الفصل 47 | من 59 فصل

رواية روية جمال الاسود الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم نورا عبد العزيز

المشاهدات
19
كلمة
2,002
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

في مطعم على الشاطئ هادئ بموسيقي فرنسية تملأ المكان، كان "جمال" يراقبها بنظره أثناء تناولها الطعام في هدوء شديد فقال بلطف: -تعرفي أن اللون الأخضر حلو فيكي أوى يا مريم؟

رفعت نظرها إليه باندهاش تتطلع به بعينيها الساحرتين اللي تحول لونهما إلى الأخضر قليلًا مع ارتدائها لهذا اللون، تبسم "جمال" بعفوية إلى عينيها الجميلتين ثم رفع يده فوق الطاولة يمدها إليها، نظرت "مريم" إلى يده بهدوئها ثم مدت يدها إلى هذه اليد وعانقتها بحُب دافئ، تبسم "جمال" إليها بخفة وقال بحب: -أنا عارف أنك موجوعة يا مريم بس لمجرد محاولتك أنكِ تخفي وجعك جواكي عشاني دي حاجة كبيرة أوى عندي.

تبسمت "مريم" بلطف؛ لتنير بسمتها الدافئة برقتها قلبه وعينيه اللي لا ترى سواها، تابع حديثه ويديهما مُتشابكة فوق الطاولة: -أهو بسمتك دا الصغيرة دى وصوت ضحكتك اللي وحشاني عندي بالدنيا كلها يا مريم. أخذت "مريم" نفس عميق قبل أن تبدأ الحديث معه وقالت بلطف:

-أنا عارفة أنك تعبت معايا كتير يا جمال، واستحملت كل أوجاعي وحالتي المتقلبة، حاولت بكل الطرق تشي عني أوجاعي من أول حمزة لسارة ولمختار وكل اللي أذوني، أنا عارفة أني تعبتك أكتر ما فرحتك بس أنا وعدت نفسي وبنتي وحبيبي أنى مش هرجع مريم الضعيفة تاني اللي الحزن بيسيطر وينتصر عليها من أقل حاجة، لما ودعت الدكتور النفسي وعدت نفسي أنى مش هسمح للدنيا مهما كانت قوية أنها ترجعني عنده تاني وأرجع أتعالج من الأكتئاب ولا أحاول أنتحر وأنهي حياتي من تاني.

تبسم "جمال" بسعادة تغمره على هذا الأمر وتحديها لقسوة العالم واسترداد زوجته لصحتها ونقاء قلبها، ربما ما زال الأثر بداخلها تحاول أن تخفيه لكنها تجاهد في هذا، ضم يدها بلطف أكثر ويلامسها بنعومة فنظرت "مريم" إلى يده اللي تداعب يدها مُمتنة لهذه اليد اللي لم تتركها للحظة واحدة نهائيًا فقالت "مريم": -بتفضل ماسكة أيدي مهما عملت يا جمال.

سحبها من يدها برفق لكي تقف معه ودفع تكلفة الطعام ثم ذهب إلى الخارج معها فاستنشق الهواء بهدوء وقال مجيبًا على كلماتها: -ومستحيل أفلتها أبدًا يا مريم، لو تعرف الأيد دى عملت فيا إيه؟!! نظرت "مريم" له بصمت ولم تتفوه بكلمة بينما يسيران مُتشابكين الأيادي معًا ليقول "جمال" بهدوء على عكس ضربات قلبه اللي يخفق بجنون إليه كلما نظر إلى وجهها أو لمس يدها:

-أنا عمري ما سهرت الليل أفكر في حد، أنتِ أول واحدة تسرق النوم منى يا مريم وتشقلب حالي معاها، عمري ما هنسي خوفك عليا يا مريم رغم أنك كنت مرعبة وقت لما هجموا عليا، وقتها يا مريم أقسمت أنى مستحيل أتخلي عن الأيد دى، الأيد اللي رفضت تسيبني وراها وتنقذ نفسها، الدموع اللي شوفتها في عينيكي يا مريم، أنا مواقفي معاكي كتير يا مريم، كل موقف فيهم كان بيقوي الرباط بينا ويزيد قوتي في تمسكي بيكي، وقت لما تتوجعي بحس نفسي عايز أعيط بدلك، لما أشوف ضحكتك بس الضحكة منك يا مريم تخليني مستعد أرمي كل اللي معايا من مال وسلطة وصحة وعمر وحتى أنفاسي بس عشان الضحكة دى متغبش عني، أنا مُدمن وأنتِ إدماني يا مريم زي المريض اللي مالهوش علاج بس أنا علاجي أنتِ يا مريم.

توقفت "مريم" عن السير ولم تعد تتحمل سماع المزيد عنها منه، وهذا المشاعر اللي تصيبه لأجلها، توقف أمامها بخطوة رغم يديهما المُتشابكة ونظر إلى "مريم" مُستديرًا، تطلع بوجهها مُتعجبًا من سبب وقوفها فجأة بمنتصف الطريق، تطلعت "مريم" بعينيه فقط، عينيه الخضراء الجميلة اللي تزداد سحرًا ودفئًا بعشقه هذا، تبسمت بعفوية إليه وكأنها تناست كل أوجاعها لأجل قلبه النابض بداخله لها، تحدثت بدفء خافت قائلة: -جمال.

سارت القشعريرة بجسده كاملًا فور نطقها لاسمه، كلما نطقت أسمه ارتعش جسده وقلبه ارتباكًا وتوترًا لأجلها، كأن "مريم" تهزمه فقط بنطق اسمه بهذه النبرة الرقيقة الهامسة اللي تلامس أوتار قلبه ومشاعره، تابعت الحديث مع نظرته اللامعة:

-قولي يا جمال لو فيه كلمة ممكن تتقال أكتر من بحبك تكفيك، حتى بحبك مبتكفيش اللي حاسة بيه معاك، أنا واثقة أن مفيش واحدة متجوزة بقالها سنتين وأم ولسه قلبها بترعش وتدق بجنون كدة لجوزها، بالعكس كل اللي أعرفهم بيقولوا الحب بيموت بعد الجواز والراجل بيتغير لكن أنت يا جمال، أنت إزاي عاشقني كل العشق دا رغم انشغالك وإهمالك ليا؟ أخذ خطوة إليها ببسمة تنير عينيه أكثر من شفتيه وما زال مُتشابك الأيادي معها وقال:

-إزاي كدة، أنا في انشغالي بيموت من شوقي ليكي يا مريم، يا ريت لو تقدري تشقي صدري وتشوفي حال قلبي معاكي. رفعت يدها إلى وجهه تلمس وجنته تحديدًا من شعيرات لحيته البارزة بوضوح بحنان، دمعت عينيها وجعًا بينما تنظر إليه وقالت بنبرة خافتة تمزقها الألم:

-لو تعرف حالي قلبي، اه موجوعة ولسه قلبي بيبكي وينزف لكن مش قادرة أبعد عنك وخايفة من بُعد، عارفة أن أنتَ وبنتي مالكوش غير حضني ومش قادرة أحرمكم منه، ولا قادرة أنسي وجعي، صعبان عليا حال أيلا واللي حصل وحرام حيوان وروح تتأذي بسببي لأن مستحيل حد يأذيها لأنها حيوان، لكن أنا برضو عارفة أن هطيب وأنا معاك، هطيب وأيدك ضماني ومطمنني، يا جمال ياريت تحيط أيدك على قلبي وتشيل منه كل الأوجاع بس عشان مشوفش الخوف دا في عينيك، اه مهما دارت عليا أنا شايفة خوفك وقلقك عليا في عينيك، أطمني يا جمال حتى وأنا موجوعة وبتألم أنا مش هستسلم ولا خلي اللي عمل كدة ينتصر عليا مهما كان هدفه...

لأني مُتأكدة أن في ضهري راجل اسمه جمال المصري. تبسم "جمال" على شجاعتها وثقتها بكونه درعها الحامي وأخذ خطوته الأخيرة منها وقال: -أحسنتي يا مريم، أطمني ومين ما كان أنا في ظهرك ودرعك الحامي، وصدقيني هكون سيف يقطع رأس كل واحد يفكر يزعلك أو يبص لك بصة متعجبكيش، ودائمًا أتأكدي أن جمال هنا عشانك.

أومأت إليه بنعم ثم رفعت يدها الأخرى إلى وجنتها تجفف دموعها بلطف وتبسمت كأنها تتخلص من هذا الحزن ولحظتهما اللي غمرتها الدموع والوجع وقالت بنبرة حماسية تبدل حالها فورًا: -ودلوقت أنا عايزك تركبني عجل... اه وكمان كان في مخططاتي تعلمني الغطس وقاله في شعب مرجانية حلو جدًا في البحر هنا لازم توريهالي، اه وكمان عشاء على اليخت وعايزة هدية تعوضني عن سفرك الكتير الفترة الأخيرة...

اه نسيت كمان حابة نتصور صور عائلية لينا مع مكة وتخليني أتسلق الجبال وكمان قالوا أن في الفندق هنا رحلات بالطيران الشرعي لازم تخليني أجربه، أنا مستحيل أوافق أنك ترجعني قصري ولا ترجع لشغلك قبل ما تحقق ليا أمنيات كلها.

كانت تتحدث بطريقة حماسية ويديها تنطلق في الهواء تلوح بيهما بإعجاب وحماس وتعد على أصابعها أمنياتها اللي تريده أن يحققها من أجلها، تبسم على براءتها وعفويتها كأنها تتخطي الوجع والحزن أو تنتزعهما من داخلها وتلقي بهما هنا حتى تستعد طاقتها وتجدد مشاعر العشق بينهما بطريقتها العفوية، أومأ برأسه إليها وقال بخفة: -لك ذلك يا مريوتي، بس أتمني وأنا هحقق. ضحكت بعفوية وساروا الأثنين معًا يكملان الطريق... "قصـــر جمــال المصــري"

استيقظت "جميلة" عصرًا من نومها ولم تجد طفلها الرضيع في فراشها، فزعت من مكانها وترجلت إلى الأسفل بهلع وهى تنادي على "حنان" قائلة: -حنان.. حنان. خرجت "حنان" إليها من المطبخ بقلق من نبرة "جميلة" وكأنها فقدت شيء، سألت بقلق: -نعم؟ -فين يوسف؟ ملاقتهوش في سريره وأنا نبهت محدش يقرب منه ولا يدخل عليا أوضتي. قالتها بحزم قوي وغضب يكاد يحرق القصر كاملًا، تنحنحت "حنان" بلطف ثم قالت بهدوء:

-محدش دخل أوضة حضرتك، دا حسام أخده وخرجوا سوا. اتسعت عيني "جميلة" من الدهشة اللي أصابتها وحاولت الاتصال بـ"حسام" ولم يأتِ جوابًا لها، لم تتخيل للحظة أن يأخذ "حسام" ابنها ويغادر هكذا وإلى أين ذهب به؟ ، كاد القلق أن يقتلها محلها، جلست بفستان نومها القطني وقوفه روبها الطويل على المقعد في بهو القصر مُنتظرة أن يعود "حسام" به، كل دقيقة تقريبًا تنظر إلى ساعة الهاتف من القلق وملل الانتظار، تمتمت بقلق شديد:

-ليكون أخد ابني عشان خاصمته، معقول يخطف ابني.. لا مستحيل حسام يعمل.

حاولت الاتصال من جديد ولم تجد أي جواب نهائيًا بل الصوت الألي يخبرها بأن الهاتف مغلق كليًا.. كاد قلبها أن يتوقف من القلق خصيصًا أنها المرة الأولى اللي يفعلها بها "حسام" هذا، وقفت من مكانها وبدأت تسير ذهابًا وإيابًا في القصر بقلق حتى فتح باب القصر تلقائيًا وحده بواسطة "جين" فاستدارت لترى "حسام" يعود مع طفلها، ركضت إليه بجنون وحملت "يوسف" منه بأريحية، ضمته إليها بقلق ونظرت إلى "حسام" بغضب وكأن عينيها على وشك

أن تفترسه في محله وقالت: -أنت مين اللي سمح لك تأخده مني وتخرج به؟ اندهش من حديثها وعينيه تمقنها بصدمة قاتلة وقال بخفوت: -دا ابني على فكرة ومن حقي أخده مكان ما أحب. اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها كاملًا وقالت بتلعثم: -أنت وديته عند طليقتك؟ تركها ولم يجب بل أكمل سيرًا إلى الداخل فصرخت بانفعال شديد وهى تسير خلفه قائلة: -رد عليا أنا مش كلبة بتتكلم، وديته عند طليقتك مش كدة؟

التفت "حسام" إليها بحزم وحدق بوجهها وانفعالها الزائد ثم قال بهدوء ولا يبالي لغضبها قائلًا: -اسمها وديته عند أخته، أنا خرجت بنتي وخدت ابني معايا، الموضوع مالهوش علاقة بطليقتي. ضحكت بسخرية على كلماته مُتحاشية النظر إليه وأشارت إلى خادمة بأن تقترب ثم أعطتها "يوسف" من بين ذراعيها لتصعد به للأعلى، التفتت "جميلة" إلى "حسام" اللي ما زال يحدق بها بعد ضحكتها مُنتظرًا حديثها فاقتربت منه بهدوء وقالت بغضب سافر وتكز على أسنانها:

-بنتك!! قولتلي بنتك!! مش دي بنتك اللي رميتها جاي تفتكر دلوقت ولا تكون دي مش أول مرة وكنت بتستغفلني وأنا مسافرة ومأمناك على ابني وبتوديه عندهم؟ صمت ولم يجب عليها ففتحت فمها من هول الصدمة وقالت بتلعثم: -كنت بتستغفلني يا حسام وبتكذب عليا؟ حتى وأنا محذراك من الكذب عليا، أنا قولتلك إيه؟ تحاشى النظر إليها لتمسكه من ذقنه بقوة غاضبة وأدارت رأسه إليها حتى تتقابل عينيهما معًا وكانت عينيها على وشك البكاء من الحزن والصدمة اللي

ألجمتها للتو وقالت بتمتمة: -أنا قولتلك ليلة فرحنا اوعاك تكذب عليا، بس كذبة واحدة هتقتل ثقتي فيك وتشرخ علاقتنا، أنت وعدتني مش هتكذب ووعدتني مش هتقابل الست دي تاني ولا هتكون ليها مجال ووجود في حياتنا. ذرفت دموعها من الحزن كأنها تعرضت للخيانة للتو وشق قلبها بخنجر الكذب، تركت رأسه واستدارت لكي ترحل من أمامه فمسك يدها يمنعها من الرحيل وقال بخفوت: -جميلة أسمعيني الأول! دي... نفضت يدها من قبضته بقوة قبل أن يكمل حديثه وعنف

قوي ثم قالت بحدة صارمة: -أنت فوت فرصة أنى أسمعك، في كل مرة كنت بتكذب عليا كان عندك الفرصة تتكلم لكن لهنا وبس... صعدت إلى الأعلى بغيظ شديد والوجع يمزق قلبها وعقلها تقتله الأفكار الخبيثة، لما ظهرت طليقته للتو؟ ماذا إذا استغلت طفلتها لتعود إليه؟ ما السبب اللي جعل حسام يكذب عليها ويخون ثقتها في كل مرة يأخذ طفلها إلى طليقته وطفلته؟

، جلست على الفراش تبكي بقهرة أصابتها ومزقت قلبها للتو ودموعها لا تتوقف لوهلة واحدة وتنتفض بجسدها من شهقاتها اللي ملأت الغرفة. وقف "حسام" خارج الغرفة ويسمع صوت بكاءها، لكنه لم يجرأ على مواجهتها للتو أثناء خذلانها، لكنه لم يقوَ على الرحيل أيضًا وتركها وحدها في هذا الحزن الذي خيم على كيان محبوبته، اعتقد أن وجوده جوارها سيخفف من حزنها.

جلست "مريم" على الأريكة في الطابق الأول مع "مكة" تلعب معها وتعلمها الكلمات لكي تنطق بها وتبتسم بسعادة، جاءت "نانسي" إليها بحيرة وتنظر حولها قائلة: -أمال المفقودة اللي اسمها فريدة دي فين؟ نظرت "مريم" حولها بلا مبالاة وقالت: -تلاقيها هنا ولا هناك هتروح فين يعني؟ جلست "نانسي" جوارها بقلق وعينيها تتجول في المكان بحيرة وتتمتم قائلة: -بقيت بتختفي كتير الأيام دي. تبسمت "مريم" ببراءة ويدها تداعب رأس طفلتها بحب مبتسمة

وهتفت بلا مبالاة قائلة: -سيبها يا نانسي تعيش حياتها، لسه بنت وليها حياة، خليها تتبسط. أومأت "نانسي" إليها بنعم وقالت متذمرة: -طيبتك دي اللي موديكي في داهية يا مريم. ضحكت بعفوية ويديها تحمل "مكة" على قدميها بحب. في غرفة مكتب "تيام" كان "جمال" جالسًا وقال "تيام" بجدية: -مفيش شبر في القرية من غير كاميرات مراقبة عشان كده باكد لحضرتك أن محدش دخل البيت وأنا واثق من جهاز الأمن عندي،

الأماكن الوحيدة اللي مفيهاش كاميرات مراقبة تحت نظامنا هي الغرف من الداخل عشان خصوصية النزلاء. تأفّف "جمال" بحيرة أكبر من هذا الحديث خصيصًا بعد مشاهدته لتسجيل الكاميرات وتأكده من عدم وجود خلل بيها، تحدث بحيرة قائلًا: -يعني اللي عملها حد من جوا الشاليه نفسه؟ معتقدش أن ممكن حد من موظفيني يعملها لأنهم أكتر ناس عارفين عقابهم مني وعارفين أنا مين؟

غادر الغرفة غاضبًا وعقله يحصر هؤلاء الأفراد الذين يخيمون في الشاليه معه ومع زوجته، جميعهم أشخاص مرّت سنوات على عملهم لديه ولم يجرأ أي منهم على فعل هذا خوفًا من العواقب، مر في بهو الفندق لكن توقفت قدميه عن السير بدهشة أصابته عندما رأى "فريدة" أمامه تقف مع "حازم".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...