في مطعم فخم يجلس فارس وسارة في انتظار أشرف بيه. دخل السيد أشرف وبرفقته نايا يتشابكان الأيدي. استغرب فارس من رفقتهم معًا، لم يكن يعلم أنه والدها. أقبلوا عليهم وقالت نايا، حتى تغطي على ما رآه فارس: "مساء الخير يا فارس، مساء الخير يا سارة. طبعًا أشرف بيه أصر يعمل بالاتيكيت ويدخل معايا. شفتوا أد إيه ذوق." قال فارس: "آه طبعًا اتفضلوا. أنا بعتذر منكم عن امبارح." قاطعته حديثه سارة وقالت:
"آه بصراحة أنا السبب، خليته يسيب الحفلة ويوصلني بسبب التعب اللي جالي فجأة." تحدث أشرف بيه بلطف: "ولا يهمك يا سارة، المهم انتي أحسن دلوقتي؟ "آه الحمد لله أحسن كتير." قامت نايا وذهبت إلى الحمام. فقال أشرف بيه: "هي نايا بنتي كده، ما تقعدش ساعة من غير ما تظبط مكياجها. حاجة فظيعة جدًا." نظر فارس وسارة إلى بعضهما باستغراب، ثم قالا في آن واحد: "بنتك؟! بدأ فارس بالحديث وقال: "هي نايا بنت حضرتك ولا ده مسمى يعني؟
"لأ يا فارس، نايا بنتي فعلًا وأنا أبوها." تظاهر فارس بأنه لم يغضب بشأن كذبتها وقال مبتسمًا: "آه فعلًا نايا أشرف، أنا عمري ما جه في بالي إنها بنت حضرتك وهي ما قالتليش بصراحة." "هههههه، نايا طول عمرها كده، ما تحبش تحسس الموظفين بتوعنا إنها أعلى منهم، أو يعني هي بنت المدير. ليها وجهة نظر يا سيدي في الموضوع، فيلسوفة مش بقدر عليها في الكلام." "هي فعلًا محدش يقدر عليها في الكلام، شاطرة جدًا."
قالها فارس وهو يكتم بداخله وجه السخرية والاستهزاء، يقصد شيئًا آخر بكلامه. أتت نايا وقالت: "ها، إيه الأخبار؟ أنا بصراحة جعانة جدًا، نطلب العشا. إيه رأيك يا أشرف بيه؟ قال فارس بتهكم: "مفيش داعي بقا تناديه بأشرف بيه، قوليله بابا. إحنا مش في الشغل ولا إيه يا أشرف بيه؟ صدمت نايا من كلامه، تتسائل كيف عرف بحقيقة كذبتها. قضت الليلة وهي على غير طبيعتها، بالرغم من أن فارس لم يعرها انتباه، وكان سعيدًا برفقة أخته.
انتهت الحفلة وعاد فارس وسارة إلى منزلهما. دخلا المنزل فوجدا ليلى نائمة على الأريكة وهي في انتظارهما. أيقظها فارس برفق: "ماما حبيبتي، قومي نامي في أوضتك." "فارس، انت جيت امتى يا حبيبي؟ "إحنا لسه واصلين حالا أهو." "طيب، هقوم أحضرلكوا العشا، تلاقي سارة جعانة." أجابت سارة مبتسمة: "لأ لأ، متتعبيش نفسك يا طنط، أنا هاخد دوش وأدخل أنام على طول." "طيب يا حبيبتي، تصبحي على خير." "وانتي بخير يا حبيبتي، تصبحي على خير يا فارس؟
"وانتي من أهله يا سارة." دخلت سارة غرفتها. وعندما هم فارس بالذهاب إلى غرفته، أمسكت به ليلى من يده وقالت: "اقعد يا فارس، عايزاك." جلس فارس بتوتر وقلق: "خير يا ماما، في إيه؟ "باباك هنا، نايم جوه في أوضتك. وصل المغرب كده وأنا طلبت منه يستناكم هنا." "إزاي يا ماما تعملي كده؟ ليه قولتي له يقعد هنا في غيابي؟
"فارس، ده مهما كان أبوك يا حبيبي، ماهوش راجل غريب علشان تقول الكلام ده، عيب عليك. وبعدين بيتك مفتوح في أي وقت لأي حد يخصك." "ماما، انتي بتضايقي من وجوده؟ ده سبب كلامي." "ما تقلقش عليا، طول ما انت جنبي أنا بخير." ربت على يديها وقال: "ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي وما يحرمنيش منك أبدًا يا ملكة قلبي." "ولا يحرمني منك يا حبيبي." "أنا هنام في أوضة جدو بقا علشان هو ياخد راحته، هدخل أغير وأطلع أنام."
"ماشي يا حبيبي، اللي يريحك." "تصبح على خير." "وانت من أهله يا حبيبي." دخل فارس غرفته برفق، حتى لا يوقظ والده. يرمي بنظره إلى مخدعه، يتفقد ذلك الوجه الذي طال شوقه لرؤيته لأعوام طويلة. إلى أن وقف أمامه، نظر إليه عدة ثوان يتأمله، ثم قام بتبديل ملابسه. رفع الغطاء على والده وجلس على الأريكة ينظر إليه. يدور في رأسه ألف سؤال. بدأ يتحدث في خاطره: "انت بابا؟ أنا مش عارف إزاي عايش كل السنين دي من غير ما تسأل على ابنك؟
ولا عشان بقا عندك أولاد غيره؟ امممم، أكيد هو ده السبب. لما كنت وحيد أخدتني ومشيت، ولما مشيت وسبتني جبت غيري عشان ما تتوجعش بغيابي، مش كده؟ غريب انت يا سيد فوزي بيه يا ظاهر. مش عارف أقولك إيه. رغم اللي باين من ملامحك البريئة وانت نايم، يقول إنك أطيب قلب في الدنيا. يلا، محدش بياخد أكتر من نصيبه، وأنا نصيبي وانت نصيبي تكون أبويا." ظل فارس يتحدث إلى نفسه عن والده حتى غلبه النعاس ونام على الأريكة المقابلة لفراشه.
عندما استيقظ السيد فوزي في الصباح ونظر حوله، وجد فارس مستلقيًا على الأريكة غارقًا في نومه. اقترب منه ومال عليه يقبل جبينه برفق، ودون قصد أيقظه. قام فارس منتفضًا يعتدل جالسًا. قال والده: "أنا آسف إني صحيتك، ما كانش قصدي يا ابني." نظر إليه فارس وهو يضحك بسخرية، ثم قال بعدما فرك عينيه ومسح وجهه براحته: "ابنك؟ هههه، ابنك مش كده؟ ههههه. طب هو انت لسه فاكر إن عندك ابن يا فوزي بيه؟ ولا ولادك اللي هناك نسوك إن عندك غيرهم؟
"فارس، ابني أنا... "ما تقولش ابني عشان أنا مش ابنك. أنا ابن الست اللي نايمة برا دي، الست اللي تعبت عليا وربتني لوحدها أكتر من عشرين سنة. وحضرتك باربي ولادك اللي هناك في حضنك." "فارس، انت لازم تسمعني يا ابني. اديني فرصة أشرحلك وأفهمك اللي حصل. بعدي عنك كان برغبة من أمك." قاطعته حديثه بصوت مرتفع: "كمان هتجيب اللوم عليها؟
هي اللي قالتلك ابعد وروح اتجوز واحدة تانية وهات منها عيال يتربوا في حضنك وترمي ابنك الكبير هنا، مش كده؟ بينما كان يتحدث فارس، سمعت ليلى وسارة في غرفتهما صوته. قامت كل منهما منتفضة من فراشها وخرجتا من غرفتهما. نظرت سارة إلى ليلى وهي تتساءل: "هو في إيه؟ إيه الصوت ده؟ ركضت ليلى إلى غرفة فارس وهي تقول لسارة: "فارس وأبوه، ربنا يستر. تعالي بسرعة." تقدمت ليلى وخلفها سارة. فتحت الباب عندما كان فارس يقول:
"ترميه من غير ما تعرف إذا كان عايش ولا ميت، جعان ولا شبعان، مرتاح ولا طالع عينه. ترميه من غير ما يعرف مكان أبوه ولا حتى إذا كنت عايش ولا ميت. يا ريتك كنت مت على الأقل كنت هارتاح وأعذرك وأقول إنك ميت." أدارته ليلى إليها وهي تقول بصوت مرتفع تصرخ في وجهه، ثم قامت بصفعه على وجهه صفعة قوية. تحدثت إليه وهي تشير إليه بإصبعها: "فارس؟! أوعى ترفع صوتك على أبوك مرة تانية." أمسكت بكتفيه تهزه بغضب:
"هي دي التربية اللي أنا ربيتهالك؟ عايزاه يقول إن ليلى ما عرفتش تربي؟ مهما حصل، فوزي هو أبوك وهايفضل طول عمره أبوك، فاهم ولا لأ؟ اعتذر منه، اعتذر منه حالًا." وقفت سارة تضع يدها على فمها من الصدمة والخوف، تسيل دموعها. بينما تقف ليلى بين فارس وفوزي. أزاحت فارس إليه ليعتذر منه. وقف فارس أمامه وطأطأ رأسه إلى أسفل بأعين دامعة: "أنا آسف." أقبل عليه فوزي يضمه إليه بشدة وهو يقول باكيًا:
"أنا اللي آسف يا فارس، أنا اللي آسف يا ابني، حقك عليا، سامحني يا فارس." بدأ يحتضنه مرارًا وتكرارًا، ويقبله من جبهته وخديه ويعاود ضمه إليه مرة أخرى. انهارت سارة وليلى من البكاء. أقبلت عليهم سارة تضمهم إليها وتقول: "خلاص بقا، كفاية اهدوا شوية. فارس، خلاص. خلاص يا بابا، اهدى. يلا تعالوا نقعد برا، تعالوا." أمسك فوزي بخديه يمزج معه وهو يقول: "بقيت راجل وبتحاسب أبوك أهو." ابتسم فارس وخرج معه إلى خارج الغرفة.
جلس الجميع وقالت ليلى: "مفيش كلام، ولا حد هايتكلم إلا بعد الفطار. ممكن نفطر كلنا سوا." رفعت سارة يديها إلى أعلى مهللة كالأطفال: "ياااااي، فكرة حلوة جدًا. وأنا هقوم أساعد حضرتك في الفطار، بس بشرط محدش يتريق على أكلي، أنا بقولكم أهو." مدحت ليلى وقالت لها: "لأ يا حبيبتي، خليكي مرتاحة، إحنا مش حمل مصاريف المستشفى." ضحك فارس وفوزي. وقالت سارة تتدعي الصدمة بمزاح: "إيه ده؟
أخص عليكي يا طنط، أنا قلت هاتشجعيني، خلاص أنا زعلت." "هههههه، تعالي تعالي قطعي الخيار تعالي، هو ده حلو عليكي." "شفتوا، مش قادرة أدخل المطبخ من غيري، أنا قلتلكم." دخلت سارة وليلى المطبخ لتحضير الفطور. وضع فوزي يده على يد فارس وهو يجلس على طاولة الطعام يمد يديه أمامه، وقال فوزي: "حقك عليا يا فارس، ماتزعلش مني يا ابني، والله بعدي عنك كان غصب عني وعلى عيني." ربت فارس على يده وقال بلطف:
"بعدين نتكلم، أكيد هسمع أسبابك. أنا آسف لأني اتكلمت معاك بطريقة وحشة، مكنش قصدي، بس أنا كمان غصب عني." "عارف وعاذرك. أنا لما كنت في سنك عاتبت والدي على بعده عني رغم إنه كان باختياري، عارف. جدك الله يرحمه كان بيحبك أوي، عارف كمان أوضتك وانت صغير لسه موجودة لحد دلوقتي ومقفولة من وقت ما سبتها، محدش دخلها غيرك."
كان فارس يبتسم ويتوق لسماع المزيد عن طفولته مع والده. بالرغم من أنها كانت فترة قصيرة، إلا أنه كان يريد معرفة كل تفاصيلها بدقة. خرجت سارة وليلى أثناء حديث فوزي وهو يقول: "وقتها كان عندك سنتين تقريبًا." قالت سارة وهي تضع الأطباق على الطاولة: "مين ده بقا اللي كان عنده سنتين؟ ها، ممنوع الكلام في أي حاجة غير في وجودي، أنا كمان عايزة أسمع." ابتسم والدها وقال:
"كنت بحكي لفارس عن جده وعنه لما كان عمره سنتين، كنت بقوله أوضتك لسه موجودة لحد دلوقتي." أحضرت ليلى باقي الأطباق أثناء حديثهم وجلست سارة وهي تقول: "بجد يا بابا؟ طب هي فين الأوضة دي؟ "عارفة الأوضة اللي جمب أوضة جدك الله يرحمه؟ "آه، حضرتك تقصد الأوضة المقفولة؟ مش دي برضوا أوضة جدو زي ما قلت لنا؟
"لأ، دي بقا أوضة فارس وهو صغير، كنت بقول إنها أوضة جدك عشان محدش يقرب منها أو يدخلها غيره. لسه زي ماهي من آخر مرة سبتها يا فارس، حتى لعبك اللي كنت بتلعب بيها مرمية على الأرض زي ماهي." أشارت ليلى إلى الجميع وقالت: "اتفضلوا بقا وممنوع كلام في أي حاجة على الأكل."
نظر فوزي إلى تلك الجمعة التي افتقدها في هذا المنزل لأعوام عديدة. مشاعره وأحاسيسه التي لم تتغير بحبه لهذا المكان، رائحته التي ظلت عالقة في أنفه حتى هذه اللحظة. كل تفاصيل المنزل لم تتغير، بالرغم من مرور زمن طويل إلا أنه يراها كأنه لم يفارقها مطلقًا.
لم يشعر فوزي بتلك الفرحة على طاولة طعام قط في كل تلك الأعوام التي مرت. بالطبع، فتلك الجمعة تزينها معشوقته التي تخطف قلبه وتسلب أنفاسه عند رؤيتها في أي وقت، فكيف إذا وهي تجلس أمامه وتتناول الطعام معه، بل وأعدت له الطعام بيديها.
تلك الوجبة البسيطة والتي تعد بالنسبة إليه كأنها خروف مشوي. مهما كانت فخامة الطعام أو مصدره، إلا أن هناك أشياء لا نشعر بمذاقها إلا برفقة من نحب، ووسط جمعة من نحب، يمكن أن تتناول طعامًا لم تتناوله قط وتكون سعيدًا فقط لأنك استمتعت برفقتهم. دائمًا ما تكون الجمعة هي مصدر السعادة، وتكون الصحبة الصالحة هي سبب من أسباب الفرح، فلا تفقد جمعتك برفقة من تحب، ولا تتخلى عن الصحبة الصالحة مهما كلفك الأمر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!