وقفت "مريم" في الساحة تصور فيديو إعلاني عن الجهاز الآلي الذي يصنع القهوة وحده دون الحاجة لأيد بشرية، وتحمل في يدها كوب القهوة. تبسمت "مريم" بسعادة أمام الكاميرا، ورفعت كوب القهوة لترتشفه، لكن توقفت بعد أن شعرت بغثيان من رائحة القهوة قرب أنفها، ولم تستطع تناول رشفة واحدة لتركض للمرحاض، ويتوقف الجميع عن التصوير بقلق. خرجت بعد أن استفرغت ما في معدتها كاملًا، لترى فتاة تمد لها مناديل ورقية. أخذتها "مريم" منها بلطف وخرجت لترى "عاشور" يقف أمامها،
فنظرت إليه بتوتر ثم قالت: -في إيه؟ أشار على الفتاة ثم قال: -ميرفت، الحارسة الشخصية الجديدة لحضرتك. نظرت "مريم" للفتاة ثم قالت بضيق: -أنا مكتفية بحسام، وأساسًا متقبلة وجوده معايا بالعافية، تقوم تجيب لي واحدة تانية. تنحنح "عاشور" بحرج شديد من كلماتها ورفضها ثم قال: -آسف لحضرتك، لكن دا أمر من جمال بيه، وأوعدك أن حضرتك مش هتحسي بأي ضغط من وجودهم. -خدها وامشي، وأنا هتكلم مع جمال.
قالتها بضيق شديد ثم سارت للأمام باختناق، ليسير خلفها قائلًا: -بعد إذنك يا مدام مريم. قاطعته "مريم" بضيق شديد يجتاحها، وهؤلاء يشعروها دومًا بعدم الراحة، كأنها مقيدة رغم أن قدميها حرتان. عينيهما تراقبها دومًا كأنها سجينة لديهما، هتفت قائلة: -قلت لك مشيها، فين جمال؟ -في الشركة. قالها "عاشور" بهدوء لتصعد بسيارتها غاضبة، وانطلق "حسام" بها إلى القصر بسبب خمول جسدها ودوران رأسها.
وصلت السيارة إلى القصر، فترجلت "مريم" من سيارتها بتعب، وصادفت "جميلة" تترجل من سيارة صديق لها عائدة من العمل. ذهبت إليها بقلق عندما رأت جسدها يهتز وخطواتها غير متزنة. مسكت "جميلة" يدها بلطف وقالت بقلق: -خير، مالك؟ شكلك تعبانة.. أخذت "مريم" نفسًا عميقًا بضيق شديد يقتلها من الداخل. رفعت نظرها إلى "جميلة" ثم قالت: -تعبانة، وهو أنا طول ما أخوكي ورايا هرتاح؟
دخلت "مريم" للداخل بضيق، رغم حبها إليه، لكنها أحيانًا تشعر بأنه يقيد حريتها ويراقبها كطفلة صغيرة، أو لا يثق بخطواتها. ربما ما زال بداخله جزءًا من خيانة زوجته الأولى، لذا يراقبها أكثر. هذه كانت الفكرة الوحيدة التي تقتل عقلها كليًا بداخلها. نظرت "جميلة" إلى "حسام" الذي يقف في الخلف بجوار السيارة، ثم أعطت يد "مريم" إلى "حنان" وعادت إليه ومدت يدها بوجه حاد عابس: -ممكن مفتاح عربيتي؟
تشابكت يديه الاثنين أمامه في هدوء وبطريقة رسمية قال دون أن ينظر إلى عينيها: -آسف، لكن معنديش أمر بدا. تأففت بضيق شديد من كلماته وأغلقت قبضتها بإحكام قبل أن تفقد أعصابها على هذا الرجل الذي يطيع أوامر أخاها بحزم كأنه إنسان آلي وقالت بشجن: -أمر بدا؟ يعني أنت ورئيسك مبسوطين وكل يوم حد من زملائي بيوصلني بسببكم. نظر "حسام" إلى سيارة هذا الشاب التي تغادر القصر بعيدًا، ثم أخرج ورقة من جيبه وكتب بها رقم هاتفه وقال بهدوء:
-دا رقمي، لو حضرتك بلغتيني بمواعيد رجوعك هتلاقيني في انتظارك ومحدش يوصلك. نظرت للورقة باشمئزاز ثم غادرت من أمامه دون أن تأخذ الرقم منه. دلفت للقصر بانفعال شديد وصوت تنهيداتها يخترق أذنه. تبسم على تصرفاتها وتذكر طفلته الصغيرة عندما تغضب منه، وذهب بعيدًا وحده واتصل بزوجته لكي يتحدث إلى طفلته، لكنه صُدم عندما وجدها رفضت الجواب عليه وأرسلت له رسالة بعد قليل تخبره بأنها غدًا سترفع قضية خلع إذا لم يطلقها اليوم.
_وصلت "سارة" إلى النادي الليلي باختناق وتتحدث في الهاتف بجدية: -يعني أنا مطلوب مني إيه دلوقت؟ أجابها "نادر" على الجهة الأخرى من الهاتف: -أنا عايز مفتاح شقة مختار. سألته بفضول شديد وتعجب لطلبه: -ليه؟ -يووه، أنتِ مش عايزاني أخلصك منه يبقى تساعديني. قالها بتذمر لتبتسم بجدية من قرب هدفها على التحقق ثم قالت: -هحاول لكن موعدكش. أغلقت الهاتف وبدأت تبحث عن ابنها في كل أرجاء المكان، أوقفت أحد العاملين بالمكان ثم قالت:
-مشوفتش حازم؟ أجابها النادل بهدوء قائلًا: -لا مشوفتوش. صعدت إلى مكتبها وحاولت الاتصال به كثيرًا لكن هاتفه مغلق وعقلها يكاد يتوقف من التفكير عاجزًا عن استيعاب الأمر وكيف لابنها العاجز السكير أن يحرر فتاة من قبضة رجل قوية كهذا وحده. تمتمت بقلق شديد: -معقول مختار يكون ساعده.. قاطعها صوت "مختار" الذي دخل المكتب على سهو دون سابق إنذار يقول: -هو مين اللي أنا ساعدته؟ رفعت نظرها إلى "مختار" ببسمة مزيفة وليونة مفرطة ثم قالت:
-لا مفيش.. لا في حازم مش عارفة أوصله. جلس على الأريكة ببرود شديد من حديثها ثم قال: -داهية تاخده، أنا مش عارف أنتِ خلفتيه ليه، ما أنتِ كنتِ حلوة وزي القشطة لوحدك ناقصك هم العيال. تذكرت "سارة" ماضيها وما فعله هو و"ليلى" بها بعد أن حرموها من الإنجاب تمامًا، لكنها حاولت كبح غضبها أكثر بداخلها ووقفت من مقعدها بدلال مصطنع وسارت بخطواتها نحوه بينما تهتف بدلال: -كنت حلوة يعني دلوقت مش حلوة؟
رفع "مختار" نظره بها أكثر ليراها تسير نحوه بليونة مفرطة، ولين خطواتها يسقط على عقله ويأسر عينيه بفستانها الفضي القصير الذي يصل لأعلى ركبتيها وبأكمام، رغم أنه مفتوح من الصدر على هيئة قلب، وحذاء أزرق بكعب عالٍ، وشعرها مرفوع على الجانب الأيسر، حتى وصلت أمامه وجلست على قدميه ليقول: -ولسه حلوة، مفيش في حلاوتك اثنين، عمليات التجميل مخلتش، لازم نديها جائزة نوبل دكاترة التجميل اللي خلوكي أصغر من مريم نفسها.
قهقهت ضاحكة بصوت مرتفع لتشعر بيديه تحيط بخصرها النحيل فتبسمت بخبث وتذكرت طلب "نادر" منها لتبتسم أكثر بمكر شيطانية داخل رأس هذه المرأة الجميلة. رفعت يديها تتسلل إلى رأسه وتتغلغل أصابعها النحيلة إلى خصلات شعره وجذبته بقوة من شعره إليها وقالت: -تحب أوريك دكاترة التجميل عملوا إيه تاني؟ نظر إلى جسدها بشهوانية وتبسم بينما يمرر لسانه على شفتيه، فابتسمت "سارة" ثم وقفت من مكانها وجذبته من رابطة عنقه وانطلقا
من المكان وهي تقول: -تعالي يا حياتي.. _"قصر جمال المصري"
عاد "جمال" بنهاية اليوم من العمل بعد أن أخبره "عاشور" برفض "مريم" للحارسة الشخصية وغضبها. نظر إلى زوجته التي تتابع قناتها على اليوتيوب في اللابتوب الخاص بها بتركيز شديد، وغضبها واضح بملامحها وعبوسها، رغم عدم وجوده لكن الغضب يحتلها وجعل عقلها كأرض محتلة تحت سلطته. شعرت بحضوره لكنها لم تنظر إليه ولم تتفوه بكلمة، وأيضًا هو لم يلقِ حتى ترحيب ودلف إلى المرحاض وبدل ملابسه بعد الاستحمام وجلس على المقعد المقابل
للأريكة وقال بجدية: -اتكلمي بدل ما تطقي. أخرجت زفيرًا قويًا من أنفها ثم أغلقت اللابتوب ونظرت إليه ببرود شديد وقالت بحزم: -هو حسام مبينقلكش أخباري كويس عشان تجيب لي حد تاني؟ نظر "جمال" إلى عنفها رغم هدوئها لكنها مشتعلة من الداخل كالبركان فهو خير الناس معرفة بزوجته التي تربت على يديه واكتسبت من قوته الكثير وقال: -ومين قال أن حسام بيراقبك؟ وقفت من مكانها بانفعال وسارت في الغرفة بعيدًا عنها تضحك بسخرية على كلمته وقالت:
-مين قال لي؟ أنت مش واخد بالك ولا إيه؟ أنت جاي من برا وأنت عارف أني غضبانة ومتضايقة منك، يا ترى عرفت منين لو البهوات اللي ممشيهم ورايا قالوا لك.. وقف "جمال" من مكانه بعد أن تنحنح بهدوء مدركًا غضبها، لطالما كان يعرف بأنها لا تعشق شيء قدر حريتها ولا تكره شيئًا كتقييدها ومراقبتها. وضع يديه في جيب بنطلونه القطني الأزرق وقال: -مريم أنا مبراقبكيش أنا.. -أنت بتشك فيا؟
سألته بغيظ شديد فاتسعت عينيه على مصراعيها من سؤالها وكيف تتهمه بشيء كهذا ليسير نحوها وقال ساخرًا منها: -قلتي إيه؟ بشك! مريم أنا شكيت فيكِ، ولو واحد في المية هطلقك أو أقتلك أيهما أقرب، لأني مش هعاني تاني ولا هستنى لما أتأكد من شكي ويبقى خيانة. خرجت منها شهقة ساخرة وقالت بعناد وعينيها تحدق بعينيه: تطلقني أو تقتلني؟ ليه عشان شايفني ممكن أكون ليلى التانية وأخونك؟ لدرجة دي أنت مش واثق فيا ولا مصدق حبي لك؟
تفتكر يا جمال أنا لو عايزة أخونك مش هعرف ولا أخاف من اللي ممشيهم ورايا؟ قاطعها غضبه عندما تفوهت بجملتها الأخيرة التي أشعلت نيران غضبه، ليمسك ذراعها بقوة وجذبها إليه في حركة سريعة حتى انتفض جسدها من محله وارتطمت بصدره القوي وعينيه تحدق في عينيها بعد أن تحولت للأحمر الشديد من الغضب الذي يجتاحه وعقله لا يستوعب كيف ستخونه أو كيف تفكر في الحديث عن ماضيه بهذه السهولة وقال:
جربي تنطقيها مرة تانية يا مريم ومتلومنيش على اللي هعمله، مش هقولك جربي تعملها... لا، جربي تقولها حتى من باب السخرية أو التهديد ومتلومنيش. دفعها بقوة بعيدًا عنه ليرتطم جسدها بالحائط وشعرت بدوران في رأسها من دفعته القوية لجسدها، بينما تابع "جمال" حديثه بغضب سافر:
أوعي تستغلي حبي ليكي ولا تفكري أني ضعيف قصادك عشان بحبك، أنا جمال المصري لو نسيتي أحب أفكرك، ومتنسيش يا مريم أني مسكت نفسي عن ضربك مرتين قبل كده، بلاش تفقدني أعصابي لأن المرة الجاية مش هضمن لك أني أتحكم في غضبي.
سار نحو باب غرفة المعيشة وفتح الباب الجرار، بينما "مريم" تقف محلها تحاول تنظيم أنفاسها لتسيطر على دوران رأسها وقشعريرة جسدها الباردة التي أصابتها. توقف "جمال" قبل أن يخرج من الغرفة وقال بجدية حازمًا أمره على تصحيح تفكيرها حتى وإن كان غاضبًا: ولعلمك أنا لو بعمل كده أنا بعمل كده لحمايتك وعشان بخاف عليكي وبحبك ومقدرش أتخيل أن ممكن يحصلك أذى، لكن لا براقبك ولا بشك فيكِ يا حرمي المصون.
خرج من الغرفة وأغلق الباب بقوة معبرًا عن غضبه منها واستهانتها بالحديث عن ماضيه المؤلم وذكر اسم "ليلى" أمامه كأنها تذكره بهذه الليلة التي تعرض للخيانة بها من زوجته وأخيه وجاءته الطعنة من أقرب الأقربين. جلست "مريم" على الفراش بتعب في جسدها ثم تناولت القليل من الماء ووضعت الكوب على الكمودينو. فتحت الدرج وأخذت قطعة من الحلوى المحلى ووضعتها في فمها قليلًا وكلماته الأخيرة تضرب أذنيها وعقلها ووخزات قلبها تقتلها من الداخل.
وقع "حسام" على أوراق الطلاق وطلب رؤية ابنته قبل أن يغادر لكن رفضت زوجته، وحتى لا يفتعل شجارًا معها غادر في هدوء بعد إلحاح والد زوجته. عاد للقصر وكان مهمومًا وغاضبًا مما حدث، لم يدوم زواجه لخمسة سنوات وابنته ذات الأربعة سنوات ستدفع الآن ثمن اختياراته هو وطليقته. جلس في الحديقة ينفث دخان سيجارته فجاء "عاشور" إليه وقال بهدوء بعد أن جلس جواره: أنت بتدخن؟
هز "حسام" رأسه بلا، ونظر "عاشور" بخمول كأنه لا يملك طاقة لفعل أي شيء ولا حتى الحديث فاكتفى بهز رأسه. ربت "عاشور" على قدمه بلطف ثم قال ببسمة متفائلة: ولا يهمك، الكل يتعدل ويحلوي ومتشلش هم بنتك. أومأ "حسام" إليه بنعم ثم نظر الاثنان للأمام وكانت "جميلة" جالسة هناك تلعب مع جروها الأسود من سلسلة الروت وايلر ومعها المدرب الذي يساعدها في تربية كلبها الصغير وتدريبها على التعامل معه. أشار "عاشور" إليه على هذا الكلب وقال:
حتى الكلاب بتتأقلم وتتعود، عذرًا في الكلمة بس بنتك هتتعود وتتأقلم على الوضع ده بس المهم تفضل على صلة بها ومتختفيش من حياتها. أومأ "حسام" إليه بنعم ليذهب "عاشور" من جواره بعد أن أعطاه كوب من القهوة الساخنة فظل "حسام" يراقب هذا الجرو الصغير. فتحت "مريم" باب الغرفة الجرار ليطفئ "جمال" سيجارته سريعًا لأجل حساسيتها ومرضها الصدري. جلست جواره وهو ينظر في الهاتف ويشعل خاصية تنقية الهواء فقالت "مريم" بهدوء:
مش أفضل تسيبه على الأقل تعاقبني. لم ينظر إليها وتنهد بهدوء شديد محاولًا التخلص من ذكرياته التي ضربت عقله بعد حديثها تنبش في الماضي وتعبث به ثم قال: أنا لو عايز أعاقبك مش هعاقبك بالمرض والتعب، بس أنتِ... مسكت وجهه لتدير رأسها إليه حتى ينظر إليها ويكفي عن التهرب من مقابلة عينيها وقالت بعد أن تلاقت أعينها: بس أنا إيه؟ مهونش عليك؟ حدق بها بهدوء صامتًا فقالت بندم شديد يجتاحها بسبب فعلتها وذكر الماضي في شجارها معه:
أنا آسفة مكنش قصدي بس كنت متعصبة من الصبح وعمالة أفكر في سبب لتصرفاتك، أنت أكتر واحد عارف أنا بكره قد إيه التقييد وأن أفضل حاسة طول الوقت أن عليا عيون كأني متراقبة، بفضل متوترة ومرتبكة حتى لو العيون دي مش شر ولا كارهني، متزعلش مني أنا اليومين دول عصبية زيادة وخلقي في مناخيري، أنا آسفة. أبعد يدها عنه وأنزلهما للأسفل ثم تركهما تمامًا وقال بجدية:
مريم أنا متفهم أن مسئولية الجواز وشغلك اللي في بدايته ومحتاج مجهود كبير منك والمشكلة اللي حصلت وفصلك من القناة وأن كل مأثر عليكي ومحسسك أنك مضغوطة لكن أرجوكِ تفهمي أنتِ كمان وضعي، أنا شايل جبال فوق كتافي من غير ذكر أي حاجة منهم لكن تأكدي أني آخر حاجة ممكن أكون محتاجها لما أرجع بعد ساعات ويوم طويل يكاد يكون 16 ساعة برا البيت في ضغط هي أني أتخانق معاكي أو أشوفك مضايقة، أنا بستنى اللحظة اللي أرجع أرتمي فيها في حضنك وأشوف ضحكتك عشان أقدر أصحى الصبح أكمل في نفس الدايرة.
أومأت إليه بنعم وتفهم ثم فتحت ذراعيها على مصراعيهما أمامه وقالت ببسمة مشرقة تنير وجهها وتمتص كل غضبه: أتفضل، تعالى. تنهد "جمال" بهدوء ثم جذبها إليه يضمها بقوة حتى أوشك على اعتصار عظامها بين ذراعيه يستنشق عبيرها ورائحة شعرها بهيام على عكس "مريم" التي دفعته بعيدًا بضيق من رائحة الشامبو الذي تحمم به وتفوح منه رائحة الياسمين ووضعت يدها على فمها وأنفها وقالت: إيه ده؟
لم تكمل كلماتها وركضت للمرحاض بالغرفة الأخرى تستفرغ كل ما بأحشائها. تعجب "جمال" من تصرفها ثم حاول يستنشق رائحته بقلق من أن يكن به رائحة سيئة لكن لم يجد شيء. ذهب خلفها بقلق عليها وقال: أنتِ كويسة؟ اتكأت على ذراعيه بعد أن خرجت بتعب لكن ما زالت الرائحة به فقالت باشمئزاز بعد أن ابتعدت عنه: جمال أنت رائحتك عاملة كده ليه؟ روح استحم أو رش أي اسبري... أنا مش قادرة.
تعجب من تصرفها كثيرًا وبدل ملابسه سريعًا، رغم أنه لم يفهم شيئًا ولم يشم به رائحة سيئة. تسللت "سارة" صباحًا من الفراش وأخذت سترة "مختار" معها وهربت من الغرفة على أطراف أصابعها وبحثت بداخل الجيوب حتى وجدت المفتاح الخاص بالشقة وهو عبارة عن بطاقة لتدرك أن "مختار" يضع باب إلكتروني بكلمة سر فتأففت بضيق لفشل خطتها وقررت أن تذهب اليوم إلى شقته عوضًا عن شقتها بحجة قضاء الليلة معه حتى تراه وهو يكتب كلمة السر أمامها.
أتاها صوت "مختار" من الداخل يناديها فألقت بالسترة بعيدًا واصطنعت الوقوف أمام البار. خرج "مختار" بسعادة حتى وصل إليها وقبل عنقها بسعادة وإثارة ثم قال: مش أنا بعت الهدية على النيابة.. تفتكري هديتي هتعجب جمال؟ تحمست بسعادة والتفتت إليه بفرحة تغمرها ثم قالت: -بجد أحلف؟ نظر إلى جسدها الشبه عاري بقميص نومها الشفاف الذي يظهر ملابسها الداخلية من أسفله وقصير جدًّا ثم قال مجيبًا عليها بنبرة ناعمة مثيرة ويديه تلمس قدميها
حتى وصلت إلى خصرها بإغراء: -وشرفك... لا بلاش شرفك وجمالك اللي مفيش منه اتنين. عانقته بحب وبدأت تقبل عنقه ويديها تتسلل أسفل ذراعيه بسعادة لتحقيق رغبتها.
ركضت "إيلا" بحماس في السياج مع الكثير من الخيل داخل هذا السباق، وعلى ظهرها "مريم" التي تشعر بالحرية وصعودها على "إيلا" في المسابقات يخفف من ضغطها وتوترها الذي تعيش به هذه الأيام، ويزيدها حماسًا من أجل الفوز. فـ "إيلا" كفيلة بأن تمتص منها كل طاقة سلبية وتشعر بالحماس والحرية التي تريدها. شعرت "مريم" بدوران من جديد بسبب سرعة "إيلا" والحلقات الدائرية التي تركض بها. بدأت "إيلا" في القفز فوق الحواجز الحديدية لكي تصل لخط
النهاية. لم تتحمل "مريم" الدوران أكثر فجذبت شعر "إيلا" في يدها حتى تتوقف وبدأت عينيها في الإغلاق وجسدها يهزمها، لكن "إيلا" لم تتوقف بل فهمت إشارتها خطأ وزادت من سرعتها معتقدة بأن "مريم" تتشبث بها جيدًا لتعطيها تصريحًا بالركض أسرع من أجل الفوز. سقطت "مريم" من فوق ظهرها أرضًا فاقدة للوعي ليهرع إليها "حسام" وتوقفت "إيلا" بصدمة بعد اجتيازها لخط النهاية وتحقيقها الفوز رغم سقوط "مريم".
أخذها "حسام" للمستشفى بخوف شديد واتصل بـ "جمال" لكن هاتفه كان مغلقًا ليتصل بـ "عاشور" حارسه الشخصي الذي يلازمه دومًا وأخبره بمرض "مريم"، ولسوء حظ "مريم" كان "عاشور" بالخارج لكنه قال بجدية: -أنا هطلع على الشركة على طول، عينيك متفارقش المدام نهائيًا لحد ما أجيلك أو أبلغك بأمر جمال بيه.
أومأ "حسام" له بنعم ونظر إلى الغرفة التي بها "مريم" بقلق حتى خرج الطبيب وأخبره أنها بخير ويمكنها المغادرة. تعجب لصمت الطبيب وعدم تفوهه بشيء حتى إنه لم يخبره ما حدث لها فعاد بها للقصر سريعًا ولا يعرف ماذا سيقول إلى "جمال" أو ماذا أصاب زوجته فنظر إلى ساعة يده وكانت السابعة مساءً وبكل الأحوال اقترب موعد عودته حتى لو لم يخبره "عاشور".
اتصلت "مريم" كثيرًا لكنه لم يجب فظلت بفراشها صامتة تنتظره حتى جاء إليها بعد ساعة ونصف تقريبًا من الانتظار. دخل "جمال" إلى غرفته ليلًا بعد يوم طويل في العمل واتصالات أكثر منها. رآها تنتظره في فراشها وتنظر في هاتفها بسعادة تغمرها وبسمة لا تزول من فوق شفتيها وعينيها تلمعان ببريق جديد عليه، ليس حبًا أو فرحًا، شعور جديد يجتاحها فقال بقلق بعد أن جلس أمامها: -أنتِ كويسة؟ قالولي على اللي حصل؟ في حاجة بتوجعك؟
تبسمت "مريم" بحب يغمرها وتركت الهاتف من يدها ثم نظرت إليه بسعادة وشيء جديد بنظرة مختلفة كليًا عن السابق لم يعهدها من قبل. سألته بدلال ونبرة ناعمة: -أنت قولتلي كنت عايز بنت ولا ولد؟ رفع حاجبه باستغراب لسؤالها وحدق بعينيها مطولًا في صمت حتى يفهم ما يحدث مع هذه المرأة التي تبتسم بلا توقف رغم حادثتها وتكاد تقفز من فراشها عوضًا عن بكائها. تعجبت إلى صمته فزادت بسمتها أكثر على شفتيها وهتفت بلطف: -بنت!
حاول استيعاب بسمتها التي تغمرها ومشاعرها التي تحتلها حتى اتسعت عينيه على مصراعيها فجأة بدهشة ألجمته ثم قال بذهول: -أنتِ حامل؟! أومأت إليه بنعم بحماس شديد ثم رفعت هاتفها أمام عينيه ليرى صورة لأشعة التقطتها إلى طفلها الذي يشبه النطفة في رحمها في أسبوعها الخامس وقالت بحيوية: -آه حامل، شوفته صغنن إزاي يا روحي عليه. لم ترَ بسمة على وجهه بل رأت القلق والخوف وشيء آخر لا تعرف ماهيته فسألته بهدوء وخوف: -مالك يا جمال؟
أنت مش فرحان؟ تنحنح بهدوء شديد ثم رفع يده إلى وجهها بلطف وحدق بعينيها ليرى فرحتها على وشك الانطفاء من رد فعله ليقول بجدية: -فرحان ونفسي في بنت شبهك أنا مغيرتش كلامي بس.. صمت لتتابع "مريم" حديثه بعد استيعاب سبب فعلته وتجمد وجهه الذي يخبرها بأنه تلقى صدمة وليس فرحة وهدية من الرب: -بس.. بس إيه؟ كمل أنت مش عايز تخلف؟ هز رأسه بلا ثم قال بذعر بعد أن رأى فرحتها قتلت أمامه بسبب بروده:
-لا عايزاه والله يحميكم ليا لكن مريم أنا مش مستعد دلوقت.. دفعت يده بعيدًا عنها بسخرية واتسعت عينيها على مصراعيها وفتحت فمها بصدمة ألجمتها للتو من كلماته ثم قالت بتحذير شديد وغضب سافر: -مش مستعد... وأهو حصل أنا محملتش لوحدي ومتفكرش تطلب مني أنزله. أخذ يديها في قبضته بحنان ونظر إليها بحب شديد ثم قال بنبرة هادئة:
-لا، مستحيل أقتل روح وأنزله ليه وأنا عايزاه وبحبك. ده حتة مني ومنك وبذرة حبنا ونعمة ربنا كرمنا بيها غيرنا بيتمنى ضفرها. مستحيل أفكر أو أطلب منك ده. تنهدت بضيق شديد لا تفهم شيئًا مما يحدث ثم قالت: -أنا مش فاهمة حاجة منك. سألها بقلق شديد من هذا الخبر الذي سيدمر كل شيء وسيجعل أعدائه وأولهم أخاه يفكرون في أذيتها: -مين غيري يعرف بالحمل ده؟ -محدش حتى حسام أنا طلبت من الدكتور والممرضة ميقولوش حاجة ليه؟
كنت عايزاك أول واحد تعرف. تبسم بسعادة قصوى الآن كأنها أخبرته للتو بحملها وليس من قليل ومسح على رأسها بحب شديد ثم قال بتحذير: -مريم، أنا ليا طلب عندك وبالله عليكي متعارضنيش ومتسألنيش ليه؟ نظرت إليه بصمت منتظرة أن تعرف ما طلبه منها الذي يترجاها باستماتة هكذا لفعله دون معارضة فتابع "جمال": -محدش يعرف أنك حامل ولا حتى أمي ولا حنان مفيش جنس مخلوق خلقه ربنا يعرف ولا حتى وأنتِ بتتكلمي مع إيلا...
شوفي إيلا نفسها اللي هي حصان متعرفش. تعجبت كثيرًا من هذا الطلب واستماتة زوجها لهذا الشيء وهذا الخوف الذي تراه بداخل عينيه ويحمله في طلبه كادت أن تسأله عن السبب ليقول: -أومأت إليه بنعم ثم قالت بهدوء: -حاضر لكن ده حمل مش هيستخبى كتير كلها شهرين تلاتة وبطني... هتكبر أنا في أسبوعي الأول في الشهر الثاني. هز رأسه لها بنعم كأنه يفهم هذا الشيء لتومئ إليه بنعم مطيعة لأمره فتبسم بلطف ثم قبل جبينها بحنان.
قاطع حديثهم صوت طرقات الباب بهلع شديد ليفتح "جمال" الباب وكانت "حنان" فسألها بقلق: -في إيه؟ نظرت إليه بقلق لتخبره بأن هناك من ينتظروا بالأسفل. ترجل للأسفل وكان مقدم من الشرطة يقف قرب باب القصر فنظر "جمال" إليه بهدوء ثم قال: -أفندم؟ تحدث المقدم بنبرة خشنة قوية لا يهاب هذا الرجل ولا مكانته أو سلطته قائلًا: -أستاذ جمال حضرتك رهن الاعتقال بتهمة قتل زوجتك المدعوة ليلى قاسم البنهاوي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!