جلس فارس وسارة وليلى. أخبرتهم ليلى بما حدث معها في الماضي، وكيف أخذ فوزي فارس في صغره وتسبب بموت أمها. وأخبرتهم بكل ما حدث بينهم حتى انفصلوا عن بعضهم. قال فارس بحزن: -يااااه، إزاي متقوليليش كل ده يا ماما وتفضلي كاتمة في قلبك؟ -كنت خايفة عليك يا فارس، خايفة لما أحكيلك اللي حصل بينا تكرهه، وخايفة كمان تبعد عني وتروح له. -يعني فكرك إني صغير ومش واعي للدرجة دي؟
أنا ماليش في الدنيا غيرك، إنتِ أمي وأبويا. إنتِ اللي ربتيني وعشت معاها عمري كله. معقول أسيبك وأمشي لواحد مفكرش يطمن عليا مرة من أكتر من عشرين سنة. -لأ يا فارس يا ابني، الحق يتقال. أبوك كان بيطمن عليك دايماً من خلال الدكتور خالد صاحبه، واللي كان جوزي في يوم من الأيام. بس أنا سبت خالد، وهو اتجوز وسافر، ومن وقتها منعرفش عنه حاجة غير من كام يوم. سمعت إنه رجع بالصدفة هو وبنته. -طب ليه مفكرش يجي يشوفني حتى؟
ليه مفكرش إني محتاج لحضن أبويا ووجوده جنبي؟ ربتت سارة على كتفه تواسيه وقالت: -الكلام ده هو بس اللي يقدر يجاوبك عليه يا فارس. إنت لازم تشوف بابا وتحكي معاه وتسأله عن كل اللي إنت عايز تعرفه. وقف فارس يرفض بشدة: -لأ طبعاً، أشوف مين؟ أنا مش عايز أشوفه يا سارة.
-ماتبقاش متسرع يا فارس. المفروض والصحة إنك تسمع منه هو كمان زي ما سمعت من طنط وتفهم أسبابه. أنا عشت مع بابا عمري كله يا فارس وعارفاه كويس، علشان كده بقولك لازم تشوفه. رفضت ليلى أيضاً بشدة وخوف: -يشوفه فين؟ إنتِ عايزة ابني يبعد عني تاني يا سارة؟ فارس مش هايروح مكان أبداً. فارس، إنت هاتروحله فعلاً؟
-أهدي يا ماما، أهدي. ماما معاها حق يا سارة. الدور على بابا دلوقتي. هو عرف إني عرفتك وعرفت إنه لسه عايش وموجود. لو هو عايزني ويفرق معاه إني أعرف منه وأسمعه، أكيد هاييجي علشاني. أما لو مش فارق معاه غير وجودك هنا، تأكدي إنك هاتفضلي اختي مهما حصل بيني وبينه. قالت سارة مستسلمة: -طيب يا فارس، أوك اللي تشوفه. أنا هنزل بقا علشان اجتماع أشرف بيه بالليل، وإنت كمان حضر نفسك على الموعد. -تمام، أوك. خلي بالك من نفسك.
عندما كانت سارة تستعد للخروج، أمسكت بزراعها ليلى. أردفت تنظر إليها باستغراب، ثم قالت ليلى بلطف: -سارة، ارجعي البيت يا بنتي. ماينفعش تقعدي في فندق وبيت أخوكي الكبير موجود. ارجعي البيت. نظرت إليها سارة مبتسمة بفرح، وعادت النظر إلى فارس. أومأ برأسه إليها أن تقبل. ابتسمت وقالت: -أكيد طبعاً، متشكرة يا طنط. ضمتهم إليها وخرجت إلى صالون التجميل للاستعداد للحفل. *** في قصر السيد ضاهر رحمه الله، ينادي فوزي بغضب: -روبا، روبا؟
-نعم يا فوزي بيه. -قولي لمصطفى يحضر العربية، أنا رايح المطار. بسرعة. -حاضر، حاضر يا بيه. خرجت روبا مسرعة لتخبر مصطفى بطلبه. فضربت زوجته سلمى دون قصد عند خروجها من غرفة مكتبه. أوقفتها سلمى تتساءل ما بها: -على مهلك يا روبا، في ايه؟ -بعتذر يا سلمى هانم، أنا آسفة. فوزي بيه طلب مني أقول لمصطفى يحضر العربية علشان رايح المطار. -مطار؟! ما قالكش ليه؟ -لأ يا ست سلمى. -طيب، روحي إنتِ اعملي اللي قالك عليه. طرقت سلمى
باب الغرفة ودخلت إليه: -فوزي، إنت مسافر والا إيه؟ في حاجة؟ -عرفت يا سلمى، عرفت. -هي مين اللي عرفت؟ مش فاهمة. -سارة عرفت بموضوع فارس أخوها. -إنت بتقول إيه؟ سارة بنتي؟ طب هي كويسة؟ فيها حاجة؟ أنا عايزة أروح لها يا فوزي، أرجوك. -سارة كويسة يا سلمى، اطمني. بس أنا اللي مش كويس. أنا اللي خبيت عليهم كل ده وحرمتهم من بعض. حتى فارس مشفتوش بقاله حوالي عشرين سنة. أنا مش عارف هايقابلني إزاي بعد العمر ده كله.
-فوزي، إنت مالكش ذنب. إنت حاولت كتير توصله ومامته هي اللي منعتك منه. -عارف يا سلمى، بس ليلى كانت معذورة برضه. -إنت بتبررلها يا فوزي؟ إيه عذرها في إنها تحرم ابن من أبوه وإخوات من بعض؟ -أنا مش ببرر يا سلمى ولا حاجة، أنا بقول الحقيقة. أنا هسافر، لازم أواجه فارس وسارة وأتكلم معاهم. -طب وليه إنت تسافر؟ ما تقوله يجي هنا وواجهه براحتك.
-لأ يا سلمى، ماينفعش. هو اللي يجي دلوقتي. أنا اللي لازم أرحاله. إنما هو يجي بعد كده وقت مايحب ييجي، لكن لازم أنا أروحله على الأقل أشوفه وأملي عنيا منه شوية. طرقت روبا الباب وقالت: -فوزي بيه، العربية جاهزة. -تمام روبا، شكراً ليكي. بدأت سلمى تشعر بالغيرة من حديث فوزي عن ابنه، وبدأ يتكون داخلها خوف وغيرة على أبنائها من وجود فارس بينهم، أو أنه سيأخذ أملاكه ويتقاسم معهم كل شيء يملكه والده.
لكنها انتظرت أن ترى ما سيحدث أولاً، ولم تستبق الأحداث، وقررت أن تراقب من بعد. سافر فوزي إلى مصر ونزل بنفس الفندق التي تقيم فيه ابنته، لكنه لم يجدها. وأخبره موظف الاستقبال أنها غادرت الفندق اليوم برفقة أهلها. علم أنها غادرت مع فارس وليلى، فذهب إلى منزل ليلى ووقف أمام المنزل يتطلع إليه ويستعيد ذكرياته معه. دخل وطرق الباب، فقامت ليلى بفتحه. صدمت من رؤيته وقالت: -فوزي؟ -إزيك يا ليلى، لسه زي ما إنتِ جميلة، ماتغيرتيش.
وقف ينظر إليها وكأن روحه تسلب منه بالبطيء، فمازالت عشقه الأول والأخير. أما هي فكان عشقها الأول، لكنه لم يظل الأخير بعد اقترابها من خالد لفترة من الزمن. -إيه اللي جابك يا فوزي؟ -مش هاتقوليلي اتفضل طيب؟ والا خلاص مبقاش في حساب حتى للعشرة اللي كانت بينا. -لأ طبعاً، إزاي؟ اتفضل، مهما كان البيت كان زي بيتك في يوم من الأيام. وبيت ابني مفتوح لأي حد من طرفه.
دخل فوزي المنزل، لكن سارة وفارس لم يكونوا هناك. استقبلته ليلى وجلس معها، وأخبرته كيف علمت ابنته بالأمر، وقالت له: -إزاي جالك قلب إنك تخبي عليهم حاجة زي دي كل ده؟ إيه مستخبي من ابنك ومش عايزة يعرف إن ليه أخوات؟ والا مش عايز ولاد الهانم يعرفوا ابن بنت النجار؟ -إيه الكلام اللي إنتِ بتقوليه ده يا ليلى؟
أنا عمري ما فكرت كده. افتكري كام مرة حاولت أتواصل مع ابني وإنتي ترفضيني وتبعديني عنه. عذرتك بسبب الغلطة اللي حصلت مني زمان، وخفت أقسى عليكي علشانه تجرالك حاجة وأكون أنا السبب وأعيش بالذنب طول عمري زي ما إنتي عيشتيني. -عموماً، مالوش لازمة الكلام دلوقتي. اللي حصل حصل. فارس وسارة مش هنا، عندهم شغل بره وهايتأخروا. عندهم اجتماع مهم أو حاجة كده.
-ماشي يا ليلى، أنا همشي. ولما تيجي سارة وفارس عرفيهم إني جيت وخليهم يكلموني. عايز أقعد معاهم. -هاتروح فين دلوقتي؟ تقدر تقعد تستناهم. إحنا برضوا بنفهم في الأصول يا فوزي بيه. دي أوضة فارس، وهنا قاعدة سارة. مكان ماتحب تقدر تقعد فيه. -كتر خيرك يا ليلى، شكراً. أنا هستنى في أوضة فارس لو معندكيش مانع. -لأ طبعاً، اتفضل. أنا هحضر العشا. فارس وسارة هايتعشوا برا. -لأ، أنا متشكر بس محتاج أرتاح شوية لحد ما يرجعوا.
-زي ماتحب، اتفضل. دخل فوزي غرفة فارس، والتي كانت غرفته سابقاً عندما كان يغضب من ليلى، كان يرقد بها. استعاد تلك الذكريات الجميلة التي رغم مرور أعوام عليها، إلا أنها مازالت تتخلل قلبه وعقله كأنها حدثت بالأمس.
تجددت روح العاشق بداخله عندما رأى ليلى، لكنه يعلم جيداً إنه خسرها للأبد. لكن لا مانع من أن يظل قلبه معلق بها، فهو قلبه، ولا سلطان لأحد عليه. حتى إنه لم يستطع السيطرة عليه بعد كل هذه الأعوام. مازال يقفز فرحاً من رؤيتها بالرغم من كلامها القاسي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!