الفصل 16 | من 59 فصل

رواية روية جمال الاسود الفصل السادس عشر 16 - بقلم نورا عبد العزيز

المشاهدات
21
كلمة
3,715
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 27%
حجم الخط: 18

انطلق "نادر" بسيارته إلى الملهى الليلي بجنون أصابه بعدما سمع أن هناك أفرادًا من العصابة اقتحموا المكان وبدأوا في تهديد "سارة". وصل للمكان ليستقبله الرجل الذي اتصل به وقال: -أول أوضة على الشمال.

صعد للأعلى مسرعًا وهو يكاد يجن جنونه بعد أن علم أن رئيس هؤلاء أخذها للغرفة، فتح باب الغرفة ورآها تجلس هناك على قدمي الرجل وتسكب له الخمر بوجه باكٍ وهو يحيط رأسها بذراعه وفي يده سكين حاد يضعه على عنقها. ازدرد لعابه بضيق وهو يراها تخدم هذا الرجل تحت التهديد. تبسم الرجل بسخرية وقال: -مش قولت محدش يزعجني. تقدم "نادر" نحوهما أكثر ببرود وينظر حوله بسخرية من هذا الرجل ثم قال: -جالك الجرأة ترفع عليها سلاح. نظر الرجل

لها بإعجاب شديد ثم قال: -بصراحة هي ميترفعش عليها سلاح، لكن أعمل إيه معها، هي اللي عنيدة ولو كانت جت بالرضا ماكنتش جت بالغصب.

أومأ "نادر" له بنعم موافقًا إياه الرأي ويتحاشى النظر لهم، وقبل أن يتحدث الرجل مرة أخرى صُدم بزجاجة الخمر تكسر فوق رأسه من "نادر" لتسيل الدماء من رأسه، فسحبها بقوة إليه حتى جرحت السكين عنقها قليلًا بخدش صغير. غادر الغرفة بعد أن أخذها ليهجم رجال الأمن الخاصين بها بعد أن تحررت، فكانوا خائفون من المجازفة كونها رهينة لدى هذا الرجل المسلح. سارت معه للخارج مبتسمة بمكر وغمزت لأحدهم بانتصار على تنفيذ خطتها كما أمرت. وتركت الحقيبة مع النادل فتبسم بعد أن غادرت وفتحها ليجد بها مخزونًا من المال لنجاح خطتها. صعد إلى زملائه وقسم المال معهم ليبتسموا بحماس وضمدوا جرح صديقهم.

_"قصر جمال المصري" ظلت غاضبة في غرفتها حتى سمعت صوت السيارة فهرعت مسرعة للأسفل تنادي على "حنان" حتى تطمئن عليه قائلة: -حنان.... حنان....

توقفت عن الحديث عندما رأته يقف أمامها بعد تسريحه من المستشفى ومعه والدته "ولاء" وفتاة أخرى في عمرها تقريبًا لتعلم أنها "جميلة" أخته الصغرى. كانت ترتدي تنورة طويلة سوداء وبلوفر من الصوف وحذاء ذا رقبة قصيرة ولديها وجه جميل به زوج من العيون الخضراء كأخاها وبشرة متوسطة البياض وأنف صغيرة جدًا وشعر أسود يصل لمنتصف ظهرها مموج. تبسمت "جميلة" عليها وهمست إلى "حنان" بعفوية في أذنها: -هي دي؟

أومأت "حنان" لها بنعم ونظرت إلى "مريم" التي تحدق به بنظراتها مطولًا تفحصه بدقة أو بالأحرى تشبع شوقها إليه بعد أن غاب لأسبوع كامل عن نظرها. ضربات قلبها تسارعت لرؤيته وصرخ هذا القلب بين ضلوعها متمنيًا أن تكمل ركوضها نحوه لكنها ظلت مكانها لا تقترب أكثر وتفقد صواب قلبها العاشق. تطلع "جمال" بها في صمت تقف أمامه بنحالتها وخفتها مرتدية بيجامة قطنية عبارة عن بنطلون وردي فضفاض مرسوم عليه ريش باللون الأزرق وبادي وردي بحمالة

وفوقه سترة طويلة تصل لركبتها مفتوحة. شعرها البني كالبندق وحبات القهوة ينسدل على الجانبين بحرية، فكم تكره هذه الفتاة تقييد شعراتها بالمشبك أو دبوس الشعر. يحيط بوجهها الجميل كعتمة السماء التي تحيط القمر كل ليلة. قاطع نظرتهم الطويلة صوت "ولاء"

تقول: -تعال عشان ترتاح. تنحنح بحرج وصعد السلالم مع والدته حتى مر من جوارها لتستنشق رائحته التي تشبه المستشفى من مكوثه هناك. رمقته عن قرب بنظرة حزينة من تجاهله لها بينما هو صعد غير مبالٍ لها. تتبعته بنظرها حتى قاطعها صوت "جميلة" تقول: -هاي، أنا جميلة أخته. نظرت "مريم" بحرج لها وقالت: -مريم... ضيفة مؤقتًا. صعدت لغرفتها بحزن تملكها من صلتها به وهي حقًا مجرد ضيفة هنا. دخلت غرفتها لتتبعها "نانسي" ورأت دمعة هربت

من عينيها لتقول بحنان: -الله! ليه الدموع دي؟ مين زعل القمر بس. تمتمت بضعف وحزن يخيم على قلبها قائلة: -أنا عارفة أني غلطت وعارفة أن الناس كلها بتتكلم عنه بسببي وأن اللي حصل من تحت رأسي بس هو يعني مينفعش يغفرلي دا ولا لازم يفضل يعاقبني بقسوته؟ ضمتها "نانسي" بلطف وبدأت تمسح على رأسها ثم قالت: -اهدئي يا مريم، أنا قولتلك حكاية مراته وأن الناس تتكلم عنها وعن الخيانة اللي اتعرض لها، مش سهل عليه برضه هو بشر.

نظرت إليه بصمت ولم تعقب على كلماتها. _أخذها "نادر" إلى شقتها كما طلبت منه ودلفت بصحبته تصطنع الخوف مما حدث وجلست على الأريكة ليقول: -أبقى خلي بالك من نفسك وهاتي حراسة كويسة لأن الأشكال دي كتير ووارد وجودهم في مكانك. أومأت إليه بصمت لينظر إلى عنقها المجروح وقال بضيق شديد يتملكه: -ها الغبي كان لازم أدب الأزازة في رقبته مش دماغه!

رفعت "سارة" نظرها إليه وترمقه في صمت وهو بدأ يعقم جرحها بوجه عابس متذمرًا على خدشها وكأن هذا الرجل أفسد الجمال الذي يقدسه ومزق جمالها. وضع اللاصقة على عنقها بلطف ووقف لكي يغادر لكن استوقفته "سارة" عندما مسكت يده وقالت ببراءة مزيفة وتصطنع الخوف بعد ما حدث لها: -خليك معايا النهاردة، أنا خايفة.

ابتلع ريقه بارتباك ثم جلس جوارها من جديد لتقف "سارة" وسارت نحو البار لتحضر زجاجة من الخمر وكأسين وهي تعلم أن عينيه لا تفارقها فتأففت بضيق شديد وهي لا تعرف كيف تضع المخدرات له في الكأس مع نظره المسلط عليها يلتهمها. نظر إليها وهي تسير نحوه وتتدلل وتتلوى كالحية خلف وجهها الجميل. ترتدي فستانًا أسود طويلًا ومفتوحًا من بداية الفخذ الأيسر للأسفل مع سلاسل كثيرة بهذه الفتحة المثيرة لتظهر من ورائها أقدامها العارية ببشرتها

البيضاء وتصدر صوتًا جذابًا كالأجراس مع خطواتها وطقطقة كعبها العالي على الأرض الرخامية ومن الأعلى ضيق جدًا من الصدر ومفتوح بكم واحد وذراعها اليمنى عارٍ تمامًا وشعرها الأسود يداعب هذا العنق النحيل وعظمتي الرقبة. وضعت الزجاجة والكأسين على الطاولة

وقالت ببراءة مصطنعة: -هجيب الثلج. سارت مجددًا إلى البار لتدخل خلفه هذه المرة وتحجب عنه الرؤية. نظر إلى رأسها التي تظهر أمامه وسكب كأسًا لنفسه وارتشفه على جرعة واحدة ثم نزع رابطة عنقه وفتح زرًا واحدًا من قميصه ويكاد أن يفقد صوابه أمام هذه المرأة. تبسمت "سارة" بانتصار ثم نزلت للأسفل تختفي كليًا عنه وجلبت كوبًا صغيرًا ووضعت به المخدر بجرعة كبيرة تكفي لثمالته كليًا وفقد عقله ثم سكبت الخمر فوقه بمكر شيطاني وقالت متمتمة:

-المرة دي أنا اللي هنجح يا جمال... نزعت فردة حذائها وكسرت الكعب بيديها ثم ارتدته وتركت الكأس على الأرض ووقفت تحمل الثلج وتبسمت إليه. تبسم إليها وهو يرتشف كأسًا آخر فتقدمت خطوة لتسقط أرضًا من كعبها المكسور. وقف من مكانه بذعر عليها وهرع إليها. التف حول البار ودخل لها ليراها جالسة على الأرض ومكعبات الثلج فوقها. جلس جوارها بهدوء وقال: -أنتِ كويسة؟ تألمت بشدة مصطنعة الوجع بتعابير وجهها قائلة: -ااااه رجلي مش قادرة.

نزع لها الحذاء ونظر إلى قدمها فكانت بخير لكنها تأني من الألم أمامه فقال: -مش تخلي بالك وأنتِ ماشية. أجابته بنبرة خافتة ودلال مفرط: -ماكنتش أعرف إني هقع. ابتلع لعابه بارتباك وهو يبعد مكعبات الثلج عنها حتى لا تصيبها بمرض في هذا الشتاء وقال: -أنتِ وقعتي على قلبي...

لم يتمالك أعصابه أكثر وسرق منها القبلة التي تمناها كثيرًا، لكنها ابتعدت عنه كعادتها فنظر إليها بهدوء متعجبًا رفضها لترفع الكوب أمام فمه بيده وارتشفه منها وهو يتحسس يدها يكتشف نعومتها دون أن يفكر ولو قليلًا من أين جاء الكوب في الأرض لتبتسم بمكر وسحبته من قميصه. _"قصر جمال المصري"

خرجت "مريم" من غرفتها صباحًا لتراه ينزل الدرج بخطوات ثابتة بسبب جرحه وذراعه معلق في رقبته ليتحكم بحركة لأجل إصابته. أسرعت إليه وأخذت يده كي تساعده لكنها صُدمت عندما أبعد "جمال" يدها عنه بضيق شديد فنظرت له بغيظ من معاملته لها وقالت: -هو في إيه؟ توقف عن النزول والتف "جمال" ينظر إليها بضيق ثم قال: -في إيه؟ أنتِ بجد بتسألي في إيه؟ مش واخدة بالك أن كل اللي حصل واللي إحنا وصلنا له بسبب عمايلك وغبائك؟ -غبائي!

رددت كلمته بدهشة من طريقته في الحديث. تحدث بنبرة قوية غليظة قائلًا: -اه غبائك، مين سمح لك تقفلي تليفوني وتسيبي ساعتي في المزرعة؟ ونروح لوحدنا؟ مين أدى لك الحق تتصرفي في حياتي بطريقتك وعلى كيفك؟ أنتِ مين أصلًا عشان يبقى لك رأي؟ ضحكت بسخرية على كلامه الذي أحزنها وأوجع قلبها. قسوته لم تعد تتحملها أكثر فقالت بضيق شديد: -صحيح أنا مين أصلًا؟ مجرد ضيفة. مرت من امامه ليصرخ بها بانفعال قائلًا: -وضيفة تقيلة كمان.

ابتلعت "حنان" ريقها من مشاهدتها لهذا الشجار ثم أخذت الخادمة للمطبخ وهي تتمتم: -خلينا ندخل قبل ما الحرب تقوم في البيت دا. جهزت الإفطار مع الخدم وجلسوا يتناولوا الطعام في صمت و"ولاء" تراقب ابنها بنظراتها فقالت "جميلة" بنبرة هادئة: -وعلى كدة قاعدة هنا لحد أمتى؟ رفع "جمال" نظره إلى أخته بضيق شديد من حديثها على الطعام. نظرت "حنان" إليها لتشير لها بأن تصمت رجاءً ولا تزيد من غضبه. أدارت "جميلة" نظرها إلى

أخاها بقلق وقالت بحيرة: -عادي يا جمال بسألها قاعدة لحد أمتى لأنها قالتلي إنها ضيفة؟ وضعت "حنان" يدها على وجهها مستعدة للحرب التي ستقام للتو باستسلام. نظر "جمال" إلى "مريم" الجالسة بنهاية السفرة وحدها بعيدًا عنهم ليقول: -قالتلك ضيفة بس! تنحنحت "ولاء" بنبرة باردة وهي تتناول طعامها: -وأرملة أخوك! هو في... قاطعها صوته القوي بنبرة باردة حادة يقول: -خطيبتي، نسيت تقولك يا جميلة أنها خطيبتي، اعذريها أصلاً بتنسي كتير.

رفعت مريم نظرها إليه بغضب سافر من كلمته، أهو يعاملها بقسوة ويوبخها والآن يتحدث عن خطبتهما لتقول بضيق: -أنا ما وافقتش أكون خطيبة حد. رفع حاجبه لها بسخرية من كلمتها وعاد بظهره للخلف باسترخاء وقال بنبرة أكثر برودة: -وكأني محتاج لموافقتك يا مريم. ضربت السفرة بقبضتيها بغضب شديد يتملكها لتقول: -أنا رايحة الجامعة قبل ما أرتكب جناية هنا. وقفت من مكانها ومرت من جانبه ليقول ببرود أكثر يثير استفزازها وغضبها: -ما فيش خروج.

التفتت إليه وكادت أن تقترب منه وتضربه على رأسه بانفعال من الغضب الذي تملكها للتو لتمسكها حنان وهم يقفان خلف ظهره دون أن يراهما وحاولت منعها قائلة: -عشان خاطري، عشان خاطري أنا يا مريم، اطلعي. عضت شفتها السفلية باغتياظ منه وحنان تحيط جسدها بذراعيها تمنعها من لكمه فصرخت من الغيظ: -أووووف أنا طالعة عشان خاطرك بس يا حنان. صعدت للدرج، وقف من مكانه ببسمة انتصار خفية وقلبه يتراقص فرحًا من كرة الغضب الذي قذفها بها وقال:

-لا وأنت الصادقة ده عشان معندكيش خيار تاني. ضربت الدرج بقدمها من الغيظ لتصرخ من الألم فتبسم أكثر ثم دخل للمكتب وكان شريف بانتظاره، تطلع ببسمته باندهاش فنادرًا ما يرى بسمة على وجه هذا الرجل ليقول: -خير إن شاء الله؟ تلاشت البسمة عن وجهه ليتنحنح شريف بحرج ثم قال: -التليفون اللي لقيناه مع واحد من الرجال طلع آخر رقم متصل به، رقم حد تعرفوه كويس.

جلس جمال على مقعده خلف المكتب برفق بسبب إصابته وذراعه المعلق في كتفه ثم حدق بـ شريف وبدأ يخمن الشخص قائلاً: -حمزة.. هز شريف رأسه بلا ليتابع جمال التخمين بضيق: -نادر… أمال مين أنت بتنقطني يا شريف. -سارة. قالها شريف بنبرة هادئة وهو يعلم بأن اسمها سيثير غضب هذا الرجل ليقول: -سارة!! المربية. ضحك شريف بسخرية بعد أن جلس على المقعد واتصل الهاتف بشاشة المكتب ليعرض عليه جزءًا من حياة سارة الآن وقال: -قصدك سارة ستار!!

صاحبة أكبر نادي ليلي وتاجرة المخدرات، اسمها بقي أشهر من النار على العلم بين الشباب الفاسد والمتعاطين، ده مش فاتحة كازينو عادي يا مستر جمال، ده منبع للفساد ومش هتصدق دلوقت بتلف على مين. نظر جمال إلى الفيديو الذي أمامه من داخل الملهى الليلي ليتابع شريف الحديث بعد أن مرر يديه على الشاشة ليظهر الفيديو التالي: -نادر الهواري. حدق جمال بالفيديو الذي يجمع سارة ونادر على طاولة واحدة ويضحكون ليقول: -الطيور على أشكالها تقع.

عاد بظهره للخلف بعد أن أغلق الشاشة وقال: -تتاجر في المخدرات وتلف على نادر ده شيء ما يخصنيش لكن تقرب من مريم ده اللي يخصني، أنت عارف أني ما اتعودتش أكون مدين لحد حتى لو بقلم واللي عملته لازم يترد لها يا شريف، ما فيش أخبار عن حمزة؟ أجابه شريف بنبرة هادئة بحرج من فشله قائلاً: -للأسف من ساعة الحادثة وهو مختفي. صرخ جمال بانفعال بعد أن وقف من مكانه بضيق شديد:

-بقى لي شهر باسمع نفس الجملة، حمزة لازم يدفع ثمن اللي عمله فيها، لازم أخليه يدوق العذاب والألم اللي دوقه لها طول السنين دي.

أومأ شريف له بنعم ولا يعلم سبب هذا الغضب القوي، غادر المكتب وتركه ليجلس جمال مرة أخرى على مكتبه باختناق منذ أن أخرجها من الصندوق غريقة كقطعة ثلج باردة وهو يبحث عنه في كل مكان، سيجعله يجرب هذا الشعور والاختناق تحت الماء، سيمزق جسده إربًا بالسكين كما فعل معها وبعدد الندوب التي رآها في جسدها، سيرد له الألم الذي رآه في المزرعة في وجهها وجسدها أطنانًا، سيجعله ينتفض خوفًا وذعرًا كما جعلها تنتفض، لن يتهون معه وسيريه كم هو وحش من داخله وأنه لا يمكن أن يكون خصمًا له.

تمتم بنبرة خافتة يقول: -استحملي يا مريم والله لأقتله وأخلصك منه للأبد عشان تعيشي. وقف من مكانه بعد أن ضغط على الزر الأحمر حتى لا يجرؤ أحد على الدخول إلى المكتب، فتح الباب السري ودلف للغرفة لينظر إلى هذا الحائط ووضع دائرة على صورة سارة وقال:

-الوحيدة اللي استفادت من موت مختار… كل أملاكه راحت ليكي، من بعده ورثتي ملايين… ليه ما يكونش أنت اللي حرضت على قتله، ما هو مش معقول حمزة فجأة قرر يدافع عن بنته ويحميها من الاغتصاب، ما تطلعش من واحد مريض زيه… بدأ جمال يجمع كل الخيوط ويربطها معًا من حكاية مريم وخصوصًا بعد أن عثر على أثر الرصاصة، وضع خط أسفل صورة حمزة وقال: -أنت اللي عارف مكان الجثة. تنهد تامر بهدوء محاولاً كبح غضبه مما سمعه للتو وقال: -اتجوزتها!! أومأ

نادر له ببرود شديد ثم قال: -آه زي ما سمعت. جلس تامر على المقعد المقابل له بهدوء وقال بضيق تمكن منه بسبب هذا الحديث: -اتجوزت رقاصة!! أنا عارف إني مجرد موظف عند سيادتك، لكن حضرتك رجل أعمال وليك وضعك، وداخل على منافسة قوية مع جمال المصري، والحكومة هتقرر إن واحد فيكم اللي هيأخد المشروع ده. إزاي جازفت بكل ده واتجوزت رقاصة؟ أنا ما صدقت سكّت الصحافة وحمدت ربنا إنهم بصوا على جمال عشان نعلى إحنا. تأفف "نادر" بضيق

شديد من هذا الحديث ثم قال: -اللي حصل حصل، بطل ندب زي النسوة. وبعدين أنا ما حستش بحاجة، أنا فوقت النهاردة لقيتني ماضي على ورقة جواز عرفي. وبعدين أنا فهمتها إن الموضوع ده لازم يكون سر عشان وضعي، وسارة اتفهمت ده. وقف "تامر" من مقعده بانفعال وكاد أن ينزع شعره من محله من الغيظ وقال: -واحدة لفت عليك عشان تتجوزك، وسوري في اللفظ لحضرتك، شربتك لحد ما اتصطلت ومضتك على ورقة جواز وحضرتك سكران، دي هتحتفظ بالسر؟!

رفع "نادر" نظره إلى مدير أعماله بغيظ ليتأفف "تامر" من الغيظ وقال: -أنا يا دوب أستعد لمواجهة الخبر في الصحافة، لإن الخبر مش هيستخبى عليهم كتير. خرج من المكتب متذمرًا ليفرك "نادر" رأسه بضيق بعد أن وقع في الفخ وأصبحت زوجته، كأن يريد أن تكون علاقة عابرة لليلة واحدة، لكن هذه المرأة أوقعت به ليقول: -شغل عوالم. ارتشف فنجان قهوته على جرعة واحدة. *** "قصر جمال المصري"

كانت تستمتع بركوبها على ظهر "إيلا" وهي تركض بها بعيدًا بسرعة، و"مريم" تتشبث بشعراتها بلطف، وجسدها يصعد ويهبط مع ركض "إيلا". لترى "نانسي" تخرج من القصر بصحبة تساندها بلطف حتى جلس على الأريكة البيضاء تحت أشعة الشمس. ظلت تنظر عليه خلسة و"إيلا" تركض بعفوية. رمقها "جمال" ليراها كفراشة تحلق في الهواء وشعرها يتطاير مع نسمات الهواء، فطلب من "نانسي" أن تذهب إليها. اقتربت "نانسي" من السياج وقالت: -مريم!

التفتت "مريم" إليها فأشارت إليها بأنه يريدها. تنهدت بخفوت وهي الآن لا تريد الشجار. نزلت عن ظهر "إيلا" وأعطتها إلى "حاتم" وسارت نحوه. قالت بهدوء شديد: -نعم؟! -اقعدي. قالها بهدوء شديد لتجلس على المقعد الموجود أمامه ناظرة إليه حتى يتحدث فقال: -أنا طلبت من سلمى تشوف دكتور نفسي. نظرت له باندهاش من كلمته ليقول: -لكي. اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة من كلمته وقالت بتلعثم: -ليا أنا؟! ليه شايفني مجنونة قصادك؟

نظر إليها بهدوء ثم قال: -مريم، أنتِ متعلمة وفاهمة إن مش كل اللي بيروح لدكتور نفسي بيكون مجنون. أنا ما بيشكش في سلامة عقلك، أنا بتكلم عن نفسيتك. الخوف اللي جواكي، وحالة الذعر اللي موجودة عندك من الفيوم والمزرعة والأحلام الكوابيس اللي بتشوفيها. الأصوات اللي بتسمعيها في عقلك مع كل مطر ورعد. مش معقول هتكوني كل مرة جوا القصر. نفترض كنتِ في الجامعة وحصل رعد، ده ظاهرة طبيعية بتحصل. -هتأكد من الطقس ومش هخرج وقت المطر.

قالتها بعفوية وبسمة لا تفارق وجهها ليقول بجدية صارمة: -أنا مش بهزر يا مريم. طب الأحلام والكوابيس؟ إيه مش هتنامي كمان؟ صمتت بهدوء لينحني قليلًا للأمام حتى أخذ يدها في قبضته وقال: -أنا عايز مصلحتك يا مريم. أنتِ كنتِ جميلة تحت المطر، حرام تحرمي نفسك من ده. نظرت إليه بهدوء وتذكرت يوم ميلاده الذي أخبرته فيه بحبها ولعبها تحت المطر معه. تابع حديثه قائلًا:

-اعتبريها مجرد فضفضة مع شخص موثوق منه. أنتِ ما شفتيش كنتِ بتتفضي إزاي وأنتِ نايمة في المزرعة، والخوف اللي جواكي. تقدري تقولي لي لو اتجوزتي فعلًا هتقدري تسمحي لجوزك يقرب منك ولا هتفضلي تشوفي اللي حصل لك في اليوم ده؟ تنحنحت بحرج من كلماته ليقول بهدوء ونبرة دافئة:

-أنا آسف لو بتكلم معاكي في حاجة زي دي، بس الخوف اللي جواكي يخلي كل حاجة جايز تحصل. أرجوكي جربي جلسة واحدة مع الدكتور، ولو ما ارتحتيش أو حسيتي إنك بتضغطي على نفسك قولي لي، وأنا من ناحيتي أوعدك ما تتكررش. أومأت إليه بنعم ببسمة خافتة ثم قالت: -موافقة، ممكن أنتَ بقى توافق إني أروح الجامعة؟ ترك يدها وعاد بظهره للخلف بغضب وقد تلاشى دفئه وهدوئه وحل محلهما الغضب والغيظ ثم قال: -لا. ما فيش خروج من باب القصر.

أغمضت عينيها بغضب من رفضه لكنها كبحت هذا الضيق وحاولت السيطرة عليه ثم قالت: -عشان خاطري. -لا. قالها بحزم ولهجة آمرية لا مجال للنقاش فكزت على أسنانها من الغيظ ووقفت لتغادر من أمامه. تمتم بنبرة حادة قائلًا: -لحد ما أخلص من أي خطر، صدقيني مش هقدر أخرجك من القصر. *** وصل "حمزة" إلى الملهى الليلي بعد اختفائه ليبحث عن "سارة" فقال "حازم" بسخرية: -اتجوزت، مش هتلاقيها فاضية اليومين دول. -اتجوزت؟!

قالها "حمزة" بسخرية ليجيب عليه "حازم" بلا مبالاة كأنه لا يهتم بما تفعله والدته: -آه، رجل الأعمال نادر الهواري. محظوظة أمي، ما بتقعش غير واقفة. -محظوظة فعلًا. قالها بسخرية ثم خرج من الملهى الليلي ليعبر الطريق إلى سيارته وقبل أن يصعد ظهر مجموعة من الرجال واختطفوه في سيارة رباعية الدفع سوداء. تبسم "عاشور" وهو جالس في المقعد الأمامي واتصل بهاتف "جمال" ليقول: -حصل يا ريس... *** "قصر جمال المصري"

خرجت "نانسي" من المطبخ بفنجان قهوته وقبل أن تصعد الدرج نادتها "ولاء" قائلة: -نانسي تعالي أقول لك... نظرت على الفنجان بتردد في الذهاب إليها أم إلى "جمال" لكن سرعان ما تبسمت عندما رأت "مريم" تنزل من الأعلى وقالت بعفوية: -معلش تطلعي لي القهوة لجمال بيه. ترددت "مريم" في أخذ القهوة لتشير لها على "ولاء" فأخذتها وصعدت للأعلى. دقت باب غرفته بهدوء ليقول: -ادخلي يا نانسي.

دلفت بفنجان القهوة ووضعته على الطاولة دون أن تحدثه. لم ينتبه لوجودها وظل ينظر على نفسه في المرآة وهو يحاول ارتداء قميصه الأسود بصعوبة من إصابته وسترته على الفراش فقالت "مريم" بقلق: -أنتَ خارج؟ التف على صوتها ليرى فنجان القهوة. عاد بنظره إلى المرآة بجدية وكيف لا يخرج بعد أن حصل عليه ليقول بحزم: -آه. -وأنتَ تعبان؟ أعتقد إني سمعت حنان بتقول إنك ترتاح وشريف نبه عليك ما تتحركش كتير.

قالتها بقلق على جرحه وصحته. أجابها ببرود وهو يدخل ذراعه في الكم بصعوبة: -أنا ما بأخدش أوامر من حد. سيبني بقى عشان أكمل لبسي.

لم يحصل على جواب منها لكنه شعر بيدها تمسك القميص ليكمل دخول ذراعه. التفت لتقف أمامه وبدأت تغلق الأزرار لأجله بوجه عابس فهو حقًا لن يستمع لها نهائيًا. تطلع بوجهها الغاضب منه وهو مدرك بأن هذا الغضب بسببه. كانت ترتدي بنطلون أسود يظهر نحافة قدميها وبلوفر من الصوف أخضر اللون طويل يصل لركبتها وأكمامه طويلة تخفي أصابعها النحيلة. شعرها منسدل على الجانبين ويصنع فرقًا بمنتصف رأسها. قال بنبرة خافتة: -شكرًا.

أجابته وهي تصعد بيديها للأزرار العلوية دون أن تنظر إليه هاتفة: -لو عايز تشكرني فعلًا، ما تخرجش وأنتَ تعبان. بس أنا عارفة إن حتى أنا ما بتأخدش أوامر منها ومش هتسمع ليا. -لو ما كانش الموضوع ضروري ما كنتش خرجت يا مريم.

قالها بحدة صارمة لتتوقف عما تفعله ونظرت إليه بعد أن تجنبت النظر إليه منذ أن دخلت الغرفة لتتقابل عيونهما. عينيها الذهبية التي تتقلب في معظم الأوقات أحيانًا يشعر بأنها صفراء وأحيانًا عسلية والآن يراهما يميلان للون الأخضر الذي يشبه ملابسها. لا يعلم أهذا سحرًا أم ماذا لكن المؤكد أنها نعمة من الرب رزقها بها. هذا الزوج من العيون الجميلتين يصاحبهما القلق والخوف عليه بوضوح وتسأله نظرتها ماذا إذا أصابه شيء في الخارج أو تضرر الجرح فقال مجيبًا

بلسانه عليها: -ما تقلقيش، أنا معايا عاشور والحرس. خرجت منها تنهيدة قوية وجلبت رابطة العنق التي اختارها ووضعتها حول عنقه وهي ترفع جسدها على أطراف أصابعها بلطف حتى تصل إليه بسبب قصرها وهي حافية القدمين ليتابعها بنظره. تمنى أن يأتي اليوم الذي تفعل له هذه الأشياء البسيطة برغبتها ولا تكن مجبورة بسبب إصابته وإشفاقها عليه. شعرت بشيء يداعب رأسها لترفع نظرها فرأته قريبًا جدًا منها مغمض العينين لتعتقد بأنه مريض لتقول بقلق:

-أنتَ كويس؟ فتح عينيه بهدوء بعد أن مزقت لحظته وهو يحاول استنشاق رائحة شعرها الفريدة وقال: -آه. رفعت حاجبها بشك من أمره وأحضرت الفيست الخاص بالبدلة وساعدته في ارتدائه ثم أغلقت الأزرار لتقول: -ما تتأخرش. رفع حاجبه إليها بجدية لتقول بتعجل وقلق: -مش أمر، لك الحرية. هو مجرد طلب مني.

أشار برأسه إليها بنعم لتبتسم على موافقته لطالما فعل ما تريده عندما تطلبه. أحضرت السترة الرمادية من أجله ووقفت خلفه لتساعده في ارتدائها فاستدار "جمال" هذه المرة لأجلها. وقفت تحدق به وهي تضع سبابتها بين أسنانها بطريقة عفوية ثم ضربت كفيها معًا وقالت بإعجاب شديد:

-فكرت في الموضوع واكتشفت إنك أوسم رجل أربعيني. لا ما يصحش. مستحيل أقدمك للناس على إنك ولي أمري، ما حدش هيصدق إن الراجل ده ولي أمر آنسة كبيرة زيي نهائيًا. إزاي أقنعهم إنك ولي أمري؟ لا، لا، أنتَ من الأفضل ما تحضرش حفلة تخرجي.

تبسم بلطف على كلماتها وهي تتغزل به بطريقة غير مباشرة لتتعجب إلى هذه البسمة التي رأتها للتو على شفتيه لتبتسم كالبلهاء على جمال بسمته الساحرة التي تشبه التعويذة التي ألقاها على قلبها في الحال ليخطف دقات قلبه التي ركضت إليه مهرولة. أخذ خطوة نحوها بعفوية وقال بمكر: -خلاص قدميني على إني خطيبك. توقفت عن هيامها به واعتدلت في وقفتها بوجه حاد وكزت على أسنانها بضيق شديد منه وتوارى إعجابها لتقول:

-مصر تعصبني. ليكون بعلمك أنا مش خطيبتك، وأحب أفكرك إن باقي من المدة تسعة شهور يا جمال. تسعة شهور زي الست الحامل بالضبط وأخرج من هنا. أنا مستحيل أتجوز رجل أربعيني وأكرر الغلطة مرة تانية. أخذ خطوته الأخيرة التي تفصله عنها ليصبح على قرب شديد منها ويشعر بأنفاسها ثم قال:

قضمت شفتها السفلية بأسنانها مستشاطة غيظًا حتى جرحتها من شدة الغضب وهو يتعامل معها بأسلوب الإكراه والجبر لم يحاول أن يفعل باللين. لو كان طلب منها أن تكون خطيبته باللين واللطف لتركت العالم أجمع لأجله. لكنه يعاملها كجاريته المفضلة يلقي لها أوامره فقط. وهذا ما يغضبها منه دومًا. صدمت عندما انحنى إليها سارقًا قبلة خاطفة من شفتها المجروحة ثم ابتعد عنها. قوست شفتيها بحزن كبير وقالت: -جمال...

نظر إلى عينيها بنظرة هادئة ورفع يده إلى وجهها يضع خصلات شعرها خلف أذنها الصغيرة ثم قال بجدية رغم دفء نبرته التي تسللت إلى قلبها العاشق: -أقسم لك لأجل جمال اللي بتطلع منك لأرد لهم أطنان من الأذى اللي سببوه لكي يا مريم. لم تفهم كلماته وعمن يتحدث؟ من الذي سيرد له أطنان من أذيتها؟ اتسعت عينيها على مصراعيها ونظرت نحوه وهو يغادر الغرفة لتسرع خلفه بصدمة ألجمتها وقالت: -أنتَ رايح فين؟ هتقابل مين يا جمال؟ -هرد دين في رقبتي.

قالها بنبرة حادة مخيفة. أرعبتها من الداخل وخلعت قلبها من محله وهي لا تفهم شيئًا سوى أنه ذاهب للانتقام من أجلها فقط حتى لا تعرف ممن سينتقم؟ لكن نبرته وطريقته في الرحيل مع رجاله أخبرتها بأنه كالهاوية سيلتهمهم جميعًا أيًا كان من سيتلقى منه الأذى وسيقابله اليوم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...