وقف حد بالتاكسي عند بيت لا هو بالكبير أو بالصغير ومحفوف بحديقة صغيرة. نزلت مرسال مستغربة، ليه وقف هنا؟ ابتسم بيقول: ده بيتنا. بصتله باستغراب: بيتنا؟ ابتسم بيقول: كنتي ديمًا بتحكيلي، إنك بتتمني مكان معزول عن الناس بس مرتبط بالطبيعة أكتر علشان ده بيلهمك السكينة أكتر. ابتسمت مرسال،
ودخل حد للبيت وهو بيقول: بصراحة البيت كان خلاص خلص بالزيت لأني بحب الأوف وايت أو الأسود كلون مالوش صوت، بس غيرته تاني وخليت كل جدران البيت بيضة بما فيهم وجهة البيت. ابتسمت مرسال بتسأله: ليه؟ "بصراحة من كتر ما بتحكلي عن الجدران البيضة وحبك ليها وازاي بتغريك للرسم حسيتك إنك بتحبيها أكتر مني، بس عمومًا خليتلك الدنيا أبيض في أبيض أهو علشان ترسمي براحتك." نطت مرسال في مكانها من السعادة بتقول: أنت بتتكلم جد؟ "أه."
مرسال كانت مبسوطة جدًا وانتبهت على علب الدهان ومعظم الأدوات اللي كانت بتحتاجها. ابتسمت مرسال ابتسامة واسعة بتقول: هو أنا ينفع أبدأ دلوقتي؟ ابتسم محمد بيقول: أنا كنت عامل حسابي على كدا علشان كدا أخدت اليوم إجازة. أهي فرصتك ترسمي أربع وعشرين ساعة في الأربعة وعشرين. ابتسمت مرسال بتضم باباها: شكرًا.. شكرًا شكرًا كتير. اتقدمت مرسال ناحية الحيطة واتنهدت بتبص عليها من كل الجوانب بتشوف هترسم إيه. فتحت علبة الدهان وقبل ما
تحط إيدها بصت لحد بتقوله: بس أنا لما هلون البيت كله كدا مش هيبقي فيه جدران أوف وايت أو سودة لأني بحب الألوان جدًا. ابتسم بيقول: مش مهم أوف وايت أو أسود، أنا واثق إن البيت هيكون مبهج. ابتسمت وبصت تاني على الحيطة وبعدين بصتله بتقوله: أكيد فيه مكتبة مش كدا؟ "دي الحاجة الوحيدة الأساسية في البيت، يمكن أهم من البيت نفسه." ضحكت مرسال بتقول: كنت واثقة. بعدين كملت: أنا خلاص قررت أبدأ بالمكتبة. ابتسم: ماااشي.
وفجأة الفون رن، رد حد على الفون وقبل ما يتكلم سمع صوت دينا بتقول بخوف: حد تعالي بسرعة، هادي تعبان جدًا. اتفزع حد من مكانه وسألها: إيه؟ طب أنتي فين دلوقتي؟ "أنا أخدته وفي طريقي للمستشفي دلوقتي.. هبعتلك اللوكيشن على الواتساب.. تعالي بسرعة أرجوك." قفل حد الفون واستأذن من محمد بيقول: آسف يا عمي بس أنا مضطر أمشي دلوقتي. "فيه حاجة حصلت يا ابني؟ "لا مفيش مشكلة بسيطة وهتتحل إن شاء الله، أنا آسف بستأذنك بس."
بصتله مرسال بتسأله: هو هادي حصله حاجة؟ سكت حد وبصلها بتردد، فسأله محمد: هادي حصله حاجة فعلاً؟ اتنهد حد بيرد: مش عارف حقيقي يا عمي، دينا اتصلت بي وقالت لي إنه تعبان وأنا رايح دلوقتي المشفي ومتقلقوش لما أوصل هطمنكم. ردت مرسال وهي بتخرج من البيت: وأنا لسه هستناك، أنا هاجي معك. قالت الاخيرة وركبت التاكسي. اتقدم حد ناحيتها بيقول: أنا هوصلك البيت وصدقيني لما أوصل هطمنك. "هو أنا مقلتلكيش قبل كدا إن مفيش حد أعند مني؟
ربت محمد على كتفه بيقول: مرسال معاها حق لازم نطمن عليه بنفسنا. قال محمد جملته الاخيرة وركب هو كمان. مكنش قدام حد غير إنه يستسلم لطلبهم. ركب حد وهو طول الطريق شارد بمشاعر قلق وخوف ودقات قلبه كانت سريعة على غير المعتاد للدرجة إنه كان بيلتقط أنفاسه بصعوبة. وصل المشفي ونزل من التاكسي بيسابق خطواته لحد ما شاف دينا اللي كانت قاعدة قدام العناية المركزة بتعيط. اتقدم حد ناحيتها بيسألها: هادي فين؟
ردت وهي بتعيط: الدكاترة نقلوه على العناية المركزة أول ما شافوه لأنه كان قاطع النفس. "طب هو إيه اللي حصله فجأة؟ "مش عارفة بجد، أنا فضلت مستنية كالعادة إنه يخرج لاستراحة القهوة قبل ما أمشي على الشغل ولما لقيته ما خرجش روحت الأوضة وخبطت بس مفيش حد فتح، قلقت وفتحت الباب لقيته واقع على الأرض ومفيش نفس، طلبت من الخدم يساعدوني ونقلته في العربية واتصلت بك."
سكت حد ووقف على باب الأوضة في صمت تام كأن الهر أكل لسانه. بعد مدة خرج الدكتور من الأوضة. انتبه له حد فسأله بلهفة: جدي عامل إيه دلوقتي؟ "للأسف.. لسه متعادش مرحلة الخطر."
الدكتور قال كلمته الاخيرة ومشي. مستناش حتى يشرح حالة المريض إيه. استمر الحال لمدة تلاتة أيام، ماتحركش فيها حد من قدام الأوضة. كان قاعد في الأرض ملاصق لجدار الأوضة زي الطفل التايه اللي مستني مامته تيجي تاخده. محدش كان بيحاول يقرب منه لأنهم عارفين إنه في مرحلة عدم الاستيعاب، ومش سامع ولا شايف حد قدامه، ولا منتبه على مين جه ومين راح. وحتى لما عمار حاول يكلمه، مانتبهيش على وجوده. كل اللي كان بيعمله، إنه بيسمع الآذن من
هنا يصلي ويجي يقعد على الأرض جمب الأوضة. مرسال كانت ديما على زيارة ليه وكانت بتمشي لحد ما الليل بيكون ليلي اضطرار علشان باباها. مكنتش عارفة تعمل إيه. هو لا بيتكلم مع حد ولا بياكل ولا بيشرب. والمشكلة إن الدكاترة مش عايزة توضح أو تفسر حالته بالظبط، كأنهم مش عارفين يشخصوه، أو مش عايزين يقولوا حالته إيه بالظبط، ديما كانوا بيوغوشوا بالكلام بشكل غير مفهوم. ولما دينا حسيت إن مفيش نتيجة، وإن تلات أيام عدوا وهو لسه في
العناية، قررت إنها تنقله لمستشفي تانية. بس للأسف الدكاترة رفضوا لأن حالته الصحية لا تسمح إنه يسافر بر ولا إنه يتنقل حتى جوه البلد. دينا كانت حاسة بالعجز تجاه هادي وتجاه حد اللي غاب عن الدنيا تمامًا في عالم تاني كأنه جسد بلا روح. عدت الأيام تاني لحد ما كملت أسبوع، وحد زي ما هو في نفسه مكان، لا حاسس على حد ولا واعي مين حواليه ولا أكل ولا شرب ولونه بدأ يميل للصفرة وجسده بقي هزيل جدًا. دينا من ناحية كانت بتحاول إنها تقنع
المشفى بوجود دكاترة من بر. بس للأسف لا قوانين المشفى بتنص على كدا ولا فيه دكاترة موافقة أو مستعدة لده. ومرسال من ناحية تانية، كانت معاه، بتيجي أول النهار وتفضل ساكتة بتراقبه لحد ما تيجي الساعة 9 بليل. هي كمان كانت حاسة بالعجز مفيش شيء تقدمه، غير وجودها وصمتها الدائم. لحد فجأة خرج الدكتور
من العناية المركزة بيقول: اظن إنه بقي مستعد إننا نعمله العملية. قام حد من مكانه بيسأله: يعني جدي هيرجع تاني؟ "في الحقيقة مقدرش أكدب وأقولك آه، إحنا يدوب عدينا مرحلة الخطر اللي تسمحلنا نعمل العملية دلوقتي، إحنا مفيش في إيدينا حل غير إننا ندعي ربنا إن العملية تنجح." دينا كانت حاسة إن الدكتور بيحاول يخفي حاجة، بس قبل ما تتكلم انتبهت على حد بيقول للدكتور بنبرة لهفة: هو أنا ينفع أشوفه؟ "في الوقت الحالي مينفعش خالص."
"صدقني مش هعمل صوت.. أشوفه بس مرة واحدة مش أكتر." "وجودك ممكن يرهق المريض أكتر." "صدقني مش هتكلم خالص ومش هخليه حتى يحس على وجودي، بس أرجوك أشوفه بس."
استسلامًا لتوسلات حد الدكتور أذنله بدقيقة بس. دخل حد الأوضة وهو مش مصدق إنه شاف جده. ابتسم ابتسامة كأن الروح ردت فيه. اتقدم ناحيته وهو محاط بالأجهزة اللي مقيدة إيده ومعظم جسده. جث حد على ركبه بيحط راسه عند رجله، وحط إيد جده على شعره وضمه جامد بيعيط كأنه كان خايف يسيبه يروح بلا رجعة. بس فجأة قطع عليه وجوده مع جده الدكتور وهو بيقول: الدقيقة خلصت.
حد كان مكلبيش في جده جامد مكنش عايز يسيبه بس كان مضطر إنه يسيبه. خرج حد وانتبه على الدكتور بيقول لدينا: ممكن استأذن حضرتك بس في كلمتين؟ استغرب حد وكان حاسس إنه أكيد مخبي حاجة عنه. راحت دينا مع الدكتور والي بدأ بالكلام بيقول: بصراحة يا أستاذة دينا أنا مردتش أقول لاستاذ حد على حاجة لأنه مش هيستوعب اللي هقوله ويمكن حالته تسوء لأنه واضح إنه مرتبط بجده جدًا. "هو فيه إيه يا دكتور؟ هادي ماله؟
"بصراحة الواضح إنه مفيش أمل في علاجه والعملية احتمال تنجح بنسبة واحد في المية، وحتى لو نجحت فصعب جدًا إنه يعيش مرتاح ويمكن يموت نتيجة المضاعفات بتاع العملية، نظرًا إنه تخطى حاجز المية سنة وأجهزته مبقتش قد كدا. لو عايزة رأيي ونصيحتي وفروا فلوس العملية وتكاليف المشفي لأنه كدا كدا ميت، بس عمومًا لو مصرين على إنكم تكملوا في إجراءات العملية فلازم على الأقل تحطي نص المبلغ تحت الحساب والنص التاني بعد العملية. للأسف تكاليف العملية كبيرة في حدود مليون جنيه، ده طبعًا مصاريف العملية بس خارج الأدوية والإقامة والخدمة."
بدون كلام كتير قاطعته دينا بتسأل: مكان الدفع فين؟ "في الطابق الثاني." قامت دينا من مكانها بدون ولا كلمة وهي مشمئزة من جمود قلبه. فتحت الباب ولسه هتخرج، اتفاجأت بحد واقف ساند على الجدار. بصتله في دهشة بتقول: حد؟ سكت ومردش فكملت: هو أنت سمعت كل حاجة؟ رد في جمود من الملامح: مش محتاجة تدفعي حاجة. "يعني إيه؟ أنا لو مدفعتش دلوقتي هيأخروا العملية." "العملية مش هتتأخر، أنا اللي هدفع الفلوس." "وأنت هتجيب منين نص مليون دلوقتي؟
مردش عليها وطلع الفون اتكلم مع البنك علشان يحولوا كل رصيده للمشفي، واللي كمل بالعافية 300 ألف. هو مكنش متوقع اليوم ده يجي بالسرعة دي، بس هو من زمان جدًا كان مخصص جزء من مرتبه لعلاج جده في أي يوم من الأيام لو حصله حاجة. نزل حد من غرفة الحساب بعد ما اتأكد إن الحساب وصل للمشفي. خرجت دينا معاه وبصتله بتسأل: وأنت هتجيب الباقي منين بقى إن شاء الله؟ "مالكيش دعوة دي حاجة تخصني." "نعم؟ ماليش دعوة؟
حد أنت ملاحظ إنك بتكلمني أنا؟ ثم إزاي ماليش دعوة؟ هادي يبقي جدي زي ماهو جدك؟ "مفيش أي حاجة بتربطك بهادي ومفيش أي حاجة بتربط أي حد بهادي غيري أنا وبس. هادي يبقي جدي وكل شأنه يبقى شأني أنا وبس مش شأن حد تاني." "يعني إيه؟ يعني هتسيبه يموت بسبب عنادك؟ سكت وتجاهلها. كملت كلامها: ماهو أنا مش فاهمة هتجيب باقي المليون منين وأنت دفعت كل جنيه معاك دلوقتي؟ سكت ومردش فكملت كلامها: طب بص اعتبرهم سلف ولما يتسر حالك ابقي رجعهملي.
"محدش هيدفع جنيه واحد في مصاريف جدي، الكلام خلص." "يعني إيه الكلام خلص؟ حد أنت مدرك إنك لسه فاضلك 200 ألف علشان بس يدوب تبدأ العملية." "متشغليش بالك بمشكلة مش مشكلتك ومن رأيي إنه كفاية عليك كدا، ممكن تروحي أو تسافري زي ما كنت عايزة تعملي اعملي." "حد أنت اتجننت؟ أنت مبقتش طبيعي؟
تجاهلها وخرج من المشفى. في نفس الوقت اللي دينا كانت بتكلم فيه حد، مرسال كانت واقفة وسمعت كل حاجة. مكنتش عارفة تعمل إيه أو هتجيب مبلغ زي ده منين في وقت قصير. لحد ما جه في بالها حل ومكنش قدامها غيره. مسكت التلفون وبصت عليه بتردد وبعد دقايق من التفكير أخذت على نفسها العزم ومسكت الفون ورنت على شخص ما وأول ما فتح ردت: ألو رماح؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!