري، وعفريت صغير لديه أجنحة فوق ظهره.
همست الفتاة بضعف وأنا أسندها: "محمود،" ووضعت إصبعها فوق ذقنها. "اتركهم داخل الزنازين محتمين، وإذا انتصرنا على وحش الظلام يمكنك تحريرهم."
قلت: "يأملون بحرية دون قتال؟ لا أحب هذا الصنف من الناس الذي يشاركك انتصاراتك فقط!"
قال صوت: "معك حق يا بشرى، سأكون معك."
وكانت المرة الأولى التي يعرض فيها شخص مرافقتنا من تلقاء نفسه.
نظرت تجاه الصوت، كانت جنيه سوداء ووجه أبيض لامع وعيون عميقة سوداء، ترتدي فستانًا أسود وفي يدها قفازات وتحمل كتابًا بين يديها، جالسة على مقعد من الجلد تحيط بها كتب كثيرة.
وإلى جوارها شمعة سحرية صغيرة تضيء فقط محيطها.
وداخلها جنيات صغيرة تدور وسطها.
همست الفتاة التي برفقتي: "سلرنيس، لا تخرجها."
همست: "لما؟"
قالت: "لا يعرف أحد من أين حضرت ولا كيف تتحصل على ضوء الشمعة الذي لا ينضب، والطعام يأتيها كل ليلة والوحش لم يهاجمها أبدًا."
همست الفتاة وكأنها تسمع الهمس وتقرأ الأفكار: "الوحش لا يهاجمني لأنه لا يراني، أنا أستخدم تعويذة علمتني إياها جدتي."
قلت: "لما قُبض عليك بطران؟"
قالت: "عندما نلتقيه يمكنك أن تسأله، لكنني أشعر بوجوده، إنه قريب."
صرخت: "من تقصدين؟"
قالت: "الوحش."
أمسكت حربة في يدي ونظرت في كل اتجاه.
دق فاريذون قدميه في الأرض.
لم أر شيئًا ولم أسمع حركة.
"أنت تقرئين؟"
قالت: "أجل."
ثم نهضت ورأيت ظلها الطويل وعيونها الغامضة.
"في هذا السجن المظلم لولا القراءة لما تمكنت من النجاة."
قلت: "كيف تأتيك الكتب؟"
"ممم، حسنًا، يرسلها أحدهم من فوهة السجن يلقيها باستمرار وتحملها جنيات صغيرة إلى زنزانتي."
قلت: "لستِ خائفة من الوحش؟"
قالت: "لا، قلت لك الوحش لا يراني."
قلت: "بسرعة جيد، هل يمكنك تعليمنا تلك التعويذة لكي لا يرانا الوحش؟"
همست: "الأمر ليس سهل يا بشرى، يجب أن تثقي بي أولاً."
أصرخت: "فاريذون! حررها!"
أسال فاريذون قفل الزنزانة وخرجت الجنية.
ثم همست: "شكرًا يا بشرى."
ثم اختفت.
قالت الفتاة: "قلت لك لا تثق بها، تلك الجنية بالذات يكرهها كل قاطني السجن."
همست: "كل شيء يحدث لسبب، ربما لم تساعدنا لكنها أيضًا لم تتسبب لنا في أذى."
سألت الفتاة سلرنيس: "هل كنتِ لتنقذها إذا كنتِ تعرفين أنها ستختفي؟"
قلت: "نعم."
قال العفريت الصغير: "سيمون الصغير سيطير إلى أبعد مكان ويأتيكم بالأخبار."
قالت سلرنيس: "كن حذر يا سيمون الصغير، فوحش الظلام لا يترك ذبابة تمر من حوله دون إذنه."
همس سيمون: "سيمون الصغير لديه حيلة، سيمون الصغير ليس عفريت قليل حيلة كما تعتقدي."
طار سيمون، رفرف بأجنحته ثم ضمها وطار في سكون دون أن يحدث صوت.
"أليس لهذا السجن نهاية؟" سألت سلرنيس وقد تعبت من السير.
قالت سلرنيس: "سجن الوحوش كان ممتلئًا بالوحوش في الماضي، في كل ركن وكل شق، حتى ظهر وحش الظلام وقضى على كل الوحوش ولم يترك سوى فاريذون."
واصلنا السير في أرض موحلة بها حفر من الماء.
همست سلرنيس: "اقتربنا من النهر."
قلت: "ماذا يعني ذلك؟"
قالت سلرنيس: "يعني أن بوابة الخروج قريبة جدًا يا محمود."
قلت: "لكن أين وحش الظلام؟ لماذا لم يظهر بعد؟ وكيف يسمح لنا بالخروج؟"
قال الطفل الصغير: "ربما لا يوجد وحش من الأصل، إنه مجرد كذبة مثل كذبات الأمهات في أرض البشر عن وجود غول سوف يأكلك إذا لم تسمع الكلام."
"اصمتوا، لا تفتحوا أفواهكم، سيروا بصمت وبطء السلحفاة."
جاء صوت الجنية التي اختفت بعد تحريرها.
قلت: "حضرتِ أخيرًا؟"
قالت: "لم أرحل أصلًا يا بشرى، ألا ترى كيف أنك وعصابتك عبرت معظم السجن دون أن يراك وحش الظلام؟"
همست: "التعويذة؟"
قالت: "نعم."
ثم سمعنا صوتًا مرعبًا: "أشعر بوجودكم لكن لا يمكنني رؤيتكم، رائحة البشر العفنة تزكم أنفي."
جذبتني الجنية نحو جحر بين الصخور وأخذت الطفل وسلرنيس معي، ثم وضعت يديها على الصخور وأغمضت عينيها قبل أن تنفتح ببريق لازوردي وتهمس بطلسم أغلق الصخور علينا.
"سنظل هنا بعض الوقت."
وظهرت الجنية أمامنا.
"نحن محميون هنا ولا يمكنه رؤيتنا أو سماعنا، عندما يمضي الوقت سيذهب لتناول طعامه حينها سنخرج إلى النهر."
سمعنا خطوات الوحش يبحث عنا ويهمس: "هذه خدعة، فلا يمكن لشيء أن يمر من هنا دون أن تراه عيوني."
سألت الجنية: "ما الشيء المميز في هذا الوحش يدفعنا لخشينته؟ أنا يمكنني قتله مثلما قتلت غيره؟"
قالت الجنية فاديكا: "لأنه لا يموت يا محمود، مثلك تمامًا، جراحه تلتئم من تلقاء نفسها."
قلت: "تعرفين ذلك؟"
ابتسمت فاديكا وقالت: "كيف برأيك استطعت أن تهزم فاريذون؟ لا يوجد جني أو بشري يمكنه هزيمة فاريذون إلا إذا كان محميًا بتعاويذ القدماء وبحر الظلام."
همست: "بحر الظلام؟ أتعني أن هذا الوحش حضر من بحر الظلام؟"
قالت فاديكا: "نعم، كان يعيش هناك قبل أن يموت ويحضر سيده إلى هنا ويخضع لسحر الأبريكوني ويصبح على هذه الحال."
مرت بخاطري فكرة ثم نفضتها من عقلي وهمست: "مستحيل، غير معقول."
همست فاديكا: "ما هو المستحيل في أرض الجان؟ كل شيء يحدث هنا حتى أسوأه."
"يمكنكم أن تناموا لأن الوقت سيمر ببطء داخل الصخور وليس مثل اليوم العادي."
قلت: "لكنني لا أملك الوقت؟"
قالت فاديكا وهي تغمض عينيها: "ومن يملك الوقت غيرك؟ أنت الوحيد الذي يملك الوقت، أنت الوحيد الذي خضع له الزمن بدقائقه وساعاته وشهوره وسنينه."
تذكرت أوزار وكيف كان يوقف الوقت، أن قوته تسري داخلي.
بسطت يدي وهمست: "احكم علينا أن لا يمضي الوقت مهما مضت من ساعات أو شهور أو سنين أن نظل كما نحن في الوقت الراهن."
همست فاديكا: "جيد، كان يمكنك أن تفعل ذلك عندما كنت في الساحة وكنت ستضمن أن ما من سوء سيصيب زوجتك؟"
همست بشك: "أنت تقرئين أفكاري؟"
قالت فاديكا: "شعورك بالذنب يمزقني ولا يمكنني من النوم، ما حدث قد حدث يا محمود."
ثم فتحت فاديكا عينًا واحدة واسعة وعميقة مثل البحيرة ورأيت فيها تسنيم ووالدتها داخل قصر فالكون قبل أن تنغلق.
قالت فاديكا: "تعلم أن تستخدم قواك يا محمود، الأمر لا يتعلق فقط بقوتك بل كيف تستخدمها ووقت استخدامها، أنت أقوى مخلوق في أرض الجان ولا يمكنك إنقاذ زوجتك؟"
بعدها صمتت فاديكا ونامت دون حراك.
مضى الوقت مملًا بطيئًا، كنت أقضم أظافري عندما سمعت صوت العفريت سيمون يغني في الخارج.
"لقد عاد إليكم سيمون الصغير بالأخبار."
همست فاديكا: "هذا العفريت سيتسبب في قتلنا."
قلت لفاديكا: "افتحي الصخور سوف أحضره!"
قالت فاديكا: "لا توجد فرصة، سيمون لا يعرف أن الوحش يتبعه، إن الوحش هو من سمح له أن يصل إلى هنا ليصل إلينا."
قلت: "ولو لن أتركه، افتحي الصخور."
ثم تنهدت وقلت: "ثم أغلقيها ولا تفتحيها أبدًا حتى أطرق عليك."
انفتحت الصخور وقلت لسيمون: "اخفض صوتك."
"أخيرًا ظهرت؟"
سمعت الصوت الرفيع المرعب وظهر الوحش من خلف سيمون.
كان جسده منكمشًا ثم تمدد واستطال حتى أصبح بحجم ضخم، كان بارتفاع مترين وجسده صلب كأنه قد صُنع من فولاذ.
أنيابه خارج فمه بطول ذراع ولديه مخالب في يديه وأقدامه وذيل طويل بين قدميه وفي منتصف ظهره شيء يشبه الحرب يتحرك باستمرار.
قلت: "أنت لا تستطيع رؤيتي."
ابتسم الوحش، وهمس: "كنت لا أراك أما الآن فأنا..."
وضربني في صدري وطوحني لبعيد.
شعرت أن ضربته وصلت معدتي وأخرجت أحشائي.
وعندما نظرت إلى جسدي غير مصدق رأيت أحشائي خارج معدتي.
زحفت ببطء نحو الصخور واستندت بظهري.
صرخ المخلوق: "كل ما تفكر به فعلته من قبلك."
ثم أمسك بسيمون وابتلعه.
"عفريت حقير،" همس بحنق، "لا يتوقف عن الغناء، أشك أنه ربما يغني داخل معدتي."
تنهدت بصعوبة: "لا يمكن أن تكون هذه النهاية، رحلتي لازالت طويلة."
بدأت أحشائي تدخل في معدتي.
ابتسم المخلوق وفي لمح البصر وجدته أمامي.
ثم غرس يديه في معدتي وأخرج أحشائي وراح يطوحها في كل مكان.
ضعف جسدي فجأة وشعرت ببرودة تسري في عروقي، إنها النهاية، عيناي تريد أن تنغلق لكنني أقاوِم، غير قادر على فعل شيء.
همست بآخر كلماتي:
وضع المخلوق رأسي تحت قدمه وحمل صخرة ضخمة ونزل بها على رأسي عدت مرات حتى دهسها مثل التراب أو مسحوق الرمل.
انتهيت وخرجت روحي...
رواية زوجتي من الجن الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم اسماعيل موسى
كانت ميريت مرمية على الأرض بين أشجار الغابة فاقدة الوعي، وجرح كبير في جانب معدتها الأيمن.
غير بعيد، كانت ميلاديسيا، التي اخترق سيف كتفها، راقدة على أرض المعركة تحت جثث الجان الكثيرة التي سقطت فوقها.
وكانت الغربان الضخمة تحوم حول أرض المعركة وداخلها، تنقر الجثث الميتة وتفقئ عيونها.
عثر الميلتيت المستطلع الذي أرسلته سلانديرا على جسد ميلاديسيا أولاً، وحملها الشوامل قبل أن يعثر على ميريت بين أشجار الغابة.
تم نقلهما إلى مدينة الشوامل في عمق البحر الأزج، بين الحياة والموت.
أن الحياة ساخرة جدًا، ولا تصفعك إلا في اللحظة التي تعتقد فيها أنك وصلت لغايتك.
تم احتواء جسد ميلاديسيا وميريت بأعشاب البحر المعالجة التي تتفاعل مع الجراح وتتحرك نحو الألم ثم تختفي بداخله.
كانت المرة الأولى التي يجتمع فيها الشوامل والحوريات، ليس كأعداء، بل كفصيل واحد يدافع عن بقائه.
قبل الحرب، توجه محمود نحو زنازين وسجن الحوريات وأفرج عنهم دون شروط، ثم منحهم الاختيار.
ولأنهم جان بحر، اختاروا الدفاع عن الشوامل.
يجلسون إلى جوار بعضهم يخططون للقادم، والذي بلا شك قاتم وغامض وأسود.
انسحقت رأس محمود، وبعد أن انتهى منه الوحش، راح يجول في طرقات السرداب ويهمس بصوت واطئ: "أين أنتم يا من تختفون بين الصخور؟ صاحبكم يحتاج مساعدتكم."
ثم همس بصوت محمود: "النجدة!"
وصل الصوت إذن فاديكا وسلنريس.
صرخت سلنريس: "افتحي الصخور يا فاديكا!"
"لن أفتح الصخور أبداً دون كلمة السر التي أخبرني بها محمود."
قالت سلنريس: "لكن محمود بالخارج يطلب مساعدتنا."
"فاديكا، إنه ليس محمود بل الوحش يقلد صوته."
ثم أغلقت عيونها الواسعة التي تشبه المفيض.
تحول صوت الوحش لنبرة مرعبة، محذرة، متوعدة: "سأحطم كل صخرة وأبحث خلف كل حجر حتى أعثر عليكم."
ثم راح يضرب صخور السرداب ويفتتها بقوته اللامتناهية.
تمتمت فاديكا بكلمات السحر وقالت: "آمل أن تنقذنا حتى يظهر محمود."
ابتسم الوحش عندما لمح طرف فستان فاديكا، ومد يده ليسحبها.
ثم شعر بقوة تسحبه للخلف بعيداً عن الصخور، ثم تضربه في الصخر مرات متعددة وقوية أدمت جسده.
لم يتمكن الوحش من الالتفاف، فقد كان محمود يضربه بلا توقف، بعد أن أمسك بالنتوء العظمي الذي يقسم ظهره نصفين.
قبل أن يقطع محمود قدميه، يطوحها لبعيد.
اقترب محمود من الصخور وهمس بكلمة السر.
انفتح الصخر وخرجت فاديكا وسلرنيس والطفل وفاريذون.
صرخ محمود: "اخرجوا من السرداب وانتظروني على حافة النهر."
همست فاديكا: "الوحش سيعود مرة أخرى."
قال محمود: "ليس وهذا معك."
ثم وضع أقدام الوحش في يد فاديكا وأمرها أن تجرها معها نحو النهر.
ثم صرخ في فاريذون: "اسبقني وافتح كل الزنازين المغلقة."
حرر محمود كل السجناء المحتجزين داخل سجن الوحوش.
وكى لا يفقد الوقت، قال: "إن الوحش سيقتل كل من لا يركض خلفه."
ركضت الأجساد النحيلة خلف محمود نحو باب السرداب، بعد أن وصلوا حافة النهر.
أمسك محمود بلطة وهمس عليها بطلاسم سوداء، ثم ضرب بها باب السرداب الذي راح ينهار، محطماً معه كل جدران السجن.
قالت فاديكا: "أرى أنك استمعت لنصيحتي يا محمود واستخدمت عقلك للمرة الأولى."
همس محمود: "أجل، نطقت الكلمات قبل أن تزهق روحي، فأنا أملك الوقت والزمن كما تعرفين."
ثم ابتسم.
كان محمود قد أوقف الوقت قبل موته، وأمره أن يعود في كل مرة للحظة التي يكون فيها حياً.
"الشكر لـ أوزار هو الذي علمني كل ذلك."
قالت فاديكا: "لكنك تعرف أين يوجد أوزار الآن؟"
التفتت سلنريس تجاه فاديكا مستفهمة، واكتفت فاديكا بابتسامة محمود الذي قال: "لقد مات أوزار ولن يعود مرة أخرى."
باستخدام سحرها، صنعت فاديكا جياداً كثيرة استعملها السجناء للهرب بعيداً عن قلعة أَبيداس.
فبعد انفجار السجن والصوت الذي أحدثه انهياره، سيحضر الكثير من الجنود، بطران أيضاً.
انطلقت الجياد السحرية تركض فوق الأرض بين أشجار الغابة نحو الغابة المسحورة، حتى وصلت حدود النهر الأزج.
وعندما نزل من عليها راكبوها، اختفت على الفور.
وضع محمود يده على سطح الماء وهمس برسالة.
ولم تمض سوى دقائق معدودة حتى ظهر باكيتش ملك الحيتان من خلف قطيعه.
قال محمود: "مرحباً بملك الحيتان."
همس باكيتش: "مرحباً بملكنا البشري."
باكيتش قال: "محمود، خذهم إلى مدينة الشوامل في سلام يا صديقي."
"سمعاً وطاعة."
همس باكيتش وهو يتقيأ العشبة المسحورة على الشاطيء.
وضع كل سجين قطعة من العشبة داخل فمه وابتلعها، ثم امتطوا الحيتان التي غاصت بهم نحو مدينة الشوامل.
نظر محمود تجاه قلعة أَبيداس وهو يهمس: "إلى متى ستطول هذه الحرب؟"
ثم اصطحب فاديكا نحو البحيرة المسحورة حيث كان هناك حصان أبيض ضخم في انتظاره.
امتطى محمود الحصان ذو العرف الذهبي، من خلفه فاديكا التي أحكمت قبضتها على خصره، ثم لكز الجواد وهمس: "أركض بنا."
رواية زوجتي من الجن الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم اسماعيل موسى
ركض الجواد الأبيض كالريح، يرفرف عرفه المذهب اللامع في أشعة الشمس. عبر الغابة ذات الأشجار المتحركة التي تلعب فيها جنيات صغيرات وعفاريت، ثم ركض على رمل الشاطئ الناعم وحوافره تركض الهواء. وإلى جواره تتقافز أسماك الربيش البيضاء بكثافة.
ثم انتهى إلى سهل معشوشب أخضر تتخلله زهرات اللقنطيط والبرومال والأشنيه. انحنت فاديكا وقطفت بعض الزهرات المعطرة، وصفع وجهها الهواء البارد. وضعت واحدة في جانب شعرها الأيمن وأخرى في مقدمته، وزرعت واحدة في صدرها.
صهل الحصان ورفع حافره الأمامي، ثم توقف أمام نسر ضخم كان يحلق قبل أن يهبط أمامهم داخل الوادي. أحنى الحصان رأسه أمام النسر.
همس النسر: فاديكا؟ أعتقدت أنني لن أراكِ مرة أخرى.
ابتسمت فاديكا: وأحرم نفسي من رؤية وجهك الجميل يا أدهم؟
قال النسر: من يقدر على خدع فاديكا وجمال كلماتها؟ والدتك تنتظرك.
أطلق محمود نظرة حائرة، ثم نزل من على ظهر الحصان وساعد فاديكا على النزول. ثم ربت على ظهر الجواد وهمس: أنت حر كما وعدتك.
صهل الجواد بفرحة، ثم تحول لشاب صبغته أشعة الشمس، حليق الرأس ويمتلك عضلات جبارة.
شكرا لك يا مولاي.
ارتقى فاديكا ظهر النسر، وقفز محمود خلفها. انطلق النسر عموديًا حتى ظن محمود أنه سيسقط، قبل أن يحلق أفقيًا بسرعة خرافية فوق سبغات وحشائش، ثم بقعه سوداء جرداء محترقة.
همست فاديكا: الأرض الميتة التي تفصلنا عن عالم الجان. أتـعرف يا محمود، لا يمكن لأي واحد من شعبنا أن يغادر دون الاستعانة بعشيرة النسور. هذه الأرض لم يمشِ فوقها إنس ولا جان ولا عفريت ولا جوبلن، حتى الأرواح لم تدخلها.
ظهرت بحيرة ذات مياه حمراء صافية تسبح فيها أسماك ملونة ضخمة، لمحها محمود حتى من كل هذا الارتفاع. ثم لاح شلال مرتفع أجبر النسر أن يحلق لأعلى قبل أن ينغرس داخل مياه الشلال مثل السهم، لتظهر أمامهم أرض خضراء واسعة تتخللها تلال يكسوها العشب وترعى فيها الحيوانات والطيور، كانت أشبه بالمحمية الطبيعية، قبل أن ترتفع أسوار قلعة محفورة داخل الجبل.
نزل النسر أمام مدخل القلعة الذي كان يصعد تدريجيًا بدرجات مصنوعة من الرخام ومفروشة بالسجاد الأحمر، على جانبيه تماثيل لأسود ونسور وجنيات ضخمة تحمل كتبًا مفتوحة تكاد تسقط منها الكلمات.
أهلاً بك في قلعتنا يا محمود!
استقبلهم قزم برأس فراشة، لديه شعر طويل جدًا ولحية صفراء تحبس عيون زرقاء ماكرة. في يده صولجان تعلوه بلورة على شكل الكرة الأرضية لامعة شفافة، داخلها جنيات صغيرة تحمل أقلامًا جالسة على مقاعد واطئة أمامها دفاتر صغيرة تكتب فيها.
انحنى القزم حتى تقوس ظهره، ورأى محمود جناحيه الصغيرين المقطوعين من جذورهما.
همس: أهلاً فاديكا. والدتك في انتظارك.
كسر القزم أمامهم وصعدوا الدرجات العريضة، وسمع محمود خرير الماء الذي كان يجري في قناة تحت الدرج الرخامي.
رفرفت فراشات ملونة حتى اصطدمت بوجوههم، وسمع محمود همس إحداهن: لا تثق بكل ما تراه عينيك، لا تثق بكل ما تسمعه.
همست فاديكا: ارحلي يا براتونا، ولا تقلقي ضيفنا.
طبعت الفراشة قبلة على خد محمود، شعر بطراوتها، ثم رفرفت لبعيد.
على باب القصر ظهرت عشرة وصيفات مرتديات زي أخضر موحد وأوشحة صفراء، وكانت أيديهن ذات أصابع طويلة داخل قفازات لا يظهر منها إلا مخالب حادة. ارتموا على الجانبين وانحنوا أمام محمود وفاديكا.
ثم ظهرت جنية ترتدي نظارة طبية وتمتلك أوسع عيون في الكون. كان شعرها قصة شعر بيكسي، وفي رقبتها علق مفتاح ضخم في سلسلة من الأزورد مزينة بالأحجار الكريمة.
قالت فاديكا: أعرفك بـ أنتونيا، حارسة وخادمة المكتبة العظمى.
رمقت أنتونيا محمود بتركيز وهمست: ليس لدي وقت لأضيعه. أنتِ وأشارت لفاديكا: اذهبي لوالدتك، وأنت اتبعني. ووضعت قلمًا في انحناءة أذنها الطويلة المدببة: سنبدأ فورًا. لديك الكثير من العلوم عليك أن تعرفها.
وصلوا بابًا ضخمًا فتحته أنتونيا، وضع محمود يده على الباب الضخم الذي على شكل كتاب مفتوح وهمس: أمرك يا وقت أن لا تمضي مهما ظللت هنا، أن تعود إلى تلك اللحظة التي أعيشها الآن.
ماذا تهمس؟ سألت أنتونيا بشك وفضول.
لا شيء. ورفع محمود بحركة متأسفة.
داخل المكتبة تلقى محمود علوم السحر على يد أنتونيا. علمته كيف يطلق الطلاسم وكيف يحلها، كيف ينتقل من مكان لمكان، وكيف يسحر من أمامه على طريقة الجان. قضى محمود وقتًا طويلاً داخل المكتبة لم يرَ فيه فاديكا، ولم تطلبه والدتها للحضور. وكان يتدرب كل يوم على طلاسم السحر، يطلقها على جنيات وعفاريت.
وبعد مضي شهر كامل، أيقظته أنتونيا في غرفته وهمست بصوت متشكك: لقد حانت اللحظة. الملكة ستلقي عليك التعويذة التي حضرت من أجلها.
بدلت ملابسي ورافقتني أنتونيا نحو قاعة الملكة. كانت القاعة معلقة في الهواء، تصعد إليها عن طريق سلم زجاجي يشعرك أنك تصعد نحو السماء. كانت أرضية القاعة من الزجاج المقوى تمكنك من رؤية الخضرة والأزهار والغدير الذي يجري تحتها.
جلست الملكة فاتيرا على مقعد من عاج، مرتدية فستانًا متدرج الألوان ينتهي بمشبك ملكي، وكان شعرها جديلة طويلة. ووجهها الشديد الشبه بالبشر أبيض مثل الحليب، وكانت عينيها الواسعة ذات الرموش الطويلة بلون الطحلب.
انحنيت أمام الملكة فاتيرا التي رحبت بي.
أهلاً محمود. جلست على مقعد أسفل الملكة، وكان الخدم يعدون المائدة التي أمرت بها الملكة على شرفتي. راحت جنيات صغيرات بأجنحة تحمل الأطباق من المطبخ وترصها على الطاولة.
بعد أن أنهينا طعامنا، وقفت أنتونيا أمام الملكة ورفعت يدها البشرية: جاهز يا مولاتي.
ابتسمت الملكة فاتيرا وهمست: لحظة يا أنتونيا. ثم قالت: محمود. وشعرت بالسحر في صوتها.
تمدد على الأرض. وجدتني منصاعًا إلى أمرها غير قادر على الرفض.
ثم قالت: محمود، اقفز من هنا على الأرض.
مشيت بلا تردد نحو النافذة، وفي آخر لحظة قالت الملكة: توقف.
ثم فتحت عينيها ونهضت.
منذ تلك اللحظة، لن تخضع لسحر الجان أو ملوكها. لن يؤثر بك. أنا أحصنك بقوتي الملكية وأمنحك جزءًا من قوتي يمكنك من اكتشاف سحر الجان. ستكون قادرًا على معرفة المتحولين، مكشوفين أمامك. لكن أمنعك من استخدام تلك القوة لسحر أي جان أو بشر.
انتفض جسدي وشهقت.
قلت للملكة: كيف تفعلين ذلك؟ كنت على وشك أن ألقي بنفسي من النافذة.
قالت الملكة: هذه قوة يمتلكها ملوك الجان، وقد حصنتك ضدها. ستُرحل من هنا، لكن فاديكا أن ترافقك. أنا آمرها أن تظل هنا. سيكون رحيلك بعد يومين.
بعد يومين، من فوق القصر كان النسر أدهم في انتظاري، وحملني فوق الأرض الميتة، ثم عبر بي النهر والغابة، وتركني على حدود الغابة. ثم قال: هنا آخر حدودي.
ودعني النسر أدهم وهمس: أدعو أن لا نلتقي مرة أخرى، أن تتحقق أحلامك وتجتمع بزوجتك وتغادر أرض الجان.
أمسكت عود نبات البيرق وسحرت حصانًا أقلني نحو شاطئ البحر الأزرق. وجدت الشوامل والحوريات مجتمعين، وسلانيدرا تتحقق من أعداد المقاتلين وأسلحتهم.
قلت لفاريذون: اتبعني.
وقف فاريذون إلى جواري. رفعت يدي وقلت للمقاتلين: هذا آخر أمر أصدره بصفتي ملككم. سنهاجم قلعة أبيداس ونستولي على الحكم. سأقتل فلاكون وستكون سلانديرا ملكتكم. أما قلعة أبيداس فستخضع للملك البيرون كما وعدته.
أرسلت مخلوق باتيكون إلى الملك البيرون يخبره بموعد هجومي على قلعة أبيداس.
ثم قلت لسلانديرا: التجمع عند ميناء قلعة أبيداس. ستتحركين عندما أمنحك إشارتي.
انطلقت مع فاريذون نحو البر. تسللنا داخل الغابة حتى وصلنا سجن الوحوش المتهدم.
سألني فاريذون: إلى أين يا مولاي؟
قلت: سأقابل الوحش.
همس فاريذون: هذا جنون مطبق.
قلت: لا تقلق، لدي فكرة.
لكن الوحش يا مولاي مات.
قلت: هذا ما تعتقدة. أوزار لم يمت.
ثم وضعت يدي فوق الصخور وأطلقت طلاسم وتعويذات جعلت الصخور ترتفع وينفتح مدخل ضيق. نزلت مع فاريذون إلى ما تبقى من السرداب. كان الوحش هناك بعيونه المشتعلة يزحف على يديه ويدور حول نفسه.
قال الوحش: أنت مرة أخرى؟
قلت: نعم يا صديقي.
صرخ الوحش: لست صديقك، أنا لست صديقًا لأحد. وضربني بذيله المشتعل الذي كان بعيدًا عني.
صرخت صرخة مرعبة: لا تجبرني على قتلك.
اندفع الوحش نحوي بكل قوته فاتحًا فمه الواسع.
قلت: من أجلك يا صديقي. ثم وضعت يدي في فم الوحش متحملًا أنيابه التي انغرست في ساعدي حتى لمست قلبه. كنت تعلمت من السحر ما يكفيني لتحريره. قبضت على قلبه وهمست بطلاسم التحرير قبل أن يقطع الوحش يدي.
توقف الوحش فجأة وبدا أنه غير مدرك للمكان الذي يوجد به.
ثم همس: محمود، من الذي فعل ذلك بيدك؟
قلت: ياه، أوزار صديقي أخيرًا.
همس أوزار وهو يحاول أن يتأمل هيئته الجديدة: ما الذي حل بي؟ أنا أبدو كحيوان حقير. آخر ما أتذكره أنني مت. قتلتني باندهيار.
قلت: نعم، لكن بطران استخدم سحره وسخرك لخدمته.
تنهد أوزار بحزن: لا يمكنني العيش بهذه الهيئة. إذا كنت صديقي فعلاً يا محمود، اقتلني.
قلت: لكنني أحتاج مساعدتك.
قال أوزار: سأساعدك، لكن عاهدني ما أن ننتهي أنك ستقتلني بيدك.
أوزار الذي كنت أعرفه مات ولم يعد مرة أخرى.
قلت: أعدك يا أوزار أن أقتلك بيدي إذا لم تمت داخل المعركة.
خرجنا من السرداب نحو الأرض المنبسطة، وظهرت أسوار قلعة أبيداس أمامنا. كانت الحراسة مشددة على أسوار القلعة، لكن هذا لم يشغلني. كان أكثر ما يقلقني تسنيم، أين توجد وكيف أعثر عليها قبل أن يستخدمها بطران مرة أخرى.
قلت لأوزار: ستكون لديك مهمة واحدة. أن تعثر على زوجتي وتحررها وتخرجها من القلعة إلى حدود البحيرة المسحورة، ولا تسمح لأي مكروه أن يصيبها. ستكون مهمتي تشتيت انتباه بطران. أما أنت فتعرف طريقك. فسرديب الأرض تخضع لك.
رواية زوجتي من الجن الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم اسماعيل موسى
تعلم بطران من خسارته، بخلاف الملك فالكون، بطران لم يستوعب ما حدث من هجوم محمود على قلعة أبيداس بمفرده وهزيمة جزء من الجيش، فكسر ذلك من معنوياته. لذلك، عمل على تحصين القلعة بتعويذات قديمة ونشط السحرة داخل القلعة، لأنه كان يرى قوة محمود سحراً. أمرهم أن يجدوا حلاً لإضعافه ومواجهة سحرته.
لكنه يعلم أن قوة محمود لم تأته بسبب السحر، وأن رحلته الأخيرة كانت لغرض واحد وهو حمايته من سحر الجان وملوكه.
من محمود خارج أسوار القلعة، لم يرغب هذه المرة في الهجوم على القلعة قبل أن يطمئن على تسنيم ووالدتها. لن يسمح البطران أن تستخدم تسنيم مرة أخرى لإضعافه وهزيمته.
زحف أوزار وفاريذون داخل سراديب القلعة يتشممون الروائح. لكن أوزار لم يجد أثراً لتسنيم، وكان يعرف أن محمود خارج أسوار القلعة ينتظر إشارته.
همس أوزار: "الملعون بطران اتخذ احتياطاته لكل شيء. يعرف أن نقطة ضعف محمود تسنيم، لذلك احتفظ بها في مكان بعيد عن القلعة."
همس فاريذون: "يعني مهمتنا فشلت؟"
صمت أوزار لحظة وهمس: "اسمع يا فاريذون، قد تكون وحشاً مثلي، لكنك تعرف أن مصلحة الجان والبشر تقتضي التخلص من فالكون وبطران. التخلص من الظلمان تضحية واحدة، لا بد أن لا تمنعنا من فعل الصواب."
همس فاريذون: "هنعمل إيه يعني؟"
قال أوزار: "سنهاجم القلعة ونرسل الإشارة إلى محمود. لا بد أن تسقط القلعة."
قال فاريذون برعب: "لكن محمود سيكون غاضباً جداً؟"
قال أوزار: "سأتحمل أنا غضب محمود، فأنا على كل حال ميت."
صعد أوزار وفاريذون نحو بهو القلعة وأحدثوا القتل في حراسها وجنودها. أحدثوا دماراً مرعباً. ومن الخارج، هجم محمود بعد أن منح سلانديرا إشارة البدء.
حضر الملك البيرون بجيشه وحاصر القلعة. دارت حرب ضخمة بين جيش فالكون وسحرته، ومحمود وقواته. حرب ذبحت فيها آلاف الأرواح وتهدمت أسوار القلعة. وخلال المعركة، لم يلتق محمود بأوزار الذي كان يحارب الوحوش التي صنعها بطران وسحرته. لكنه كان يعرف أن تسنيم ووالدتها في أمان معه، لذلك استخدم كل قوته ضد جيش فالكون حتى وصل إلى الملك.
حاول فالكون أن يستخدم سحره ضد محمود، لكن السحر لم يؤد غرضه، مما اضطره لمحاربة محمود حرباً مباشرة بالسيف. الحرب بين ملك من ملوك الجان وإنسان بشري تبدو سخيفة جداً في نظر الجان الذين يعتقدون أنهم من عرق أرقى من البشر. كان فالكون يمتلك قوة خارقة، ويمكنه سحر أي مخلوق سواء كان جان أو بشر. ولما فشل في سحر محمود واضطر لحربه، شعر باستياء عارم.
امتدت الحرب بالسيف ساعات طويلة، حتى تمكن محمود في النهاية من قتل فالكون واقتحام القصر. حينها، كان لديه هدف واحد: الوصول إلى بطران وقتله.
كان بطران في الشرفة عندما لمحه محمود. ركض محمود وقفز إلى سطح القصر خلف بطران الهارب. اعترض طريقه بعض الجنود، قام محمود بقتلهم بسرعة قبل أن يختفي بطران داخل القاعة. اقتحم محمود القاعة خلفه، وجد بطران وتسنيم وعشرة من الجنود يحوطون بها. كان في يدها سيف تدافع به عن نفسها.
همس محمود: "اللعنة، كيف يفعل أوزار ذلك ويترك تسنيم بلا حماية؟" واقتحم الدائرة بسرعة، ووقف إلى جوار تسنيم، وسرعان ما أسقط الجنود قتلى، وغرس سيفه في قلب بطران الذي سقط أرضاً.
صرخت تسنيم وهي تركض نحو محمود.
محمود فتح ذراعيه لتلقي بنفسها في حضنه.
استقبلها محمود بسيفه وشقها نصفين. إن التعويذة التي منحته إياها الملكة فانتونه أظهرت له أنها جسد متحول.
سقط جسد تسنيم على الأرض، وسرعان ما تحول لجسد بطران. إنها اللحظة التي كان ينتظرها محمود منذ حضوره أرض الجان: القضاء على بطران. رفع محمود سيفه وهوى به على رأس بطران، فصله عن جسده، في اللحظة التي كان يصرخ فيها أوزار: "توقف، لا تقتلها."
اقتحم أوزار القاعة، لكن بطران كان قد انتهى، جسد مفصول عن الرأس.
وقف أوزار يلهث من الغضب ويصرخ: "لماذا قتلته؟"
استدار محمود بغضب أكبر: "إنه بطران يا أوزار، وكان عليّ قتله. لا توجد رحمة هنا."
همس أوزار: "لقد قتلت الخيط الذي سيوصلك بزوجتك."
ترك محمود سيفه وصرخ: "أتَـعني أن تسنيم ليست معك؟"
قص أوزار على محمود ما حدث. إن تسنيم ووالدتها غير موجودين في القلعة، احتفظ بهم بطران في مكان مجهول.
صرخ محمود وحطم الجدار، ثم ترك القاعة وخرج.
اقتحمت جيوش الملك البرين سلانديرا قلعة أبيداس، واستباحوا دماءها، ونهبوا ثرواتها. وتحولت القلعة لمدينة أموات.
اختفى محمود ولم يظهر خلال حفل تنصيب الملك البرين ملك ملوك الجان.
عادت سلانديرا إلى أرضها داخل البحر، وكانت ميريت وميلاديسيا قد استعادا قوتهما بعد أن شفيا من الجراح.
حرر البشر من سجون قلعة أبيداس، وسمح لهم بالعودة إلى أرض البشر. ومن بقى منهم اختار أن يكمل حياته في أرض الجان.
بدا الوضع مستقراً بعد أن نال كل شخص انتقامه، بينما لم يبق شريد القلب مهموم سوى محمود، الذي لم يَرَ في مكان.
رواية زوجتي من الجن الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم اسماعيل موسى
لقد تحرر من وعده، منح كل شخص حقه، كأنه حضر من أجل تلك الغاية، بينما الذي حضر من أجله لازال بعيدًا عنه. يعرف أن كل شيء قسمة ونصيب، لكنه يشعر بالحزن والانكسار. زوجته بعيدة عنه، لا يعرف عنها شيئًا، زوجته التي خاض الحروب من أجلها، والتي كانت قريبة جدًا أصبحت بعيدة في تلك الأرض اللعينة.
سار بين الأشجار المتحركة، غير عابئ بوشوشاتها ومن حوله. تتقافز الجنيات الصغيرات بسعادة وفرح بعد انتهاء الحرب وتحررهم من بطران. إنه لا يستطيع أن يفهم كيف يكون العالم كله سعيدًا دون أن يلحظ ذلك الحزن القابع في صدره.
أقام الملك بطران وليمة على شرف محمود الذي لم يظهر، وأرسل جنوده للبحث عنه، لكن محمود كان قد ابتعد يسير بلا عقل في تلك الأرض الواسعة، حتى أن أصدقائه ميلاديسيا وسلانديرا وميرت يبحثون عنه في كل مكان. أوزار يحمل نفسه مسؤولية فقد تسنيم.
جلس محمود فوق تلة مخضرة وكان التعب قد نال منه. سمع:
"أظننت أنك من الممكن أن تهرب مني؟"
همس محمود:
"فاديكا؟ ظننتك في قصر والدتك فانتيرا؟"
قالت فاديكا:
"لا يمكن سجني بين الأسوار، فأنا رحالة. هربت من القصر، ومن حسن حظي وجدتك!"
همس محمود بحزن:
"زوجتي تسنيم لم أجدها!"
قالت فاديكا:
"لا زلت لم تتعلم بعد، ماذا تنتظر؟ أوقف الوقت، لا تجعل العمر يمر حتى تعثر على زوجتك."
أوقف محمود الوقت، فمهما طالت مدة بحثه عن تسنيم سيظل في الوقت الحاضر.
همس محمود:
"لا أعرف أين أذهب ولا كيف أجدها ولا من أين أبدأ."
قالت فاديكا:
"ربما تستطيع والدتي مساعدتك، فانتيرا. لكن عليك أن تذهب بمفردك، سأنتظرك هنا."
قال محمود وهو يفتح يديه ويطلب من فاديكا أن تختفي عن الأنظار:
"لست مضطرًا للذهاب هناك."
وتمتم فوق يديه المفتوحة، فانفتحت طاقة تشبه الشاشة ظهرت عليها فانتيرا.
كانت فانتيرا تسير وسط الكتب حاملة في يدها كتابًا قديمًا مفتوحًا تقرأ منه.
همس محمود:
"فانتيرا؟"
استدارت الجنية نحو الصوت الذي ظهر على جانب الجدار، ثم ابتسمت:
"محمود؟ أرى أنك تستمتع بالخضرة. أين زوجتك؟"
"لم أنجح في تخليصها من بطران، هذا ما أتحدث إليك بشأنه. قبل مقتله، أخفى بطران تسنيم في مكان مجهول ولا أحد يعرفه!"
همست فانتيرا بعد تفكير:
"يمكنني أن أساعدك في ذلك."
ثم وضعت يديها على كريستالة دائرية الشكل وغمغمت ببعض الطلاسم. دارت الكريستالة حول نفسها، وبعد أن كانت مضيئة، ظهرت داخلها بعض النقاط المعتمة.
رفعت فانتيرا يدها:
"زوجتك ستكون داخل واحدة من تلك النقاط المعتمة."
ثم رسمت خريطة وأرسلتها إلى محمود.
نهض محمود بسرعة، وتنشق الهواء كأن روحه عادت إليه. فرد الخريطة أمامه ونظر إلى النقاط، التي كان أحدها داخل أرض الملك البرين.
للحظة، شعر محمود بالغضب والخيانه. هل معقول أن يكون الملك البرين قد قام بخيانته؟
ظهرت فاديكا بعد أن اختفت الدائرة، ولمحت الحيرة على وجه محمود.
فهمست:
"البرين لم يخنك، لا أعتقد ذلك. أعتقد أن بطران رغب في خدعة أخيرة، إذا تعرض للهزيمة داخل قلعة أبيداس، أن يشعل نار الحرب بينك وبين البرين. وليس هناك أفضل من زوجتك التي وضعها في سجن مخفي داخل أرض البرين. حينها بلا شك ستدور الحرب بينك وبين الملك البرين."
لم يكن محمود في حاجة لسماع المزيد من الكلمات. أحضر حصانًا مسحورًا وارتقاه، وخلفه فاديكا نحو أرض الملك البرين. وصل هناك قبل غروب الشمس، وكان السجن داخل جبل يصل إليه سلم مخفي.
استخدم محمود قوته السحرية لإظهار السلم، وخلال دقائق كان داخل السجن الذي يتغير مكانه تبعًا لحركة الشمس. كان داخل السجن الكثير من السجناء الذين قام بطران بنفيهم من قلعة أبيداس.
ترك محمود أمر السجناء لفاديكا لتحريرهم، وراح يصرخ باسم تسنيم. صوته الذي راح يتردد داخل السجن.
أخيرًا وصله صوت ضعيف، صوت تسنيم. كانت معلقة من يدها داخل زنزانتها، قدماها بالكاد تصل إلى الأرض، وإلى جوارها والدتها.
لم يصدق محمود نفسه. حرر تسنيم ووالدتها، ثم أخذها في حضنه وهمس بمزاح:
"كلمة السر؟"
انفتحت شفاه يابسة وهمست:
"قمري أبداً لن يشرقك دونك!!"
ضغط محمود على الجسد الضعيف وهمس:
"أخيرًا يا تسنيم أصبحنا معًا."
"تأخرت كثيرًا يا محمود." همست تسنيم بلوم.
أخذها محمود تحت كتفه وسار بها لخارج السجن وهو يخبرها أنه حارب من أجلها ملكًا ووحوشًا وشياطين وحوريات وشامل.
همست تسنيم:
"لحظة لحظة، ليس الآن، سيكون لدينا وقت طويل لتحكي لي كل شيء بالتفصيل."
في الأرض الخلاء، حاول محمود أن يعود إلى عالم البشر من خلال البوابة، لكنه لم يفلح، حتى اعتقد أنه نسي الطريقة. فطلب من فاديكا أن تفتح البوابة، لكنها فشلت.
أحضر محمود فانتيرا مرة أخرى وتحدث معها.
فانتيرا، التي همست بحزن:
"هناك تعويذة ميتة ضربت حول تسنيم قام بها بطران تمنع خروجها من أرض الجان."
صرخ محمود:
"تعويذة ميتة؟ كيف ذلك؟"
قالت فانتيرا:
"يعني ليس لها حل، ولن ينجح ملك أو عراف أو ساحر في حلها. إن قدرك يا محمود أن تظل مع تسنيم في أرض الجان حتى نهاية عمرك."
رغم أن محمود راح يصرخ ويرفض ويضرب، إلا أنه رضي أخيرًا. وهمس:
"مكاني جوارك يا تسنيم، في أرض الجان أو في أرض البشر، لن يمنعنا شيء أن نعيش حياتنا بسعادة."
عاد محمود إلى قلعة أبيداس، والتقى بأصدقائه، وعمت الفرح ربوع المملكة. وأمر الملك البرين ببناء قصر لمحمود يعيش داخله مع زوجته تسنيم على ربوة مخضرة تطل على البحر. قصر يخدمه فيه جان وبشر، جنيات ووصيفات، قصر ضخم ملحق له اصطبل للخيول وحديقة كبيرة متنوعة الأزهار والورد.
انتقل محمود مع تسنيم ووالدتها إلى القصر الجديد، وبدأ أن حياتهم السعيدة قد بدأت، وعاش أيامًا طويلة في فرح وسعادة، وأنجبا أربعة أطفال، ولدين وبنتين. ومضت الحياة كما تمنتها تسنيم في هدوء وسكينة، بين حفلات يتجمع فيها الأصدقاء ميريت وميلاديسيا وسلنديرا وسالانديرا وفاديكا، بينما كان محمود يقضي وقته في تعليم أولاده أساليب الحرب والصيد والقتال. ولكن.....