حاول أنه ميضحكش علشان ميعيطش أكتر، وبنبرة حاول فيها الجدية قال: صدقني أنا عاملهم علشانك. سألته وهي بتوقف عياط: يعني مش صدقة؟ ابتسم وقال: هو إطعام المسكين صدقة عادي، بس... وقبل ما يكمل كلامه بدأت تعيط تاني، فقال بسرعة: مش صدقة لأ. بجد؟ أه صدقني، عملتهم علشانك لأنك بتحبهم، مش كده؟ وقفت عياط وبدأت تأكل وتقول:
أه بحبهم، وكمان علشان أنت بتعملهم زي ما أنا عايزة، مش زي ما ماما بتعملها، علشان بخانق كتير معاها بسبب الموضوع ده، وتقولي: هتجي تطفحها كده، ولا أوزعها على الناس تحت؟ سألها وهو بيضحك: وبتطفحها؟ أفندم؟ آسف... قصدي يعني وبتأكلها. طبعًا لأ، أصل أنا لما بشوف الرومي طالعة بره الفينو بحسها عيل يتيم وبيستنجد بي: "ألحقوني، الحقوني"، وكده يعني، فبخاف بقى آكلها. بصلها باستغراب وسألها: أنت بتتكلم جد؟
أه، استني لحظة، كنت راسمَة حاجة زي كده. وطلعت كشكول رسم وقلبت فيه، وبعدين مدت إيدها بالدفتر ليه بتقول: رسومات للرومي المسكين.
بص في الدفتر، ولاقيها راسمَة صور كتير للرومي في هيئة قصة. أول صورة كانت لما كان الرومي بين إخواته التانيين من شرائح الرومي وهم قاعدين مبسوطين، لحد ما ييجي وحش هائل في الصورة التانية وياخده يحطه على طبق وهو بيقطع قدامه الفينو لنصين، في الصورة التالتة، الرومي يتخض ويغمى عليه في الصورة الرابعة، وفجأة يلاقي إخواته بيتحطوا قدام عينيه على الفينو المقتول نصين في الصورة الخامسة، يحاول ينقذ إخواته، بس الوحش هياخده في الصورة السادسة، هيحاول يطلع وينقذ إخواته، بس وهو بيطلع هيحط عليه الوحش نص الفينو المقتول فيمنع حركته من الخروج، وإيده طالعة بره
بيصرخ في الصورة السابعة: "الحقوني.. الحقوني.." بس للأسف بيموت الرومي في الصورة التامنة وجزء منه خارج بره بين أنصاص الفينو العملاق، وفي الصور التاسعة بتحاول السوبر هيرو تعمل أقل واجب وهو إنها تدفن الرومي في علبته تاني، بس بييجي الوحش وبيديها للوحوش التانيين تحت العمارة وهم بيأكلوا الرومي المسكين بلا رحمة، وفي نهاية آخر صفحة راسمَة صورة السوبر هيرو واللّي كانت بنت وهي بتحط وردة على قبر الرومي.
حد يدوب شايف الصور من هنا وفضل يضحك بشكل هستيري لحد ما عينه دمعت وهو بيقول: لا حقيقي مش قادر. أخذت مرسال منه الدفتر بنرفزة وهي بتقول: تصدق إنك عديم الرحمة والإنسانية، دي قصة حزينة قصيرة. حد حاول يوقف ضحك علشان يعرف يتكلم، بس كل أما يبصلها يضحك، كانت مستغربة جدًا، بس ضحكه المتواصل خلاها تبتسم، وبعدين بدأت تضحك لحد ما هي كمان بدأت تضحك لحد ما عينها دمعت. سألها حد وهو بيضحك: أنتِ بتضحكي عليه دلوقتي، مش كنتِ زعلانة؟
ردت وهي بتضحك: لا.. مش عارفة.. بضحك على ضحكتك. حد وقف ضحك وبصلها بكل جدية بيحاول يقلدها وقت النكد: وإنتِ قصدك إيه إن شاء الله؟ أنتي بتسخري من ضحكتي؟ بنبرة هادية وابتسامة خفيفة قالت: لا بالعكس، ابتسامتك لذيذة كده ودمها خفيف، وغمازاتك حلوة أوي. بصلها وهو مبتسم ابتسامة واسعة بينت غمازاته: إيه؟! بصت في كل الاتجاهات ما عدا ناحيته، حاسة بالإحراج وإنها عكت الدنيا، وحاولت تتوه الموضوع وهي بتقول:
آآآه.. مششش.. يلا بينا نمشي علشان منتأخرش، ولا إيه؟ هههه. لا قبل الـ "ههه" دي كنتِ بتقولي حاجة. بص يا حد، أنا في قمة إحراجي دلوقتي وممكن أعيط، وبهدلتك الدنيا. لا لا.. خلاص، كله إلا عياطك. قال الأخيرة وابتسم، ودور التاكسي ومشي لحد ما وقف قدام الجامعة. خرجت مرسال من التاكسي، وبعد ثواني لفت وشها تاني وهي بتقوله: استنى، نسيت حاجة. قالت الأخيرة وطلعت ظرفين من شنطتها وبتمد إيدها لحد وهي بتقوله: اتفضل.
أخد منها الظرفين من نافذة التاكسي وسألها باستغراب: إيه ده؟ ابتسمت وقالت: مش إحنا اتفقنا إني أكتبلك كل يوم حد مرسال؟ بصلها باستغراب: أه، بس مكنتش متوقع إنك هتكتبي، لأني مكنتش بوصلك. لا ماهو أنا كنت حاسة إنك هترجع، مش عارفة إزاي، بس كنت بتمنى ده بصراحة، علشان كده كتبتلك الظرفين دول الأسبوعين اللي فاتوا. ابتسم لها وهو بيقول: هقرأهم. ماشي، بس لو هترد، رد عليّ في يوم 25 من كل شهر. بصلها باستغراب: ليه؟
علشان فيه شهر فيهم دونًا عن غيرهم بتمنى دايمًا حد يبعتلي فيه رسالة. بصلها باستغراب مش فاهم، بس ابتسم بعدين وقال: حاضر. قالت بعفوية: يحضر لك الخير يا خوي. بصلها بقرف وهو بيقول: امشي من قدامي دلوقتي يا مرسال، بدل ما أطلعهم عليك. هم إيه؟ عفاريت الدنيا اللي بتتنطط في وشي. لفت وشها بسرعة ومشيت خطوتين، وبعدين لفت وشها تاني وهي بتقوله: حد؟ نعمين. نعم الله عليك يا خوي. غوري يا مرسال، أنا ماشي. لا استنى بس هقولك.
اتفضل، بس هتقول يا خوي تاني، همشي وأسيبك بجد. أنا بس كنت عايزة أقولك شكرًا. ملامحه اتغيرت من العصبية للهدوء الممزوج بالاستغراب: ليه؟ علشان وافقت ترجع الشغل تاني. خلال الأسبوعين اللي فاتوا أدركت قد إيه إنك كنت متحمل كتير بصراحة، يعني أخوي مطقنيش يومنا على بعض، وكمان مكنتش بعيط قدامه، ممكن قدام بابا، بس هو لأ، وده كان مأزمني بصراحة، مش بعرف آخد راحتي في العياط غير لما بتوصلني. ضحك وقال:
يعني أنتِ بتشكريني دلوقتي علشان بسيبك تعيطي براحتك؟ هو ده كل اللي لفت انتباهك؟ ابتسمت وقالت: لا، وعلشان السموزي والرومي كمان، هههه. ضحك على ضحكتها الأخيرة ومتكلمش، فكملت هي: طيب، أنا همشي بقى، سلام.
فضل واقف لحد ما دخلت الجامعة، وبعدين مشي وراح على الكافيه اللي معتاد عليه دومًا إنه يشرب فيه. وجه يقعد في مكانه المعتاد، بس افتكرها لما طلبت منه تقعد جنب الشباك، ساب الكرسي وقعد في نفس الترابيزة اللي كانت قاعدة عليها، وبدأ يقرأ في أول جواب، واللي كان... من مرسال إلى حد غريب. أما بعد، عالطول، لأنك كده كده مش هتقرأ المقدمة اللي أنا مش حافظها، فـ بيس يا مان.. هو أنا كنت بقول إيه؟
اللهم صلي على النبي.. آه.. لأ لحظة، أنا مقولتش حاجة.. هو الجوابات كانت بتتكتب إزاي يا حد، لو عارف رد على كومنت أسفل هذه المسدج؟ هخهخو.. هووووف، لا لا بجد المرة دي هبدأ جد، علشان النهاردة الحد وهكتب لحد.. وييييه.. ده جواب ده ولا أغاني هابطة.. لا لا، نفس عميق تاني.. هوووووف.. طيب نبدأ بسم الله كده.. استني لحظة يا حدودي، عشان ماما بتنادي، وشكلها بتهزقني ناوو.. سنعود بعد قليل...
بعد تلاتين دقيقة من التهزيق، عدنا إليكم من جديد. أبكي الآن. أبكي الآن. أبكي الآن. بعد ساعة عياط... أنا مش فاهمة بجد، يعني ليه أمي بتعاملني كده؟ يعني فيها إيه يعني لما أسيب الرز على النار فيتحرق، وتقولي: "اغسلي المواعين وانسى" عادي! هو مش المفروض تحبني زي ما أنا من غير مواعين ولا رز؟ دايماً بسأل نفسي ليه دايماً محتاجة أبذل مجهود عشان أتحب؟ هو بعيدًا عن الرز يعني، بس هو ليه فعلاً لازم نبذل مجهود عشان نتحب؟ ليه؟
هو إحنا ليه منتحبش زي ما إحنا كده بدون بذل مجهود؟ يعني ليه عشان أمي تحبني لازم أبقى ست بيت شاطرة ومحققة درجات عالية في الجامعة؟ أنا عارفة إن دي حاجات كويسة، بس ليه بتحط أهميتي كلها في البيت والجامعة، وإني لو فشلت فيهم مرة يبقى مستحقش الحياة؟ يعني هو مش ممكن أمي تحبني من غير زعيق على حاجات مش بتحددني؟ تحبني لمجرد إني بنتها مرسال، مش مجرد وسيلة تتفاخر بيها قدام الناس؟
أنا عارفة إنها عايزاني حاجة عظيمة، بس هي لما مبتلاقنيش الحاجة العظيمة دي بتغضب مني جامد. كان نفسي تقولي: "أنا بحبك يا مرسال، سواء كنتِ فاشلة أو ناجحة، عشان أنتِ بنتي، جزء مني، حاجة كده أحبها من غير سبب"، عشان لو الأسباب دي اتقطعت متكرهنيش.. زي ما بتقولي أوقات: "أنا بكرهك". أنا عارفة إنها متقصدش، بس ليه تقولي: "بكرهك ومش طايقاك" عشان مش شاطرة في البيت؟
ماهي لو قدمتلي الحب من غير سبب، هسعى عشانها إني أكون حاجة حلوة، مش كده يا حدودي؟ بس عارف، أنا عاذراها، عشان طنط مديحة شبشب بنتها اتجوزت وهي عندها 16 سنة، وشايفة طبعًا إن ده إنجاز، وكل شوية تكبر في عقل ماما، "هي بنتك مرسال هتنعس كده كتير؟ تقوم أمي تتقهر أكتر على بنتها الفاشلة اللي مش عارفة تعمل رز، واللي أصغر منها اتجوزوا وخلفوا". بس أنا مش فاهمة إيه الإنجاز في كده؟ يعني هو شرط إننا نتجوز وكده؟
أصل أنا حاسة إني لسه صغيرة أوي، مش فاهمة ليه لازم أتجوز قبل التلاتين وإلا أبقى سلعة بايرة مالهاش حد يشتريها؟ أصل أنا مش سلعة مستنية مشتري، أنا مرسال وبني آدمية عادي، وممكن أشتري كرامتي على أني أتجوز واحد يعيشني في قهر ومرار زي جوز بنت طنط مديحة شبشب اللي بنتها كل يومين تيجي مضروبة، والأشد قسوة إن جوزها فوق الخمسين سنة بس ثري عربي، بصراحة.. بس ليه تقتل طفولتها البريئة وأحلامها وتحصرها كلها
في رجل بحجة المثل العقيم: "ضل راجل ولا ضل حيطة". هو ليه الحيطة دايماً عندنا بتكون في راجل أتجوزه؟ ماهو ممكن يكون بابا عادي، أو أخويا، أو حتى أمي وأختي هند، أو صاحبتي؟ ماهو أصل العلاقات كتير في حياتنا، مش شرط أتجوز صح؟
بص هو أنا مش معارضة إني أتجوز، لا، أنا عادي بتمنى أعمل بطاطس محمرة لمحور الكون وقرة عيني بدل قرف الامتحانات والمذاكرة اللي طافحة ده، بس الفكرة في كذا حاجة، يعني أنا لسه مش حاسة إني كبرت وعندي القدرة إني أتحمل مسؤولية، أصل أنا كده أنا وهو هنستنى موائد الرحمن في رمضان، وغير كده لسه الاختيار المناسب مش موجود. يعني هنا في العمارة اللي ساكنة فيها شفت ناس من كتر الكلام.. دي عنست، دي عدت التلاتين، دي بايرة، دي قطر الجواز فاتها.. اضطروا من كلام الناس يتجوزوا رجالة مش رجالة، مجرد نوع بس في البطاقة مش أكتر، ضرب وشتيمة وإهانة، رغم إنهم كانوا عايشين في بيت أهاليهم معززين مكرمين، بس دايماً المشكلة
في الجملة العقيمة برود دي: "قطر الجواز فاتها". الجملة اللي بتخلي بنات كتير ترمي نفسها للتهلكة بالمعنى الحرفي.
أساسًا الجواز مالوش سن، الجواز له حب له احترام له عشرة له مسؤولية، إنما مالوش سن. ثم مش شرط أتجوز عشان أبقى مبسوطة، هو مش فيه متع تانية في الحياة زي التعليم والسفر والشغل والصحاب والهوايات والعائلات والزيارات، والأهم منهم كلهم متعة الأكل، وخصوصًا الرومي اللي بتعمله، والسموزي اللي بيحسسك إنك ابن ناس، وسبستون اللي بتخطف قلبك خطف. ثانية يا حدودي، أختي هند بتنده علي... عدت إليكم من جديد، تار تارررر.
المهم دي كانت هند بتقولي: "أمك قالت لي قول لها الطفح على المطبخ، بس متقولهاش إني قولتك حاجة". طبعًا ست الكل قلبها بيلين بسرعة، تهزق في ساعة وتكلمني بدون مقدمات بعد خمس دقايق... باي باي يا حدودي عشان الطفح مستنيني، ومحتاجة أجدد طاقتي في العياط. من مرسال إلى حد غريب.
حد كان بيقرأ الجواب الأول، ما بين إنه بيضحك على كلامها وما بين إنه كان بيركز بجدية لما بتتكلم جد، ثم بيتفصل تاني وبيضحك. مسك الظرف التاني وفتح الجواب وكانت بدايته.. من حد إلى مرسال. شوفتها النهاردة...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!