صعد الاثنان السيارة وأثناء جلوسهم تحدثت داليا مع والدتها عبر الهاتف. "أيوا يا ماما أنا في التاكسي مروحة." "اتأخرتي كده ليه يا داليا انتي كويسه؟ "اه يا حبيبتي كويسه هاعمل ايه ناس معندهاش ذوق، شايفين واحده بطنها قدامها المفروض يخلو عندهم شويه دم، لكن مفيش." "في ايه يابت انتي اتكلمتي مع حد في الشارع." "لأ يا ماما ف التاكسي مش في الشارع." استفزت ليلى من طريقة حديثها عنها فقالت:
"انتي تقصدي مين باللي معندهمش ذوق في التاكسي ها، على فكرة أنا من الصبح وأنا ساكتالك مش عايزه ارد عليكي علشان خالتك دي لكن انتي إنسانة قليلة الذوق ومش محترمة." تركت الهاتف من يدها وأمها تنادي عبر الهاتف: "داليا يا داليا؟ نظرت إليها داليا قائلة: "هي مين دي اللي مش محترمة يا مهزقة اااااااااه." بينما كانت ليلى تتحدث وترد عليها والسائق يهدئ بينهم، صرخت داليا باستمرار. ظنت ليلى أنها تفعل ذلك عمداً حتى أمسكت بيدها داليا
وهي تبكي وتتألم وتقول: "أنا بولد اااااااه بولد بولد." ارتعبت ليلى عندما نظرت تحت أقدامها فوجدت دماء ومياه تسيل بين أقدامها. ويبكي فارس خوفاً من الأصوات المرتفعة. ولعن السائق تلك الساعة التي جعلته يلتقي بهما. حاولت ليلى أن تهدأ من روعها ومن بكاء فارس: "خلاص يا ماما اهدى خلاص، وانتي اسكتي شوية بقا قربنا نوصل المستشفى اهدي وخدي نفس كده براحة، خلاص يا قلبي اهدي ماما معاك اهو." "ااااااه مش قادرة الحقوني."
ثم قامت بعض يد ليلى، وصرخت ليلى ثم كتمت صرختها عندما رأت الدموع في عين فارس. بعدما تركت يدها قامت ليلى بضربها على كتفها برفق: "اتهدي شوية بقا يا شيخة يخرب بيتك إيه ده، انتي جوزك عايش معاكي إزاي، اهدي بقا خلاص إحنا على وصول." "ااااااه مش قادرة يا ناس هموت." "خلاص خلاص إحنا وصلنا اهو، أيوا يا اسطا الله يباركلك هنا على جنب تمام بس كده."
نزلت ليلى من السيارة راكضة وهي تحمل فارس إلى الطوارئ وأخبرتهم بحالة داليا. خرج فريق من المشفى بكرسي متحرك، حملوا المريضة على الكرسي وهي لا تتوقف عن الصراخ وقالت ل ليلى: "الحاجة والنبي الموبايل في العربية، الحاجات في الشنطة والنبي هاتيهم." تعجبت ليلى من تفكيرها ثم قالت في نفسها:
"يخرب بيتك إيه ده انتي في إيه والا في إيه يا بعيدة، بتولد وإنتي في الحاجة والموبايل، طيب تمام ماشي ماشي روحي أنا هطلعها أطمن، ياربي ع اليوم ده اوووووف استغفر الله العظيم." جلب سائق السيارة أغراضها والحقائب: "اتفضلي يا مدام الشنط بتاعتنا." "تمام شكراً والموبايل معلش واقع تحت الكرسي ورا." "تمام ماشي، اتفضلي الموبايل اهو وأنا بقا مين هايحاسبني انتي والا هي؟ "لالا أنا هحاسب حضرتك اتفضل كتر خيرك شكراً."
"هاتي يا ستي نسوان رغم جاتكو الهم." "طب ليه يعني ليه الغلط ده هو انت حد كلمك." "امشي يا شيخة أنا مش عارف جوازكم مستحملكم إزاي." انطلق بسيارته بسرعة حتى انتفضت من صوتها المزعج. قالت وهي تلتقط أنفاسها: "اهدي يا ليلى خلاص اهدي، معلش يا قلب ماما حظك معايا كده، إيه ده انت بقيت تضحك دلوقتي، مبسوط إن ماما اتهزقت يعني، ماشي يا سيدي." نداها صوت من خلفها: "يا مدام." أردفت تنظر إليه باستغراب: "أيوا."
"اتفضلي حضرتك علشان تملي البيانات بتاعة المريضة وادخلي الحسابات؛ علشان المريضة هاتدخل العمليات حالة ولادة." "لأ معلش هي مش قريبتي أنا معرفهاش أنا ساعدتها بس في التاكسي." "طب ممكن حضرتك اتفضلي لحد ما نعرف نتصل بحد من أهلها، ماينفعش تمشي غير لما نتصل بحد من أهلها وييجي." "طيب ماشي تمام، معلش ممكن تساعدني ف الشنط دي هي بتاعتها على فكرة." "ولا يهمك اتفضلي حضرتك." ~~~
تخطت الساعة السادسة وفوزي ينتظر في غرفة الدكتور خالد. يأخذ الغرفة طريقاً ذهاباً وإياباً، حتى قال الدكتور خالد بزهق: "ما تهدى بقا يا اخي خيلتني." "خالد انت متأكد إنك قلتلها تكون عندك الساعة ستة." "اه والله قلتلها." "طب إيه اللي آخرها كده الساعة داخلة على سبعة إلا ربع، طب اتصل بيها تاني." "يبني اتصلت ومش بترد، هي شكلها حست بحاجة ومش هتيجي."
"لالا ليلى ماتعملش كده على الأقل كانت اتصلت بيك واعتذرت، لكن ماتردش لا ده مش أسلوبها، أكيد في حاجة حصلت، أنا هاروحلها." "استنى بس تروح فين أنا هتصل كمان مرة يمكن ترد." أخرج الدكتور خالد الهاتف من جيبه، ثم رن هاتفه بمكالمة واردة من مدام ليلى: "الو مدام ليلى." "أنا آسفة جداً يا دكتور خالد على التأخير، كنت في موقف صعب جداً، معلش أنا قدامي نص ساعة وأكون عند حضرتك لو الوقت مش هايسمح ممكن أروح وأجيلك بكرة."
"لالا خالص تمام أنا في انتظارك، انتو كويسين فارس كويس؟ "اه اه الحمد لله بخير، موقف بعيد عننا يعني لما أشوف حضرتك هحكيلك." "تمام يا مدام ليلى في انتظارك." "شكراً لحضرتك." "اهو يا سيدي نص ساعة وتيجي." "ما قالتلكش إيه اللي آخرها كده؟ "انت مش سامع المكالمة يابني بتقولك حصل موقف ولما تيجي هانعرف." "طيب ماشي يارب يكون خير." دخلت الممرضة بعد طرق الباب: "دكتور خالد؟ عايزين حضرتك في الاستقبال تحت." "استقبال؟! ماتعرفيش في إيه؟
"لأ والله يا دكتور." "طيب أنا جاي حالا، شكراً، أنا هروح أشوف في إيه يا فوزي وارجعلك ماتتحركش من هنا ولو اتأخرت عن نص ساعة وليلى جت ماتخليهاش تمشي لحد ما أجي." "ماشي تمام." ~~~ بينما يتجه الدكتور خالد إلى المصعد وجد الدكتور خليل ينتظر أمامه، سأله قائلاً وهو يربت على كتفه: "على فين العزم يا أبو خليل؟ "إيه يا خالد معرفش بعتولي في الاستقبال عايزيني معرفش ليه." "والله! وأنا كمان نفس الموضوع." "غريبة جداً صح!؟
"دلوقتي نشوف في إيه." دخلوا المصعد ثم نزلوا إلى الطابق الأرضي، اتجهوا إلى موظفة الاستقبال معاً. سأل الدكتور خالد: "لو سمحتي أنا الدكتور خالد حسام الدين، وده الدكتور خليل مراد، بعتولنا من قسم الاستقبال هنا." "اه يا دكتور بعتنا لحضرتك بالفعل؛ لأن في حالة ولادة قالت إن حضرتك أخوها والدكتور خليل زوجها، هي حالياً في غرفة العمليات اسمها داليا حسام الدين."
نظر كل منهم إلى الآخر وركضوا مسرعين إلى قسم العمليات غرفة الولادة. دخل الدكتور خليل وهو ينهج إلى ممرضة الاستقبال الخاصة بالقسم: "لو سمحتي لو سمحتي، مدام داليا حسام الدين في غرفة العمليات حالة ولادة، عملت إيه؟ قصدي هي فين؟ أنا جوزها." "لحظة يا فندم هشوف الكشف، هي خرجت يا فندم من العمليات وحالياً في غرفة رقم أربعتاشر." ركضوا مسرعين خلف بعضهم ثم عاد خليل من نصف الممر وقال: "هي فين الغرفة دي معلش."
"آخر الممر يمين يا فندم." "شكراً شكراً." ركض خليل وخلفه خالد إلى الغرفة فوجدوا سيدة تقف بظهرها وتحمل طفل صغير بينما يجلس الآخر في عربة الأطفال. وداليا ترقد على فراشها. ركض إليها خليل مسرعاً أمسك بيدها يقبلها: "داليا انتي كويسه حمد الله على سلامتك يا حبيبتي فداكي أي حاجة المهم انتي بخير، مش مهم أي حاجة تانية إن شاء الله ربنا يعوضنا بعيال كتير جدا يا قلبي." تركت يده وهي مستعجلة من كلامه:
"في إيه يا خليل إيه اللي انت بتقوله ده، بعد الشر ليه بتقول كده؟ "داليا أنا عارف إن الموضوع صعب والصدمة كبيرة عليكي، خالد الحقني هي مش مستوعبة والا إيه داليا جرالها إيه؟ حبيبتي هتبقي كويسة إن شاء الله." أشارت داليا إلى ليلى إن تجلب إليها الطفلة: "هاتيها معلش، اتفضل يا خليل يا حبيبي، شكلك انت اللي مش مستوعب." "إيه ده؟! قصدي مين ده؟ "لأ قصدك مين دي؟ دي بنتك يا حبيبي بنتنا." "بجد والله العظيم يعني هي كويسة؟
أنا لما شفتك لوحدك والمدام معاكي افتكرتهم أولادها، هههه ياربي بجد مش مصدق، الحمد لله الحمد لله، حبيبت قلبي انتي نورتي الدنيا وحياتي كلها، خالد تعالى شوف." ابتسم الدكتور خالد وتقدم خطوتين إلى الأمام وقف جوار ليلى دون أن ينظر إليها: "ربنا يخليها لكم تتربى في عزكم يارب، حمد الله ع السلامة يا داليا، أنا كنت شاكك في أمرك من الصبح." ضحكت داليا ثم قالت بمزاح: "البركة في المدام بقا هي اللي ولدتني بدري." ردت عليها ليلى وقالت:
"ليلى اسمي ليلى يا ستي حمد الله على سلامتك، استأذن أنا بقا." نظر إليها الدكتور خالد باستغراب ثم قال: "إيه ده معقول مدام ليلى." "دكتور خالد؟! حضرتك تعرفها؟ "داليا تبقا أختي التوأم والوحيدة." "معقوووول وتوأم كمان مش باين عليها خالص إنها أختك." تحدثت داليا وهي تقول: "انت تعرفها يا خالد؟ "اه يا داليا بعدين هبقا أقولك ارتاحي دلوقتي، اتفضلي يا مدام ليلى."
"لأ استنى يا خالد بصراحة مدام ليلى ساعدتني كتير وهي اللي جابتني لحد هنا ووقفت معايا لحد ما ولدت وخرجت من العمليات ولحد ما فقت وهي جمبي، شكراً يا مدام ليلى كتر خيرك." "الله مانتي طلعتي ذوق اهو امال إيه بقا، الحمد لله إنك بخير حمد الله على سلامتك وتتربى في عزك إن شاء الله، مبروك يا أبوها صحيح هاتسموها إيه؟ "خليل بعد إذنك أنا عايزة مدام ليلى هي اللي تسميها، لو معندكش مانع؟
نظر إليها الدكتور خليل ثم قام وهو يحمل الطفلة بين يديه وتقدم إليها وأعطاها الطفلة قائلاً وهو مبتسم: "لأ طبعاً ماعنديش أي مانع اتفضلي يا فندم لعله خير." رسمت البسمة على شفاه ليلى وكانت تلك الفرحة الأولى التي تتخلل إلى قلبها بعد رجوع ابنها إليها. بأعين دامعة تقول: "يا جماعة بجد انتو بتحرجوني جدا، يعني ممكن الاسم ما يعجبكوش طيب أو نفسكم تسموها حاجة تانية." جلس خليل بجوار زوجته يضمها إلى صدره ثم قال:
"إحنا ماتفقناش على اسم، وأهم حاجة عندي إنهم بخير بنتي ومامتها، يبقى الاسم من نصيبك، وبعدين كفاية اللي انتي عملتيه معاها، انتي سديتي مكان جوزها وأخوها وأمها وأبوها كمان، يبقى ده أقل شكر نقدمه ليكي." تحدث فارس بصوت مرتفع وهو يضحك قائلاً: "مامااااا امامااااا هههه." ضحك الجميع ثم قال خالد بمزاح: "شفتي حتى فارس مصر كمان." نظرت ليلى إليها تتأملها وهي تقول:
"أنا كان نفسي لما أخلف بنت اسميها ثريا، على اسم واحدة صحبتي، فلو تسمحولى اسميها "ثريا"." فرحت داليا كثيراً بالاسم ورددته بصوت واضح وهي تضحك: "ثريا خليل مراد يا سلام اسم كله مزيكا، بجد تسلمي يا ليلى كتر خيرك." قبلت ليلى الطفلة وأعطتها لوالدتها ثم ودعت الجميع وخرجت مع الدكتور خالد إلى غرفته، بينما تتحدث معه عما حدث بينها وبين شقيقته داليا. وصلوا إلى الغرفة وفتح باب الغرفة وهي تضحك، ثم فجأة تغيرت ملامح وجهها وملأ الحزن
عيناها وقالت باستغراب: "إيه ده؟! الفصل العاشر فراق للابد. مازال الحزن يملأ قلبها بالرغم من لحظات فرح بسيطة تخللت وجدانها، إلا أنه مازال القلب يتألم ومازال الجسد يتوجع لآلامه. عندما رأت ليلى فوزي في غرفة الدكتور خالد لم تغضب فقط من رؤيته، لقد كان بالنسبة إليها عشق لا ينتهي وثقة لا تهتز، لقد خيب ظنها وكسر قلبها. في الحقيقة لم يكن يقصد ذلك لكنه قد فعل دون تردد. وقفت أمام باب الغرفة وترددت في الدخول
إلى أن قال فارس الصغير: "بابااااااا." ضحك فوزي ثم قام مسرعاً يجلس على أقدامه، وأمسك بيد طفله وقبلها: "حبيبي، نعم يا روح البابا أنا هنا، يا الله على الريحة الجميلة دي، وحشتني أوي يا بابا." ثم نظر إلى أعلى ووقف يمد يده إليها قائلاً: "ازيك يا ليلى." رمقته بتلك النظرات القاتلة، من أعلى إلى أسفل تتعجب من وقاحته وكأنها تقول: "ازيك عين إزاي تمد إيدك وتسلم يا بجاحتك ياخي." أدارت وجهها بعيداً عنه، ضم يده إليه بخجل وإحراج
ثم قال وهو ينظر إلى أسفل: "تمام ماشي، اتفضلي أنا حابب أحكي معاكي شوية." لم تعره انتباه، ثم نظرت إلى الدكتور خالد بغضب: "هو ده السبب اللي خلاك تجيبني هنا يا دكتور خالد، معقول؟! معقول يطلع منك كل ده." أمسك الدكتور خالد بعربة الطفل ثم ابتسم قائلاً: "لأ يا مدام ليلى حضرتك فهمتي غلط، أنا هاخد فارس أخلصله التحاليل اللازمة اللي قلت لحضرتك عليها، وده نفس السبب اللي جاب فوزي هنا هو ابنه، هو كمان من حقه يطمن عليه والا إيه؟
"بس مش المفروض حضرتك تديني علم بوجوده وخصوصاً إنك عارف الوضع بينا، والا هو علشان صاحبك المقرب." "أنا الاتنين أخواتي يا ليلى ويهمني مصلحة فارس قبل ما يهمني إيه الوضع بينكم، لو عايزة رأيي دي فرصة ليكم انتو الاتنين تتكلموا بهداوة وتتكلموا ياريت؛ علشان خاطر فارس وصحته، استأذن أنا." أخذ العربة وتراجع مستعداً للذهاب: "يلا يا بطل يلا يا فارس، نروح نجيب حاجة حلوة." أشار إلى فوزي من خلف ظهرها وهو يهمس بشفتيه:
"بالهداوة براحة واحدة واحدة." دخلت ليلى إلى الغرفة وجلست على الكرسي المقابل له، وضعت قدم فوق الأخرى. نظرت إليه بعد شهيق وزفير نظرة طويلة، تنتظر ماذا سيقول حتى تنفجر بكل قوتها بما يحمله قلبها؛ لقد أصبح الحمل ثقيل ومؤلم إلى حد لا يوصف. رفع عينيه إليها يتأملها، ثم أزاح بنظره بعيداً خجلاً قائلاً: "بلاش النظرات دي يا ليلى ابوس إيدك، خليني أتكلم معاكي كلمتين على بعض." وضعت يدها أسفل ذقنه، ترفع وجهه إليها
بأصابعها قائلة بتهكم: "إيه؟! مكسوف؟! والا مش لاقي حاجة تبرر بيها موقفك؟ رفع يده ليمسك بيدها فضمت يدها إليها مسرعة قبل أن تلمس يده وتراجعت إلى الخلف تعتدل في جلستها. قال فوزي بعدما زفر بضيق وابتسامة حزينة ثم قال:
"ليلى اسمعيني أرجوكي؛ أنا لما اخدت فارس اخدته علشان بابا كان تعبان وكان نفسه يشوفه، كنت فاكر إنه آخر مرة هايشوفه ويشوفني فيها، انتي ماسبتليش خيار حاولت معاكي وحاولت أقنعك لكن ماديتنيش أي فرصة يا ليلى، لكن رغم كل ده أنا عمري ما فكرت أءذيكي أو أكون سبب في أي حاجة وحشة تحصلك." "ليلى انتي مش عارفة بابا لما شاف فارس كان عامل إزاي، ده كان عامل زي الطفل الصغير." خرج جالساً عند قدميها وهو نادم، بعينين دامعتين يقول:
"ليلى أنا عارف إن مهما اعتذرت منك مش هكفر عن غلطي، ولا هرجع كل اللي ضاع منك بسببي، بس أنا آسف أنا آسف يا ليلى والله آسف على حاجة وحشة حصلتلك بسببي، إيه يرضيكي وأنا أعمله، لو قولتي أرمي نفسي من فوق دلوقتي هرمي نفسي، لو قولتي موت نفسك هموت نفسي لو ده يرضيكي بس قوليها يا ليلى لو ده اللي هايريحك قوليها." أمسك بيديها يقبلها وهو يبكي: "أبوس إيدك يا ليلى قولي أي حاجة، أنا بموت من جوايا كل يوم من إحساسي بالذنب والندم."
زرفت تلك الجفون دمعاً لا يوصف، دموع وجع وألم كانت مسجونة داخل جدران قلبها الصغير، الذي ذاق من العذاب ألوان بالرغم من صغر حجمه: "ندم؟ ندم إيه يا فوزي ندم إيه، انت اللي زيك عمره ما يحس بالندم لأنه معندوش إحساس أصلاً." أمسكت ياقة قميصه أوقفته على أقدامه، وقفت أمامه وهي غاضبة بل تشطط غضباً: "انت عارف انت عملت فيا إيه؟
أنا كان ممكن أموت وابني بعيد عني، تلات شهور وأنا بين الحياة والموت وانت عايش حياتك مبسوط، مفكرتش حتى مرة تتصل تطمني أو تطمن بابا، ولا حتى كنت بترد عليه، وتقولي حاسس بالذنب." دفعته إلى الخلف بقوة حتى سقط على الكرسي جالساً: "حاسس بالذنب على إيه على الحالة اللي أنا فيها وعلى أمي اللي ماتت بسببك والا على إيه بالظبط." وقف وهو منهار من شدة البكاء: "ليلى أنا." بترت حديثه بإصبعها الذي رفعته في وجهه:
"اخرص، اوعى تنطق اسمي تاني على لسانك، مفيش أي حاجة هاتغفرلك يا فوزي ولا هاتخليني أسامحك على اللي انت عملته معايا أبداً." أدارت ظهرها تستعد للخروج، أمسك بيدها بقوة وجذبها إليه بشدة حتى ارتطمت بصدره، امسك بكتفيها بقوة:
"بصيلي يا ليلى بصي في عينيا، دي العيون اللي انت حبيتيها واللي كنتي بتموتي فيها تفتكري ممكن يوم تقدر تضرك بقصد، الوش اللي قدامك ده، ده أنا يا ليلى فوزي اللي عمري ما حب ولا هيحب حد غيرك، افتكري أي حاجة حلوة لينا مع بعض، حبنا ما يستاهلش إنك تديه فرصة تانية يا ليلى." حاولت التخلص من قيدها بين أحضانه، لكنها لم تستطع فهو يمسك بها بكل قوته وكأنه امتلك شيئاً ثميناً لا يريد تركه يذهب من بين يديه:
"ليلى خلينا نبتدي من جديد وننسى اللي فات، انتي عارفة بابا دلوقتي عايز يشوفك طلب مني إني أستنى لحد ما أطمن عليكي، هو أول مرة يقولي خلي بالك من مراتك وابنك، عارفة يعني إيه؟ يعني مشكلتنا اتحلت ومفيش حاجة هاتقدر تبعدنا عن بعض تاني." تعجبت ليلى من كلامه واشمأزت من طريقة تفكيره، أفلتت قيدها من بين يديه بقوة ودفعته بعيداً عنها: "أنا مش قادرة أصدق انت فوزي اللي أنا حبيته؟!
انت الإنسان اللي عاشرته وعشت معاه سنين من عمري، أد إيه انت إنسان أناني، دلوقتي باباك رضي عني وعايزني أكون معاك، لكن أنا عمري ما هرضى يا فوزي عمري، انت كنت خايف بس على أبوك إنه يضيع منك من غير ما تشوفه، لكن أنا أمي ماتت بسببك من غير ما أشوفها ولا تشوفني." بصرخات مؤلمة تردد: "ماتت من غير ما أشوفها أنا كان نفسي بس أشوفها، عارف يعني إيه، ربنا ياخدك ياخي زي ماخدتها مني، امشي بقا امشي، رووووح من وشي."
ظلت تبكي ليلى بقهراً. قبل عليها فوزي وضمها إليه بشدة، حاولت أبعده وهي تصرخ حتى تجمع الناس خارجاً حول باب الغرفة، لكن لم يتجرأ أحد منهم على الدخول ظناً أن هناك أحد مريض أو يتألم من مرضه، لكن استوقفهم ذلك الصراخ المؤلم بصوت أنثى تتألم بقهر. ظلت تضرب صدره بقوة بيديها حتى فقدت توازنها: "ليه عملت كده فيا ليه ليه ليه؟ اه يا ماماااااااا، مامااااااا، حرام عليك حرام عليك أنا بموت من جوايا، ليه عملت كده لييييه."
سقطت على الأرض وهي بين أحضانه إلى أن توقفت عن البكاء، بعد أن حاول تهدئتها: "اهدي يا ليلى ابوس إيدك اهدى علشان فارس، وحياة فارس عندك خلاص كفاية خلاص، هعملك اللي انتي عايزاه خلاص." أمام الغرفة اجتمع الناس يتساءلون فيما بينهم ماذا يحدث. رأى تلك الضجة الدكتور خالد وهو قادم إلى غرفته ومعه فارس الصغير. انتابه القلق تقدم بخطوات مسرعة وسأل أحد الأشخاص المجتمعين حول الغرفة: "هو في إيه يا جماعة خير مالكم واقفين كده ليه؟
أجابه أحدهم: "سمعنا صوت صريخ لواحدة وفي أصوات من الأوضة دي وقفنا نشوف في إيه." "طب يا جماعة شكراً دي أوضتي أنا دكتور هنا ومعايا حالة خاصة من فضلكم ماينفعش كده دي أسرار مرضى، اتفضلوا بعد إذنكم كل واحد يروح لحاله لو سمحت." انصرف الجميع من حول الغرفة، فتح خالد باب الغرفة تعجب لهذا الهدوء، يجلس فوزي على الأريكة بينما تجلس ليلى محلها، لكن تغيرت ملامح وجوههم من البكاء والصراخ. تمعن النظر في وجوههم ثم قال:
"خير يا جماعة في إيه؟ إحنا أكبر من كده والا إيه." جلس الدكتور خالد على الكرسي المقابل ل ليلى، وكان فوزي خلفه، أردف ينظر إليه قائلاً: "إيه يا فوزي في إيه مش كده." "ما زالت تلك النظرات المتألمة لا تفارق ليلى من أعين فوزي. عندما تحدث إليه الدكتور خالد انهار من البكاء. بكى بشدة وهو ينظر إليها، ثم وقفت ليلى وهي تمسح وجهها براحتها قائلة:
"من فضلك يا دكتور أنا همشي وياريت تبلغ صاحبك يبعتلي ورقة طلاقي في أسرع وقت ممكن، بعد إذنك."
خرجت ليلى وتركت تلك الكلمات التي اخترقت قلب فوزي كالسهام الحادة حتى اقتلعته من موضعه. أغمض عينيه من شدة الألم الذي شعر به، وكأن الزمن توقف في تلك الخطوات التي كانت تخطيها ليلى إلى الخارج. يجول في خاطره أنها من الممكن أن تكون تلك المرة الأخيرة التي يراها فيها. خرجت ليلى بخطوات بطيئة ودموع مسرعة لا تتوقف. وقف فوزي وخرج خلفها ونادى بصوت مرتفع وهو يستند على باب الغرفة، وكأنه يأمل للمرة الأخيرة أن تعود إليه: "ليلى؟ ليلى؟
توقفت بضع لحظات ولم تنظر خلفها، رفعت وجهها بكل ثقة وتقدمت وتركت خلفها قلبها معلقاً في تلك الزاوية، ما أصعب تلك اللحظات لحظات الفراق.
عندما تفترق القلوب والأبدان معاً، ويبقى قلب كل منهم معلقاً في صدر الآخر، يظن الإنسان أن الزمن قد توقف وأن الحياة لن تعود كما كانت من قبل، لكن ربما تكون النهاية هي نقطة بداية لحياة أخرى، لا نعلم ماذا تكتب لنا الحياة غداً ولا نعلم ماذا يخبئ لنا القدر، ما علينا سوى الإيمان بأقدارنا ومواجهة عواقب اختياراتنا والتصدي للنتائج مهما كانت صعوبتها، فنحن من اخترنا ولم نجبر.
ربت خالد على كتف فوزي يساندة ويواسيه وهو يبكي. غادرت ليلى إلى منزلها بقلب منفطر وروح حائرة، بالرغم من ذلك فهي تشعر ببعض الراحة تلتقط أنفاسها بهدوء وكأن جبلاً قد سقط من على صدرها. عندما بكت بكل طاقتها أخرجت كل ما يكمن في خاطرها، فهذه هي الأنثى عندما تنفجر تصبح كبركان غاضب قرر الانفجار، لا يبالي بما أمامه ولا يعنيه من يترك خلفه أو لا يترك، فقط يخرج كل ما به من فوهته حتى يفرغ حممه البركانية ويستريح نوعاً ما إلى أن يعود للامتلاء مرة أخرى، وهكذا قلب الأنثى.
أخبر فوزي خالد أن يذهب لتوصيل ليلى إلى المنزل قلقاً عليها: "خالد روح وصلها علشان خاطري ماتسيبهاش تمشي لوحدها وهي في الحالة دي ممكن يجرالها حاجة في الطريق وفارس معاها، روح يا خالد الله يخليك روح." "حاضر حاضر يا فوزي ماتقلقش." نزع معطف العمل خاصته ورمى به داخل الغرفة وركض خلف ليلى إلى باب المشفى: "مدام ليلى، استنى يا ليلى بعد إذنك خليني أوصلك." "شكراً يا دكتور خالد أنا هعرف أروح لوحدي." "لو سمحتي علشان فارس من فضلك؟
أومأت برأسها إلى أسفل وهي تمسح دموعها براحتها، جلب الدكتور خالد السيارة الخاصة به وصعدت ليلى ثم قال وهو في طريقه إلى منزلها بعد أن هدأت قليلاً: "ليلى انتي أختي وفوزي أخويا أنا مش عايزك تتسرعي في قرارك، انتو في بينكم ولد صغير، اللي بيحصل ده مش كويس علشانكم، لو سمحتي فكري بهدوء." التقطت أنفاسها ثم قالت:
"الموضوع منتهي يا خالد مبقاش ينفع خلاص، صدقني الفجوة اللي سابها فوزي جوايا مستحيل تتقفل أو يقدر الزمن يسدها، كده أفضل لينا كلنا." "يعني ده آخر كلام عندك يا ليلى، فكري؟ "اه آخر كلام يا دكتور، صحيح أنا عايزة أطمن على تحاليل فارس." "بكرة إن شاء الله النتيجة، هجبهالك لحد عندك ومنها كمان أطمن على فارس وعلى عمو فارس لو معندكش مانع." "لأ طبعاً حضرتك تشرف في أي وقت، تمام هنا كويس شكراً يا دكتور خالد كتر خيرك."
"الشكر لله يا ستي تحت أمرك انتي وأستاذ فارس." حملت ليلى ابنها وساعدها خالد في تنزيل عربته، ودخلت المنزل وغادر بسيارته إلى المشفى مرة أخرى؛ ليطمئن على حالة فوزي وشقيقته. ~~~ دخلت ليلى المنزل وجدت والدها منتظراً يقرأ كتاباً في يده، ترك الكتاب جانباً ووقف يسألها: "ليلى حمد الله ع السلامة يا بنتي، ها عملتي إيه إيه أخبار التحاليل؟ "لسه يا بابا النتيجة بكرة إن شاء الله، بعد إذنك أنا جاية تعبانة وعايزة أرتاح، تصبح على خير."
"ليلى؟ مالك في حاجة حصلت؟ "لأ يا بابا اطمن أنا بخير هحكيلك بكرة إن شاء الله بس دلوقتي من فضلك محتاجة أرتاح شوية." "ماشي يا حبيبتي تصبحي على خير." "وحضرتك من أهله."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!