"يعني إيه هربت بنتك العروسة النهاردة؟ والراجل اللي هيبقى جوزها وعيلته دول هنقولهم إيه؟ أخذت تفرك والدتها يدها بتوتر وخوف: "مش عارفة يا إسماعيل، دخلت الأوضة مش لاقياها، أنا خايفة تكون حصلها حاجة زي المرة اللي فاتت." نظر إسماعيل حوله بقله حيلة وغضب ليقول: "طيب تعرفي حد من أصحابها يمكن يكونوا عارفين هي فين؟ لتُهز
والدتها رأسها بدموع: "مكنش عندها غير اللي متتسمي التانية، واختفت من حياتها، لكن دلوقتي مش عارفة يا إسماعيل، مش عارفة." ليقطع كلامهم وتفكيرهم صوت زغاريط من الخارج فجأة. لتنظر إلى أخيها بتوتر: "هروح أشوف إيه وأهديهم لحد ما نلاقي صرفة للبلوة دي." ثم تركته واتجهت إليهم في الخارج بخطى متثاقلة. ترى ماذا تقول له؟ هل هربت العروسة يوم زفافها وعقد قرانها؟ لتأخذ نفس عميق وهي تتحكم في انفعالاتها وبكائها وتخرج لهم.
ما كادت أن تتحدث حتى فتحت فمها من الصدمة وهي ترى تلك الجالسة بين الجميع بابتسامة بسيطة مرتسمة على وجهها وتجلس على قدمها تلك الفتاة الصغيرة. لتفوق والدتها من الصدمة على صوت والد ساجد بابتسامة: "تعالي يا أم آيات، العروسة جات وإنتي لسه؟ لتُهز والدة آيات رأسها بهدوء وتتجه نحو ابنتها وهي تسألها بنظراتها عن أين كانت ومن أين جاءت!! لتتطلع إليها آيات بدموع رافضة النزول، وكأنها ترسل لها نظرات اعتذار عما كانت بادرت عليه.
لتفوق على جملة الشيخ: "موافقة يا بنتي على زواجك من المدعو ساجد زهران؟ لتنظر إلى الأرض بدموع وهي تهز رأسها بالموافقة. لتنحني عليها والدة ساجد برفق: "على صوتك يا حبيبتي، الشيخ عايز يسمع موافقتك." ليخرج صوتها هش رقيق اخترق اهتزت جدران قلب ذاك الجالس عند كلماتها: "موافقة يا شيخنا." لتعلو الزغاريط من الحاضرين ليبدأ المأذون في المراسم.
ويجلس على جنب جد ساجد والجنب الآخر خال آيات، وهي مازالت على جلستها وهي تنظر للأرض حتى لا تقدر على رفع عيونها للأمام لترى زوجها الذي سيسجل بعد قليل. لتفوق على قبلة صغيرة من وجنتيها لتنظر لتلك القابعة بأحضانها منذ دخولها عليهم. لتبتسم إليها آيات بخفوت: "اسمك إيه؟ لتنظر له الصغيرة بعيونها الرمادية اللامعة: "اسمي جوري." ابتسمت لها آيات: "اسمك قمر قوي يا جوري، أنا اسمي آيات." لتعبث جوري بضيق: "إنتي مش ماما يعني؟!!!
لتعقد آيات حاجبيها باستغراب ثواني لتربط الأمور ببعضها، إذا تلك الصغيرة هي ابنة زوجها الآن. لتبتسم ابتسامة بسيطة: "اللي إنتي عايزاه قوليه يا جوري." ضمتها جوري بحب وطفولة: "أوكي يا مامي." لتصعق آيات من لقبها بتلك السرعة، لم تراها سوى بضع دقائق صغيرة لتطلق عليها ماما بتلك السرعة. كان يجلس بهدوء وهو يتابع كل حركاتها الانفعالية، ابتسام، استغراب، صدمة، تفكير.
كان يتابع كل ملامحها وهي تتحدث مع ابنته الصغيرة، بداية من دخولها المفاجئ لهم من الباب الخارجي وكأنها كانت بالخارج، وهي ترتدي ذلك الفستان الأبيض المنقوش بالزهور الوردية البسيطة الصغيرة وذاك الحجاب الطويل الزهري على وجهها وخلو وجهها الواضح من مساحيق التجميل إلا بعض الزينة الخفيفة التي تكاد ترى. لما اهتزت جدران قلبه الآن مع دخولها وهي بالكاد لم ترفع عيونها عليه، ليستعيد جموده أخيراً مع
كلمات الشيخ الذي صاح بها: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير." لترتفع الزغاريط للمرة التي لا يعرف عددها منذ بداية اليوم. واستلام العروسين التهانى من الأقارب والجميع. ليمُر الوقت عليهم بهدوء وحديث عادي حتى صاح الجد مهللاً: "طيب يا عروستنا، ولا إيه؟!! نظرت إليه آيات بهدوء لذلك الكهل الكبير الذي يرتسم على وجهه الجدية وأيضاً الهدوء والطيبة. لتقف وهي تمسك بيد الصغيرة التي لم تفلت يدها طوال الجلسة.
ليأتي السائق ويساعد ساجد في النزول إلى الأسفل وتلحقه أفراد العائلة. بينما وقفت آيات وهي تودع والدتها بدموع: "آسفة يا ماما، كنت هعمل غلط أكبر النهارده." نظرت إليها والدتها بهدوء: "كنتي هتهربي صح يا آيات؟ لتهز آيات رأسها بهدوء وبعض الدموع تتأهب مرة أخرى للنزول. لتفتح عيونها على مصرعيها عند عناق والدتها لها: "بكرة تعرفي أنا عملت كل دا علشان مصلحتك يا آيات، خلي بالك من بيتك وجوزك يا بنتي."
لتهز آيات رأسها بدموع وابتسامة انشقت على وجهها، وكان عناق والدتها أعاد إليها شحنة من القوة. لتمسك بيد تلك الصغيرة وينزلوا عند الجميع بالأسفل. لتشير والدة ساجد إلى آيات على إحدى السيارات السوداء: "اركبى هنا يا آيات مع ساجد." لتبتلع الأخرى ريقها بتوتر من رؤيته، فهي كانت تتحاشى النظر إليه طوال الجلسة. ليحين الوقت لتجلس معه وبجانبه. لتمسك الصغيرة يد آيات: "وأنا يا تيته، هركب مع مامى." لتهز ناهد
رأسها لحفيدتها بابتسامة: "ماشي يا حبيبتي، معلش يا آيات هتعبك معاها." لتبتسم آيات بهدوء: "لا تعب ولا حاجة، يلا يا جوري." ليتجهوا نحو السيارة بخطى متثاقلة مرتجفة. ليقوم السائق ويفتح لها الباب لتنظر إلى ذاك القابع تلقائياً داخل السيارة، فكان الظلام سيد المكان، فقط لمحت لون بدلته الرمادية. لتجلس بهدوء وتجلس جوري على قدمها بهدوء ليبدأ السائق بالتحرك بهم نحو القصر.
ظلوا هكذا على صمتهم ما عدا بعض الهمسات بين جوري وآيات، فكان جوري غلبها النعاس لتسكن نائمة داخل أحضان آيات التي تشدد عليها وكأنها تستمد منها القوة من المعركة القادمة. لتسمع صوت أنفاسه المتسارعة، لا تعلم من الغضب أم ماذا؟! لتفضل الصمت. لتسمع فجأة صوته البارد كالجليد وهو يقول: "قدامنا كلام كتير لما نوصل، أتمنى تكوني جاهزة ليه! لترتفع دقات قلبها من الرعب من أثر صوته وكلماته الباردة عليها.
لم تعلم ماذا تفعل، فقط لتهز رأسها بهدوء ولكن بدون صوت. أقسمت أنها سمعت صوت قبضة يده ليصدر صوته البارد كالصقيع مرة أخرى: "مبحبش الإشارات، أنا مشلول مش أعمى، لما أقولك حاجة تردي." لتهز رأسها تلقائياً برعب وخوف، احتجت مواصلتها لتقول بصوت حاولت إخراجه طبيعي بعد كم الشحنات التي أخذتها اليوم: "م... مف... مفهوم." ليزفر بضيق عندما سمع بحة الحزن والخوف في نبرتها، ليهمس لنفسه: "الصبر، اصبر يا ساجد، اصبر."
ليظلوا صامتين حتى وصولهم إلى القصر بهدوء. حملت إحدى الخادمات جوري من يد آيات واتجهت بها إلى الأعلى، بينما كان السائق يساعد ساجد على الجلوس بالكرسي المتحرك مرة أخرى والاتجاه إلى غرفته بصمت. لتشعر بالبرودة تسري في جسدها عند رؤية ذاك القصر الكبير، لما ارتجف قلبها قابضاً بمقبض من الحديد وأحد ينتزعه بشدة. لتتنهد بتعب اليوم والأمس وكل الفترة السابقة. لتشير لها الخادمة إلى إحدى الغرف بالدور الأرضي على أنها غرفتها هي وساجد.
لتأخذ نفس عميق وتتجه نحو الغرفة بخطوات مرتجفة، حتى أمسكت المقبض بيد متعرقة من الخوف لتفتح الباب وتدخل إلى الداخل لتجد الغرفة فارغة، عقدت حاجبيها باستغراب. لتقع عيونها على جدران وديكور الغرفة الهادئ الذي جذبها. لتتنهد بتعب لتفوق على صوت من خلفها ببرود: "خلصتي؟! لتنظر خلفها بفزع وخوف. ليتجاهل خوفها وملامحها المرعبة التي ظهرت ما إن رأته ليقول بجمود على أثره ألجم لسانها من التحدث: "هنتطلق كمان شهر! "يعني إيه اتجوز؟
ومين اللي قبلت بوضعه دا؟ "بنت من عيلة كويسة متوسطة، والدها متوفى، عايشة مع والدتها، موافقوش يعملوا فرح وكان كتب كتاب بسيط امبارح." رمت الأغراض من أمامها بغضب: "يعني أنا بعد ما أقف جنبه بعد ما خسر رجليه واللي حصل لمراته علشان يحبني أنا ويتجوزني أناااا، وفي الآخر يتجوز واحدة غيري! ليقترب منها الشاب بسخرية: "وإنتي على أساس بتحبيه يعني؟ نظرت إليه بغضب ونظرات مشتعلة: "طبعاً بحبه، أومال عملت كل دا ليه؟
علشان الفلوس طبعاً لا، أنا عندي اللي يكفيني، بس هو هو غير أي حد عرفته، أنا حبيته، أنا حبيت ساجد بكل حاجة فيا، أنا عشقته، وفي الآخر تاخده على الجاهز واحدة غيري." لينظر إليها بذهول: "بس دا مشلول." لتنظر إليه بغموض: "كنت فاكرة بشلله دا هيبقى ضعيف وهقرب منه، استنيت أربع سنين ومحصلش أي حاجة، طلع أجمد منه، طلع ساجد مهران اللي محدش يكسره." لينظر إليها الشاب بريبة: "ناوية على إيه؟
لتضحك بسخرية: "الزمن هيتكرر من تاني بنفس المشاهد، بس باختلاف الأبطال...........
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!